أصدقاء، عمّال، زملاء، رِواقيّون

السيرة: 

جو هيملاتا (هم/هم) كاتب/ة وناشط/ة، مُدرَّبون على الأساليب الإثنوغرافية والتشاركية والسردية. يعملون على نطاقٍ واسع في دراسة سياسات وعوالم حياة المثليين/ات والمتحوّلين/ات جنسيّاً في جنوب آسيا، ويديرون مشروعين: المعاري Almaarii (مجموعة بصريّة تستكشف مخابئ المثليين/ات والمتحوّلين/ات جنسيّاً في جنوب آسيا)، و "ترانس/فورم" Trans/form (أداة تربويّة لفهم العنف الموجَّه ضد المتحوّلين/ات جنسيًّا في جنوب آسيا). يكتبون الشعر لمواجهة الواقع بينما يشهدون قصصًا متشابكة لأصدقائهم وشركائهم في المؤامرة. للمزيد، يمكن زيارة: waytojo.com

اقتباس: 
جو هيملاتا. "أصدقاء، عمّال، زملاء، رِواقيّون". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 11 عدد 3 (16 كانون الأول/ديسمبر 2025): ص. 16-16. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 17 شباط/فبراير 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/friends-workers-colleagues-corridorists.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

kokila_b_hemlatha_ar.png

كوكيلا ب.

"أصدقاء، عمّال، زملاء، رِواقيّون" مجموعة شعريّة تتناول رحلة الحياة في النظام الأكاديمي البريطاني من منظور شخصيّة سمراء متحوّلة جنسيّاً توازن بين المجتمع والعزلة، وبين التأشيرات والاكتئاب، عبر تجربتهم في مؤسستين. تسعى المجموعة إلى أن تكون قريبةً من أولئك الذين يعانون من الألم، ومعلّمةً لأولئك الذين لا يعرفون الألم الكامن في أجساد من لا تُرى أجسادهم.

 

1. خطاب التقديم

خطاب التقديم وحشٌ رائع، والجيّد الذي يُوصلك إلى وظيفة هو نادر الوجود.
لخطاب التقديم القدرة على كلّ شيءٍ:
يُسوّقك كباحث، وكمواطنٍ أكاديمي، وكإنسانٍ جذريٍّ عطوفٍ ومطيع في آن،
جزءٌ من الجامعة وجزءٌ من العالم،
متحدّثٌ بارعٌ باللغة الإنجليزية،
فيك طاقة متّقدة يلتبس المرء فيما إذا كنت تنتمي الى عوالم أخرى كثيرة،
كائنٌ فضائيٌّ – مرحٌ وجذّاب – لكن بألوانٍ تُناسب جدران القسم ونوافذه؛
حرباءٌ – فخطاب التقديم جِلدٌ معروضٌ للبيع.

يُخفي هذا الجلدُ الأفكارَ التي لم تكتمل بعد،
فيُقدّمها كأفكارٍ مُلهِمة،
أفكارٍ تُحدث صدمةً مثيرة دون أن تكون مزلزلة
أفكارٍ مصوغةٍ بإتقان لتتحوّل إلى مشاريع منحٍ ووظائف؛
الأفكارُ هنا معلّبة ومعَدّة للاحتواء.

كما تعلم، الأفكار – تلك الحشراتُ الصغيرةُ المضيئةُ العائمة –
تبدو في أجمل صورها حين تكون حرّة.
لكنها لا تُزَجّ في جرارٍ زجاجيةٍ تُغلَق بإحكامٍ لتُعرَض؛
ليخفت ضوؤها مع الوقت،
لكن، إن لم تحبسها في الجرّة، وإن لم تكتبها،
فهل سيكون لوجودها أثرٌ أصلًا؟

 

2. خطأ 404 – صفحة الويب غير موجودة

للمرّة المئة اليوم، ما زلتُ غير موجوداً.
وحين أكون على اتصال "زووم" للحصول على منحةٍ جديدة أعيش بها عامين آخرين بلا قلق،
أكتشف فجأةً أنّي لستُ موجوداً في الموقع الرسمي لجامعة العالم
ومع ذلك، ها أنا هنا.
أنا دائمًا هنا،
قبل أن يفترض أحدٌ أني لست دائمًا هنا، وأنني لا أعمل.
أنا هنا من أجل الاجتماعات – دقيقتين أو مئتين وأربعين.
لكن صفحة الويب تقول العكس.
والمساق الذي صممته لياليَ متواصلة،
وأيامًا تمتدّ كليالٍ،
موجود فقط على بضع صفحات "شيربوينت" وجداول،
وفي استمارةٍ أُرسلت طلبًا للإذن بالوجود – كسلسلة محاضرات، كشخص، كمعلّم.
لكن ليس في هذا العالم الأسود والأصفر،
حيث لستُ سوى نقطةٍ متصلةٍ بنقاطٍ أخرى،
واحدة من جزئياتٍ كثيرة تشكّل الصورة.. فقط.
أتمنّى أن يرسلوا صورتي الجنائية قريبًا،
فهي الصورة الوحيدة التي لديّ
من عالم الجزيئات هذا.

 

3. الجندر

لم يَعُد ذلك إشكالًا،
كان هاجساً قبل أعوامٍ كثيرة.

لسنا مثلهم؛ نحن العارفون بما انكسر، وبما يُمكن أن يستقيم.

لكن إن التزمتَ الصمت أكثر مما ينبغي، سأسرق دورك في الكلام – بطبيعة الحال – وأعلو عليك.
وإن أنكرتَ إرهاقك، فسأُذكّرك – بطبيعة الحال – بضرورة أن تُحسن تدبير وقتك.
وإن ضاقت عليك الكتابة، سأقول إنك تهدر وقتك في التعليم.

أنت أبرعُ مع الطلّاب،
وأنا رديءٌ في التدريس.

أنت أحنُّ على من ترشدهم، كأنّك رب المنزل
وأنا رديءٌ في العناية.

وإن واصلتَ العمل لأجل آخر، فسأكون – بطبيعة الحال – قد نشرتُ من الكتابات أكثر منك.
وإن قلتَ إنك متعَب، فسأحثّك – بطبيعة الحال – على أن تدافع عن نفسك.

سأقول لك: لا تُسرف في استغلال نفسك،
بالقدر الذي يكفي مواصلة أداء ما التزمتَ به.

إنهض من حالك هذا، ولكن لا تنهض كثيرًا؛ فما زلتُ أحتاجك هنا.

الطلّاب لن يصمدوا،
وأنا لن أصمد،
نحن لن نصمد،

من دونك، وأنتَ تدبّر شؤون المكان،
تُزيل الغبار، بصوتٍ وادعٍ، وحزمٍ رقيق.

ربّةُ البيت الأكاديمية أنت: المشرف، المدير.

لقد اخترتَ أن تكون ربّةَ البيت لهذا القسم؛
ولعل هذا ما تُجيده ويحلو لك.

 

4. المصعد

مرّت ستّ سنوات، وما زلتُ أرتبك في معرفة أيّ المصاعد يصل إلى أيّ طابق–
وخاصةً، أيّها يصل إلى الطابق الخامس.
كان لديّ طلابٌ ذات مرّةٍ لم يحضروا إلى الصفّ لأنهم لم يجدوا الغرفة رقم 563،
ولم يكونوا متأكّدين حتى من وجودها أصلًا.
لكن ذلك جعلني أتساءل:
هل يعرفون بوجودنا في الأصل؟
في قسم الأنثروبولوجيا، في الطابق الخامس،
حيث لا يصل إلا مصعدٌ واحد،
وخمسُ درجاتٍ من السلالم.

 

5. المكتب

آتي إلى المكتب من أجل المكتب،
لا لأنني في المكتب أنجز المهام،
بل من أجل المكتب وما فيه من أشياء:
بطاقات من الطلاب،
منوعات الشاي،
حلويات تركية، لافاشاك، وجبات خفيفة، شوكولاتة "ريتر سبورت"،
كتب لن أقرأها، كتب يجب أن أقرأها،
ملصقات، أعلام، تذكارات.
مكتب كان يومًا فارغًا–
متجري الصغير للأشياء المهمّة التي تذكّرني بكلّ هذه التفاعلات الصغيرة التي لها وزنها.
كان هذا المكتب فارغًا.
العديد من المكاتب فارغة،
ما عدا بساطٍ لأخذ قيلولة في منتصف يومٍ منهِك من تقييم الطلاب–
موسومٍ بما يخطّ البساط على وجهي،
خدود ساخنة أو باردة،
شباشب للمكتب، وكعبٌ وأحذيةٌ رسمية للممرّ.
يستغرق تزيين هذا المكتب 30 ثانية يوميًا، قطعةً واحدة في كلّ مرة.
ويستغرق إرسال البريد الإلكتروني 30 ثانية أيضًا،
وأحيانًا تتحوّل الرسائل إلى زينةٍ بذاتها وتملأ المكان قبل أن تتمكّن الحلويات الصغيرة من إيجاد موضعٍ لها على الرفوف.

 

6. الرفّ والكتب

تجلس في الغرفة أمامي بينما أرت±ب طاولتي لأبدأ الكتابة؛
تلتفت إليّ وتبتسم: "جاهز؟"
كما لو كان هناك كاميرا–
لكن لا أحد سواي هنا.
تستوقفني أولًا، ضاحكةً لتسأل، ما هذا الكتاب على الرفّ،
تحدّق في رقيقة الغبار التي استقرّت عليه من أعمال البناء خارج النوافذ.
لم أستطع قراءة ذلك الكتاب منذ ستة أشهر.
المشكلة هي…
إنه كتاب روائي خيالي.
وأنا مرهق.
أعلم أنه سيملأ قلبي بالنور،
لكن هذه هي المشكلة.
إنه روائي خيالي…

 

7. مرايا المكاتب

أمرّ بها في الممرّ، فتستوقفني لتقترح اللقاء عند الغداء.
ذلك الغداء الذي كنّا ننوي تناوله منذ عام كامل،
لكن لم نسوّل لأنفسنا فرصة إتمام هذا اللقاء
إما بسبب لغطٍ في الأوقات أو مواعيد الدوام في المكتب، أو مجريات البحوث، أو التسويق، أو السفر.
لكنني أردت فعلاً أن أتحادث وإياها–
إنها لطيفة جدًا، وأعمالنا مرتبطةٌ بعضها ببعض
ومع ذلك، لم نتحدّث إلى بعضنا قط.

ربما في الفصل القادم… ربما…

 

8. الرواق المربّع

لا أعرف بعد أين تبدأ الردهات وأين تنتهي،
في هذا الممرّ الذي أجري فيه باحثًا عن قاعة الدرس.
أرى أكثر معارفي وهم يخطبون في محاضراتهم
يلوّحون سريعًا وهم يجوبون صدارة القاعة،
فيلتفت الطلاب نحو الباب بسرعة،
ليترتب أمامهم مشهدٌ يجمع شخصين، لم يروهما معاً من قبل،
هل يعرفون يا ترى أنّ مكاتبنا متقابلة،
أم أنّ الأمر بالنسبة إليهم مجرّد حلقةٍ عابرةٍ من مسلسلٍ ممتدّ؟

 

9. الأشباح في القسم

تسير الأمور في القسم على قدم وساق؛
الدروس تُدرَّس،
والطلاب يُحادَثون،
والبحوث قائمة بلا هوادة.
ثمّة مجموعة عائمة من أنصاف–
أشخاصٍ، باحثين، مُدرّسين، وكائناتٍ "شبه موجودة"،
يمكثون في غرفةٍ قرب المصعد،
وكأنّهم هالاتٌ صغيرة من طاقةٍ خفيّة،
ضياء خافتة، لا تنتمي إلى أيّ قائمة بريدية،
لا يُعترَف لها بنقاش،
ولا تُعقَد لها اجتماعات،
لا نعترف بهم إلا بعد عامين من وجودهم.

يطوفون بين الطوابق،
كأنّهم يخترقون أفقاً ما في الجدران،
يشهدون على كلّ مشهد في الممرّات،
يتوارون في الزوايا، خلف أبواب المكاتب المغلقة،
يتنقّلون بلا صوت، بلا توقيت، بلا أثرٍ رقمي.
كلّ حركةٍ لهم هادئة، دقيقة، كأنها على إيقاع خطواتٍ خفيفةٍ لا يسمعها سوى المنصتون المبصرون…
وأحيانًا، يظهر أحدهم فجأة، كوميضٍ خاطف،
فتتدارك، أن العمل الحقيقي هو ذاك الذي يُنجَز في الخفاء.

جزءٌ من كونك شبحًا،
أنك تواصل الحركة دائمًا–
الأشباح تعبر الجدران،
وترى كلَّ شيء.
الأشباح تستحضر زمنًا لا يملكه أحد.
ادعهم إلى فنجانٍ من القهوة لكي تنصت
لا يبدؤون نقاشًا، ولا يدوّنون أسماءهم في أيّ قائمة،
لقد اعتادوا الأمر، كما ترى.
الأشباح، على الأرجح، ما زالوا في تلك الغرفة في الطابق الخامس،
يتساءلون أيُّ رقعةٍ من وجودهم ما زالت حرّة من براثن الجامعة.

 

10. الغيبوبة

في كلّ مرّة أطلب فيها تحسين شيءٍ ما، يسألونني عن معنى أن يكون الشيء أفضل،
وكأنّنا لم نعمل على مدى المئة عام الماضية لمعرفة ما هو " الأفضل"
نعرف العنصرية، والجندر، والطبقة، وعدم المساواة،
احترفنا مفهوم القوة،
لكنّنا نسمح لها أن تظلّ معنا، مثل سحابةٍ منتفخة تكبر في الممرّات،
تدفعنا للعودة إلى غرفنا الصغيرة ومكاتبنا،
مع أجهزة الحاسوب المتّصلة عن بُعد، لنأخذ العمل معنا إلى المنزل.
ليس في حوزة أحد وقت لإبعاد هذه السحابة،
نمشي حولها، أو ندفع بأجسادنا لنمرّ من تحتها وفوقها.
مرهقون، نرتاح على السحابة،
نغمر وجوهنا فيها، وننهض برؤوسنا قليلًا لنأخذ نفَسًا…
السحابة ناعمة ومريحة،
لكن لا منفذ في جوفها يصلنا إلى الشمس التي تخفيها.

عذراً، لا وقت لدينا لا بدّ أن نصل إلى اجتماع "التنوّع والإنصاف والشمول"

 

11. الكراسي الدوّارة

أتدرّب على الدوران في كرسيّي المدولب
أفزع الطلّاب الذين يسرعون في الممرّ.
دوران جيد يعني قلبًا سريعًا–
للكتب، الأوراق، الأقلام، والملاحظات اللاصقة التي أحتاجها!
مثل مراحل القمر، أنظر إلى حاسوبي المحمول قبل أن أسكب دموعًا مزيّفة من أجل ترطيبٍ مزيّف.
لا تأمين صحّي يغطّي هذه العيون الجافّة،
ونظّارتي تزداد سماكةً مثل النوافذ التي عليها علامات التبويب على هذه الشاشة،
مثل بقايا القهوة التي ابتلعتها قبل تحريكها.
أربط عمودي الفقري بالكرسي الدوّار،
اتنهّد،
وبمجرد إرسال البريد الإلكتروني، يحتويني الكرسي الدوّار…
يحتوي ظهرِي بأكمله.
كعناقٍ لا تشهده هذه الصروح

 

12. العمل عن بُعد

أشغّل الحاسوب المحمول،
وأشغّل معه زرّاً آخر في رأسي،
ربما في الجبهة،
أو خلف العنق–
لعلّ هذا هو الوخز الذي أشعر به
كلّما ضغطت مطوّلًا،
نقرةً نقرة،
أُدخل كلمة المرور،
وأنا أرتدي شورتًا قطنيًا ناعمًا
وقميصًا مكويّاً كأنني أحترم نفسي أكثر مما ينبغي.
"حِملٌ كبير؟"
قالت مدرّبة اليوغا التي جاءت لتمنحنا "استراحةً" في وقت الغداء.
كان يفترض أن أقول إنني جائعة،
وأن اليوغا الإلزامية في ساعة الغداء ليست استرخاءً،
وأن حِملي في ذلك اليوم لم يكن فكرياً بل حقيبةً ثقيلة على ظهري.
لكنني بدلًا من ذلك سألتها:
"مجازًا؟
أم لأن اللابتوب ثقيل؟"
وخزٌ ثم وخز في جسدي.
واحد عند نهاية العمود الفقري،
وآخر صعقة صغيرة عند مؤخرة العنق.
تخيّلت النجوم،
ثم بدأت أراها فعلًا
جائعة،
أتأمّل قسرًا،
وأعدّ في رأسي قائمة مهامٍ لا تنتهي.

 

13. والعين سليمة

ترانس في الصفّ،
التدريس حين تكون ترانس.
أشياء لم أفكّر فيها،
لم أتخيّلها،
ولم أخطّط لها
حين حضرت…
بكامل ذاتي،
بكلّ شغفي،
بكلّ حياتي
في صوتٍ واحد
يمزج النظرية بالتدريس،
وحياتي بحيوات أصدقائي،
بحياة عائلتي،
لطلابٍ ينهشون اللحم،
قريبًا من العظم،
ويتركون الأشواك عارية على الطبق..
كسمكة، تُترك عينها.

"استمتعتُ بالمحاضرة حقًا، لكن الأسلوب الناشطي هذا لا يناسبني"

"تعلّمتُ كثيرًا، لكن الأستاذ/ة متعلّق/ة بعلاقة جدّ شخصية مع المواضيع"

كيف نُدرّس طلابًا لم يتعلّموا إلا الاغتراب،
لم يطّلعوا يومًا على حيوات من يدرّسونهم؟
هل يتطلّب فعل الاندماج والتعدّدية
أن أجرّد جسدي، عقلي، وروحي
من الندوب والتجارب التي منحتني إيّاها الحياة؟
تزحف رائحة الاغتراب ببطءٍ نحو حنجرتي:
صندوقٌ أسود
يحفظ مساراتٍ مرسومة سلفًا
أبتلعها كي تختفي،
كي لا أختنق، في المرّة القادمة التي أُعرّى فيها.

وتبقى عيني ها هناك قرب الشوك سليمة.

 

14. الصفّ

في الصفّ، في أصغر صفٍّ، أشعر بأنني في أوسع حالاتي؛ كأنّ الروح في جسدي تجد ما يروي عطشها دفعةً واحدة، وكأنّ الجوع الذي لا إسم له يهدأ أخيرًا، فلا يعود الجسد مطالبًا بأن يبرّر نموّه بقياسه الصغير، أربعة أقدام وإحدى عشرة بوصة. مع طلابي أكبر، لا حجمًا بل حضورًا، كأنّ السقف يتصدّع برفقٍ فنخرج منه معًا، لا كأشباح، بل كطيورٍ وفراشاتٍ ونحل، نخرج لأننا ضروريّون للانتشار والتلقيح، ولأننا في خروجنا نبقى متّصلين بالناس لا منفصلين عنهم. أسئلة الصفّ لا تسأل كيف نُكدّس العالم في الغرفة، بل كيف نفتح الغرفة على العالم، كيف نكسر صِغَرها ليصير الاتساع حقّ الجميع، كما هو الآن، وكما كان دائمًا.

 

15. الندوة العامّة

بقدر ما يحبّ البشر أن يردّدوا أنّهم أرقى تطوّرًا من الحيوانات، فإننا في الندوة العامّة لا نختلف عنها كثيرًا. لحمٌ جديد يُشَمّ ويُفحَص بحثًا عن الجودة، ولحمٌ قديم يُجَسّ لمعرفة إن بقي فيه شيءٌ من الطراوة. أعوامٌ أكثر، حضورٌ متكرّر، وفي النهاية لا يبقى سوى بطاقة "بينغو" مكتملة من التعليقات بدل الأسئلة، ومن روابط تُختَلق من قبل الحضور دون طرح أي سندٍ لها. كلّ شيءٍ حاضر إلا التفاعل الحقيقي، لأنّ التفاعل يحتاج إلى حضورٍ متواضع، والحضور لا يبدأ من الفم بل من الأذن.

 

16. ضوءٌ خارج الحرم

يقف أصدقائي خارج بوابات الحرم الجامعي،
على الطرق التي تفتح ذراعيها لكلّ وجه،
إلا لمن حُبست الكلمات في حناجرهم،

إ ب ا د ة.

قُل أيّ شيءٍ سواها:
"تمّ قبول كلمة المرور"، لتدخل أعظم الجامعات في العالم.

خارج البوابة،
ابق مخيمًا، ابق معسكرًا،
لكن عليك أن تركنها هناك خارج قاعة المحاضرات.
الحرم الجامعي: عدَم

القاعات، تتنفّس ضوءًا خافتًا،
بعض المصابيح تصرّ على القيام بوظيفتها.

خارج بوابة الحرم، مشاعل تبدّد الظلام،
وفي العقول التي تصغي،
لا نور سوى وميض آلة الفتك الجماعي.

 

17. غرفٌ لا مكاتب

ربما كنّا جميعًا سنكون أفضل حالًا لولا المكاتب، لكنّنا بدلًا منها نملك غرفًا للموظفين، حيث يمكن لتنوّع صناديق غدائنا أن يذكّرنا بتنوّع عقولنا. وربما تكمن المشكلة في المكتب نفسه، في جدرانه الأربعة، ذلك الصندوق الذي يحوي شخصيتي وأشيائي، ويجعلني شيئًا أكثر مما أنا عليه خارج أبوابه.

 

18. مصابيح خضراء

لطالما تخيّلتُ أنّ مصباحًا أخضر
سينهض في صدري يومَ أصلُ إلى ما يسمّونه "الإنجاز الأكاديمي".
ومرّت السنوات… ولم يضئ المصباح.
وأدركتُ، متأخّرًا كعادتي،
أنّ "الإنجاز" وهمٌ:
يركض نحوه المتعبون،
وتزداد المسافة كلّما اقتربوا–
عيونٌ محروقة،
وشايٌ حلو يتكرّر خمس مرّات يومياً،
ورواتب لا تُبقي من الحياة إلا معلّباتها.
فالطبخ لأصحاب الوقت المترف،
والرعاية لمن أسلمتهم الحياة لفراغها،
والعاطفة لمن امتلأت رؤوسهم بورقٍ يشبه الثلج،

ومع ذلك… وجدتُ الحبّ في مكتبة،
لا في إنجازٍ ولا جائزة.
وجدته في بطء الصفحات،
وهي تعلّمني أن أسير بخطى كائنٍ لا يخشى الفقد،
وفي الكلمات،
وهي تقودني كَيَدٍ خفيّةٍ نحو عالمٍ أبطأ…

فالجائزة تُسلَّم كإرثٍ لا يراه إلا الورثة.
لعنةٌ من الوقت
لا تُكسَر إلا بالرفض،
لكن… من ذا الذي يجرؤ على الرفض؟

 

19. المحاضرة

أقف أمام صفّي المؤلَّف من ثمانين طالبًا، أربعة أقدامٍ وإحدى عشرة بوصة – رقمٌ أحفظه لأنّني اضطررتُ لتكراره كثيرًا دفاعًا عن نفسي – وصوتي الجهوري الذي تعلّم أن يكون أكبر من جسدي. أراقبهم وهم يدخلون القاعة حاملين معهم آخر ما التقطوه من "زوجات التراث" و"تيك توك" و"اللّابوبوس"، مثل طلابٍ يسحبون خلفهم أذيال عالمٍ لا يعترف بجدران القاعات. أبتسم، للمرّة الخامسة ربما، وأقول لهم إنّ هذه ليست طريقتي المفضّلة في التدريس؛ فالمحاضرة، في المكان الذي جئتُ منه، لم تكن يومًا أداةً للمعرفة، بل أداة للسيطرة.

ذلك النوع من السيطرة التي تحفظ مكانك في الطابور إلى أن يأتي دورك لإعادة إنتاجها بعد ثماني سنوات، فتدخل الهرم من بابه الخلفي.

اليوم أحاول أن ألتفّ على هذا كلّه. أطلب منهم، بصوتٍ منخفض هذه المرّة، أن ينظروا إلى القاعة: إلى الكراسي المرتفعة مثل متفرّجين في حلبةٍ صغيرة، إلى الإضاءة التي تسلّط نفسها عليّ كأنني موهبةٌ في برنامج اكتشاف المواهب، إلى هندسة المكان التي تقرّر مسبقًا مَن يتكلّم ومَن يسمع. آمل سرًا، وبدون كثيرٍ من التفاؤل أن يحرّروني من الدور الذي تريده القاعة منّي، وأن يتعاملوا معي كأنني مكتبة يمكن فتحها على صفحةٍ عشوائية… لا نسخة مصغّرة من مُدرّسٍ بصوتٍ رخيم وخطابٍ متماسك.

أريد أن أخسر هيبتي المفتَرضة، لأربح قدرتي على أن أكون نفسي.

 

20. عقدٌ مؤقّت

لقد تحلّيتُ هذه المرّة بشجاعةٍ غير معتادة؛ وضعتُ نباتاتٍ وصورًا وملصقاتٍ وكتبًا في مكتبٍ لا أملكه إلا لعامين فقط – عامين هما أقصر زمنٍ أقمتُه في أي مكان، في أي بلد، دفعتُ فيه إيجارًا وانتماءً مؤقّتًا.
يظهر الحلمُ في الفضاءات الأكاديمية، عادةً، على هيئة مكتبٍ صغير يستطيع المرء أن يسميه "مُلكا" – ويا لقلّته، ويا لندرته حين يكون حقّاً لك وحدك.
أحضرتُ العالم كلّه إلى مكتبي، وكلّ من يعبر العتبة يعلّق مبتسمًا:
"حقًا… هذا المكان امتدادٌ لك".
فأجيب، كمن يعترف بشيءٍ لا يزال يخجله: "أعلم… إنني أحاول".

أعرف أنّني سأجنّ لو لم يكن عالمي خارج الجدران ينسجم ويتدافع وينمو مع عالمي داخل هذا البرج.
لقد أرهقني التفكير في ما تعنيه هذه الملصقات، والصور، وتلك الأشياء الصغيرة التي جمعتها عبر السنين، وفي الأبواب التي انغلقت أمامي قبل أن أعرف حتى بوجودها.
وغالبًا ما أسأل نفسي: إلى أين ستذهب هذه الكتب، وهذه الملصقات، وهذه الهدايا التي وهبتني إيّاها الأرض وساكنوها، حين لا يعود هذا العشّ راغبًا بي؟

العشّ، في النهاية، ليس دارًا دائمة… بل حضانةٌ عابرة.

 

21. في شأن الكتابة

بخور الأعشاب المركّبة،
تتداعى خمسُ كلماتٍ إلى خيطٍ مرتعش،
تتطاير فوقي أيقوناتُ "فيسبوك" و"لينكدإن" و"واتساب"
كأشباحٍ تتداعى قبل أن أستعيد سيادتي في السيطرةٍ أو التفكير.
لم يسبق للكتابة أن استنزفتني كما تفعل الآن.
ثمة ألفُ أمرٍ أجدرُ بالوقت من هذا الكدّ الوجوديّ،
ومن انتظار ضربةِ الدوبامين الأبطأ في تاريخ البشرية.
لن أُغوي نفسي برومانسية الكتابة؛
فلم تكن يومًا أثقل على روحي من هذه الأيام.
كلّما هممتُ بالكتابة، تعالت في رأسي أصواتُ آخرين،
كأنّ أفكارهم تُزاحم أفكاري
قبل أن تقدر الفكرة على أسرِ انتباهي،
تختطفها شِباكُ إطار التميّز البحثي،
فلا تبلغُ مقابلةَ القبول الأولى،
فضلًا عن فرصة فرض نفسها في غرفة لقاء… أو على صفحة كتابة.
في ذهني صندوقٌ مكتظٌّ بالأفكار التي لا تُصنَّف ضمن "إطار التميّز البحثي"،
أفكارٌ منبوذة، متوحّشة،
لكنها لا تكفّ عن الخربشة على جدران رأسي
حتى تشقَّ لنفسها طريق الهروب
هذه المجموعةُ واحدةٌ من تلك الفِرارَات…
ويا إلهي، ما أسعدني
أن تُقيم في دماغي وحوشٌ تعرف كيف تهشّم أقفاصها.

 

22. كراسي وطاولات

علّمتني بيل هوكس أنّه ما لم نُحرِّك أركان الصفّ – كراسِيَه وطاولاتِه – فلن نبلغ تمام المهمّة.
فإن عجزنا عن تغيير ملامح الغرفة التي نرزَح داخلها، فكيف لنا أن نُغيّر مسار الأفكار،
ونُحرّر عقلَ طالب العلم،
ونُعيد تشييد المكان بمعرفةٍ جديدة؟

أخذتُ وصاياها معي حين قصدتُ التدريس في المملكة المتحدة.
وكان طلّابي يتذمّرون في مطلع كلّ محاضرة، لأنني كنتُ أُملِي عليهم هذا التبديل.

وفي طريق عودتي إلى المنزل، كنتُ أخاطب بيل هوكس في سرّي:
ماذا أصنع إن رفض طلّابي تحرير صفوفهم من آثار الاستعمار؟
ماذا أفعل إن صوّبوا نقدهم نحوي كلّما نقدتُ نظرياتٍ قديمة كُتبت من مواقع لا تمتّ لعوالمنا بصلة؟
ماذا أصنع حين يطالبني طلّابي بإعادة إنتاج الهرمية،
ويأنفون من فكرة أنّنا متساوون حين نغادر عتبة الصف؟

طلبت مني بيل أن أُفسِّر…

كلّ فعل،

كلّ حلم،

كلّ لحظةٍ أضيع فيها داخل مخيّلة عالمٍ آخر.

طلبت مني أن أُدخِل طلّابي إلى خَلَدي.

أن أشرح لهم… أن أبيّن أنّ الكرسي ليس مجرّد كرسي،
وأن الأستاذ ليس مجرّد أستاذ،
وأن الكرّاسات كُتبت بدوافع سياسية،
وأن هندسة الجامعة ذاتها ليست إلا تمثّلًا لعدم المساواة.

اليوم،
أضحى طلّابي يشرحون لطلّابهم، ولأهلهم، ولزملائهم، ولأنفسهم،
أن التحرّر من الاستعمار يبدأ في اللحظة التي نختار فيها أن نُمسك زمام مقعدنا،
ونسائل الطريقة التي نجلس بها في فضاء التعليم.

 

23. الأكاديميا هي الخلاص

قيل لي، كما قيل لغيري من غير البيض، إنّ الولوج إلى عالم الأكاديميا هو الطريق الوحيد للفرار من الزنازين الاجتماعية المفروضة علينا.

صدّقتهم.

وبعضنا اعتنق هذه الفكرة بإيمانٍ مفرط.

كان عمّي أوّل من حمل الدكتوراه،
ثم أنا،
وأخي – قريبًا – سيكون الثالث.

خرجنا من سجنٍ اجتماعي،
لكن يبدو أننا ترجّلنا في سجنٍ آخر.
سجنٌ مُضاء بإفراط،
يوفّر حياة من رخاء،
وإن كانت قائمة على عرش التعالي–
صفةٌ احتجتُ إلى مقاومة إغوائها يوميًا منذ دخولي.

يسقط أمثالي في تصدّعات هذا المسار الطويل،
المعبّد نحو قصور الأكاديميا؛
تصدّعات يعميك عن رؤيتها
بريقُ النجومية التي نلاحقها.

ونحن – عن وعيٍ أو تواطؤ –
نعيد إنتاج القواعد التي تُبقي هذه السلالم مضاءة،
لا رغبةً في العدل،
بل طلبًا لانعزالية مريحة
تقصي من ليسوا من طينتنا الأكاديمية.

ومع كل خطوة على تلك السلالم،
أسمع صوت جماجم تتكسّر.
بعضنا لا يسمعها،
إذ يركض بنهمٍ نحو غايته،
وآخرون يشعرون بوخز الألم في الساقين،
كأنّه تضامنٌ متأخر مع ما يُسحق تحت الأقدام.

ليس هذا الألم ألمنا،
لكنني أحاول أن أشعر به
كي لا أفقد إنسانيتي.
ربما علينا أن نهدم هذه السلالم،
علّنا نعثر، في ركامها،
على قريةٍ من الأصدقاء.

 

24. المرشد والأصول

لم أتعوّد على فنّ اجتذاب المرشدين؛
ذاك الطقس الأكاديمي السرّي 
الذي يقوم فيه الناس بإغواء أستاذٍ متجهّم 
ببريدٍ إلكترونيّ واحد،
فتنفتح لهم أبواب الحكمة جميعها.
اي والله
بينما أنا أرتجف من مجرد كتابة "مرحبًا".
تشلّني الفكرة:
أن أطلب من شخصٍ نافذٍ أن "يهتمّ بي".
أدخل في سباتٍ ثلجيّ لمدّة يومَي عمل
حتى أستعيد السلطة على جسدي 
المرشد، بالنسبة لي، ليس بشرًا.
إنه مخلوق أسطوريّ،
يُقال إنه يتجوّل في أروقة الجامعات،
يرى الطالب من أوّل نظرة فيفهم طفولته،
وأزماته الوجودية،
ومستقبله المهني…
يُقال إنه يبتسم ويقول:
"أرى فيك إمكانات عظيمة".

وأنا؟ وقد امتلأت بكل أسباب الضياع أريد أن أصرخ:
أرجوك… فقط قُل لي ماذا تريدون منّي أن أفعل!

كيف نفهم هذا البلد الجديد؟ بلد جديد، قواعد جديدة، وظائف غير رسمية، وآداب اجتماعية غير مكتوبة. أحتفظ بمفكرة أسجل فيها كل هذه الأمور الجديدة التي لا يخبرنا بها أحد، خريطة للحياة الاجتماعية في الأكاديمية البريطانية.

الرسائل الإلكترونية الباردة – مقبولة عمومًا.

الرسائل المباشرة – غير مقبولة في الغالب.

السؤال عن فرص التمويل أو الوظائف – إذا تجرّأت، ربما.

مشاركة المشاعر حول الطقس – مقبولة عمومًا.

مشاركة المشاعر حول بدء تناول مضادات الاكتئاب الجديدة – سيُتظاهر بأنها مقبولة، لكنها في الحقيقة غير مقبولة وتُعدّ إفراطًا في المشاركة.

الالتقاء بشخص ما أثناء مؤتمر، قول مرحبًا، والتحدّث عن آخر أعماله – محبَّذ ومحمود.

العدوانية المبطّنة: لست متأكداً لكن أشعر أنها مقبولة

المطالبة بفعاليات اجتماعية خالية من الكحول … [قيد التحديد]

وأخيرًا، البحث عن مرشدين أكاديميين يفقهون هذه التفاصيل، ويهتمون بتقديم الإرشاد حول القواعد غير المعلنة هذه، لأن… فالقواعد لا يمكن الالتزام بها إذا كانت غير مكتوبة، غير معلنة… إنها عرفيّة في طبيعتها وإلزامية في سياقها.

 

25. لابتوب على متن الطائرة

"أفضلُ مكانٍ لإنجاز العمل هو الطائرة. لا أحد يزعجك هناك"
أفكّر في كلّ تلك الوجوه المضيئة في الظلام، وجوهٌ تفكّر، تفعل، تكتب…
أرواح كثيرة، نعم، لكن ولا روح تريد ازعاج الأخرى.
أخيرًا مكانٌ نتنفّسُ فيه / هناك على ارتفاع 30 ألف قدم عن سطح البحر، حيث لا قدرة للرئتين على العمل علمياً. 

أناسٌ يمشون ببطء، سلاسلُ مشبوكٌ طرفُها بثقوبٍ في الحقائب الملصوقة بظهورهم، يقبضون على هاتفين، ولابتوبًا، وتابلِتًا. على الأقلّ.
كيف أصبحتْ كلُّ محادثةٍ على الإنترنت تحوم حول كيفية الهروب من الإنترنت؟
وكلُّ محادثةٍ خارج فضاء الإنترنت، عن كيفية شرح شعور التفاعل الاجتماعي الذي أوجدناه على الإنترنت؟

"سأنام أخيرًا في هذه الرحلة ذات الاثنتي عشرة ساعة"–
أطوَلُ غفوةٍ نِلتُها في الأشهر الستّة السابقة.
أبعد هاتفي عن جسدي، أضغط "وضع الطيران"،
وبعد هنيهة… تضيء إشارة الواي فاي:

"واي فاي مجّاني على رحلتكم الآن!"

 

ملحوظات: