مشهديّة المستقبل: ملاحظات حول المادّة البصرية

السيرة: 

فنّانة بصرية وعاملة في الحقل الثقافي، تقيم بين بيتسبرغ (الولايات المتحدة الأميركية) ولندن (المملكة المتحدة). ترتكز ممارستها الفنّية على بناء العوالم (Worldbuilding) بوصفه عملية إبداعية ونقدية في آن، حيث تُفهم الممارسة التشكيلية والتقنيات الغامرة (Immersive Technologies) بوصفها بوّابات إلى عوالم أخرى. وانطلاقًا من قناعة مفادها أنّ عالمنا قد صُمِّم في خدمة العنف الإمبريالي، تعمل السرّاج على تشييد عوالم حياتية جديدة متجذّرة في الأرض والروح والأنساب. تعمل السرّاج حاليًا باستخدام محرّكات الألعاب (Game Engines)، وتولي اهتمامًا خاصًا بإعادة توظيف تقنيات المحاكاة العسكرية (Military Simulation Technologies) من أجل بناء عوالم غير قابلة للاستعمار، مستلهمةً ذلك من أنظمة المعرفة المنبثقة عن الغالبية العالمية (Global Majority Knowledge Systems)، إلى جانب مقاربات نابعة من الفكر الكمّي الناشئ (Emerging Quantum Thought).

تتغذّى ممارستها الإبداعية من خبرتها في العمل مع مؤسسات ومبادرات مثل Forensic Architecture ،Inclusive Mosque Initiative ،Healing Justice London. وقد عُرضت أعمالها في المملكة المتحدة وعلى الصعيد الدولي. كما تتعاون بشكل متكرّر مع مكتبة الميكاترونيك، وهي جماعة من صانعات وصنّاع العوالم والفنّانين الغامرين ذوي التوجّه النسوي التقاطعي. افتتحت معرضها الفردي الأول في غاليري Two Queens عام 2024، وجال لاحقًا في ميموزا هاوس، والمتحف العالمي، وفضاء لونغسايت الفني. كما قدّمت أعمالها ومحاضراتها في المركز الوطني للفضاء في المملكة المتحدة وفي المتحف العالمي. وقد اختيرت ضمن القائمة النهائية لجائزة سيركا لعام 2025. وتتابع السرّاج حاليًا دراستها لنيل درجة الماجستير في الفنون الجميلة في جامعة كارنيغي ميلون.

اقتباس: 
سارة السرّاج. "مشهديّة المستقبل: ملاحظات حول المادّة البصرية". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 11 عدد 3 (15 كانون الأول/ديسمبر 2025): ص. 2-2. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 01 كانون الثاني/يناير 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/what-does-future-look.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

seed_website_sarah_ar.png

ترتفع يدان في الهواء، تمسكان بمقلاعٍ صُنع من زوجٍ قديم من الأصفاد. ومع شدّ المطّاط إلى أقصاه، نرى عشرات البذور الملوّنة بألوانٍ زاهية، معلّقة في الفضاء.

قبل ثلاثة أعوام، أمعنتُ طويلًا في التفكير بالتصميم البصري لهذا العدد. وكلّما تباعدَت المواعيد النهائية، ازداد تعثّري في العثور على رمزياتٍ جمالية يمكنها أن تحمل مخيالاً مستقبلياً ينصف تحرّر المضطهدين عالميًا. فالمستقبل، كما يُرى عادةً، مشغولٌ بصريًا بمنطق التقدّم الاستعماري. كيف لنا تمثيل مستقبلٍ كويري، في زمنٍ تمثّل جماليات الكويرية السائدة امتدادًا لليبراليةٍ عنيفة؟ بدت لي المهمّة محفوفة بالتناقضات.

تساءلتُ عمّا إذا كان من الممكن تصوير مستقبلٍ يحمل قيَمًا راديكالية، في ظلّ الصعوبات التي يواجهها سؤال الرمزية التمثيلية، وما يطبع عصرنا النيوليبرالي من مَيلٍ لاستيعاب الجماليات التي كانت ثورية يومًا فقط ليجري تفريغها من معناها. أين الخطّ الفاصل بين يوتوبيا سولاربانك (Solarpunk) وحملة تسويقية خضراء مزيّفة تروّجها الشركات؟

يُذكّرني هذا بالحيثيات التي ينظر علماء اللاهوت الإسلامي على أساسها للصور الرمزية التمثيلية باعتبارها شكلًا من أشكال الشرك. في التصوّف والسريالية، يكتب أدونيس أنّ "الصورة هي انعكاس، بشكل أو بآخر، لواقعٍ له وجود سابق. إنها محاكاة" (2016:243-248). والجذر اللاتيني لكلمة "صورة" هو imago، ويعني "الشبه" أو "النسخة".

يسند كثير من الناس مهمّة التفكير بالمستقبل إلى الخيال، والخيال بدوره ينحدر من الجذر نفسه، imago. يكتب روبين دي. جي. كيلي في كتابه Freedom Dreams: The Black Radical Imagination (أحلام الحرية: الخيال الراديكالي الأسود) أنّه: "دون رؤىً جديدة، لن ندرك ما ينبغي أن نخلقه، بل ما علينا هدمه فقط". ويبدو هذا منطقيًا – فإذا أردنا أن نتجنّب إعادة إنتاج الظروف العنيفة للحاضر، علينا أن نُفعّل قدرتنا على التفكير بما يتجاوز هذا الحاضر.

ولكن كيف يمكننا القيام بذلك، في حين أنّ خيالنا محدود بكلّ ما نعرفه، وما رأيناه، وما اختبرناه؟ أسأل هذا بصفتي شخصًا وُلد ونشأ في قلب الإمبراطورية، نواة القوة الاستعمارية ومهد العنصرية البنيوية: المملكة المتحدة. إنّ الاقتباس الشهير لفريدريك جيمسون، الذي أعاد صياغته مارك فيشر قائلاً: "أسهل لنا أن نتخيّل نهاية العالم من أن نتخيّل نهاية الرأسمالية"، يعدّ شهادة على أهمية هذه المهمّة.

قبل عامين، كنتُ أزور مدينة بابل مع عائلتي. ذهبنا إلى قصر صدّام حسين القديم، وكان الداخل منهوبًا وخاليًا، والجدران المزخرفة مغطاة بالكتابات الجدارية. كنت لا أزال أمعن التفكير في الجانب البصري لهذا العدد. أخرجت هاتفي وكتبت: "الشعب، بعد أن فكّك القصر، يجمع الطوب ليبني منازله". وعندما عدت إلى المملكة المتحدة، كتبتُ عبارة "البرلمان في أنقاضه" في برنامج توليد الصور بالذكاء الاصطناعي Midjourney. ولم يكن من المستغرب أن يفشل البرنامج في تلبية طلبي، ربما بسبب التحيّز الخوارزمي وغياب أي بيانات بصرية موجودة. وبهذا، تركت لخيالي مهمّة ملء الفراغ.

 

al-sarraj_1_ar.png

قصر صدّام حسين السابق. تصوير شخصي، 2023.

كثيرًا ما تصوّر الروايات وأفلام الخيال العلمي السائدة المستقبل باعتباره امتدادًا للهيمنة الاستعمارية الغربية. فقد صيغت استراتيجيات مكافحة الإرهاب مستلهمة من أفلام الخيال العلمي الشهيرة، مثل Minority Report، حيث استخدمت الشرطة تقنياتٍ نفسية لاعتقال المواطنين قبل ارتكابهم أي جريمة.

 

al-sarraj_2_ar.jpg

هل نسميها كيسًا بلاستيكيًا؟*

على عكس مفهوم المستقبل كوجهة غائية، يمكننا أن نفهم الزمن كسلسلة من الدورات، تمامًا كما هو الحال في العالم الطبيعي. لحظات تحمل نوافذ تطلّ على عوالم بديلة.

 

al-sarraj_3_ar.png

تشيبومبا كاندا ماتولو، "30 حزيران 1960، زائير مستقلّ"، نحو 1970–1973، أكريليك على كيس دقيق. متحف فيرجينيا للفنون الجميلة، ريتشموند © إرث تشيبومبا كاندا ماتولو.
تصوّر هذه اللوحة خطاب رئيس الوزراء الكونغولي الأول، باتريس لومومبا، عشية الاستقلال في ردّه على تحذير الملك البلجيكي بعدم "العبث بالمستقبل عبر إصلاحات متسرّعة"، وبّخ لومومبا الملك، مذكّراً بصراحة بالعنف الذي تعرّض له الشعب الكونغولي تحت الحكم الاستعماري البلجيكي.

إنّ مفاهيم التقدّم ذاتها، التي شكّلت العمود الفقري لخطاب الاستعمار الاستيطاني، والتي تعِد اليوم بدفع عالمنا نحو هاويةٍ رأسمالية مدمّرة للبيئة، قد صوّرت أهل الأرض الأصليين على أنّهم متخلّفون وعالقون بالماضي.

يستخلص الباحث والبيئي الفلسطيني عمر تسدال دروسًا من التاريخ الزراعي، مؤكدًا أن البذور والجذور تمثّل إرثًا تاريخيًا وإمكانات مستقبلية في الوقت نفسه. ومن خلال التأكيد على أهمية المعرفة المتوارثة، يقدّم مفهومه عن الزراعة البيئية الباقية (remnant agroecology) لبيان كيف تتعاقب الثقافات وتترك آثارًا قابلة للاستفادة لاحقًا. ونظرًا لاستحالة التنبّؤ بما سيكتسب قيمةً عملية أو اهتماماً في المستقبل، تصبح الأرشفة أمرًا ضروريًا. يشرف تسدال على تحرير منصة "براري"،1 وهي فضاءٌ رقمي يوثّق النباتات في فلسطين وبلاد الشام. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار كلٍّ من البذرة والأرشيف تقنيات معرفية موجهة نحو المستقبل.

تنطوي المعرفة المتوارثة على بعدٍ بنيوي مرتبطٍ بالبقاء والاستمرارية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة أعمال سليمان منصور، المشبعة برموز الهوية الثقافية الفلسطينية والتحرّر، بوصفها اشتغالًا بصريًا يتجاوز منطق الاستعادة التراثية، ليُنتج أفقًا بصريًا موجّهًا نحو المستقبل.

 

al-sarraj_4_ar.png

سليمان منصور ©، "أنغام الصحراء"، 1977.

في عملها المعنون "الوجهة المتشظيّة" (2020)، تقدّم سارونا أبو عكر مسألة العودة في الفينومينولوجيا على أنها بمثابة تجربة بطبيعتها. فالذهاب أو الرجوع ليسا إلا توطئة لفكرة كيفية الوصول". منذ أكتوبر 2023، اتجه العديد من الفلسطينيين إلى إضفاء بُعدٍ كويري على مسألة العودة من خلال الدراسات الظواهرية (الفينومينولوجيا). وفي عمله بعنوان "مبدأ العودة" (2024)، يرى آدم حاج يحيى أن "العودة تولّد إمكانات، وتُحدث تصدّعًا في البنية التي تسيطر على خيالنا وحياتنا، فالعودة هي مدخل للمستقبل بوصفه زمانًا حرًّا لا متناهٍ".

 

al-sarraj_5_ar.png

شادي الزقزوق، "التطوّر تحت الأرض"، 2015.

شهدت المملكة المتحدة خلال العامين الماضيين تحرّكات سياسية غير مسبوقة. شهدنا جماعات Palestine Action تغلق شركات أسلحة إسرائيلية، وأدّى تجريم أنشطتهم من قبل القانون البريطاني إلى اعتقالات جماعية في صفوف المناهضين لتواطؤ السلطات البريطانية مع آلة الإبادة الصهيونية في فلسطين.

 

al-sarraj_6_ar.png

جوناثان ي. إيدن، لصالح Disabled And Here، "ليلة جماعية للنوم"، 2021.
Disabled And Here هو مشروع يُدار بواسطة أشخاص من ذوي الإعاقة، يقدّم مجموعة من الصور المخزنية وسلسلة مقابلات، ويهدف إلى تسليط الضوء والاحتفاء بالأشخاص ذوي الإعاقة من السود والسكان الأصليين والأشخاص الملونين (BIPOC). https://affecttheverb.com/disabledandhere/ 

العودة إذن ليست حدثًا مستقبليًا متوقّعًا ولا نقطة انطلاق بحدّ ذاتها، بل هي "ركيزةٌ للإنتاج الجمالي الذي يتكون كانعكاس لظروف المنفى" (أبوعكر، 2020). كما أنّ العودة تُعدّ عملية تحدث في الحاضر، تهدف إلى تمكين المستقبل من الوجود (حاج يحيى، 2024). بناءً عليه، يمكن تعريف مفهوم التصوّر الاستباقي على أنّه فعلٌ يُحيي عن قصد وإرادة المستقبل الموعود في الحاضر قبل أن يتجلّى، وفي هذا الفعل تتبلور إحدى ممارسات صقل معالم المستقبل وصناعته.

في نسخةٍ سابقة من هذا النصّ، كتبت:

"إذا أردنا أن نجعل من هذا المكان الجديد موطنًا لنا، فعلينا أن نؤسّس له نماذج دعمٍ لا تتماهى مع البنى السياسية التي تحكم حياتنا وتقيّدها: بنى الفصل العنصري، الرأسمالية، تفوّق العرق الأبيض، الاقتصادات المعّقدة، المؤسسات السجنية، والعنف البيئي. نحتاج إلى مطبخٍ وفراش وحديقة، إلى شخص يطبخ لنا، وإلى تنظيم المال وأسلافه، وإلى أريكتك التي تحتضننا، وإلى مأذونيةٍ بالغياب بحجّة تدهور صحّتنا، بينما نقف هناك، مباشرةً أمام مركز الشرطة. كما نحتاج إلى علاقاتٍ إنسانية تغذّي صمودنا، تقوم مسؤولياتنا فيها على أسسٍ مبدئية، لا مجرّد ودّية عابرة، رغم أن العلاقات الودّية وروح الدعابة المشتركة تظلّ أداةً تساعدنا على المضي قدمًا في هذا الطريق. نحتاج أيضًا إلى أشخاص ٍيمتلكون وقتًا كافيًا ليقرأوا قانون حرية المعلومات."

بينما نشهد استمرار القتل الجماعي ومحو مختلف أشكال الحياة والمعارف والمعتقدات، نتدارك أن المستقبل التحررّي الكويري الموعود يستوجب شرخًا في جسد الحاضر، أو ما تسميه أرونداتي روي في وصفها لجائحة كوفيد-19 "بوابة": فرصة للانفصال عن الماضي وإعادة تخيّل العالم من جديد (2020).

 

ملحوظات: 
المراجع: 

Abuaker, Sarona. 2020. “Suture Fragmentations – A Note on Return.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, 6(3). https://kohljournal.press/suture-fragmentations 

Adonis. 2016. Sufism and Surrealism. London: Saqi Books.

HajYahia, Adam. 2024. “The Principle of Return: The repressed ruptures of Zionist time.” Parapraxis Magazine. https://www.parapraxismagazine.com/articles/the-principle-of-return 

Kelley, Robin D.G. 2003. Freedom Dreams: The Black Radical Imagination. Boston: Beacon Press.

Roy, Arundhati. 2020, Apr 3. “The Pandemic is a Portal.” Financial Times. https://www.ft.com/content/10d8f5e8-74eb-11ea-95fe-fcd274e920ca