ترجمة الترجمة: القيمة المضافة والعمل في صناعة المحتوى الثقافي المعرّب

السيرة: 

أدهم سليم هو باحث وكاتب يعمل حالياً مديراً لتحرير منصة "الأركيلوغ" للنشر والترجمة.

باحثة ومترجمة واستشارية. يتركّز عملها البحثي في الثقافة والفنون وهي متخصّصة في الفنون العربيّة المعاصرة. يشمل عملها البحثي مجالات عدّة منها العمالة الثقافيّة والفنيّة المجندرة. عملت سابقًا كمديرة مساعدة في مركز بيروت للفن وشاركت في تقييم عدد من المعارض الفنيّة. هي أيضًا مؤسّسة مشاركة في "الأركيلوغ" منصّة إلكترونيّة للترجمة والنشر بشكل جماعيّ.

شكر‬ ‫واعتراف‬: 

Translation edited by the authors

اقتباس: 
أدهم سليم، ديمة حمادة. "ترجمة الترجمة: القيمة المضافة والعمل في صناعة المحتوى الثقافي المعرّب". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 1 (24 يناير 2022): ص. 102-105. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 27 فبراير 2024). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/341.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (529.02 كيلوبايت)

second_design_fb_cover.jpg

سهير عاطف

عملنا لسنواتٍ بين الصحافة والفنّ والثقافة، واكبنا خلالها توسّع ممارسات الترجمة ضمن الأنشطة اليومية في عمل المؤسسات الثقافية والفنّية والمدنية الناشطية. وألفنا تحوّلاتٍ مؤسّسيةٍ وتمويليةٍ على تماسٍ مباشرٍ مع تقلّبات السياسة والاقتصاد في عالمنا العربي، كانت في كثيرٍ من الأحيان مساهمةً في تقدّم مواقع الترجمة والتعريب في سلاسل توريد المنتجات الثقافية. وكنّا من أبناء هذا الجيل الذي شهد تكريس سمات العمل الثقافي في العالم العربي1 بتقاطعاته مع مفاهيم الإنتاج والقيمة ورأس المال، وما انطوت عليه من إعادة إنتاجٍ لذواتنا كمقدّمي خدمات: أُجَراء وعمّال نشتغل بالثقافة.

ورغم تصاعد أهمية الإنتاج الثقافي المُعرّب يظل وصف هذا التصاعد بدقّة والوقوف على أثره مرتبطًا بدراساتٍ كميّةٍ لا يتّسع لها هذا المقام. إلا أننا كنّا قد أشرنا في دراسةٍ تفصيليةٍ سابقةٍ إلى علاقة هذا التصاعد بموقع الإنتاج المعرَّب وممارسات التجسير الثقافي من رسملة الثقافة في العالم العربي بشكلٍ عام.2 ولا نودّ تكرار ما كتبناه سابقًا، إلّا أنه من المهمّ التذكير بأن وجود الترجمة، محض وجودها، هو بحدّ ذاته مبعث القيمة المضافة للرسملة هذه، إلى الحدّ الذي يُمكِن للبعض عنده وصف الإنتاج الفنّي والثقافي العربي برمّته كفعل ترجمة.3 وهو الحدّ نفسه الذي يُنبئ بتراجع لا قيمة النصّ المُترجَم فحسب، بل وقيمة الأصل نفسه، لصالح القيمة المضافة التي يستحدثها هذا الوجود المرآوي للنصّ مرفقًا بترجمته. فيغدو كلّ منشورٍ عربيٍ جديدٍ يتعاطى الثقافة مشروع ترجمةٍ سابقةٍ أو لاحقة. نسأل أنفسنا، إن كان كلّ اشتغالٍ بالثقافة العربية اليوم هو بطريقةٍ أو بأخرى ترجمة، ما الذي نفعله فعليًا حين نترجم؟

كتب فالتر بنيامين ذات مرة أن "جوهر العمل الأدبي يكمن فيما خلا الخبر... في الغامض والباطني والشاعري؛ في ذلك الذي لا يمكن للمترجم أن يعيد إنتاجه إلّا إن كان هو بذاته شاعرًا".4 على نقيض الاعتقاد الشائع بكون الترجمة عملًا اشتقاقيًا يختزل من أصالة الأصل، نعتقد على العكس، أن ما من اختزال بالترجمة إلّا وناظَرَته زيادة، تلك الزيادة التي يصفها بنيامين بالشاعرية، والتي ندعوها قيمةً مضافةً بحالة الرسملة الثقافية. وإن كان كلّ مكتوبٍ في لغة هو بالضرورة مشوبٌ بالنواقص والفقد، فإن مدعاة الترجمة في كثيرٍ من الأحيان هي جبر الناقص ورأب المفقود. فما هو المفقود الذي تُتِمّه الترجمة العربية؟

نودّ أوّلاً تمييز ما نترجمه. فللكتابة الثقافية لدى الكتّاب العرب، والمسمّاة عُرفًا بالتنظير أو النظريات، لغةٌ متمايزةٌ نشأت بفعل ضغط الاتساق مع معايير الصِنعة الأكاديمية في الشمال من جهة، وضغط الوفاء لمستجدات شواغل الرأي العام وتوثيق الراهن في الجنوب من جهةٍ أخرى. وتقتضي الحاسة البلاغية الناشئة بين هذين الضغطين كتابةً تؤثر الطارئ على البنيوي؛ والذاتي على الموضوعي؛ والأخلاقي على السياسي، وتُعلي من شأن التجربة الشعورية والمعاناة الفردية، لا سيّما حين الحديث عن الجسد والجندر.5 تكتسب هذه الكتابة صفة التنظير ليس فقط عبر الاقتباس من، أو التناص مع، نصوصٍ عُمَد أكثر رواجًا وتأثيرًا كُتبت سابقًا بلغاتٍ أخرى، وإنما أيضًا عبر استبطان شهيّة قرّاء تلك النصوص السابقة كقرّاءٍ متخيَّلين. نترجم إذًا نصوصًا تراءت مترجَمةً بالفعل في ضمائر كتّابها.

على المقلب الآخر، نترجم أيضًا نصوصًا كُتبت بغير اللغة الأمّ لمؤلفيها. وتقتضي الكتابة بغير اللغة الأمّ أحيانًا استبطان الكاتب لدور الدليل المحلّي. وقد تضطره خصوصية أو تعقيد الظواهر التي يتناولها بالكتابة إلى تعاجم الإثنوغرافيين الأوائل وادعائهم التماهي مع خصوصيات السياق المحلّي، فينحت أو يفرنج مفردات اللغة الأمّ ويسوقها كدوالٍ مستقلةٍ سرعان ما تفقد خصوصيتها ووقعها الإكزوتيكي وسلطتها عندما تُعاد لكنف لغتها الأصلية. فيقع على عاتق الترجمة حين ذاك صوغ المبرّرات لا دفاعًا عن النص فحسب بل وعن الدافع لوجودها من حيث هي ترجمة.

هي نصوصٌ ترصد وتحلل وتستشرف ظواهر على درجةٍ ما من المحلّية والفرادة. إلّا أن وسمها بذلك، بل ومحض تجلّيها كموضوعاتٍ للبحث والنظر، هو بحدّ ذاته أثرٌ لعلاقاتها بحركة رأس المال الثقافي في جغرافياتٍ أكاديميةٍ أخرى. بمعنىً آخر، وبالرجوع إلى بنيامين، تمتلك بعض النصوص علّةً تجعلها مستدعيةً للترجمة، إلّا أن وجود هذه العلّة في الكتابة الثقافية المعرّبة، هو بحدّ ذاته أثرٌ للترجمة. فالترجمة هي ما يجعل الأصل أصلًا، تتمظهر قيمته في كونه وافدًا مرفقًا بترجمته. وهي أيضًا ما يوثّق لرحلة التأرجح بين دفّتي الهوية والاغتراب وعلاقات القوّة التي تتحكّم بحريّة وتكافؤ حركة الكاتب والمعرفة ذهابًا وإيابًا فيما بينهما، هذا إن لم تكن في حدّ ذاتها منساقةً إلى التواطؤ في عمليّة تكريس هذه الثنائية وتوريتها وتطبيعها.

  • 1. على إثر بعض التحفظات الحائمة حول استخدام عبارة "العالم العربي" والتي ذكرت أثناء عملية التحرير، وعطفا على حوار بين أعضاء فريق التحرير والمترجمين-الكاتبين، تقرر الإبقاء على العبارة. وفي هذا الصدد شدد الزميلين المترجمين على تمسكهما بالعبارة لجهة أن كلمة "عالم" لا تمثل بالضرورة حيزاً جغرافياً محدداً، كما أنها تؤشر على درجة ما من التنوع داخل هذا العالم (بعيداً عن الإيديولوجيا العروبية). من ناحية أخرى، يحمل المترجمان-الكاتبان الكلمة على محمل الحديث عن نظرة معينة للعالم انطلاقاً من سياقاتنا المحلية، كما في world view بالإنكليزية مثلاً، أكثر من كونها دالة إثنية. السبب الآخر هو تفضيل المترجمين سهولة البيان التي توفره العبارة للقارئ (المترجمان). في هذا الصدد يمكن أن نضيف ان تحطيم المدلولات الإقصائية التي أُشبعت بها المصطلحات والعبارات الهوياتية لا يمكن أن يكون إلا من خلال عملية إعادة تسييق شاملة تشق من رحم ما سُلب من لغتنا باسم مذاهب البرجوازية القومية معانيَ تحرريةٍ جديدة. لا بد ألا نضطر إلى الإنصياع إلى معايير الصوابية السياسية وقوالب خطاب الأقليات التي ترفعها أكاديميا الليبرالية واليسارية الخجولة في انتجاتنا المعرفية، بل علينا أن نخط طريقنا خارج استلابنا اللغوي نحو ذات لغوية تتمظهر فيها بوضوح صيرورة سردياتنا الطبقية والثقافية (مديرة الترجمة).
  • 2. Hamadeh, Dima. “Bridges, Hearts, Cash: Neoliberal Markets of Cultural Understanding.” The Contemporary Journal, no. 1, 2018. https://doi.org/10.31411/tcj.01.01
  • 3. Davies, Clare. "Tarjama/Translation: Arteeast Exhibition at The Queens Museum of Art, New York, 10 May–27 September 2009." Arab Studies Journal, vol 18, no. 1, 2010, p. 342.
  • 4. Benjamin, Walter. “The Task of the Translator.” Walter Benjamin, Selected Writings Volume 1 1913-1926. Edited by Michael W. Jennings and Marcus Paul Bullock. Harvard University Press, 2004, pp. 253-255.
  • 5. قياسًا على ملاحظة ألكس ويليامز ونيك سرنيتشك في معرض تقديمهما لنقد خطاب اليسار الشعبوي. وتنطبق الملاحظة ذاتها على كل نقد يحاول إدعاء الانخراط في المحلي والجاري عبر تقمص الآنية المفاهيمية. للمزيد: Srnicek, Nick, and Williams, Alex. Inventing the Future: Postcapitalism and a World without Work. Verso Books, 2016, pp. 10-11.
ملحوظات: