"لا بدّ أن تؤمن بالربيع": الحركة والثورة والزمن
dabke_website_ar.jpg

سارة السرّاج - دبكة
أودّ بدايةً أن أُقرّ بشعب بونوورونغ كأصحاب هذه الأرض وكمواطنين ذوي سيادة، وأعبّر عن احترامي العميق لشعوب الأمم الأولى الحاضرة اليوم. وبينما نواصل نضالنا ضد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، فإننا نعمل ضمن سياق الكفاح الطويل من أجل التحرّر ضد احتلال المستوطنين لما يُسمّى اليوم أستراليا أيضًا. لقد خاضت شعوب الأمم الأولى هذا النضال على مدار قرون، واليوم نساهم نحن، بتواضع، بجزءٍ صغير من هذا الإرث العظيم.
– ناشط بالزي الأسود، أرض بونوورونغ، 20241
بدأتُ كتابة هذه المقالة قبل أكثر من عامين، كنتُ أغوص بين صفحات رواية محمد تونسي "لا بدّ أن تؤمن بالربيع"، وأتصفّح على الهامش أعمال خوسيه إستيبان مونيوز وغيره من المنظّرين المهتمّين بالبنى الزمنية الكويرية. خرجتُ من تلك القراءات بصورةٍ راسخة: صورة النسيج الزمني. قدّمت الرواية لحظاتٍ تتكشّف عبر الزمن لا كسلسلةٍ متتابعة من الأحداث، بل كمصفوفةٍ من المواضيع المترابطة. الماضي يفرض حضوره بغتةً في الزمن الحاضر، حاملًا معه المواردَ والمشاعرَ والأفكار. المستقبل أفق يتجدّد، يتلألأ بإمكانات حياةٍ تتخطّى قيود اللحظة الراهنة. أمّا ساحة الصراع فهي راهنية المكان الحاضر. ركنتُ المقالة جانبًا، مفترضاً بقاءها ملفًا منسيّاً على حاسوبي، وتركتُ تلك الصورة تستكين. وبعد عام، وبينما كنتُ منشغلًا بالهبّات الشعبية المتضامنة مع فلسطين، بدأتُ أرى الصورة تتماهى أكثر فأكثر مع أشكال التنظيم التي انخرطتُ فيها. فأعدتُ قراءة الرواية بذهنٍ أصبح أشدّ تنبّهًا للممارسة السياسية، وعدّلتُ النص لأنسج فيه تأمّلاتٍ حول المقاومة في محيطي وفي أماكن أخرى أبعد.
لنُزعزِع سيرورة الزمن
"استقامة الزمن" مفهوم مهيمن يفترض تسلسلاً مُضطرداً وإيقاعاً تتابعياً لا يكترث بشيء سوى الراهنية والمكان الحاضر. ويغدو المستقبل، وفق هذا التصوّر، مجرّد إعادة إنتاجٍ للحاضر.2 بالنسبة لفالتر بنيامين، فإن هذه الفكرة عن الزمن تطبِّع النظامَ الاجتماعي المعياري وتُسبغ عليه طابع الحتمية. نُدفَع عبر "زمنٍ متجانسٍ وفارغ" باسم التقدّم في مسيرةٍ أزلية مستقيمة تلخّص التاريخ البشري.3 وتُعاد إنتاج علاقات السلطة باستمرار، كـ"خرزات مسبحةٍ".4 تلك السيرورة المستقيمة للزمن تهشّم أو تبتلع التناقضات التي حاولت أن تدفع ضد تلك المسيرة التاريخية. وبهذا، يجري إخفاء العنف والاستغلال والمقاومة التي ترتهن لها معالم القوة في الزمن الحاضر. إن الخطاب المدافع عن الصهيونية مثال على ذلك. فعند تقييم الحملة الإلغائية التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي، يُحيل قادةُ الدول حول العالم إلى ما يسمّونه "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، غافلين عن أيَّ نقدٍ لأساليب العمليات العسكرية.5 إن التذرّع بهذا "الحق" يطبّع، النظام الذي تلا فعل الاستعمار عام 1948، جاعلاً منه نتيجةً لأفعالٍ قانونية وأخلاقية مزعومة لسلطةٍ سيادية، لا – على سبيل المثال – احتلالًا إباديًا. حتى النقّاد الليبراليون لإسرائيل لا يوجّهون نقدهم إلا إلى ممارساتها في الضفة الغربية وغزة، أي في الأراضي التي احتُلّت بعد حرب الأيام الستة عام 1967، وبذلك يُضمرون إضفاء الشرعية على الاحتلال والاقتلاع اللذين أتاحا قيام دولة إسرائيل عام 1948.6 وهذا المنظور يتغافل عن أنّ ما يحدث في غزة اليوم هو امتدادٌ بنيويّ للنكبة التي بدأت قُبيل عام 1948 واستعرت لتبلغ ذروتها في ذاك العام.7 وكما يقول محمود درويش: "النكبة ليست ذكرى؛ إنها اقتلاعٌ متواصل".8 إن استدعاء "حقّ الدفاع عن النفس" إذن يُنكِر الوقائع البنيوية ويعتّم على الشروط التاريخية وعلاقات السلطة التي أفضت إلى الوضعية السيادية المناطة بـ إسرائيل. إنّ منظور المُستعمِر يطمس تاريخ المقاومة، وبذلك يقدّم لنا الحاضر على أنه نتاجٌ حتمي لسيرورة التقدّم.
إذا كان المستقبل محصوراً بإعادة الإنتاج المعيارية ضمن "استقامةٍ زمنية"، فيقترح خوسيه إستيبان مونيوز أنّ التحرّر من هذه القوالب الزمنية يقتضي الطعن "باستقامة" السيرورة. ويحثّ مونيوز أيضًا على أن نُمعن النظر في هامش التاريخ، وأن نستخلص منه الوعي المفقود، وأن ننغمس في الانفعالات والجماليات والعلاقات والرغبات التي تدحض في وجودها البُنى المعيارية.9 فـ"اليوتوبيا" بالنسبة له، ليست مثالًا مُنجزًا نعمل على بلوغه، بل حالةٌ نقديةٌ للحاضر وتطلّعٌ لبُنية وعي لم تتشكّل بعد.10 ومن خلال التقاط الإمكانات الجمالية والاجتماعية اللامعة في قلب اللحظة الراهنة، تسعى المدرسة الكويريّة بصيغتها التحررية إلى مستقبلٍ آخر، إلى "يوتوبيا". إنّها ترى الزمن نسيجًا لا متتاليةً، والكويريّة أفقًا لا وجودًا محصورًا في قيود الزمن المستقيم.11 وبذلك، فإن إدراك بذور الإمكان التحرّري الراقدة في الماضي قد يزوّدنا بأدواتٍ وتضاريسَ للنضال في الزمن الحاضر.
ومضات الماضي
تتخطّى الجداول الزمنية المتداخلة والمتقاطعة في رواية "لا بدّ أن تؤمن بالربيع" منطقَ الزمن المستقيم. تتخيّل الرواية ما كانَ من الممكن أن يحدث، بينما تؤصّل سرديتها في أحداثٍ تاريخيةٍ ملموسة. وكما يرى روناك كباديا، أعتقد أن الإنتاجات الفنية تمثّل "أرشيفًا ثقافيًا جذريًا" قادرًا على صياغة رؤى اجتماعية ومخيالاً سياسياً يختلف ويعارض العلاقات الاجتماعية السائدة.12 إن المعالجة الكويرية لهي مقاربةٌ تأويلية تملك القدرة على كشف معارف حميمة تهمّشها وتُظلّلها الخطابات السائدة حول الأمن وانعدام الأمن والإرهاب أو الحرب.13 على وجه الخصوص، يشكّل أدب الشتات ما يسميه كباديا "جماليةً متمرّدة"، تُبيّن الانفعالية والحسّية والخيال التي تشكّل اللحظات السياسية.14 هكذا تُنتَج معارفٌ تحاكي التجارب الجسدية لأولئك المهمّشين بفعل الإمبريالية والصراع ونظام السجن العقابي. يسمح لنا هذا الإطار بإخراج مفهوم "النظرية" عن نخبوية الفضاء الأكاديمي المنعزل. إن عمل تونسي الخيالي التأمّلي إلى جانب أعمال منظّرين كويريين آخرين وأدبيات حركاتٍ اجتماعيةٍ مختلفة يكشف عن توافقٍ وتوضيحاتٍ وعمقٍ انفعالي يساعدنا في فهم العالم الذي نتوق إليه.
تدور الحبكة الأساسية لرواية "لا بدّ أن تؤمن بالربيع" بعد عقدين من ثورة 2011 في مصر. أُطيح بحسني مبارك، لكنّ الجيش استوعب الحركة الثورية واستولى على السلطة منذ ذلك الحين. تبدو مصر ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين في الرواية "ديستوبيا" مكتملة الأركان: ديكتاتورية عسكرية غارقة في الانهيار البيئي، والرقابة الاجتماعية الشديدة، والقمع الوحشي. و"شاهد"، الراوي والبطل، هو ابن وحفيد ثوّار. كان رياضيًا يمثّل القوات المسلحة وعضوًا صغيرًا في الطائفة الصوفية. كان موقفه في البداية ملتبسًا إزاء ما يجري في عالمه؛ فعلى الرغم من أنّ أقرانه ومشايخه في المعهد الصوفي كانوا يقاومون الحكم العسكري بصمت، إلّا أنّ شاهد كان يرتدي طوعًا دبوس النسر العسكري ليتوارى عن الأنظار.15 لكنّ تيتا – جدّته – كانت طبيبةً في المستشفيات الميدانية بـ"ميدان التحرير"، ومن خلال ومضات الماضي التي تعيده إلى الأوقات التي كانت فيها على قيد الحياة، يبدأ شاهد في صوغ عزيمته. لقد غدت معرفة أفعالٍ مثل أفعال تيتا نقطة تحوّل في بنية الوعي ضمن المجتمع ما بعد (الثورة/الثورة المضادة).16 يستدعي شاهد هذه القصص تدريجيًا إلى الحاضر، مُفعّلًا داخله وعيًا ثوريًا يرفض الزمن المستقيم الذي يتّكئ عليه الحكم العسكري. وأثناء عبوره السرّي للنيل خلال حظر التجول، يتأمل شاهد قائلًا:
لقد لمحتُ في عيون ماما وتيتا ذلك الفردوس الذي ما زلتُ أحِنُّ إليه. رأت أجمل ما في البلاد وأقبحَه؛ ولم تحتمل تيتا أن تعيش بعد أن فقدته، فيما غيّرت ماما مصيرها بفردوسٍ آخر في أوروبا. لهذا الفقد ثمنٌ فادح. جزءٌ منّي يتمنى ألّا يأتي يومٌ أرى فيه ما هو شنيع إلى حدّ أن أضطرّ إلى الهرب من النظر إليه؛ فالشهادة قوة. أن تشهد يعني أن تفضح، وأن تشهد يعني أن تتخيّل نهايةً لما نكابده من قسوة، وفرصةً لنترك العذاب خلفنا. إنها طريقة للقول: "لقد مضى الماضي، وليس من حقّه أن يعود ليرحل مرة أخرى".17
إن لمحة الفردوس، أو الظفرَ باللحظة الثورية والعيش في نشوتها وإمكاناتها، ليست مجرد حدثٍ عابر، بل حدثٌ مولِّد. فالذكريات، كما يقول كريستوفر كاستيليا وكريستوفر ريد، ليست "استدعاءً لماضٍ مؤرشف"، بل هي تبتكر، في المخيّلة، "عالمًا يقف بوصفه واقعًا مضادًا لحاضرٍ ناقص أو موجع".18 من هذا المنطلق، يستعيد شاهد تلك اللحظة باعتبارها نقطة الارتكاز التي تمكّنه من قول "لا" في وجه الحاضر. وهذه الـ"لا" تومئ إلى إمكان مستقبلٍ آخر، مستقبلٍ لا يعيد إنتاج المعاناة التي تصوغ الحاضر، وتمكّن شاهد من الاضطلاع بدوره في السعي إلى ذلك المستقبل. إن تجارب الزمن من هذا النوع تُنتج الماضي والمستقبل معًا، وتمنحهما قدرًا من السيولة الدلالية في نسيجٍ يتداخل مع الحاضر. فـ"هنا والآن" هو ساحة النضال، غير أن أدوات المواجهة تُستمدّ من معارفٍ أو تخيّلاتٍ مستعادة من الماضي. وإذا كانت مخيّمات الاحتجاج في "ميدان التحرير" فضاءاتٍ هيتروتوبيّة لأنها أقامت علاقةً واقعية وناقدة مع مواقع أخرى داخل الزمن نفسه،19 فإن علاقة شاهد بتلك المخيمات تُجسّد الكيفية التي عطّلت بها، عمليًا، منطق الزمن المستقيم. فشاهد قادر على استدعاء معارف اللحظات التمرّدية الماضية – حتى لو كانت مكبوتة في زمن السيرورة – وتسخيرها في صناعة فعل التمرّد ونُطقه. وهذا، بحسب ميشيل فوكو، علامةٌ على أنّ "الهتيروتوبيا" قد بدأت "تعمل بكامل طاقتها".20 وحين يمرّ شاهد بجانب ثكنةٍ عسكريةٍ نخرتها الرصاصاتُ وخلّفت فيها ندوبًا من لحظةٍ أشدّ تمردًا، يباغته خاطرٌ عابر: ربما يتيح له وضع إصبعه في إحدى تلك الفجوات أن يلمس "جوهرَ مكانٍ مستترٍ، وزمنٍ لم يكن الناس فيه يخشون إطلاق النار على هذه المباني، وكانوا قريبين بما يكفي ليفعلوا ذلك".21 وفي تلك اللحظة تتبلور الممارسة التي يشرع في اختبارها:
أتأمّل من جديد التصوّر البدوي للزمن، حيث يُنظر إلى الماضي والمستقبل وكأنهما يقيمان في مكانٍ آخر. فالزمن، في هذا الخيال، ليس ساعةً تُقرأ عقاربها، بل أرضٌ يُقطَع إليها الطريق. لذلك قد يجد المسافر نفسه وقد بلغ الماضي، تمامًا كما يبلغ وجهته.22
إن إدراك الزمن على هذا النحو يقرّب تلك المواقع التحرّرية من الأفق، وإن ظلّت بعيدةً بحيث لا يُرى منها إلا خيالٌ لم ينجلِ بعد.
إنّ حركة التضامن مع فلسطين اليوم مفعمةٌ بأمثلةٍ تدفع ضدّ منطق الزمن المستقيم. فالإهداء الذي يتصدّر هذه المقالة، وهو ما يُعرَف في ما يُسمّى بأستراليا بـ"الاعتراف بالأرض"، قد ورد في إحاطةٍ قُدِّمت لمجموعةٍ من نحو مئة شخصٍ كانوا يستعدّون لاقتحام ميناءٍ رئيسي يُدعى ويب دوك في نارم (ملبورن)، وبدء اعتصامٍ مجتمعيّ يعرقل شحن وتفريغ سفينة بضائع. كانت السفينة المعنيّة تُشغِّلها شركة "زيم"، التي تُعَدّ شركة الشحن الوطنية لما يُسمّى بـ"إسرائيل"، وهدفًا طويل الأمد لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.23 وقد جاءت هذه الخطوة استجابةً لنداءٍ متجدِّد من النقابات الفلسطينية لاستهداف سلاسل الإمداد التابعة للكيان.24 يُعدّ "الاعتراف بالأرض" ممارسةً رمزية شائعة في ما يُسمّى بأستراليا، تُقدَّم بوصفها إشارةً إلى الوعي بأرض الشعوب الأصلية واحترامها، ضمن نطاقٍ واسع من الفعاليات يمتدّ من المناسبات الرياضية والاحتفالات العامة إلى المحاضرات والبرامج التلفزيونية. غير أنّ هذه الممارسة، على الرغم من حمولة النيّة الأخلاقية الضمنية فيها، كثيرًا ما تُختزَل إلى لفتةٍ أدائية خالية من الالتزام السياسي، فتُنتِج آليّةً خطابية يقوم من خلالها المتحدّث غير الأصلي بإزاحة الاستعمار من الحاضر إلى الماضي، مُؤسِّسًا مسافةً تخوّله التبرّؤ من العنف الاستيطاني. وبهذا المعنى، يمكن لـ"الاعتراف بالأرض" أن يُعيد إنتاج براءة المستوطن، وأن يحدّ من إمكانيات المساءلة عن الاستعمار الاستيطاني، بل وقد يسهم في إعادة محو مقاومات الشعوب الأصلية بدلًا من كشفها أو استحضارها.25 غير أنّ هذا المثال تحديدًا يحيل إلى توجّه مغاير جذريًا. فهو يقرأ اللحظة خارج مقتضيات السرد الأسطوريّ الاستعماري، عبر وضع مقاومة الشعوب الأصلية في مركز الفعل السياسي. وعلى عكس المنطق الإلغائيّ الذي يمثّل البنية التأسيسية للاستعمار الاستيطاني،26 يقوم هذا الاعتراف بإعادة تفعيل حركاتٍ وفاعليات كانت قد أُدرجت – في المنظور الزمنيّ المهيمن – ضمن ما أصبح "لا-واعيًا" أو مُهمَّشًا: من حروب الحدود إلى الانتفاضات المتعاقبة. إنّ هذه الحركات، بوصفها ممارساتٍ تاريخيةً للنقد لم تكتفِ بتقويض النظام القائم، بل طوّرت أيضًا تكتيكاتٍ واستراتيجياتٍ وبُنى تنظيمية تستجيب لشروطها الخاصة. كما حملت معها انفعالًا جماعيًا، وحساسيّاتٍ وجمالياتٍ تُنتج بدورها أفقًا يوتوبيًا قابلاً للتخيّل وللتجسيد. شكّلت ذكريات تيتا بالنسبة لشاهد مرجعًا ضمن نسيجٍ زمنيّ أوسع، وفي النسق ذاته إنّ إدراك لحظاتٍ أخرى ضمن هذا النسيج، أي مواقعٍ مختلفة للنضال ضد الاستعمار الاستيطاني، يُسهم في تثبيت الذوات وفي توجيه استراتيجيات الفاعلين المنخرطين في الحركة المعاصرة.
لم ينهض من الماضي إلا برهانًا للمستقبل
إنّ العسكرة والنظام السجني والحرب تُعطّل السيرورة الزمنية الخطّية المستقيمة. في هذا الإطار، تصف مايا مكداشي وجاسبير ك. بوار الطرق التي تغيّر بها التقنيات البيوبيولوجية الأجساد في سياقات الحرب المستمرة والاستعمار، ما يزعزع التركيز التقليدي للنظرية الكويرية الغربية على الإصابات الجنسية أو المتعلقة بالنوع الاجتماعي. وبدلًا من ذلك، يدعوان إلى تبنّي فهم أوسع للكويرية يأخذ في الاعتبار الطرق المتعددة والمتنوّعة التي يُلحق بها الأذى بالأجساد، وكيفية تغيّرها في سياق الحرب الدائمة.27 فالحرب المستديمة تحول دون قدرة الفرد على "المضيّ قُدُماً". إذ تُدمَّر المباني ويُعاد تشييدها، ثم لا تلبث أن تُدمَّر من جديد ويُشرَع في إعادة بنائها مرة أخرى. وتأخذ الدكتورة سماح جبر من وزارة الصحة الفلسطينية على المركزية الأوروبية في تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) أنّها تنظر إلى استجابة الفرد لمعاناةٍ اجتماعيةٍ وبنيوية ممتدّة بوصفها حالةً مرضيةً صِرف، متجاهلةً السياقات التي تُنتج تلك المعاناة؛ فالتعرّض المزمن والمتكرّر للعنف البنيوي يقوِّض أيّ تدخّلٍ علاجي يفترض أنّ الحدث الصادم قد انقضى28. وقد اضطرّ تونسي نفسه إلى التقاعد المبكر من السباقات الثلاثية (الترياثلون) بعد أن فقدَ ثمانية عشر في المئة من قدرته الرئوية بصورة دائمة، جرّاء التأثيرات المترتّبة على استنشاق الغاز المسيل للدموع خلال الاحتجاجات في مصر.29
تبلغ رحلة شاهد ذروتها حين يختار إضرام النار في جسده احتجاجاً على الحكم العسكري، لتتجلّى في هذا الفعل إمكانية أن نخوض نحن أيضاً شكل المقاومة النيكروسياسية التي تمارسها الحياة الكويرية على الهوامش وفي مراكز السلطة معاً. فالنيكروسياسة، أو "أشكال إخضاع الحياة لسلطة الموت"، ترسمُ حدود السلطة السيادية،30 حيث تُستغَلّ الأجساد كأدواتٍ في اقتصاد العنف، ويُدفَع الناس بعيداً عن أعمالهم، وعن أرضهم، وعن أجسادهم في آنٍ واحد. كما تُسهم الرقابة، والمستوطنات، والنزوح، وتدمير البنية التحتية، وعسكرة الفضاء العام، وتفتيت المدن إلى معاقل محاصرة، في تعميق هذا الاغتراب البنيوي.31 وفي خضمّ ذلك، تُسقِط السلطة على الآخر رواياتٍ من الخيال والأسطورة لتبرير موقع السيادة،32 فتُختزل الجموع في تصنيفاتٍ سياسيةٍ مبسّطة ومجهّلة: "إرهابي عنيف"، "ضحية عاجزة"، "لاجئ يائس". غير أنّ الشهيد يرفض هذا الاستحواذ الجسدي، فيستعيد جسده ويعيد توظيفه في خدمة مستقبلٍ مُتخيَّل يتجاوز منطق النيكروسياسة الذي يحكم الـ"هنا والآن".33 ويدرك شاهد أن إضرام النار في الجسد لا يزعزع السلطة السيادية فحسب، بل يعيد كذلك تشكيل العلاقة بالزمن والمكان داخل نسيجٍ زمنيٍّ متعدّد الطبقات، يلتقي فيه الماضي الحيّ بالحاضر المضطرب وبالمستقبل المرتقب في فعلٍ ثوريّ واحد؛ فعلٍ يتجاوز القيود التي يفرضها الزمن الخطيّ والسيادة القامعة:
لم أسعَ يوماً إلى الموت. ولو انفتح أمامي مسارٌ ينأى بي عن هذا المصير، ويقودني إلى خطٍّ آخر نحو الحرية – حريةٍ تُمارَس وتُعاش، لا تُقدَّم قرباناً – لَسلكتُه بلا تردّد. غير أنّ إسقاط هذا الحكم العسكري من دون أن تُنتزَع الحياة والحرية معاً أمرٌ لا منفذ إليه. فلا صدع يمكن التسلّل عبره، ولا ثغرة يمكن توسيعها حتى ينهار البناء. فالدولة خاليةٌ من العِلَل؛ تعمل بكفاءةٍ تامة، تماماً كما أُريدَ لها، لخدمة أسيادها.34
إنّ "الكون يركن في الزجاجة" وما فيها من البنزين الذي كان شاهد يخطّط سكبه على جسده إنها رمزية الإمكانيات اللامتناهية التي قد تنفتح بعد لحظة رفض سلطة الموت.35 ورغم أنّ خطّة شاهد لم تتحقّق في النهاية – إذ انزلقت الزجاجة من بين يديه قبل أن يتمكّن من استخدامها – إلّا أنّ السرد والنية معاً يكشفان بجلاء تحوّلاً جذريّاً في وعيه. فليس يسيراً اختزال معنى مثل هذه الأفعال في ما يُعرَف بـ"دافع الموت" لدى فرويد؛ فالموت هنا يُفهَم ضمن إطار السعي إلى الحياة، بل والحبّ العميق للحياة التي ستُمنَح لأولئك الذين سيواصلون العيش. وبعبارة أخرى، يتجلّى الموت بوصفه أسلوباً للتشديد على قيمة الحياة نفسها. إنّ توجّهه المتزامن نحو الماضي والحاضر والمستقبل يكشف كيف يمكن تفعيل الانفعالات التمرّدية خلال عملية التحوّل والكون في صيرورة، وكيف يمكن لهذا النشاط الشعوري والسياسي أن ينسج المستقبل من خيوط الماضي والحاضر، متحديًا زمن السيادة والزمن المستقيم.
تمامًا كما واجه شاهد الموت بصمود، سلّم الكاتب والأكاديمي رفعت العرعير حلمه ببلدٍ حرّ. فمنذ 19 أكتوبر/تشرين الأول، حين قُصِف منزل أسرته في تل الهوى بمدينة غزة، اضطرّ العرعير إلى النزوح شمال المدينة، وبثّ رواياته مباشرة من قلب الحدث.36 قبل استشهاده في ديسمبر/كانون الأول 2023 بخمس أسابيع، أعاد نشر قصيدته لعام 2011 بعنوان "إذا كان لزامًا أن أموت" على منصة X،37 لتكون تعليماً وأملاً للناجين من العنف والاحتلال. تتحدّث القصيدة مباشرة إلى القارئ بصيغة المخاطب: "أنت"، وتطلب منه أن "تحكي قصتي" و"تبيع أغراضي" لصنع طائرة ورقية. وعندما تحلّق هذه الطائرة فوق غزة، ينقل ذيلها الطويل الحبّ والأمل عبر الزمن، من القتلى على أيدي الاحتلال إلى الناجين وذريّاتهم، ليظل أثر الوجود قائمًا طويلًا بعد الموت البيولوجي. إنّ "القماش وبعض الخيوط" التي تُجسّد هذا الأثر تتطور إلى حكاية: قصة تراكمية عن الفقد والحب، والأمل والمقاومة. تُشكّل قصيدة "إذا كان لزامًا أن أموت" رفضًا لتهميش هذه الحكاية في هامش التاريخ. ففي مواجهة الزمن المستقيم القاتل، تطالب القصيدة بأن تُفعّل معرفة الماضي النضالات في الحاضر. واتباع تعليمات القصيدة يعني الدفاع عن إرث الحكاية، واستدعاء الحزن والحب في لحظات مثل لحظاتنا، واستحضارهما في خياراتنا السياسية القادمة.
أحدثت قصيدة العرعير أثرًا واسع الانتشار؛ إذ غدا اسمه يُطلق على مناطق محرَّرة، ومخيّمات اعتصام، ومبانٍ، ومكتباتٍ في أوريغون، وبريزبين، وليفربول، ونيويورك، وأكسفورد، وبرلين، ولوس أنجلِس، وأوترخت، وميلانو، وغيرها.38 وقد جمع المنظّمون الآثار المادية والرمزية التي خلّفها العرعير ليبنوا منها سرديّة ذات قوة سياسية: الجامعات تُسهِم في تمكين الإبادة. وهذه الممارسة، التي يمكن وصفها وفقاً لتحليل صوفي شمّاس وصبيحة علّوش بأنها ممارسة "أيقونيّة مضادّة"، تطرح السؤال التالي: "أيّ اغتيال سياسي ينبغي أن يصبح أدواتٍ لإنتاج القِيَم التي يتعيّن على الأمة التمسّك بها؟"39 ومن خلال إحياء ذكرى العرعير، تميط الانتفاضة الطلابية اللثام عن تناقضات الموقع الاجتماعي–السياسي للجامعة. فهي تكشف رفضاً صريحاً للنظرة التي تختزل الطالب في كونه "زبوناً" أو مجرّد عنصر في منظومة متشابكة مع اقتصادات العنف العالمية. وعلى النقيض من ذلك، تُعيد هذه الحركة إحياء المبادئ التي جسّدها العرعير – وفي مقدّمتها التزامه المبدئي بالمقاومة بوصفها موقفاً أخلاقياً وسياسياً – لتصبح ركائز تُقاوِم بها الحركة الطلابية أشكال اللامبالاة المؤسسية.
وفي أحد حواراته يقول العرعير: "أنا أكاديمي. السلاح الوحيد في بيتي هو قلم لوح. لكن إن اجتاح الإسرائيليون حيّنا، واندفعوا ليقتحموا الأبواب بابًا بابًا ليرتكبوا مجزرة، فسأرمي هذا القلم في وجوههم – وإن كان ذلك آخر فعل أقوم به".40 إنّ عزيمة شاهد تُوازي عزيمة العرعير؛ فكلٌّ منهما يحمل وصيّةً ورغبةً واحدة: أن تتحوّل الانتفاضة إلى طاقة قادرة على انتزاع لحظة التحرّر من حيّز "ما-لم-يُدرَك-بعد" إلى حيّز الفعل الحاضر.
فلترقصْ زوابع الغبار مع بقايا أثري إلى الأبد، حتى يشمَّ مَن يجيئون من بعدي رمادي، على ريحٍ تمضي بعيدًا عن المدينة – آثارًا تركتُها من عصياني الصغير، وحين يتنفّسون هواء الصحراء الجاف، سيعرفون أنّي غادرتُ حرًّا، بإرادتي، مؤمنًا بالحرية، أورِثُهم حلمًا ببلدٍ حرّ.41
المبادئ واضحة وبها تنجلي المهمّة التي لا مهرب منها.
يُعدّ التجريب الزمني والانحياز إلى الحياة شرطين أساسيين إذا كانت هذه الشهادات السياسية ستسهم في تعزيز المقاومة ضد الصهيونية. فاستحضار الماضي، كما وصفه تونسي، يمكن أن يولّد توجّهات نقدية وثورية تتجاوز منطق الزمن المستقيم. تتشكّل شقوق في أنظمة الهيمنة بمجرد تخطّي منطقها التنظيمي الزمني، ممّا يفتح فرصًا للهروب، والتمرّد، والتضامن، والحركة. توضح النظرية الكويرية كيف تُبنى الإمكانيات الطوباوية على إرث التحرّر المتوزّع عبر الأبراج الزمنية، وكيف يمكن لوجودية الحاضر – المشحونة بالرغبات والآمال والغضب – أن تهزّ ما يُعتبر أمرًا مسلّمًا أو هيمنةً مفروضة. هذا النوع من السياسة يبرز أشكال المقاومة المتنوعة – الحسّية والمادية والرمزية – ويحوّل احتضان الفرد للموت أو الاستشهاد إلى سرديات سياسية تمنح النضال حركة وديمومة.
- 1. جرى تدوين هذا التعليق، شأنه شأن جزء كبير من المعطيات التي استند إليها هذا العمل، من قِبل المؤلِّف ميدانيًا.
- 2. Muñoz, 2009:22.
- 3. Benjamin, 2007:260–61.
- 4. Benjamin, 263.
- 5. https://www.whitehouse.gov/briefing-room/speeches-remarks/2024/03/08/remarks-by-president-biden-in-state-of-the-union-address-3/; https://www.gov.uk/government/speeches/the-uk-supports-israels-right-to-defend-itself-against-hamas-but-israel-must-be-targeted-in-achieving-that-goal-uk-statement-at-the-un-security-cou; https://news.sky.com/story/rishi-sunak-says-uk-shocked-by-bloodshed-but-stands-by-israels-right-to-defend-itself-as-gaza-war-reaches-six-month-mark-13109858
- 6. https://www.aljazeera.com/news/2023/11/17/does-israel-have-the-right-to-self-defence-in-gaza
- 7. Imseis, 2024. https://www.youtube.com/watch?v=aHh0ech78Kc
- 8. https://www.newarab.com/opinion/his-deathbed-letter-mahmoud-darwish
- 9. Muñoz, 28.
- 10. Muñoz, 99.
- 11. Muñoz, 32.
- 12. Kapadia, 2019:16.
- 13. Kapadia, 10.
- 14. Kapadia, 43.
- 15. Tonsy, 2022:45.
- 16. Muñoz, 31.
- 17. Tonsy, 66–67.
- 18. Castiglia and Reed, 2012:11–12.
- 19. Pérez Navarro, 2020:168.
- 20. Foucault, 1986:26.
- 21. Tonsy, 191.
- 22. Tonsy, 190
- 23. https://www.youtube.com/watch?v=RwyPKPULdZw; https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/campaign-forces-israels-zim-halt-shipments-tunisia
- 24. https://x.com/WorkersinPales1/status/1713908923848130880
- 25. Dreyfus and Hellwig, 2023:607.
- 26. Wolfe, 2006:387–409.
- 27. Mikdashi and Puar, 2016:220.
- 28. Kalia, 2023.
- 29. Qureshi, 2021.
- 30. Mbembe, 2003:39.
- 31. Mbembe, 28.
- 32. Mbembe, 27.
- 33. Mbembe, 37.
- 34. Tonsy, 191.
- 35. Tonsy, 201.
- 36. Alareer, 2023. https://electronicintifada.net/content/israels-claims-terrorist-activity-childrens-hospital-were-lies/41226
- 37. https://x.com/itranslate123/status/1719701312990830934
- 38. https://solidaritynews.org/2024/05/16/uo-students-chain-themselves-to-jo... https://x.com/manukoreri/status/1790966128279490902; https://x.com/redyellowparrot/status/1788579670151090609; https://x.com/NationalSJP/status/1791861928706380287; https://x.com/bookllyfr/status/1788910044655780275; https://x.com/OnlinePalEng/status/1793314038513844454; https://x.com/OnlinePalEng/status/1783793915973210366; https://x.com/sahatenglish/status/1791913688699478316; https://x.com/redstarryplough/status/1790414246347440287
- 39. Chamas and Allouche, 2022:240.
- 40. https://www.youtube.com/watch?v=W96N5eMOuzc
- 41. Tonsy, 191.
Abunimah, Ali. “Campaign Forces Israel’s Zim to Halt Shipments to Tunisia.” Electronic Intifada, August 20, 2018. https://electronicintifada.net/blogs/ali-abunimah/campaign-forces-israels-zim-halt-shipments-tunisia
Alareer, Refaat. “If I Must Die.” X: @itranslate123, November 1, 2023. https://x.com/itranslate123/status/1719701312990830934
Alareer, Refaat. “Israel’s Claims of ‘Terrorist Activity’ in a Children’s Hospital Were Lies.” Electronic Intifada, November 19, 2023. https://electronicintifada.net/content/israels-claims-terrorist-activity-childrens-hospital-were-lies/41226
AROC Bay Area. “We Blocked the Boat – Oakland 2014-2021.” YouTube, August 21, 2014. https://www.youtube.com/watch?v=RwyPKPULdZw
Benjamin, Walter. “Theses on the Philosophy of History.” In Illuminations: Essays and Reflections, edited by Hannah Arendt. New York: Schocken Books, 2007, 253–64.
Castiglia, Christopher, and Christopher Reed. If Memory Serves: Gay Men, AIDS, and the Promise of the Queer Past. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2012.
Chamas, Sophie, and Sabiha Allouche. “Mourning Sarah Hegazi: Grief and the Cultivation of Queer Arabness.” Women’s Studies Quarterly 50, no. 3 & 4 (2022): 230–49.
Darwish, Mahmoud. “On His Deathbed: A Letter by Mahmoud Dawish.” The New Arab, August 10, 2017. https://www.newarab.com/opinion/his-deathbed-letter-mahmoud-darwish
Dreyfus, Shoshana, and Anne F. J. Hellwig. “Meaningful Rituals: A Linguistic Analysis of Acknowledgements of Country.” Journal of Australian Studies 47, no. 3 (2023): 590–610. https://doi.org/10.1080/14443058.2023.2236618
Foucault, Michel. “Of Other Spaces.” Diacritics 16, no. 1 (1986): 22–27.
Islam Channel. “Gaza Academic Refaat Alareer Tells Podcast: ‘We Are Helpless… We Have Nothing to Lose’.” YouTube, October 10, 2023. https://www.youtube.com/watch?v=W96N5eMOuzc
UN Palestinian Rights Committee. “‘The Nakba Is a Structure, Not an Event. Its Authors Openly Admit Its Aim’ Explains Dr Ardi Imseis.” YouTube, May 22, 2024. https://www.youtube.com/watch?v=aHh0ech78Kc
Kalia, Saumya. “Understanding Palestine’s colonial, intergenerational trauma from a mental health perspective” [Interview with Samah Jabr]. The Hindu, November 16, 2023. https://www.thehindu.com/sci-tech/health/understanding-palestines-colonial-intergenerational-trauma-from-a-mental-health-perspective/article67537380.ece
Kapadia, Ronak K. Insurgent Aesthetics: Security and the Queer Life of the Forever War. Durham: Duke University Press, 2019.
Mbembe, Achille. “Necropolitics.” Translated by Libby Meintjes. Public Culture 15, no. 1 (2003): 11–40.
Mikdashi, Maya, and Jasbir K. Puar. “Queer Theory and Permanent War.” GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies 22, no. 2 (2016): 215–22.
Muñoz, José Esteban. Cruising Utopia: The Then and There of Queer Futurity. New York: New York University Press, 2009.
O-G, Matthew. “UO Students Chain Themselves to Johnson Hall in Solidarity with Gaza, Rename It Alareer Hall.” Solidarity News, May 16, 2024. https://solidaritynews.org/2024/05/16/uo-students-chain-themselves-to-johnson-hall-in-solidarity-with-gaza-rename-it-alareer-hall/
Pérez Navarro, Pablo. “The Performative Power of Queer Assemblies.” Krisis: Journal for Contemporary Philosophy 40, no. 1 (2020): 165–79.
Qureshi, Arusa. “Mohamed Tonsy: Connecting Ceramics and Literature through Imagined Futures.” Craft Scotland, November 25, 2021. https://www.craftscotland.org/journal/article/mohamed-tonsy-connecting-ceramics-and-literature
Tonsy, Mohamed. You Must Believe in Spring. London: Hajar Press, 2022.
Wolfe, Patrick. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research 8, no. 4 (2006): 387–409. https://doi.org/10.1080/14623520601056240
Workers in Palestine. “An Urgent Call from Palestinian Trade Unions: End All Complicity, Stop Arming Israel.” X: @workersinpales1, October 16, 2023. https://x.com/WorkersinPales1/status/1713908923848130880
