بين الأمومة والعاطفة: مرسال وسؤال "كيف تلتئم"
olive_tree_website_ar.png

سارة السرّاج - شجرة زيتون
فكرة البيوت
بِعتُ أقراطي في محلّ الذهب لأشتري خاتماً من سوق الفضّة. استبدلتهُ بحبرٍ قديمٍ وكرّاسٍ أسود. حدث ذلك قبل أن أنسى الصفحات على مقعد قطارٍ كان من المفروض أن يوصلني إلى البيت. وكان كلّما وصلتُ إلى مدينةٍ بدا لي أنّ بيتي في مدينةٍ أخرى.
تقول أولجا من دون أن أحكي لها ما سبق: "البيت لا يصبح بيتاً إلا لحظة بيعه، تكتشف احتمالات حديقته وغرفه الواسعة في عيون السمسار، تحتفظ بكوابيسك تحت السقف نفسه لنفسك، وسيكون عليك أن تخرج بها في حقيبة أو اثنتين على أحسن الفروض". أولجا تصمت فجأة ثم تبتسم، مثل ملكةٍ تتباسط مع رعاياها، بين ماكينة القهوة في مطبخها وشُبَّاك يطلّ على زهور.
زوج أولجا لم يرَ مشهد الملكة، وربما لهذا لا يزال يظنّ أنّ البيت هو الصديق الوفي عندما يُصبح أعمى، أركانه تحفظ خطواته وسلّماته ستحميه برحمتها من السقوط في العتمة.
أبحثُ عن مفتاحٍ يَضيع دائماً في قعر الحقيبة، حيث لا تراني أولجا ولا زوجها، حيث أتدرب في الحقيقة حتى أتخلّى عن فكرة البيوت.
كلِّ مرةٍ تعود إليه وتراب العالم على أطراف أصابعك، تحشر ما استطعت حمله في خزائنه. مع ذلك ترفض أن تعرف البيت بأنَّه مستقبل الكراكيب، حيث أشياء ميتة كانت قد بدت في لحظة ما تفاوضاً مع الأمل. ليكن البيت هو المكان الذي لا تلاحظ البتة إضاءته السيئة، جدار تتسع شروخه حتى تظنها يوماً بديلاً للأبواب.
– إيمان مرسال (التشديد مضاف)1
سمعتُ هذه القصيدة قبل أن تقع عيناي عليها.2 لم أكن قد التقيتُ بإيمان مرسال من قبل، ومع ذلك أسَرني سطرٌ واحدٌ منها منذ اللحظة الأولى، وظلّ يقيم في داخلي طويلًا.
حتى أتخلّى عن فكرة البيوت.
وقعتُ على نصوص مرسال في زمنٍ كنتُ فيه تائهة، منقطعةً عن جذوري: في أواخر العشرينيات من عمري، أبدأ برنامج دكتوراه بعيدًا عن وطني، فيما كانت توقّعات الأسرة والمجتمع المغاير جنسانيًا تثقل كاهلي وتدفعني على عجلٍ نحو الارتباط بشخصٍ ما. محاصَرة بالتزامات تبدو اعتباطية… وحيدةً تمامًا. أخذ ينمو في داخلي توقٌ إلى أن أشعر بشيءٍ مختلف، بأي إحساسٍ آخر. وكنتُ أتساءل: كيف يمكن لوحدتي أن تنقلب إلى شيء من الوفرة؟
كان سماعي لهذه القصيدة في طريقي إلى شقتي اللحظةَ الأولى التي أتاحت فيها رواية مرسال أن ينكشف ضياعي. فجأةً بدا الأفق الذي طُلب منّي السعي نحوه، أفقًا معطوبًا: لا السعادة، ولا الوفرة، كانتا تنتظراني بالضرورة على ضفّته الأخرى. عندها فقط تخلّيت عن فكرة البيوت.
أحيانًا، وأنا أتجوّل على مهلٍ في أروقة معرض القاهرة للكتاب، وقع بين يديّ كتابٌ لافت الشكل: "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها".3 كانت تلك المرّة الثانية التي يمرّ فيها اسم إيمان مرسال أمامي. تساءلت: ماذا تحاول أن تقول لي هذه المرّة؟ وقرّرت أن أتبع هذا الأثر.
إيمان مرسال شاعرةٌ مصرية وكاتبة تقيم في كندا، عُرفت بأسلوبٍ يزاوج بين الشخصي والسياسي، وبنبرةٍ متروّية تُبصر الحميميات والاغترابات وأشكال النقد اليومي. في هذا الكتاب تدعو القارئ إلى التأمّل في الذاكرة والأسى وتجربة الأمومة، من داخل مختبرها الكتابي ذاته. الكتاب محاولةٌ لاستيعاب الفقد في صوره المتعدّدة: موت أمّها إثر الولادة، اغتراب المنفى، وتقلّبات أن تكون أمًّا لطفلٍ يعاني اضطرابًا نفسيًا. تجمع مرسال أرشيفًا حميميًا من الصور والمذكّرات والأحلام وشذرات الكتابة، لتشيّد خريطةً شخصية للفقد والذاكرة والأمومة. وهي لا تسعى إلى خاتمةٍ مريحة أو تصالحاً مع الذات… بل تغوص في التناقضات والارتدادات التي تحيط بالتمثيل الجمعي والحياة المعاشة ومعنى الخسارة. في قراءتي، يتجاوز الكتاب كونه شهادةً شخصية؛ إذ يتحوّل إلى منهجٍ لمعالجة العاطفة بوصفها شذراتٍ متقطّعة تدور حول الأمومة. نصٌّ بلا خطٍّ مستقيم، تطارده تكراراته، وتظلّ خلاصاته مفتوحة على أي احتمال.
لا تنبع قراءتي التأمّلية لأعمال مرسال من رغبةٍ في فرض منهجٍ تحليليٍّ بعينه أو في تأطير قراءاتٍ نقدية لاحقة لها. على العكس، لا أبتغي محاكمتها نقديًا بقدر ما أسعى إلى الانخراط معها في فعل "صناعة العالم" بوصفه ممارسةً مشتركة؛ أن أتعامل مع كتابها كأرشيفٍ للعاطفة متجذّر في معرفةٍ مُعاشة ومتجسّدة، لا كمجرّد شهادةٍ شخصية. ما يكشفه هذا الأرشيف، عبر الإفصاح والتأمّل، هو إمكاناتٌ لعلاقاتٍ أخرى: مساءلتها الدائمة لذاتها، حوارها المتواصل مع حضور والدتها الطيفي، التفاصيل الدقيقة لرعاية أطفالها، ولقائي أنا بكلماتها في لحظةٍ من الانكشاف. هذه الخيوط المتشابكة لا تشير إلى سيرةٍ فردية فحسب، بل تومئ إلى احتمال قيام عالمٍ مغاير، عالمٍ يتشكّل على مهلٍ في مساحات الكتابة والقراءة معًا.
يستند منهجي، إلى حدٍّ بعيد، إلى مقاربة ديبورا توماس (Deborah Thomas) التي ترى في أرشيفات المشاعر نافذةً تُتيح "إمكاناتٍ جديدة لرؤية روابط لم تُدرَّس من قبل، ولإعادة ترتيب مسلّماتنا الوجودية" (2019:6). وفي هذا المعنى تحديدًا، يفتح كتاب مرسال تلك النافذة؛ إذ يُمهّد لما تُسمّيه توماس "الشهادة 2.0"، بوصفها ممارسةً للمشاهدة والإصغاء والإحساس، تقوم على علاقةٍ متبادلة وتورّطٍ عميق بين الذوات. من خلال هذه القراءة، بدأتُ أُدرك الأمومة/الأبوّة لا كدورٍ اجتماعي فحسب، بل كطريقةٍ مُجسّدة للمعرفة تكشف الثنائيات التي تُنتجها وتُربكها في آن. كما تلامسني تأمّلات سعدية هارتمان (Saidiya Hartman) في "حيوات ضالّة" (2019)، حيث تكتب عن شعورها بالارتباط بمحاوريها الأرشيفيين، وترى في رغباتهم ومقاوماتهم إمكانًا لترتيباتٍ أخرى للعالم (2021:128). انجذابي إلى نص مرسال ينبع من إحساسٍ مشابه؛ فقد تحوّل التأمّل المتكرّر في كلماتها إلى تمرينٍ بينيّ لاستكشاف تاريخ الحميمية، ومحاولةٍ لتسجيل الإمكانات التحويلية للحياة الأمومية عبر سردٍ دقيقٍ ومُتأنٍ (2021:129). ويُسعفني تذكير سارة أحمد (Sara Ahmed) بأن القراءة شكلٌ من أشكال التفاعل الاجتماعي، ولقاءٌ يتشكّل بفعل القارئ والنص والزمان والمكان معًا (2000:15)، في تسمية ما يحدث في علاقتي بكتابة مرسال. لستُ معنيّة بتتبّع "شخصية الغريب" في عملها بقدر ما أنجذب إلى وسيطٍ تأمّلي يتيح لي تتبّع آثار الأمومة/الأبوّة كما تتشكّل عبر النص. وبالاستناد إلى توماس وهارتمان وأحمد معًا، أقترب من الكتابة بوصفها تجربةً حميمية وبدنية ونقدية في آنٍ واحد؛ مقاربة تُمكّنني من التقاط تلك الآثار الأمومية المتدفّقة من السرد ذاته، والتي كثيرًا ما تتجاوز حتى قصد كاتبته (بوليتي، 2012).
إنّ النظر إلى تجربة مرسال بوصفها منهجًا يقتضي، في الوقت ذاته، الإصغاء إلى التأمّل كفعلٍ ترميميّ تتقاسمه الكاتبة والقارئة معًا. تتأمّل مرسال لا لتُبدّد ما يطاردها، بل لتقيم معه وتختبر ثِقله؛ وفي تلك المساحات الهشّة تتدفّق العاطفة الأمومية فتُنعش شهادتها، وتبحث الأحاسيس عن منفذٍ تتنفّس منه. هنا تغدو الأحلام والخيال والتفكير التأمّلي "وسائل لخلق أنواعٍ أخرى من القصص" (هارتمان، 2021:135)، قصص تُفلت من قبضة التجريدات العنيفة التي تضيق بها عوالمنا. وأنا بدوري أتأمّل مع مرسال: أُقِرّ بالأشباح التي تُسمّيها، وأُصغي إلى الأطياف التي لا إسم لها لكنها تقيم في النص، وأرسم، عبر هذا الإصغاء المشترك، ما قد يبقى ممكناً من فضاء الإمكان.
كان الجمع بين مفهومي "الأمومة" و"الرعاية الأمومية" اختيارًا واعيًا. فالرعاية الأمومية تحيل إلى ممارسةٍ حيّة تتشكّل في الفعل اليومي، بينما توحي الأمومة بوضعٍ أو أفقٍ ممتدّ، أقرب إلى مسارٍ طويل أو التزامٍ زمنيٍّ مفتوح. الأولى آنيةٌ ومتبدّلة، والثانية سيرورةٌ تتراكم أبعادها مع الزمن. ومع ذلك، يستحيل الفصل التامّ بينهما؛ إذ تتشابك الأفكار بالأفعال كما يتعانق الماضي بالحاضر والمستقبل في نسيجٍ واحد. لهذا أستدعي مصطلح "أمومة" في العربية، بما يحمله من قدرةٍ على الجمع بين حقلَي المعنى: عالم الفكرة وعالم الممارسة، ليشير إلى علاقةٍ مركّبة يتداخل فيها التجسيد الذاتي مع التكوين الأيديولوجي والتاريخي. ومن هنا يبدو لي مصطلح "الرعاية الأمومية" بصيغته الهجينة انعكاسًا صادقًا لتعقيدات التفاوض مع الثنائيات التي تُفرض على الأمّهات في العالم الحديث.
ولكن، لماذا أرشيف للعاطفة الأمومية؟ هذا يعيدني مرّة أخرى إلى عنوان الكتاب: "الأمومة وأشباحها". فالدلالة الطيفية في العنوان توحي بأن شبحًا ما قد حلّ أو لا يزال يحلّ، بأن حضورًا محسوسًا يرافق غيابًا ظاهرًا، أو يعلو على الصمت. وفي "الأمور الطيفية"، تصف آيفري ف. غوردون (Avery F. Gordon) (1997) الاضطراب الطيفي او الملاحقة الطيفية بأنه حضور محسوس لما يبدو غائبًا أو مفقودًا، أو حتى مسكوتًا عنه. وفي هذا الفضاء الرمزي، تتحوّل الأشباح إلى علامات، والاعتراف بها قد يقود إلى "ذلك الموقع الكثيف حيث التاريخ والذاتية يصنعان الحياة الاجتماعية" (1997:8). تكمن ضمن هذا الاضطراب الطيفي شحنةٌ عاطفية، قد تكون بمثابة "بنية شعورية لواقعٍ نختبره، ليس كمعرفة باردة، بل باعترافٍ منتجٍ للتحوّلات" (نفس المصدر). يزخر كتاب مرسال باللقاءات الطيفية – صورة أمها الشبحية، ولحظاتها الخاصة بالغرق في الأمومة، واغترابها في المنفى – لتكشف كيف أن أبعاد الأمومة العاطفية كثيرًا ما تُقلّل من شأنها، نظرًا لطابعها المُصادر للذات، وعلاقتها الغريبة عن مفهوم المثالية. وبالفعل، إن التوقّف عند هذه العاطفات الأمومية "غير السارّة" يفتح مساحةً ناشئة للاعتراف، مساحة ترتكز على علاقات تتجاوز الثنائيات الصارمة لعالمنا المعاصر، وتعيد للمعاش تجربةً أمومية لم يسبق أن أوليت احتراماً أو اعتراف.
العاطفة: فعل نكران
مع أنّ سرد مرسال يعكس بلا شكّ صراعاتها الحميمة والشخصية مع الأمومة، إلا أنّه مشحون بتشابكات أوسع، تمكّنه من الانتقال والتجاوب في سياقاتٍ تتجاوز تجربتها الفردية. فكيف للأمومة أن تكون، في ذات الوقت، علاقةً تمنح الحياة وتستولي على الذات؟ كيف يكون في العلاقات المترتّبة عن الأموميّ وجهٌ من مصادرة الذات؟ الشعور بالذنب، كما تشير مرسال، هو أحد هذه الميادين الانفعالية التي تكشف عن طبيعة هذه المصادرة. فتكتب:
يبدو الشعور بالذنب وكأنه الشعور الذي يوحّد الأمّهات على اختلافهن. إنه يكمن في المسافة التي تقع بين الحلم والواقع مثلما في البنوة والحب والعمل والصداقة، هو أيضاً نتاج المسافة بين مثالية الأمومة في المتن العام وبين إخفاقاتها في الخبرة الشخصية. (2017:12)
تضع هذه الأطر الثقافيّة التي تحدّد الأمومة المثاليّة حدودًا صارمة لما يُعترف به من تجارب وما يُحجب أو يُزيَّف. وبالاستناد إلى مفهوم بتلر (Butler) عن "قابلية الحزن" (2004)، أُدلل إلى هذا الحجب بـلفظة "إنكار الواقع": فمن تُستحق أن يسلب منه فعل الحداد؟ بينما كان بتلر يتناولون فقدان الأرواح البشرية، يمكن توسيع معنى الفقدان بوصفه مصادرةً وتجريدًا للوجود. وفي سياق الأمومة، تشير مرسال إلى معايير الأمومة المثاليّة في الخطاب العام؛ فصورة الأم المثاليّة تُحدّد وتُنتَج من خلال محو واقع المصادر التي تحدث بحقّ الذوات عند الولوج في حياة الأمومة. هكذا تتجسّد قسوة إنكار الواقع في المشروطية التي تتولد أمام الاعتراف بالذات. وهكذا، تتحوّل الأمومة المثاليّة إلى عدسةٍ تنظيميّة تروّض بها نفسها وتحدّد بها ما هو مقبول وما هو مرفوض (بوار، 2007)، آليةً لإقصاء أشكالٍ أخرى من الأمومة دون أن تترك أثرًا ظاهرًا. كما يؤكّد بتلر (2004) أنّ تجريد الإنسان من إنسانيّته يظهر عند حدود الحياة الخطابيّة، عند ما يُجعل التفكير فيه مستحيلاً أو غير طبيعي. وعندما تشارك مرسال مشاعرها المؤلمة، فهي تكتب ضدّ هذه الحدود التي تهمّش أمومتها وتحوّلها إلى مصدر إشكال. تكتب عن قسوة الأمومة المثاليّة في غياب الإحالة، عن الأنانية التي لا يُقصد بها التمكين، بل بوصفها ملاذًا لا تستطيع الأمّ الكاتبة التخلّي عنه، رغم ثقل الذنب الذي يستنفذها. تكتب عن صعوبة التعايش مع مرض أحد أحبّائها النفسي، وعن الاستياء الذي ينشأ حين تُجعل مسؤولةً عن الفشل أو المشكلة. تكتب عن الأسرار التي تفكّر بها الأمهات غالبًا ولا يجرؤن على نطقها. والأهمّ من ذلك، تكتب عن أحلامها بوصفها بوّابات يبيت في ثناياها إنكار الواقع للأمومة الجريحة، الأمومة الناقصة. تكتب لتستعيد بذلك حضورها وما فقدته من روابط ومعنى.
عاطفةٌ مشتّتة
تكتب مرسال من موقعٍ تصفه سارة أحمد بـ"العاطفة المُغتربة" (2010)؛ موقع شخصٍ لا يحتكم – وربما لا يرغب أن يحتكم – إلى المعايير الاجتماعية لما يُسمّى بالأمومة الصالحة. وفي نصّها "السعي نحو الأشياء" تذكّرنا أحمد بأن السعادة ليست عاطفةً حرّة، بل ثمرة شبكةٍ من التوقّعات الاجتماعية: العائلة، الزواج، الأطفال – تلك "الأشياء" التي تحوم حولنا بوصفها وعدًا جاهزًا بالسعادة. تبدو مرسال، ظاهريًا، من أصحاب هذا الوعد كامرأةٍ في زواج ولها أطفال، غير أنّها لا تتشدّق به ولا تنغمس في يقينه المفترض. عبر إبراز التباينات التي تعيشها كأمّ، تحاول أن تزيح الضباب عن هذا الوعد، كاشفةً الأمومة بوصفها فعل تفاوضٍ دائم بين الذات والمجتمع، لا مسارًا طبيعيًا أو قدرًا محتومًا نحو السعادة.
يتجلّى اغترابها بوضوح في موقعها المزدوج كأمٍّ وكاتبة؛ إذ تكشف كتاباتها الهوّة بين ما يُفترض أن تمنحه الأمومة من طمأنينة، وبين ما تولّده فعليًا من مشاعر متناقضة وتشتّت داخلي. لا تسعى مرسال إلى طمس هذا الاضطراب العاطفي، بل تغوص فيه كتابةً، وتحوّله إلى مادةٍ للتفكير والتجربة. هكذا تتموضع إلى جانب كاتباتٍ أمّهات مثل أدريان ريتش (Adrienne Rich) وآنا شفيتشنسكا (Anna Swirszczynska)، حيث تجد في أعمالهن صدىً لتجربتها الخاصة، وتواصل تعميق هذا الأفق الكتابي. فالمعضلة، بالنسبة لها، لا تكمن في تحقيق توازنٍ مثالي بين الكتابة والأمومة، بل في التمسّك بالصراع ذاته ومواجهته بوصفه شرطًا للإبداع والحياة معًا.
عندما تنجح الكاتبة في أن تكون أمّاً ليوم ستشعر بالفشل تجاه ما لم تنجزه من قراءة أو كتابة، عندما يكون لديها يوم لنفسها ستتألّم من أنانيتها. عندما تستطيع في يوم ثالث أن تكتب بينما يجلس طفلها على ركبتيها، وأن تلعب معه لعبة الاستغماية بينما تفكّر في تغيير كلمة في قصيدة، لا توجد ضمانة أنها لن تشعر بالذنب أو الفشل في فعل ذلك. أيضاً، لا توجد ضمانة أن طفلها سيقرأ ما كتبته يوماً أو أنه لن يكون غاضباً مثل جان ابن إليزابيث كوستلّو. (2017: 31)
يتجلّى الإحساس بالاغتراب أيضًا في سرديّاتٍ أخرى موازية لتجربة مرسال. فشيرين أبو النجا (2018) تكتب عن العاطفة التي تنشأ من الوجود في مجتمعٍ يُمجِّد الأمومة، كامرأةٍ لم تُنجب أطفالًا: "لستُ أمًّا، وعليه لستُ موجودة". ترعرعت شيرين ومرسال في مصر، حيث يُنظر إلى الأمومة، كما في كثيرٍ من مجتمعات الشرق الأوسط، بوصفها فريضةً ورزقًا واكتمالًا للإيمان وغايةً للحياة. وضمن هذا الإطار، تُقابَل النساء اللواتي لا أطفال لهنّ بنظرات الشفقة أو التعالي، ويُختزل وصفهن إمّا في "خياراتٍ ضالّة" أو في عجزٍ عن الإنجاب. وكذلك تعاني الأمهات اللواتي لا يمتثلن لمعايير الأمومة النمطية أشكالًا مماثلة من الأحكام الاجتماعية. في هذه التفاعلات والاضطرابات تتبدّى معضلات كتاب مرسال، بوصفه شهادةً لكلّ مَن يعيش حالةً من الاغتراب العاطفي. إذ تنخرط الكاتبة في قلب تشتّتها، فتحوّل هذا الاغتراب إلى فعل إفصاح، مربكةً بذلك أحكام السعادة المترسّخة في البنية الاجتماعية، ومفسحةً المجال لتصوّر أمومةٍ يمكن أن تُعاش على نحوٍ مختلف.
العاطفة: التأمّل
في الفصل الثاني من كتابها "أن تجد أمك في الصورة: عن الأمومة والصور"، تعود مرسال إلى الأرشيف الصوَري للأمّهات، لتطرح أمامنا شكلين من الأمومة: الأم غير المرئية والأم الوسيطة. الأم غير المرئية تضحّي بكل شيء من أجل طفلها إلى درجة يصبح حضورها بالكاد ملاحظًا، ويستلزم الاعتراف بها مقدّمات وتعريفات صريحة. أمّا الأم الوسيطة، فيُعرف وجودها من خلال ألفاظ فدائية تُسخّرها لها عوامل اجتماعية معيّنة، وأحيانًا تشكيلات سياسية وحراكات اجتماعية. لا يُمثّل أيٌّ من هذين النموذجين تجربة مرسال الخاصة، التي تتناقض مع سياسات الرؤية والاحترام الضمنية في هذين النموذجين.
تتجلّى الأم غير المرئية في الجداريات التاريخية المتراكمة حول العائلة والأطفال. ففي بعض هذه الصور النمطية، تُغطّى الأم حرفيًا بستارة أثناء رفعها للطفل حتى تلتقط الصورة. وفي صور أخرى، تكون الأم موجودة، لكنها تبدو أثيرية، أو حتى شبحية. ولا يمكن فهم ملاحظة مرسال إلا في سياق حالة الارتباك التي تشعر بها تجاه الصورة الأولى والوحيدة التي تجمعها بوالدتها من طفولتها. بعد شهرين من التقاط الصورة، توفيت والدة مرسال نتيجة مضاعفات الولادة. وعندما تنظر مرسال إلى صورتها مع والدتها، لا تستطيع التعرّف على المرأة البالغة فيها. تتداخل الذكريات والحزن والأمومة في قلب مرسال، التي تكافح لإيجاد مرجعية تربطها بوالدتها وتؤثر في أسلوبها في الأمومة. تتساءل مرسال:
لكن ماذا لو كانت أمّك قد ماتت قبل أن تكوّني ذاكرة عن علاقتها بك؟ ماذا عن غياب الأم أو اختفائها كمرجعية شخصية يمكنك أن تتبنّيها أو تتعاركي معها عندما تصبحين أمّاً؟ وماذا عن تجربة الأمومة في الغربة، حيث تغيبين أنت عن "وطنك" الأم؟ هل يجعلك هذا أكثر حرية أم أكثر ضياعاً في ممارسة دورك كأُم؟ (2017:20)
كما تشير سارة أحمد، الذاكرة هي الجسر الذي يربط بين الأشياء والمشاعر، بين ما نعيشه وما نتذكّره، بين الوعد بالسعادة وما يلوح منه في طيفها البعيد (2010:32). وعندما يُعاق استدعاؤها، أو تغيب، أو تفلت من قبضاتنا، يصبح الإنسان تائهًا في دهاليز الزمن، محاصرًا بين الغياب والحضور، بين الواقع والمخيال. في حالة إيمان مرسال، لم تكن صورة والدتها مجرد تذكار جامد؛ كانت روحًا متغلغلة في الأحلام، ظلّاً يتلوّى بين الذكرى والخيال، سؤالًا مفتوحًا عن الغياب والحضور، عن ما فُقد وما بقي. في مقالها "موقع الذاكرة" (1987)، ترى توني موريسون (Toni Morrison) في الصور فرصة للانتقال إلى الحقيقة، أداة لإعادة بناء عالم لا يُرى بالعين وحدها. التأمّل في الصورة، بالنسبة لها، هو رفع للحجاب عن ما هو خارج نطاق الإدراك المباشر، واستكشاف الغياب والحضور في الوقت ذاته. الصور، ككائناتٍ حيّة، قابلة للاستنساخ والتكرار، تحمل في طيّاتها حياةً متغيّرة، كما تذكر إدواردز (Edwards) (2012:225)، وكأنها تسير في رحلتها الخاصة عبر الزمن، تصوغ نفسها من جديد مع كلّ نظرة، مع كلّ استدعاءٍ للذاكرة. فهم الصورة لا يقتصر على ما تحويه من عناصر بصرية، بل يمتد إلى العلاقات والممارسات الاجتماعية التي تنسجها، وتحييها، وتجعل منها بوابةً للحياة الداخلية، للحواس والمشاعر غير المكتوبة بعد. بالنسبة لموريسون، تصبح الصورة نافذة على الوجود المكنون للمستعبدين، على الأحاسيس والتجارب التي لم تُحكَ بعد. الصورة ليست رمزًا جامدًا، بل لوحة متحركة، نابضة بمشاعر واهتزازات تتردّد في النفس مع كل نظرة، كل لحظة تُذكر فيها، كلّ شبرٍ من الذاكرة يُستعاد (1987:92).
انسجامًا مع منطق موريسون، لا تعود الصورة مجرّد أثرٍ بصري، بل تغدو ذاتًا مُحاوِرة؛ يُخاطَب حضورها ويُساءل أثرها. لذلك لم يكن في وسع مرسال أن تتلقّى صورتها مع أمّها عبر البصر وحده، إذ لم تكن الصورة سطحًا يُرى، بل فجوةً تستدعي إعادة بناء العلاقة عبر التخييل. ومن هنا تنسج مرسال سرديّةً تخمينيّة تحاول بها أن تعيد تشكيل التيه الذي تُثيره الصورة في داخلها. لا تصل مرسال إلى ما قد تسمّيه موريسون "حقيقتها" إلا بالإقامة في هذا الارتباك، وبمواجهة المشاعر القلقة، وباحتمال التناقض القائم بين المثال المُعاش والمثال المُتخيَّل. وحين تستحضر مرسال أمّها في الحلم، تكتشف أنّ المعرفة لم تفارقها تمامًا؛ فهي تعيش من جديد تفاصيل يوميّة عابرة من طفولتها، تفاصيل كانت تبدو عاديّة فإذا بها تستعيد كثافتها العاطفية. في تلك اللحظات المُعاد تخيلها، تحاول أن تطوي أمّها مرّة أخرى في نسيج حياتها، غير أنّ اللغة تخونها، ويعجز الصوت عن الاكتمال.
وفي تأمّلها لطبيعة الحداد، يُربك بتلر (2004) التصوّرات الشائعة عمّا يُسمّى "الحِداد الناجح"؛ إذ يُقاس النجاح عادةً ببلوغ لحظة يُستعاد فيها توازنٌ سابق، وكأنّ الفقدان فراغٌ يمكن ملؤه بتعويض. غير أنّ ما يقترحه بتلر يقوّض هذا التصوّر، حين يُبيّنون أنّ ما نفقده ليس الشخص في ذاته، بل شبكة العلاقات التي كانت تشدّنا إليه، وتُعيد تعريفنا بأنفسنا من خلاله ومن خلال أحلامها، تدرك مرسال أنّ ما يطاردها ليس فقدان أمّها في ذاته، بل خسارة علاقةٍ أولى أسهمت في تشكيلها بوصفها كائنًا اجتماعيًا – خسارة نمطٍ من التعلّق كان يمنحها اتجاهها في العالم. في الحلم، يتجسّد هذا التيه في عجزها عن أن تكون معروفةً لأمّها؛ فالأمّ التي لم تعرفها إلا طفلةً تظلّ عاجزةً عن التعرّف إلى ما صارت إليه. وهكذا تُوسّع الأحلام التخمينيّة أفق مرسال الذاتيّ في فهم الإحالة داخل ممارسة الأمومة؛ إذ يُختبَر العجز عن الإحالة من الطرفين معًا، ليغدو هذا الانقطاع المتبادل العلامة الأصدق على الفقد. ويُلمّح بتلر إلى أنّ الحداد يتحقّق حين "يقبل المرء أنّه، بفعل الخسارة التي يمرّ بها، سيتغيّر – وربّما إلى الأبد"، وأنّه بذلك مشروطٌ "بالموافقة على الخضوع لتحوّلٍ لا يمكن إدراك مآلاته كاملةً سلفًا" (2004:21). وعلى هذا الأساس، تتصالح مرسال مع خسارتها العلاقيّة حين تعي أنّ هذه الخسارة لم تتركها كما كانت، بل أعادت تشكيلها على نحوٍ يتسرّب إلى أمومتها، وتنحت طبعها مراراً وتكراراً إلى الأبد. فليس الأمر جرحًا يُعوَّض، بل جرحٌ يُعاد العيش به، ومن خلاله.
العاطفة: في فضاء التجريد
إنّ التيه القَلِق الذي يوسِم أمومة مرسال لا ينهض بوصفه تجربةً حميميّةً فحسب، بل يتشكّل كذلك داخل أطرٍ مؤسّسيّة تُعيد إنتاجه؛ إذ يخلق تحت وطأة إملاءات الأسرة النواتية ومنطق الدولة القوميّة. وفي حالة مرسال، تتراكب طبقاتٌ متعدّدة من الفقد فتُكثّف هذه التوتّرات؛ فإلى جانب خسارتها لأمّها كعلاقة، تمارس أمومتها في المنفى. هنا لا ينحصر الفقد في المسافة الجغرافيّة أو في الحنين إلى عودةٍ مؤجّلة (ويليامز، 2016)، بل يكتسب بُعدًا سياسياً يُعيد تشكيل ذاتها عبر تفكيك شبكات انتمائها الجماعيّ، وتقييد وصولها إلى الموارد التي كانت تلك الشبكات تتيحها. ويتقاطع هذا الفقد مع انخراطها القسريّ في أنظمة المراقبة والهجرة، ومع معايير الجندر المُعرقَن التي تُنظّم أيّ الأمهات يُعترف بهنّ بوصفهنّ "مشرعنات" داخل الحيّز العام. أمّا انزياحها عن نموذج الأمومة المثاليّة – ذلك النموذج المصوغ بمنطق البياض البرجوازيّ – فيجعلها، منذ البدء، موضعَ ريبةٍ ومساءلة.
ومع التحفّظ على المبالغة في تأويل تجربة مرسال، يمكن التوقّف عند إحدى مذكّراتها اليوميّة. ففي هذا المدخل تحديدًا، تروي استعدادها للسفر من بوسطن إلى كندا بعد قضاء أيّام مع زوجها وطفليها، مراد ويوسف. وفي رحلة العودة انقسمت العائلة، فسافرت مرسال مع يوسف وحدهما. وبينما كانا يسرعان للحاق برحلتهما المتّصلة، توقّف يوسف – الذي يعاني صعوباتٍ في الصحة النفسيّة – فجأةً وأصرّ على الاجتماع فورًا بوالده ومراد. حاولت مرسال أن تشرح له أنّ اللقاء سيتمّ بعد الرحلة الثانية مباشرة، لكنه بدأ يصرخ: "لن أرى أبي وأخي مجدّدًا، أنتِ تختطفيني، أنتِ كاذبة، قلتِ إنّنا سنلتقيهما في كندا". وقبل أن تتمكّن من تهدئته وطمأنته، اقتادها أمن المطار إلى مكتبٍ خاص للاستجواب. ورغم إبرازها جواز سفرها المصريّ وتصريح إقامتها الكنديّ، طالبها الضابط بالكشف عن هويّتها الحقيقية. تصف مرسال تصاعد شكوكه وعدم اقتناعه بإجاباتها، كأن حكمه قد صدر سلفًا؛ فسواء أكانت أمّ يوسف أم لا، بدت له أمًّا مثيرةً للريبة، يستدعي إخفاقها المفترض مزيدًا من التفتيش والمراقبة. ورغم أنّ حكايتها تتوقّف عند هذا الحدّ، فإنّها تطرح أسئلةً ملحّة حول معنى الأمومة في زمنٍ تشكّل فيه سياسات الأمن والراقبة تفاصيل الحياة اليومية، ولا سيّما في سياق ما يُعرف بـ"الحرب على الإرهاب"، حيث يُعاد تعريف المسؤولية والرعاية وفق معايير السلطة والمراقبة أكثر من حاجات الأطفال أو الروابط العائليّة.
في كتاب "العائلة اللا - إجتماعيّة" (2015)، تصف ميشيل باريت (Michele Barrett) وماري ماكنتوش (Mary McIntosh) العائلة بوصفها مؤسّسةً وأيديولوجيا في آن، تُؤسَّس من خلالها افتراضات جندريّة وتُقدَّم باعتبارها فطريّة. تكمن في جوهر هذه الافتراضات تصوّراتٌ أيديولوجيّة للأنوثة والذكورة لا يمكن فصلها عنها؛ فـ"تأنيث" أعمال الرعاية، مثلًا، هو نتاج هذه البُنى الأيديولوجيّة، وكذلك إضفاء الطابع الأسريّ غيريّ الميول على المجتمع الأوسع، بما يجعل العائلة وبنية الأمّة في علاقةٍ تبادليّة متعاضدة. تتداخل من خلال هذا التنظيم المعياريّ، فئات مثل المرأة والأمّ والمواطِنة حتى تكاد تنصهر، ويغدو الإخفاق في تحقيق إحداها تقويضًا لوعد بلوغ "الذاتيّة الصالحة"، كما تُظهر حكاية مرسال.
توضّح أدريان ريتش (1976)، في تأمّل تجربتها الشخصيّة كأمّ، كيف يمكن للأمومة أن تخدم النظام الأبويّ عبر إعادة إنتاج ثنائيّة المرأة المثاليّة/الفاسقة. إذ يحافظ هذا النظام على نفسه من خلال تصنيف أجساد النساء إمّا بوصفها مواقع للخطيئة والانفلات أو أوعيةً مقدّسة لإعادة إنتاج الحياة. وهكذا تُمنَح الأمّهات موقعًا داخل النظام، فيما تُصوَّر غير الأمّهات كخصومٍ له. غير أنّ الأمومة المصرَّح بها تظلّ مقيّدةً بأولويّة البياض البرجوازيّ، وقد ظلّ الاعتراف بالأمّهات داخل الأبويّة محدودًا عرقيًّا على الدوام. تتتبّع باتريشيا هيل كولينز (Patricia Hill Collins) في كتاب "الفكر النسويّ الأسود" (2002)، كيف فرض "مذهب الأنوثة الحقّة" على النساء تجسيد التقوى والطهارة والخضوع والمنزليّة الخ، وهي فضائل خُصّت بها النساء البيضاوات. أمّا النساء السود فحُوصِرن بتصوّرات وظيفية جامدة مثل "المربّية"، و"الأمّ المتسلّطة"، و"ملكة الإعانات"، و"المرأة المفسدة" (2002:69–96). وهذه الصور، التي تستهدف جنسانية النساء السود، تؤدّي وظيفةً أيديولوجيّة تُبرّر أنظمة القمع المتداخلة عبر الإيحاء بأنّ النظام سليم، وأنّ العطب يكمن في النساء السود أنفسهنّ.
نرى في كتابات جسبير بوار (Jasbir Puar) وأميت راي (Amit Rai) (2002) توسّع هذا النقد إلى ميدان مكافحة الإرهاب؛ إذ يتتبّعان كيف نشأت دراسات الإرهاب من تصوّراتٍ استعماريّة عن الانحراف أو الشذوذ الجنسيّ، متّخذةً من النفس والـ"عقل" "موقعها المفضَّل للتحقيق" (2002:122). وضمن هذا الإطار، تُصوَّر "الأمومة غير المتّسقة" بوصفها اعتلالًا يُنتج أطفالًا منحرفين. فالأمّ السوداء "السيّئة" والأمّ المسلمة أو "الشرق أوسطيّة" "المتخلّفة" تُقدَّمان بوصفهما مذنبتين، بينما يُتخيَّل أطفالهن مجرمين أو إرهابيّين محتملين. استجواب مرسال في المطار يعيد إنتاج هذه البنى المنطقية، إذ تُعامَل كأمّ مشبوهة، يفتح إخفاقها في تجسيد نموذج البياض البرجوازيّ البابَ أمام إخضاعها لآليّات البطش الأمني والرقابة.
بعيداً عن أنّ مرسال شاركت في مشروع العائلة كبنية اجتماعية سياسية/ إلا أنّها أيضاً تسبر غور البعد السيكولوجي والمحددات المادية كبنيان اجتماعي. لم تغب عن مرسال الفروق الدقيقة المذكورة أعلاه، إذ تجسد اغترابها عن هذه المُثُل في حلمٍ ظهرت فيه أمام هيئة محلفّين مؤلّفة من الأخصائي الاجتماعي لطفلها، وطبيبه، ومعالجه النفسي، ومعلّمه. وُضع أمام هيئة المحلّفين ملفّ ضخم كُتب عليه اسم "يوسف". تساءلت مرسال إن كان أيٌّ من هؤلاء المختصّين قد تكلّف عناء قراءته بتأنٍّ، وهي تعلم أن تشخيصاتهم التخصصية التي يقذفونها بنبرة العارف الواثق، غالبًا ما تنبع، ويا للمفارقة، من فهمٍ ناقصٍ لابنها بكليّته. بدأ المدعي العام بعرض القضية على هيئة المحلّفين، مشيرًا إلى أن المتهمة لا تجيد السباحة أو ركوب الدراجة، ولا تعزف على أي آلة موسيقية، ولم تتعلّم التزلج على الجليد. ليس هذا فحسب، بل في المناسبات النادرة التي تحضر فيها، تروي قصصًا عن الحرب من طفولتها فتُصيب طفلها بصدمة نفسية وتُؤرّقه ليلًا. خلال غيابها، بينما يتولّى غرباء تربية أطفالها، تحصد المتهمة جوائز مهنية. وفي الختام، خاطب هيئة المحلّفين قائلًا:
"إنها أمّ غائبة يا سيادة المستشارين، لم تقدّر النعمة التي أعطاها الله لها وظلمت معها هذا الطفل البريء حتى أنه يحاول الانتحار في سنّ الثانية عشرة". (2017:101)
أرادت مرسال أن تبعث بالردّ، فأخذت على عجلٍ تجمع "الأدلّة" التي تبرهن أنّها ليست كما يتّهمها الآخرون. تدافعت الأفكار في رأسها تدافعًا، كأنّها تستجدي أن تُستَخدَم في مرافعتها الأخيرة. ماذا لو ذكرت ابنها الآخر، مراد، ذاك الذي يبدو مستوفيًا لمعايير هيئة المحلّفين؟ وماذا لو أشارت إلى أنّها نشأت يتيمةَ الأمّ، ومع ذلك أفلتت من الانكسار؟ لكن، هل أفلتت حقًّا؟ لم تكن مرسال على يقين. كانت على وشك أن تعلن حبّها المطلق لأبنائها، وأن تُعدِّد ما بذلته من أجلهم من تضحيات، حين ومضت في خاطرها فكرةٌ مباغتة؛ فرفعت رأسها، وبنبرةٍ يملؤها الزهو، قالت:
"إنه شبيهي، إننا توأمان، نعاني نفس المرض ولا يستطيع أحدنا أن ينظر في وجه الآخر دون أن يتذكّر مأساته". (2017:102)
في البدء، راود مرسال إغراءُ تبرئةِ نفسها عبر المنطق الثنائيّ ذاته الذي وُجِّه الاتّهامُ إليها من خلاله؛ إذ رغبت في دحض ما اعتُبر إخفاقًا منها في أمومة يوسف بإبراز "نجاحها" مع مراد، بوصفه تجسيدًا للأمومة المثاليّة. وكادت أيضًا أن تستدعي تجربتها مع أمّها، لتحوّل موضع التدقيق من ذاتها النفسيّة إلى يوسف. غير أنّ هذه الاستراتيجيات جميعها تنطوي على نزعةٍ إلى بتر إمكاناتٍ بديلة للعلاقة بين الأمّ وطفلها؛ فهي تسعى إلى ترسيخ التمايزات الأخلاقيّة المعياريّة لقيمة الأمومة المثاليّة، والتراتبيّات الاجتماعيّة المرتبطة بها، وهي تمايزات تُنتج جراح الأمومة كما وتحجب قدرتها الترميميّة، إذ تجعلها عصيّة على الإفصاح. ولعلّ كون الحيّز التأمّلي أشبه بتخومٍ أو أرضٍ حدوديّة دائمة التقلّب هو ما يجعل البصيرة الضابطة والمنضبطة للأمومة المثاليّة تنحلّ في طيّاتها، كاشفةً عن نفسها بوصفها آليّةً تأديبيّة وأفقًا متعذّر البلوغ. وربما لا تنفتح إمكانات الإفصاح والتخيّل إلا عبر الاعتراف بقابليّة الخطأ، ومقاومة الرغبة في تسوية ما يولّده هذا الإدراك من تيهٍ واضطراب. وكما تذكّرنا سارة أحمد، فإن الإفصاح عن "التعيس من شراك العاطفة، إفصاحٌ تأكيديّ يمنحنا وابلاً بديلاً من التخيّلات" (2010:50). فقط عبر احتضان ارتباكها الوجوديّ تستطيع مرسال أن تدرك وتمنح شكلًا للعلاقة البديلة التي تجمعها بيوسف؛ علاقةٌ تنبثق من جراح الأمومة دون أن تُختزل في نموذجها المثالي. ويمكن القول إنّ يوسف، شأنه شأن مرسال، هو أيضًا ذات مغتربة عن العاطفة السائدة؛ وربما كان ما يصل بينهما هو هذا التيه المشترك عن الآفاق المعياريّة والمثاليّة للأمّ والطفل والذات.
خلاصات
مع أنّ مرسال لا تدعو إلى إلغاء العائلة أو الأمومة كمؤسستين، فإنّ كشفها عن أشكال المعاناة التي تختبرها هي ومن تحبّ يحمل – إن لم يكن إدانةً صريحةً لخصخصة الرعاية – فعلى الأقل نقدًا عضويًا حادًّا لها. وإذا كانت "الشهادة 2.0" تمنحنا إحساسًا بالمسؤولية/بالقدرة على الاستجابة تجاه مرسال، فإنّ عبء الدعوة إلى تفكيك الشكل القائم وجعل العلاقة شأنًا جماعيًا يقع علينا نحن.
تكتب أفيري ف. غوردون: "حين تعرف على نحوٍ لم تكن تعرفه من قبل، تكون قد أُخطِرتَ بتورّطك" (1997:206). وأنا أتبنّى إلحاح غوردون هذا… فقد أُخطِرتُ حقًّا، وهزّتني العاطفة الأمومية التي تسكن سرد مرسال. شعرتُ بها وهي تختبر الفقد والاقتلاع والتيه والتجريد، وكأنّ إحساسها يتسلّل إلى أعماقي. ومن خلال معاودتي المتكرّرة لمساءلة هذه العاطفة، بدأتُ أُدرك العنف التاريخي المتجذّر في سؤال "بناء الذات".
إنّ ثنائيات عالمنا الحديث – المتحضّر/البدائي، المقدّس/المبتذل، الأم المثالية/الأم المتعثّرة – تعمل بلا انقطاع على بتر علاقاتنا بما يشكّلنا ويصوغ ذواتنا. وهذه الثنائيات مثال لما تسمّيه ميلامِد (Melamed) "تقنيات اللاتَعَلُّقيّة" (2015). غير أنّ ما يبعث الأمل في كتابة مرسال هو أنّها تُظهر كيف يمكن للمخيال الافتراضي أو ربما التأمّلي أن يعيدنا إلى ما سُلب من علاقاتنا، في قلب المعمعة. ليست هذه التأمّلات عشوائية، بل ممارسة تخيّلية تنبثق من احتضان معرفة متجسّدة في البدن والخبرة. بهذا المعنى، لا تكتفي مرسال بأن تكون شاهدة، بل تدعونا إلى أن نشهد معها على كلّ ما شهدت. فالتأمّل هنا يستدعي ما تسمّيه هاراواي (Haraway) (2016) "القدرة على التموضع إلى جانب…" أي أن نصير معًا وأن نُمكّن بعضنا من حرية الشواذ الخلّاق؛ "استكشاف متواصل لما قد يكون… وارتجال أمام شروط الوجود الاجتماعي حتى حين تكون هذه الشروط قد فُرضت سلفًا" (هارتمان، 2019: 227).
تشرح ديبورا توماس أنّ الترميم "يقتضي إصغاءً فاعلًا، واعترافًا متبادلًا، وإقرارًا بالتواطؤ على جميع المستويات" (2019:212). لستُ أمّاً، ولا أدري إن كنت سأصير كذلك يومًا، لكنني حين قرأت كتاب مرسال شعرتُ معها ومن خلالها، وهذا يعني أنّ صلةً ما قد نشأت بيننا بالفعل. صحيح أنّ سردها يعبّر عن تجربتها الخاصة، لكنه لا ينغلق أو ينضوي عليها وحدها. فبكشفها المعضلات الأخلاقية للأمومة، تفتح مرسال حقلًا بين-ذاتيّ يجمع الأفراد والجماعات ويدعوهم إلى فعل الشهادة (2019:216). لقد شهدتُ أمومتها بوصفها معرفة متجسّدة، وأدركتُ بعمق كيف توظّف المخيال التأمّلي كأفقٍ تحويلي يتجاوز ثنائيات عالمنا الحديث. وبينما كنتُ أشهد وأرتبط، صرتُ قادرةً على أن "أصير مع" مرسال. انحنيتُ نحو شروط "حبٍّ حقيقي" تولّده علاقاتنا، وجعلتُ من هذه الورقة مساحةً للتفكير في إمكان الارتجال داخل شروط اجتماعية مفروضة سلفًا، سعياً إلى التحرّر من قبضة الثنائيات الحديثة. وهكذا حاولتُ أن أقدّم مثالًا، وإن كان ناقصًا، على كيف يمكن للعمل داخل سردٍ تأمّلي ذاتي أن يمتدّ نحو جماعةٍ أوسع: "أن نعمل: مع بعضنا الآخر، كبشر/ نحو إعادة ترميم قصّتنا" (2019:221).
- 1. https://antolgy.com/fekrt-albyoot/
- 2. سمعتُ القصيدة لأول مرة في بودكاست "مقصودة"، الذي يُلقي ويحلّل الشعر العربي https://open.spotify.com/episode/36bYaAEj8lo6EGWUu6bETU
- 3. كتاب "كيف تلتئم" لمرسال هو جزء من مشروع نشر "كيف تا" الذي "يوظف شعبية كتب الأدلة للتعامل مع بعض احتياجات اليوم سواء كانت مهارات أو أدوات أو أفكار أو إدراكات أو مشاعر". للمزيد، يُرجى زيارة https://kayfa-ta.com
Abuelnaga, Shereen. "I’m Not a Mother, Therefore I Don’t Exist." Kohl: a Journal for Body and Gender Research, vol. 4, no. 2 (2018): 197-204. https://kohljournal.press/im-not-mother
Ahmed, Sara. Strange Encounters: Embodied Others in Post-Coloniality. London: Routledge, 2000.
Ahmed, Sara. "Happy Objects." The Promise of Happiness. Durham: Duke University Press, 2010, 21-49.
Barrett, Michele, and Mary McIntosh. The Anti-Social Family. London: Verso Books, 2015.
Butler, Judith. Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence. London: Verso Books, 2004.
Collins, Patricia Hill. Black Feminist Thought: Knowledge, Consciousness, and the Politics of Empowerment. London: Routledge, 2002.
Edwards, Elizabeth. “Objects of Affect: Photography Beyond the Image." Annual Review of Anthropology, vol. 41 (2012): 221-234.
Gordon, Avery F. Ghostly Matters: Haunting and the Sociological Imagination. Minneapolis: U of Minnesota Press, 1997.
Haraway, Donna J. Staying with the Trouble: Making Kin in the Chthulucene. Durham: Duke University Press, 2016.
Hartman, Saidiya. Wayward Lives, Beautiful Experiments: Intimate Histories of Riotous Black Girls, Troublesome Women, and Queer Radicals. New York: WW Norton & Company, 2019.
Hartman, Saidiya. "Intimate History, Radical Narrative." The Journal of African American History, vol. 106, no. 1 (2021): 127-135.
Melamed, Jodi. "Racial Capitalism." Critical Ethnic Studies, vol. 1, no. 1 (2015): 76-85.
Mersal, Iman. How to Mend: Motherhood and its Ghosts. Amman and Cairo: Kayfa ta, 2017.
Mersal, Iman. “The Idea of Houses,” translated by Robyn Creswell. The Nation, November 19, 2015. https://www.thenation.com/article/archive/the-idea-of-houses/
Morrison, Toni. "The Site of Memory." In Russell Baker (ed.), Inventing the Truth: The Art and Craft of Memoir. Boston: Houghton Mifflin, 1987, 83-102.
Poletti, Anna. "Reading for Excess: Relational Autobiography, Affect and Popular Culture in Tarnation." Life Writing, vol. 9, no. 2 (2012): 157-172.
Puar, Jasbir K., and Amit Rai. "Monster, Terrorist, Fag: The War on Terrorism and the Production of Docile Patriots." Social Text, vol. 20, no. 3 (2002): 117-148.
Puar, Jasbir K. Terrorist Assemblages: Homonationalism in Queer Times. Durham: Duke University Press, 2007.
Rich, Adrienne. Of Woman Born: Motherhood as Experience and Institution. New York: WW Norton & Company, 1976.
Thomas, Deborah A. Political Life in the Wake of the Plantation: Sovereignty, Witnessing, Repair. Durham: Duke University Press, 2019.
Williams, Rhaisa Kameela. "Toward a Theorization of Black Maternal Grief as Analytic." Transforming Anthropology, vol. 24, no. 1 (2016): 17-30.
