مُعترك الترجمة

السيرة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

اقتباس: 
مايا زبداوي. "مُعترك الترجمة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 1 (24 يناير 2022): ص. 1-3. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 23 أبريل 2024). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/330.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (235.73 كيلوبايت)

لا يكفي أن يكون لديكِ ما تقولينه لتصدح أفكارك المُسكتَةُ عالياً رغم ضوضاء المآسي، أو تزلزِلَ مُعاناتُكِ سعادةَ المنتفعين من منتظمات الاستغلال في ملاهيهم االإستهلاكيّة. لايكفي أن يكون لديكَ ما تقولَه لتجعل لوجودِكَ شرعيّة تُنكِّس أعلام الجيوش عند استبداديّة حدود الدول القومية ولا يكفي أن يكون لديك ما تقوله لتُخرج جسدَك عن مختبئه، أو لتنقذ سرديَّتك وسرديّة أسلافك من مكيدة النسيان.

ثمة فضاء شاسع، من أصوات ورموز ومؤسسات وأسماء وأموال وهرميات وسياسات وجيوش، يحول بين ما نريد أن نقول وبين الواقع الذي يحاصرنا، إنه فضاء اللغة. واللغة عند أي محطّة زمنيّة هي تَرِكةُ البُنية الفوقية المُهيمنة، هي ثمرة المُستبدّ وهي أرض معركةٍ لكلّ من يناقض أحكام ذاك الاستبداد – لكلّ رافضٍ لفِقه لغة استُبعد عنها. هذه إحدى قصص ولادة الترجمة، كمحاولةٍ لكسر العزلة التي قد تستوطن اللغة، ولتُعيد صقل معاني البناء اللغوي القائم، بقلب نحوِه أو بإعادة تركيب سياقاته، أو بافتعال مواجهة مع قالب لغوي آخر – غريب.

إذا سُيّست الترجمة وانتظم المشتغلون فيها، أمست أداة أيديولوجيّة للنضال وساحة لمواجهة واقع الاغتراب الذي يستحكم بالفرد والجماعة تحت أحكام الأزمنة الرأسمالية وجغرافيتها. إذا امتُهنت الترجمة ورضخت لمؤسسات إنتاج رأس المال المعرفي المُشَرعَن، باتت آداةً أيديولوجية للقمع اللامرئي والاستتباع وإعادة إنتاج النمطيات والثنائيات و الإزاحات الإحلالية التي تبني عوالمنا القائمة، وتبقى تتوسع لتبني منطقًا يحلّل ويناقش واقع الدمار والتهجير والانتحار والإبادات التي نعيشها، لا لهدفٍ أو مآلٍ سوى الاستهلاك المعرفي المجرّد.

هكذا، اخترنا في هذا العدد أن نتذكّر معًا، أن النسوية والاشتراكية والماركسية مدارس تحرّرية، خُلقت من رحم لغة الواقع لتنتج وقائع لغويةٍ جديدة والعكس، في علاقة جدلية معقّدة وشاسعة تظهر في أدبيات الفكر الكويري بيّنة ومُلتبسة في آن.

عليه ستأخذنا أقلام مترجمينا والكُتّاب، لنَعبُر معًا حدود اليونان أوّلا في إطلالة على فوضى الألفاظ الكويرية التي تتبدّل مع تبدّل البنية الاقتصادية وتستلهم من الطبقية هويتَها، ثمّ نعود إلى نكبات الواقع الحياتي اللبناني في محاكاة جريئة لفعل الانتحار كترجمة لبنية اقتصادية واجتماعية ولغوية آسنة، ولكننا لا نتوقّف عند حدود التشخيص والملاحظة والأرشفة، بل نحاول الاشتباك، منهجيا على الأقل، مع أصحاب القلم والمشتغلون في التنظيم السياسي ضمن الفضاء الباكستانيّ المحموم، حيث نقارع أعداء التحرّر ونشكّك في نهج أتباعه في آن معًا. وهكذا نصل قُبيل مِسك الختام إلى سؤال العنف والمقاومة كفعلين لغويّين وجسديّين يحدّدان معالم التضامن العالمي.

وأخيرًا يخرج إلينا من بين شُعُب الموضوعات تلك، أقلامٌ اعتدنا رؤيتها في الهوامش وعند أعقاب الصفحات، ستخرج إلينا أقلام مترجمين ومترجمات نخوض معهم/هنّ مُعترك الترجمة. تخاطبنا المترجمات من مواقعهن السياسيّة كنساء ولاجئات ومهاجرات وأمّهات باسم هوياتهنّ الأيديولوجية. في السياق عينه، سيهمس لنا رفاق/ات العمل الترجميّ شيئا عن أسرار الرفض والتمرّد من مواقعهم/نَّ كأساتذة وطلاب وعمّال غاضبين/ات ومنسيين/ات. إن هذه الإسهامات تأتي ثمرة ما أسميناه "مختبر الترجمة"، والذي أتى تنظيمُه بهدف تبيان تفاعليّة العمل الترجميّ والإيقاع الجماعي والنقدي الذي يرسم معالمه. عليه، سيُعيدُ لنا مترجمونا في هذا العدد التواضع لفعل القراءة والكتابة والنقد اللغوي، فيما يشبه توطئةً لفعل تفكيك شامل لساحة اللغة والترجمة – فعلُ تفكيك طبقي متين يليق بمعالم الصراع المُعاش. حصاد هذا المختبر يُطلعنا على الكثير من تفكّرات الفاعل المُترجِم، ولكنّه والأهمّ يدلّل على وجوب إعادة النظر في منطق إنتاج المعرفة، مُحرّضًا إيّانا على هالة العفّة االتي ما زالت رغم وابل الكتابات النقدية الديكولونيالية وغيرها، تلتسق بالمنهج الأكاديمي المؤسسي. إن التركيبة الجَسورة لما طُرح من معارف ترجميّة تذكّرنا بضرورة بناء هيكل انتاجيّ جديد يقارع الهرميّة المعرفية المؤسسية المهيمنة. عليه نأمل أن يتمخض عن هذه التجربة النواتية بدايات سياسة تخصص حيّزًا للإفصاح المعرفيّ، يقودها المترجمون/ات من مواقعهم/نّ السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمواجهة العملية الإنتاجية وأصولها وأطرها الزمنيّة وإملاءاتها الموضوعيّة التي يحدّدها أصحاب رأس المال النقدي والمؤسسي، من مموّلين وأصحاب نفوذ*. فالمواجهة بقيادة أدبيات ينتجها القابع في أسفل الهرمية المعرفية وعند الحدود مع القارئ المنسيّ، هي في نهاية المطاف السبيل الوحيد نحو الخروج عن مختبآتنا السياسية-المعرفيّة.

امتزجت مقالات هذا العدد بمقالات عدد ما بين الواقعي والمتخيَّل: بناء عوالمنا الكويرية، ولا عجب في ذلك لأن الترجمة هي فعل بناء وهدم وتشذيب وتدشين لغوي لبنى الواقع الملموس وتخيّلات الواقع المنتظَر. الترجمة هي الفعل المواكب لكلّ لحظة تنطوي على تفكير ذاتي وإفصاح علنيّ وتفاعل جماعي. والترجمة قبل كل شيء هي كأي فعل انتاجيّ، ابنةُ عمّالها، ومعانيها المتغيّرة سنجدها هناك في التبدّلات التي تعيشها علاقات العمل وبنى الاستغلال التي يحياها أولئك العمّال والعاملات في حقول الإنتاج المعرفي الشائكة.

ملحوظات: