الترجمة كويريّاً أو كيف أترجمُ "المترجَم"؟

السيرة: 

ناقدة ومترجمة وباحثة من مواليد لبنان 1982، حاصلة على دكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة باريس الثالثة-السوربون الجديدة. عملت بين 2004 و2008 محرّرة ثقافية في جريدة "النهار" اللّبنانية حيث كتبت عشرات المراجعات النقدية في الرواية والشعر. يتمحور عملها البحثي حول استراتيجيات التحرّر والانعتاق في سياقات الهيمنة المختلفة والتجلّيات الأسلوبية واللغوية لهذه الاستراتيجيات في النصوص الروائية. من ترجماتها رواية "بلا عائلة" لهكتور مالو ورواية "كانوا بشراً فحسب" للوران موفينييه. تقوم اعتباراً من السنة الأكاديميّة 2021-2022 بتدريس اللغة العربية والترجمة في جامعة باريس الثالثة-السوربون الجديدة.

اقتباس: 
سيلفانا الخوري. "الترجمة كويريّاً أو كيف أترجمُ "المترجَم"؟". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 1 (24 يناير 2022): ص. 92-96. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 25 مايو 2022). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/343.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (490.18 كيلوبايت)

transgressive_translations_22

سهير عاطف

من الناحية الاشتقاقيّة، تأتي كلمة "ترجمة" من اللاتينية وتعني "النقل عبر". وبوصفنا نُقِلنا عبر العالم، فنحنُ بشرٌ مترجَمون. وإذا كان من المتعارف عليه أن شيئاً ما يضيع دوماً في الترجمة، فأنا شديد التشبّث بفكرة أن شيئاً ما يمكن أن يُكتَسَبَ أيضاً.

- سلمان رشدي، 1992.1

في شهرَي تموز/ يوليو وآب/ أغسطس الماضيين ترجمتُ لـ"كحل" مقالَيْن نُشرا في العدد الأوّل من المجلّد السابع لصيف 2021. المقال الأوّل لأحمد قيس منهزم ووازنة زندن بعنوان: "عندما لا أعود موجوداً في هذا العالم: إثنوغرافيا ذاتية نسوية تعاونية للموت والدفن لدى المسلمات/ين الكويريات/يين"،2 والثاني لمايا بهاردواج عنوانه: "التضامن كويريّاً: في الشراكة الجنوب-آسيوية الشتاتية مع حركات تحرّر السود في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا".3 أعود في هذا المقال إلى عمليّة الترجمة نفسها وإلى موقعي كمُترجمة، لأفكّر، استجابةً لدعوة المجلّة، بالترجمة بوصفها أكثر من عملية نقل من ضفةٍ إلى أخرى ومن لسانٍ إلى آخَر. إنها عملية تجسيرٍ بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تفتح النص الأصلي على امكاناته المتعدّدة وتوسّع في اللّغة المستقبلة مكاناً يستقبل الغريب من دون أن يستحوذ عليه ويطمس غرابته.

عرف هذا المفهوم للترجمة إرهاصاته الأولى مع الرومنطيقيين الألمان، وتعمّق وتشعّب مع دراسات ما بعد الاستعمار، قبل أن يتّخذ مع الدراسات الكويرية أبعاداً جديدة فتصير الترجمة المرادف الاستعاري للكوير. لكنّه يُرينا كلّ مرّة أن الترجمة ليست عملية حيادية وشفّافة كما يُنظَر إليها أحياناً، بل هي مسرحٌ تتجلّى فيه علاقات القوّة بين ثقافتين ولغتين ومنظومتي قيَم نادراً ما تكونان متكافئتين، ويلعب فيه المترجم دوراً يتعدّى دور الوسيط الحياديّ.

سوف أبدأ من هنا إذن، من موقعي كمترجمة عربيّة تعيش في فرنسا وتترجم نصّاً لكاتِبَيْن أفغانيَّيْن مسلمَيْن وكويريَّيْن يعيشان في الولايات المتحدة ويكتبان بالإنكليزيّة، وآخَر لأميركيّة كويريّة ابنة مهاجِرَيْن هنديَّيْن. وإذ أشير إلى هويّة الكتّاب الثلاثة وأصولهم الإثنيّة/العرقيّة وكويريّتهم، فلأنها المُنطلَق الأساس في النصّين المذكورَيْن والمكان الذي تصدر عنه كتابة كلّ منهم بوصفها كتابة تقف على هامش الثقافة السائدة والمعياريّة.

في نص منهزم وزندن يتساءل الكاتبان عن مصير جسديهما العابرَيْن جنسياً بعد الموت وعن حلمهما بمراسم دفن حسب الطقوس الإسلامية. بين وطنهما الأصلي ومنفاهما يجدان نفسيهما ككل المهاجرين المسلمين الكويرييين والعابرين جنسياً محاصَرين بين رُهاب المثلية من جهة ورُهاب الإسلام من جهة أخرى. إنهم كائنات بينيّة كما تصفهم أودري لورد في القصيدة التي يفتتحان بها المقالة. ويأتي كلامهما كردّة فعل على الصمت المرغم والخفاء الذي عاشا به جزءاً كبيراً من حياتهما، فنقرأ: "نتكلّم حتى لا يُصار لإنكار مطالبتنا بدفن إسلاميّ، كما أُنكرت تمنّياتنا بأن نعيش كوريّتنا بحرية في حياتنا. نسأل، نحن قيس ووازنة، ما إذا كانت عائلتانا وأحبّاؤنا سيبكوننا عند موتنا كما تخيّلونا، أو كما كنّا فعليّاً. وهل حياتنا هي "أهل للبكاء" [...]؟ ونتساءل أي أسرار نريد أن ندفن معنا وأيّ منها نريد أو نقدر على أن نكشفها أو نطمسها في مسار حياتنا".

أما نص بهاردواج فيتناول العمل التنظيمي والنشاطي للجالية الجنوب آسيوية الكويرية في الولايات المتحدة وبريطانيا وعلاقة الناشطين فيها بحركات تحرّر السود وأثر نظام الكاست على كل ذلك. يجمع المقال شهادات لناشطين كويريين جنوب آسيويين في البلدَيْن المذكورين ليبيّن كيف أن الروابط الكويرية الحميمة وأنماط التنظيم من أجل التحرّر المناهِضة للبطريركية، هي في صلب عمل المجتمعات الكويرية الملوّنة. تحاول الباحثة كتابة "أرشيف مضاد" لمواجهة سرديات صعود الفاشية الهندوسية في الشتات وتوق أبناء الجاليات الجنوب آسيوية إلى البياض كما تقول، لتظهر أن "التعاون بين السود والسمر ممكن" وأنه قادر على خلخلة كلٍّ من معاداة السواد ونظام الكاست وتفكيكهما سواء بسواء.

 

كيف أترجم؟ ماذا أترجم؟

نظرياً، وبكثير من الاختزال، ثمة اتّجاهان جذريّان يتنازعان نظريات الترجمة في العقود الأخيرة. الأوّل يضع نصب عينيه النصّ الأصليّ ويعتبر مع أنطوان بيرمان4 أن كل ترجمة لا يبقى فيها أثرٌ لبنيات النصّ الأصليّ هي ترجمة سيّئة، والثاني يدعو له جان رينيه لادميرال5 ويقول العكس تماماً ويُعطي الأولوية لمقروئية النصّ المترجَم. وبين الاثنين حاول مفكّرو دراسات ما بعد الاستعمار بدءاً بهومي بابا وغاياتري سبيفاك تفكيك العلاقة الهرمية بين النصّ الأصليّ والنصّ المترجَم، المتشكّلة على صورة ثنائية الدولة المركزية والمستعمرات والتي تعيد إنتاج العلاقة غير المتكافئة بينهما.6 أما عملياً، وعندما يكون المترجم أمام النصّ، فتصير الأمور أكثر تعقيداً والحلول أقلّ جذريّة. يجد المترجم نفسه في عملية مساومة دائمة وسعي لإيجاد توازن صعب بين ما يفقده النص خلال الترجمة وما يمكن أن يكسبه في لغته الجديدة، بين "الأمانة" للنصّ الأصليّ ومقروئية النصّ المترجَم.

من جهتي، السؤال الأوّل الذي أطرحه على نفسي في كل مرّة أترجم فيها نصّاً ما والذي طرحته أمام هذين النصّين أيضاً: ما نوع النصّ الذي أنا بصدده؟ هل هو نصّ عمليّ الهدف فيه هو المعلومة؟ أم هو نصّ يهدف لنقل تجربة ومشاعر ورؤية للعالم ويلعب فيه بالتالي الأسلوب واللّغة دوراً أساسياً؟ النصّان المذكوران ينتميان صراحةً إلى النوع الثاني، وإن بقدر متفاوت. فهما وإن لم يكونا نصّين سرديّين بالمعنى التقليدي للكلمة، وحتى لو اتّخذا شكل "دراسة"، فهما نصّان تحتلّ فيهما الذاتية مكانة أساسية (يتحدّث زندن ومنهزم عن "إثنوغرافيا ذاتيّة"). وهذا في الواقع اتجاه عام تشهده في السنوات الأخيرة الدراسات الإنسانية، الأنغلوساكسونية منها على وجه الخصوص، حيث تسرّبت الشهادة كجنسٍ أدبي إلى كتابات ظلّت حتى وقتٍ طويل تتخذ شكلاً أكثر صرامةً. في هذه الشهادات/ الدراسات، الأنا غير مكروهة7 ولا تسعى للاختباء خلف حياد وموضوعية قد يكونان خارجيّين في كثير من الأحيان.

هذا من الناحية الشكليّة، أما في العمق فإنّ كويريّة النصّين الصريحة وموضوع كل منهما والشريحة الاجتماعية التي يتناولانها، أي مجتمع الكوير والترانس لدى مهاجرين أو أبناء مهاجرين في الولايات المتحدة أو بريطانيا، يجعلهما يراكمان درجات من العبور مختلفة لا تفعل الترجمة سوى أن تضيف إليها عبوراً إضافياً.

في الواقع، إن ترجمة هذا النوع من النصوص سابقة للترجمة بالمعنى الصريح. ففي العبور الجغرافي واللّغوي والثقافي والجندري الذي تصف هذه النصوص إشكاليّاته، ينطبق عليها وصف سلمان رشدي للمهاجرين بأنهم "بشرٌ مُترجَمون"8 يولَدون في العبور ويظلّون في حياتهم يشيرون إليه. من هنا قد لا يعود سؤال الترجمة الأساسي هو: "كيف أترجم ما ليس قابلاً للترجمة؟" بل: "كيف أترجِمُ المُترجَم؟". وما أعنيه بالـ"مُترجَم"9 هو القول المهجَّن، المتعدِّد، الحامِل مراكمة تاريخية ذاتية وجمعية، على غرار إنكليزية الكتّاب الثلاثة المرفودة بحمولات ثقافية غريبة عن الإنكليزية المعيارية حملوها معهم هم أنفسهم من بلدانهم الأصلية أو نقلها لهم آباؤهم المهاجرون، والحاملة أيضاً رؤيتهم لذاتهم وللعالم التي تشكّلت طبقاتها خلال عبورهم الجندري وما يترتّب عنه. بالتالي، تصير لغتهم نوعاً من ترجمات متراكمة، عبور فوق عبور. فكيف أتفادى كمترجمة اختزال هذا الصوت المتعدّد وأتلافى السقوط في ما تسمّيه سامية محرز10 على خطى دريدا11: "أحادية اللّغة" الاستعمارية؟

لا مجال للتوسّع هنا في وصفٍ تقنيّ ولغويّ للاستراتيجيات الترجمية التي يمكن اللجوء إليها في النصّ نفسه أو في عتباته (الحواشي تحديداً). لكن يمكن بسرعة الحديث عن استراتيجيّتين: إما نزرع في اللغة العربية نفسها المعطى الغريب فنلقّحها به ونهجّنها، أو نفتّش فيها عن "غريب" داخليّ نوقظه، نفعّله، نُحييه. لا مفاضلة لطريقة على أخرى، والاثنتان تعملان بالتكافل والتزامن. ففي الحالتين نحاول، كما يدعو إليه كاظم جهاد12 ولورنس فينوتّي13 على خطى بيرمان وميشونيك، أن نوسّع في العربية مناطق غير معيارية تستقبل الغريب ولغته من دون أن تستحوذ عليه. أسعى إذن إلى أن أترجم لا إلى أن أعرّب. ولا ضير، بل من المطلوب، ألّا ينسى القارئ العربيّ أنه بصدد قراءة نصّ مترجم، أي غريب، يحتاج لفهمه أن يكفّ عن قراءة العالم من خلال عدساته الثقافية المركزية وحدها. المهمّ أن نفرّق بين ما تسمّيه ناديا لوار14 "ترجمة متمركزة إثنوغرافياً تشوّه النصّ الأصلي في سبيل أن تجعله قابلاً للقراءة في اللّغة المُتَرجَم إليها، وبين إعادة كتابة تتجاوز مساحتها الداخلية الخاصة لتعيد إلى سطح النصّ لا مقروئيته الأصلية".

على غرار الكوير، الترجمة هي قبل كل شيء انزياح عن المركز، وتلتقي مع الكوير بوصفها في العمق رفضاً للمعيارية ودعوة لتفكيك الحدود الثابتة للثنائيات التراتبية. إنها عملية ربطٍ ومدّ جسور لا نقلٌ باتّجاه واحد ونهائيّ. إنها رواح ومجيء بين ثقافتين ولغتين ورؤيتين للعالم... أو أكثر.

  • 1. “The word ‘translation’ comes, etymologically, from the Latin for ‘bearing across’. Having been borne across the world, we are translated men. It is normally supposed that something always gets lost in translation; I cling, obstinately to the notion that something can also be gained.” Rushdie, Salman. Imaginary Homelands: Essays and Criticism 1981-1991. London: Granta in association with Penguin, 1992.
  • 2. Munhazim, Ahmad Qais, and Zondon, Wazina. “When I Am No Longer Here: A Feminist Collaborative Autoethnography of Queer Muslim Death and Burials.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, vol. 7, no. 1, 2021, pp. 46-62. https://kohljournal.press/when-i-am-no-longer-here
  • 3. Bhardwaj, Maya. “Queering Solidarity: South Asian Diasporic Partnership with Black Liberation Movements in the US and the UK.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, vol. 7, no. 1, 2021, pp. 82-102. https://kohljournal.press/queering-solidarity-black-liberation-movements
  • 4. Berman, Antoine. “Translation and the Trials of the Foreign.” In: Lawrence Venuti (ed.), The Translation Studies Reader. London: Routledge, 2000, pp. 284-297.
  • 5. Ladmiral, Jean-René. Traduire : théorèmes pour la traduction. Paris: Gallimard, 2002.
  • 6. Spivak, Gayatri C. “The Politics of Translation.” In: Lawrence Venuti (ed.), The Translation Studies Reader. London. New York: Routledge, 2000, pp. 397-416.
  • 7. نسبة لعبارة الفيلسوف بليز باسكال الشهيرة: "الأنا مكروهة" Pascal, Blaise. Pensées. Paris: Flammarion, 2015 [1670].
  • 8. يستخدم سلمان رشدي (1992) مصطلح translated men لكننا اخترنا كلمة being خدمةً لفكرة نصّنا.
  • 9. أو الذات اللغويّة، فاللغة في السياق المطروح ضمن طيّ النص ليست البنية السمعية والرمزية والنحوية فقط، بل هي الفضاء المركّب الذي يتشكّلُ ترجمةً للسياقات الجغرافية والزمنية والجسديّة التي يُتداول في كنفها. فيصبح هذا الكيان اللغوي كناية عن حركيّة متعددة العناصر تتكون على إثرها الذوات الفردية والجماعيّة التي تغير بدورها المعالم الجغرافية والزمنية التي شكلت نَحوَ اللغة وأعيد تشكُّلها على إثره ضمن تفاعل جدليّ لامتناهي. إن محاولة تبيان اللغة كفضاء تتفكك فيه الذات وتتركّب في آن، أثّر في عملية تحرير الترجمة الإنجليزية لهذا النص (مديرة الترجمة).
  • 10. Mehrez, Samia. “Translation and the postcolonial experience: the francophone North African text.” In: Lawrence Venuti (ed.), Rethinking translation: discourse, subjectivity, ideology. London: Routledge, 1992, pp. 120-138.
  • 11. Derrida, Jacques. Monolingualism of the Other; or, The Prosthesis of Origin. Palo Alto: Stanford University Press, 1998.
  • 12. أنظر كاظم جهاد، ت. محمد آية حنا، حصّة الغريب - شعرية الترجمة وترجمة الشعر عند العرب. دار الجمل، بيروت، 2011.
  • 13. Venuti, Lawrence. The Scandals of Translation: Towards an Ethics of Difference. London: Routledge, 1998.
  • 14. Louar, Nadia. « Notre Dame du Queer ou du mauvais genre en traduction ». Palimpsestes, vol. 21, 2008. https://journals.openedition.org/palimpsestes/78
ملحوظات: