الاعتراف المكانيّ بالكويريين/ات في الكويت

السيرة: 

نور المزيدي كاتبة وباحثة ومرشحة لنيل درجة الدكتوراه في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، قسم دراسات الجندر. تركز أبحاثها لنيل درجة الدكتوراه على انعدام الجنسية والجندر والجنسانية والطبقة في الكويت. تركز من خلال دراستها على منهجية التاريخ الشفوي لمركزة الصراعات السياسية والذاتية وحياة البدون عديمي الجنسية. حصلت نور على درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية والعلوم السياسية من جامعة برمنغهام، وماجستير في الجندر من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. عملت سابقًا كباحثة في مركز الشرق الأوسط التابع لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، مع التركيز على المشاركة السياسية للمرأة في الكويت. نور عضو في مجموعة التحرير Engenderings (تعميم منظور الجندرة).

‫ ‫الملخص: 

ينصبّ اهتمامي في هذا البحث على تقديم مقاربة للمساحات التي يمكن فهمها "كجزء من كوكبة من المواقع"(سينوتت، 2013، ص. 343) التي تشكّلت من خلال العلاقات الاجتماعية والتي عزّزت شكلًا من أشكال "الاعتراف المكانيّ" والإستكان. بدلاً من موضعة هذه المساحات على أنّها جزء من مشهدية الصمود، أريد وضعها ضمن تحليل يأخذ في الاعتبار الاقتصاد السياسي للكويت من جهة، والمواطنة من جهة أخرى كآداة طبقية تعمل على هندسة آليات الرقابة الاجتماعية، مُغذّيةً التفاعلات الاجتماعية بين المواطنين/ات وغير المواطنين/ات. من خلال طرح هذه المقاربة، يكمن هدفي في محاولة معالجة مسألة الاعتراف بما يتجاوز الأطر القانونية المرتبطة بمفاهيم الظهورية و"الخروج من مختبأ الهوية الذاتية".

الكلمات المفتاحية: 
الإعتراف المكاني
الكويت
الذوات الكويرية
غير المواطنين/ات
الإرادة التقريرية
عاطفة
اقتباس: 
نور المزيدي. "الاعتراف المكانيّ بالكويريين/ات في الكويت ". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 6 عدد 3 (18 ديسمبر 2020): ص. 398-420. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 27 فبراير 2021). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/272.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (1.13 ميغابايت)
ترجمة: 

مترجمة فلسطينية ماركسية، مهتمة في مجال الإنتاج المعرفي ضمن حركات الهجرة واللجوء.

theoa2_copy.jpg

ثيو لوك

معركة في الكهف

المقدمة

قبل أربعة فصول، عدتُ إلى الكويت لبضعة أشهر بين فصولي الدراسية. كنت مقيمة في المملكة المتحدة منذ العام 2012، وعند عودتي كنت قلقة بشأن كيفية إدارة حياتي الاجتماعية كشخص بالغ. لم يكن لديّ إلّا عدد قليل جدًا من الصداقات التي حافظت عليها عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. لم أكن متأكدة من كيفية مقابلة أشخاص جدد، وتكوين روابط وعلاقات وصداقات جديدة، وإيجاد مساحات تُحيي الإحساس بالجماعة والانتماء الذي كنت أبحث عنه – شعور بالانتماء والحميمية لم أحظَ به، حتى أثناء إقامتي في المملكة المتحدة. لكن في شهر آب/أغسطس وفي ذروة صيفٍ كويتيّ، كنت أنتظر تحت لهيب الشمس الحارقة لمدة عشر دقائق تقريبًا قبل أن يمرّ بي نضال ونتوجه نحو تجمّع للأصدقاء/الصديقات في شاليه. لقد تعرّفت إلى نضال عبر الـ"تويتر"، وعلى الرغم من أننا قضينا بعضًا من الوقت معاً شخصيًا عدّة مرّات من قبل، إلا أن ذلك كان أول صيف تمكّنا فيه من اللقاء في الكويت. مثَّل ذاك الصيف له فرصة لتقديمي لأصدقائه/صديقاته ومعارفه. كنت أعرف بعضًا منهم/ن من قبل، وأما بالنسبة لآخرين فكان ذاك لقاءنا الأول. في طريقي إليهم/ن، كنت أشعر بالقلق لأن الرحلة كانت طويلة، ولأني كنت أعرف أن هناك احتمال المرور عبر نقطة تفتيش للشرطة. في ذلك الوقت، كنت على دراية كبيرة بالمخاوف والتوترات والمضايقات التي يمكن أن يواجهها الأشخاص الكويريون عند نقاط التفتيش، حيث يتمظهرون بطرق يُنظر إليها على أنها غير معيارية. لحسن الحظ، وصلنا إلى الشاليه دون مضايقات. قضينا اليوم في السباحة والاستماع إلى الموسيقى وإجراء حوارات قيّمة. الجزء الأكبر من هذه المقالة مدفوع بمحاولة التعبير عن شعور كنت قد جرّبته لأوّل مرّة في مثل هذا المكان، وهو شعور ما زال يواكب مختلف المساحات التي أقضي معظم وقتي فيها اليوم.

لا تنطبق على سياقي هذا الروابط التي تمّ ابتداعها بين الكويرية والظهورية1 والاعتراف والتحرّر الجنسي، والتي غالبًا ما تتشبّع بها المعالجات الأميركية المهيمنة للحيوات والتجارب الكويرية. كانت تلك مساحة يُلحظ ويُعترف فيها بالجنسانية والجندرية الكويرية من قبل الأصدقاء وبعض أفراد الأسرة. وبالوقت نفسه، لم تنبع تلك الحالة من أطُر وهياكل الحقوق الجنسية أو من نموذج معيّن للظهورية الكويرية. كيف يمكن لنا تحويل ظاهرة لها هذه الحميمية المكانية2 الكويريّة إلى لغة؟ ما هي السجلّات العاطفية التي تستطيع الترفُّع عن فشل الكلمات في نقل معقوليّةٍ ما لمثل هذا الفضاء؟ وماذا تعنيه تلك المقاربات التفسيرية بالنسبة إلى فهم الحميمات الكويرية والأبعاد الذاتوية والكويرية في نطاقها الأوسع؟ على غرار تعبيرات جاها وكوثر في ورشة عمل النسوية الكويرية عام 2019، أردت التأمّل في كيفية تقديم رؤية عن "أنواع المفروشات والألوان والأقمشة" والروائح والأنسجة والموسيقى و"المناطق الجغرافية والمشاهد والأصوات" التي شكّلت معالم الأنطولوجيا المكانية الكويرية المحسوسة. ينصبّ إهتمامي في هذا البحث على تقديم مقاربة للمساحات التي يمكن فهمها "كجزء من كوكبة من المواقع"(سينوتت، 2013، ص. 343) التي تشكّلت من خلال العلاقات الاجتماعية والتي عزّزت شكلًا من أشكال "الاعتراف المكانيّ" والاستكان.3 بدلاً من موضعة هذه المساحات على أنها جزء من مشهدية الصمود، أريد وضعها ضمن تحليل يأخذ في الاعتبار الاقتصاد السياسي للكويت من جهة، والمواطنة من جهة أخرى كآداة طبقية تعمل على هندسة آليات الرقابة الاجتماعية، مُغذّيةً التفاعلات الاجتماعية بين المواطنين/ات وغير المواطنين/ات. من خلال طرح هذه المقاربة، يكمن هدفي في محاولة معالجة مسألة الاعتراف بما يتجاوز الأطر القانونية المرتبطة بمفاهيم الظهورية و"الخروج من مختبأ الهوية الذاتية".4

ساهمت جهود الناشطين/ات العابرين/ات للقوميات في "التحوّل الحقوقي" المتعلّق بسياسات حقوق أفراد ومجتماعت الميم +. صاحَب ذلك التحوّل جملة من التغييرات القانونية التي أثّرت على الصُعُد الوطنية والمحلية في أوروبا وأميركا والعديد من دول عالم جنوب (كولمان وويت، 2009، ص. 4-7). عند هذه النقطة، أنا مهتمّة بالتطرّق الى نظام معيّن ضمن معترك السياسات التمثيلية التي أنتجها خطاب حقوق الميم+ في الغرب، والتي تستحضر سرديّات المثلية المعيارية5 والمثلية القومية6 (بوار، 2007). أبرزت ليزا دوغان المخاوف بشأن "المثلية المعيارية الجديدة"، وحاججت بخطر اقتران المطالبات الحقوقية بفكرة "حق الوصول إلى الإمتيازات الشكلية المنوطة بالغيرية الجنسية" (بل وبيني، 2006، ص. 870؛ دوغان، 2003). تُصاغ المثلية المعيارية كـ "سياسة لا تتعارض مع هيمنة افتراضات ومؤسسات المعيارية الغيرية، بل تدعمها وتُدعِّمها وتَعِد بإمكانية إيجاد بيئة مثلية ساكنة، وثقافة مثلية مخصخصة وغير مسيّسة ومغروزة بعمق في الحياة العائلية والاستهلاك" (دوغان، 2002، ص.179). باتت السياقات التي تُمَوضَع فيها الحقوق الجنسية مسألة محورية في بُنية الغرب على هيئة قوة معيارية تُوَظَّف للاستمرار في تقديم أوروبا وأميركا على أنهما كيانات تحرّرية وعادلة وتقدمية. تلك الكيانات التي تزعم منحها الحقوق الجنسية وحقوق المرأة باعتبارها "وجهًا من أوجه الحداثة" (بوار، 2013، ص. 337). كما تُستخدم تلك المزاعم كطريقة لإضفاء الشرعية على "الحرب على الإرهاب" (بتلر، 2009؛ محمود، 2008). تضعنا القومية المثلية أمام مهمّة إعادة صياغة "شاقةّ ولكن عاجلة" للعلاقة بين "الدولة والرأسمالية والجنسانية"، حيث تُدمج بعض الأجساد الكويرية (وبالتالي التخيّلات7 الكويرية) على نحو مشروط في خطاب المعيارية الغيرية والقومية، التي تنتج مفاهيم الذاتية القومية الغربية في لغة من الاستثنائيات الجنسية التي تأتي بطبيعة الحال مقرونة برجعية فعل عَنصرة الهوية الجنسية المغايرة (بوار، 2006، ص. 70؛ 2013، ص. 337). تسمح الظروف العالمية للمثلية القومية بتغذية الممارسات الاستغلالية للدول مثل الغسيل الوردي8 أو ما يعرف بعملية "ترويج إسرائيل بصورة صديقة لـ أفراد ومجتمع الميم +، بهدف إعادة تبرير إستعمار9 فلسطين باستخدام سرديّات حضارية تُقاس بالحداثة (الجنسية)" (المرجع نفسه). هنا أيضًا نلاحظ انتشارًا في سرديّات المجمع الصناعي لأساطير الإنقاذ "إنقاذ المثليين"، والتي نجدها في الخطابات الإعلامية والسياسية السائدة، تلك التي تركّز بشكل عاطفي على اضطهاد المثليين في العالم غير الغربي وفي طلبات لجوء أفراد ومجتمعات الميم+. تشير غاياتري شاكرافورتي شبيفاك في نصّها "هل يستطيع المُستَعمَر التّكلُّم؟"10 إلى دور الفانتازمات الاستعمارية المتمثّل بفكرة "الرجال البيض الذين ينقذون النساء السمراوات من الرجال السُّمر" (شبيفاك، 1993، ص. 92) في بلورة الحُجّة11 الحضارية. وبالمثل، تعمل أجندة "إنقاذ الكويريين/ات ذوي البشرة السمراء" وفقًا لمقاربات الاستعمار ما بعد الحداثة، التي تركزعلى تحرير الكويريين/ات المعذبين/ات داخل مختبآتهم/ن (براكّ، 2012). بالرغم من أنني أتبنّى النقد الكويري الذي يبيّن المحدودية في الحلول المقتصرة على المفاهيم الحقوقية والسياسات الاستيعابية المؤطرة بجملة اعترافات دستورية بالحقوق الجنسية، إلا أنني لا أطرح مثل هذه الحجج لتقويض أو معارضة أهمية الحماية القانونية التي تنبثق عن النهج الحقوقي وتطوير السياسات، فبعد كل شيء، كما تنوّه شبيفاك، لا يمكن للمرء ألّا يريد التمتع بحقوقه (سبيفاك، 1993، ص. 45). ولكن لا بد من التنويه إلى أن الإصرار على التفكير في الاعتراف بلغة التغيير القانوني وحسب، هو إنكار لأوجه الكفاح المختلفة التي تخوضها الأجساد الكويرية في ظل الأعراف السائدة.

يشرح بيل وبيني كيف أن تظهير الهويات والرغبات والممارسات المهمشة على أنها منوطة بلغة حقوقية واعتراف قانوني، يساهم في تدشين مسارات جديدة متعلقة بـ "المواطنة الجنسية12 ... بعيدًا عن محدّدات المعيارية الضيّقة" (بيل وبيني، 2006، ص.870). ومع ذلك، فإنني مهتمّة بشكل أساسي بالكيفية التي يصبح فيها فهم الإعتراف الكويري والظهورية الكويرية مقتصرًا على المجال القانوني وتمظهرات "الخروج من المختبأ". فعندما تُصوّر سردياّت "الخروج من المختبأ" على أنها شكل من أشكال المقاومة الكويرية، و"التي يتمخض عنها إدراك صحيح للذات بنفسها"، يستتبع ذلك زعم في أن عدم القدرة أو رفض "الخروج من المختبأ" لا يفسَر إلا على أنه العلامة الحاسمة على وجود المعاناة (ريتشي، 2010، ص. 151). إن "التعيينات الجيوسياسية لرهاب المثلية الجنسية" (داوان، 2013، ص. 200) تُصنِّف دول الخليج مثل الكويت ضمن عالم الاضطهاد الجنسي، وتوفر فهمًا أحاديًا للأجناس غير المعيارية وللجنسانية بشكل عام في الكويت، بهذا الشكل تُمحى الإرادة التقريرية للفرد الكويري عن المشهدية. "الاستبداد المفترض للمُختبأ" وغياب الظهورية و"الاعتراف" بمعانيه السائدة، يكرّس النظرة الماهوية لـ"الثقافات العربية" باعتبارها متطابقة في تحجّرها، أي والتي تظل مفاهيمها للجنس عالقة إلى الأبد في زمن ما قبل الحداثة وما قبل السياسي والماضي غير المتحرّر ( ريتشي، 2010، ص. 566). هذه المقاربة المعرفية-السياسية، تنكر أي احتمال لوجود تلك المساحات التي تمثّل محطّ اهتمامي. في هذا البحث أسعى إلى تحدّي مثل هذه الروايات التمثيلية الاختزالية من خلال استكشاف كيف يمكن أن تستكين وتحيى الحيوات الكويرية في الكويت بأساليب لا تقتصر فقط على مسائل الاعتراف القانوني والسياسي والظهورية، بل تتجاوزها نحو بنى يمكن التماسها عبر الأزمنة والأمكنة. باستخدام منهجيات البحث الإثنوغرافي، سأستكشف جوانب الإستمتاع التي يشعر بها الكويريون/ات حيال علاقاتهم/ن الاجتماعية والجنسية ضمن مساحات من الاعتراف المحسوس. ليس بالضرورة لتلك المساحات أن تكون "متعالية" على سلطة الدولة المعادية للمثليين/ات والعابرين/ات، أو على السيطرة الاجتماعية المتمثلة في بناءات الثنائية الجنسية/الجندرية. ولكنها (المساحات) تشكّل بالأحرى حالة "اضطراب سياسي" (أحمد، 2004) متمثّل في تحدّيهم/ن لمعيارياتٍ متأصلة في علاقات القوة الكائنة.

آمل أن يكون من شأن تركيزي على الحياة الكويرية في الكويت، تحويل هذا البحث إلى حوار مفتوح ومحادثة مستمرة في ميدان دراسات الكويرية في الشرق الأوسط. حوار قد يبدو "مريحًا في بعض الأحيان ومتوترًا أحيانًا أخرى" (تروب، 2008، ص. 2) في إصراره على فهم مثمر "للتحوّلات والتقلبات التي تشهدها المعالجات المتعلقة بالجنسانية في ميدان الإنتاج الثقافي في الشرق الأوسط" (السمان والعريس، 2013، ص. 205). تقدّم هنادي السمان وطارق العريس مجموعة جديدة من المداخلات المعرفية، التي تشير إلى التحوّل من التركيز على الخطابات التمثيلية والمقاربات المؤاخِرة13 التي تعالج مسألة الجنسانية والكويرية في الشرق الأوسط على أنها نتيجة محضة لقوى الهيمنة الاستعمارية، نحو استحواذ كامل على مفهوم الكويرية "ضمن لحظات من اللعب والأداء والتناقض والتنافر والتلاشي" (المرجع نفسه). الإحساس المصاحب لطبيعة تلك اللحظات سريعة الزوال، والآنية وأحيانًا طويلة الأمد في الحياة الكويرية هي التي أسعى لالتقاطها.

 

المنهجية ومكانة الباحثة

يكمن أحد أوجه تحدّي النظرية النسوية للمشاركات البحثية في العلوم الاجتماعية في نقدها للـ "الوهم القائل بوجود للمعرفة الموضوعية التي تنتجها لفاعلين/ات مستقلين/ات" (هيمينغز، 2012)، يعملون على استثارة المعرفة باعتبارها محايدة يبرزون جوانب إنتاج المعرفة المشبعة بالقوة والمحمَّلة بالقيمة (هاردينغ، 1993). في سياق المحادثات التي ما تزال قائمة حول التبعية14 والقدرة على التعبير والتمثيل والتأليف، أكّدت المداخلات النظرية النسوية الرئيسية على أهمية "أخذ الذاتية في الحسبان" (كود، 1993) والاعتراف بـ "الوضعية الإدراكية"15 للمعرفة (هارواي، 1990)، وأهمية الدمج بين المكانة (من الموضوع) والحالة الانعكاسية للباحث/ة في جميع محطات البحث. إن الاعتراف بالوضعية الإدراكية للباحث/ة من خلال توظيف ممارسات الانعكاسية الذاتية، من شأنه إعطاء تصوّر للكيفية التي يتشكّل فيها البحث من خلال تقاطعات الجندرية والعرق والطبقة والجنسانية، والجوانب الأخرى المتغيرة لهوية الباحث في سياق البحث. إنها ليست مجرّد إمعان في التفكُّر بالنفس (نجار، 2002، ص. 180)، بل إنها مواظبة على التمسك بحالة من الوعي حيال حركيات القوة التي تشغل العلاقة بين الباحث/ة والموضوعات محلّ البحث.

أناور وأسكن في ثنايا أحشاء النص كمشاركة أخرى في المشهد الاجتماعي الذي أحاول تقديم تصوُّرٍ عنه. إحدى الطرق التي يمكن للمرء أن يصف بها "المشهد" الكويري في الكويت، ويبلور مجموعة من الأوصاف الخصيبة للكيفية التي يتمّ فيها دفع الكويريين/ات في الكويت إلى غمار التذويت،16 الذي يقوده الواقع السياسي والجغرافي حيث يتواجدون، هي أن تكون مشاركًا في هذه البيئة.17 لأسباب عدّة، لم يكن إنتاج هذا البحث ممكنًا لو لم أكن أُعتبَر بالفعل شخصًا يمثّل جزءًا من المساحات محطّ إهتمامي البحثي. وُضعتُ خلال المراحل الأولى من هذا البحث بمكانة الصديق الذي عاد إلى الديار لفترة قصيرة من الوقت، والذي يمكن منحه الثقة لجهة السماح لي بالتماس بعض الجوانب الحميمة جدًا من حياة المشاركين/ات. كانت عملية إنشاء علاقة مع المشاركين/ات أسهل، بسبب المعارف الذين كنت قد كونتهم/ن خلال فترة وجودي في الكويت. يتضمّن المشاركون/ات أصدقاء/صديقات ومعارف ومشاركين/ات جدد لم أقابلهم/ن إلا خلال عملية البحث هذه. تراوحت أعمارهم/ن ما بين 22 و30 سنة، وهم/ن مواطنون/ات كويتيون/ات باستثناء مشاركَين اثنين من غير المواطنين. أستخدم الأسماء المستعارة في النص لدواعي السرّية والخصوصية. تحتّم عليّ إجراء المقابلات بسرّية تامّة نظرًا للهياكل الأبوية للنظام الكويتي ورهاب المثلية الجنسية ورهاب العابرين/ات التي تُغذيها إجراءات الدولة القانونية، لاسيما تلك المتعلقة بالجنس واللامعيارية الجنسية. قادتني الإثنوغرافيا والمجموعة الأوّلية من المقابلات، نحو الرجوع الى البيانات التي تمّ الحصول عليها استنادًا الى تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، والوثائق القانونية لقانون العقوبات الكويتي والتقارير الإخبارية عن اضطهاد المهاجرين/ات المثليين/ات في الكويت ومقاطع فيديو لجلسات برلمانية وبرامج حوارية وكتابات أكاديمية عن تاريخ وسياسة الكويت، بالإضافة إلى خبراتي السابقة والحالية من الخوض في هذه المسائل ضمن الساحة الكويتية. آمل أن تُساهم هذه الإثنوجرافيا في تعطيل الإنتاج المعرفي ذو المنطلقات الأوروبية المرتبطة بالتأطيرات الحقوقية الجنسية الرازحة تحت سرديات سائدة ومهيمِنة عن الحياة والحميميات الكويرية. إضافة الى ذلك، أسعى الى تجاوز القيود التي تتصف بها التقارير المتاحة عن الكويرية في الكويت.

لقد بدأت هذا البحث منذ ثلاث سنوات كأطروحة ماجستير، وكان لديّ في البداية عدد محدود من المقابلات (عشرة) التي تمكّنت من إجرائها. ومع ذلك، تمّ تداول خبر قيامي بالبحث ونشأ شعور بالإثارة الحقيقية في الأوساط المعنيّة، ما أدّى إلى إعراب المزيد من الناس عن رغبتهم/ن في أن يكونوا جزءًا من هذا الحوار. أدّت مشاركتي للحجج الرئيسية التي تقود هذا المقال، إلى توسّع وتطوّرالمقابلات التي أجريتها والمحادثات التي لحقتها إلى "لحظات تعاونية لإنتاج المعرفة" (ديفالت وجروس، 2007، ص. 181؛ باغيت، 1983). كنت أرغب في تطوير منهجيتي بشكل يدفع قدمًا إلى أهمية الإشتباك18 الذي يحرّك نظرية المعرفة وفضاء الإنتاج المعرفي "بعيدًا عن النموذج الإمبريالي لاستخراج المعرفة، ونحو نموذج يصوغ المعرفة على نحو تعاوني" (فالكون، 2016، ص. 174). يتوّج بحثي هذه الحوارات المستمرّة وثمرة الخبرات الحياتية التفاعلية التي تجاوزت محددات البحث في مراحل العمل الأولى.

على الرغم من اهتمامي بقضية تخريج19 اللامعيارية الجندرية والجنسية بإناطتها بالمهاجرين/ات وغير المواطنين/ات حصرًا، إلا أن بياناتي البحثية لا تزال قاصرة عن تمثيل واقع المهاجرين/ات وعديمي/ات الجنسية من البدون في الكويت. تضمّ الكويت عددًا أكبر من السكان من غير المواطنين/ات مقارنة بعدد مواطنيها/تها، وقد أدّى ذلك إلى ظهور خطابات وسياسات عنيفة تهدف إلى إعادة هيكلة "الاختلالات الديمُغرافية" في البلاد (الجريدة، 2020). يتداخل هذا النموذج من القومية وكراهية الأجانب والعنصرية والرأسمالية بفعل وجود نظام الكفالة، الذي يجعل المهاجرين/ات عرضة لظروف عمل استغلالية، تسمح بحالات عدم دفع الأجور والحبس القسري وحجز جوازات السفر والاعتقالات والاحتجاز والترحيل (منتدى المهاجرين في آسيا، 2012). يوجد في الكويت أيضًا عدد من السكان عديمي/ات الجنسية البدون (بدون جنسية)، وهم من أهل المنطقة الأصليين ولكنهم لم يحصلوا على الجنسية أثناء تأسيس دولة الكويت الحديثة في عام 1961. خلال منتصف الثمانينيات، سنّت الدولة إجراءات عملية لنزع المشروعية والمحو الإداري للوجود التاريخي للبدون، كما ومنعتهم/ن من الحصول على العمل والرعاية الصحّية والتعليم. بالرغم من أن المناقشة المستفيضة لسياسات الدولة ومؤسساتها وهياكلها العنيفة التي يعاني منها المهاجرون/ات والبدون في الكويت يعدُّ خارج نطاق وسِعَة هذه المقالة، غير أنه من المهمّ الأخذ في الحسبان كيف أن المواطنة كتقنية سلطوية للإقصاء، تُمأسس الحركيات والمساحات محطّ بحثي واهتمامي. تبقى المساحات التي أذكرها وأناور بينها خاصة بمن أجريت المقابلات معهم/ن وبدوائرهم/ن الاجتماعية. لا أرمي إلى تصوّر هذه المساحات على أنها متسامية أو مقاومة، بل على العكس من ذلك فإن هذه المغالطات بحد ذاتها تعكس العمليات الإقصائية التي تحدث على أسس طبقية وجندرية وعرقية. ففي ذلك الإقصاء يتشكّل مثل هذا الفضاء المبحوث ويرسم المحددات التي تخلقها المواطنة فيما يتعلّق بالبدون والمهاجرين/ات.

إضافةً إلى ذلك، فإن هذا البحث مستوحى من المحادثات التي جرت في بيروت في لبنان، خلال ورشة للكتابة أجرتها "كحل" للعدد المكرَّس لموضوع المدارس النسوية الكويرية. سمح لي انتمائي لمجموعة كويرية في مثل هذا الفضاء، التفكير بمخاوفنا المشتركة حول ما تعنيه الكتابة كنسوية كويرية في سياقات تفرض عواقب لهذا الفعل. وجدت نفسي أستدرك الطرق المختلفة التي كنت أطمس فيها ذاتي وروايتي في المسودّات السابقة لهذا العمل، استدركتُ عملي الدائم على إخفاء الكويرية وراء المصطلحات الأكاديمية، وتبلورت مشاعري المتخبّطة حيال المسائل المتعلّقة بفعل التأليف. حتى وأنا أكتب هذا الآن، فإنّ الرغبة في محو تصوّري الخاص تُجاه البحث ما تزال قائمة، ولكن ربما يكون هذا تحديدًا هو السبب الوجيه لضرورة إدراجه. في جلساتنا، تأمّلنا وواجهنا رغباتنا في الحصول على أرشيف كويري وكيف يمكن أن يبدو، ومدى صعوبة تخيّل أنفسنا مرتبطين بمثل هذا الأرشيف. كما وناقشنا عدم القدرة على رؤية ذواتنا من خلال التاريخ المحلّي للكويرية، بدلاً من النصوص الأكاديمية العالمية التي تنتجها دول الشمال. على الرغم من أن الغرض من هذه الورقة ليس "كشف" أو سرد أرشيف للكويرية، أعتقد أنه ربما يمكن قراءة هذه العلاقات الحميمة والمواجهات محلّ اهتمامي، بغض النظر عن طبيعتها العابرة، على أنها أرشيف متحرّك.

 

ملاحظة فيما يتعلّق بالجنس/الجندر/الجنسانية

في قراءتها لـ "بريد مستعجل" – وهي مجموعة من قصص لحياة كويريين/ات لبنانيين/ات، تحاجج دينا جرجس أن التعبير عن الجنسانيات العربية أمر مثير للجدل، لأنه "لا توجد طريقة سهلة لفهم التشابكات التاريخية لتقاليد ما قبل الحقبة الاستعمارية والحالة الاستعمارية ومفاهيم العار الجنسي ومكانة الكويريين/ات من نظرية المعرفة في حاضر حياة العرب اليوم" (جورجيوس، 2013). وبالمثل، فإنّي لا أسعى إلى تفكيك التعقيد الكامن في الخطابات المعاصرة متباينة القوام في علاقتها بالنشاط الجنساني، باعتباره فعلُ موضعةٍ ضمن خرائط الثنائيات البيّنة للجنسانيات "التقليدية"، والتي تتجلّى من خلال اللهجات المحلية والمجتمعية مقابل الجنسانيات المهيمنة و"المعولمة" لأفراد ومجتمعات الميم+.. بدلاً من ذلك، فإني مهتمّة أكثر بتحليل الأصداء المعرفية لبعض المصطلحات والعبارات الكويرية الخاصة بالكويت، والتي لا يمكن فصلها عن الممارسات الكويرية. كما وأنني مهتمة بتحليل الإرتباط الوثيق لتلك الأصداء بأنظمة الدولة والمجتمع المتعلقة بالجنس والجندرية غير المعيارية.

كما تحاجج نور أبو عصب ونوف ناصر الدين وأعيدان جريتريك، أن "الأشخاص ذوي الهوية الجنسيانية والجندرية غير المعيارية، لا يعدّون أنفسهم/ن بالضرورة أفرادًا من مجتمع الميم+" (أبو عصب، 2018، ص. 186). إن تفسير بعض المصطلحات الكويتية التي تستخدم لوصف الجنسانية والجندرية غير المعيارية هو خوضٌ في "فلك غامض من الدلالات اللغوية المتداخلة والمتغيّرة، والإدراك (الذاتي)"20 (نجم آبادي، 2013، ص. 225). تحمل المصطلحات في بعض اللهجات المستخدمة دلالات مختلفة وفقًا للسياق ولشخص المتحدّث. يمكن استخدام المصطلحات بطرق مهينة، ولكنها أيضا تستخدم للإشارة إلى مكانة المشار إليه. غالبًا ما تُستخدم مصطلحات مثل جنس (جمع: جنوس) وخانيث وتَرف لوصف أنوثة الذكور، بينما يُفهم مصطلح الجنس الثالث و"الشيمايل" (She-Male) على أنها تعبّر عن تداخل بين أنوثة الذكور والمثلية الجنسية والعبور. يستخدم مصطلح بوية (جمع: بويات) للإشارة إلى أشكال ذكورة الأنثى وذكورة التجليات الذاتية. كما تعتبر المثلية الجنسية إحدى الطرق التي يعزز فيها الـ(بويات) انحرافهم/ن وانحلالهم/ن الأخلاقي كتمثّلات ذكوراتيّة.21 يحتلّ الخطاب الشعبي حول البويات مساحة واسعة في وسائل الإعلام. تتناول البرامج الحوارية الكويتية موضوع ذكورة المسترجلات كظاهرة اجتماعية "أجنبية" يجب القضاء عليها، وتحديدًا بالإشارة إلى "انتشارها" في المدارس الثانوية. تصبح شخصية البوية محاصرة بخطابات حول الاختلالات النفسية والهرمونية والشيطانية و"التقليد" الغربي (المبيعي، 2010). على سبيل المثال، يحاجج رجل الدين الكويتي نبيل العوضي بأن "ابتداع لفظة البوية يمثّل إشكالية بحد ذاته لأنه لا يعود الى أصالة لغتنا – بل هو تقليد للكلمة الإنجليزية "فتى-boy" مع تصريفها بصيغة المؤنّث. هذا مثال على كيف أن هذه الظاهرة الجنسية هي محاكاة للغرب". تضيف نور القاسمي في هذا الصدد، إن "ما يمكن أن يقال عن هوية البوية، هو أنها ليست مجرد تقليد للغرب تم تحقيقه من خلال العولمة التي فرضت عملية إعادة تبنِّ للّفظة بدمج المصطلح اللغوي الغربي مع تصريف عربي، نتج عنه تكوين مشترك ليس فقط للذاتيات الجنسية ولكن أيضًا للمنطق الثقافي" (القاسمي، 2011، ص. 259). إن إعطاء الجندريات والأجناس غير المعيارية دلالة مستوردة من خلال إيلاءها صفات "الأجنبي" و"الغريب"، يحمل تبعات مزدوجة. أولًا، تعمل تلك الدلالة، من خلال آليات عديمة السياق التاريخي22 تنكر على أساسها الدولة الجنس والجندر غير المعياري في المنطقة وتمظهراتهما المحلية المختلفة، على تثبيت الافتراض القائل بأن أي انحراف عن ثنائية الغيرية الجنسية، هي بدعة غربية لا يمكن أن تتجسد إلا في اللغة الأجنبية لفئات LGBTQI +. ثانيًا، إن الدمج المعتاد بين الكويرية والـ "أجنبي" يُستخدم في سياق عدد من الاعتقالات التي تناقلتها وسائل الإعلام الكويتية، والتي تركّز على المهاجرين/ات الكويريين/ات وغير المواطنين/ات الذين تمّ ترحيلهم لاحقًا (المزيدي، 2020).

تستلزم الكتابات حول الذاتيات الكويرية في الكويت، ملاحظة كيف أن معاني الجنسانية والجندر مرتبطة بـ "رابطة تتشكّل ليس فقط من خلال الانتشار العابر للحدود الوطنية للمفاهيم والممارسات غربية الطابع والهوى، بل أيضًا من خلال جملة تفاعلات اجتماعية وثقافية وسياسية" (نجم آبادي، 2011، ص. 535). يحتاج المرء إلى النظر في دلالات الجنس والنوع الجندري في سياق معين، بدلًا من استخدام نظام غربي معولم غير قابل للتطبيق للجنس/الجندر. الخطابات السائدة حول الجندر واللامعاييرية الجنسية، تجعل من الصعب تفكيك المثلية الجنسية والعبور والأشكال المختلفة للجنسانية والجندرية غير المعيارية. في الواقع، "معالجة الحقوق الجنسانية والجندرية بشكل أفضل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يحتاج اعترافًا بالتقاطعات الكائنة بين الجنسانية والجندر بالإضافة إلى الطبقة والدين والجنسية. فالتجارب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليست متطابقة" (أبو عصب وآخرون، 2018، ص. 186). هذه الملاحظة المعرفية حاسمة لفهم مختلف المقاربات المنطقية المتعلقة بالجنسانية خارج فلك عالم الشمال. على وجه الخصوص، أودّ التأكيد على أهمية النظر في الملامح اللغوية للجنس والجندر وصداهما المعرفي عند الولوج في دلالات اللفظة العربية والفارسية – "الجنس"، مع "استخدامها متعددّ المعاني كصفة تمييزية بين الذكر والأنثى، حيث أنها غالبًا ما تعني الجندر/الحالة الجندرية النمطية (الذكورة/الأنوثة) أما الجنوس (أي النوع) وأحيانًا الجنسانية (دلالة عن الرغبة)" (الشاكري، 2017، ص. 66). طيف الدلالات الذي في لفظة "الجنس" يحمل في طيّاته معاني جديدة وقديمة لبيولوجيا الجنس والعلاقات الجنسية والرغبة الجنسية، تساهم كلّها في تبيان كيفية تشكُّل وتقاطُع مفاهيم الجنس والجندر والجنسية.

نوّهت أفسانة نجم آبادي إلى أهمية اقتفاء أثر التحوّلات الدلالية في لفظة "جنس"، التي أصبحت تعني النوع الجنسي خلال القرن العشرين نتيجة حركات الترجمة التي نقلت انتاجات علم النفس الغربي والأطروحات الطبّية والتطورات في الفقه الإسلامي. وتشمل هذه التطورات استخدام لفظة الجنس في صيغتها الوصفية للتمييز بين الرجل والمرأة (الاختلاف الجنسي)، على نحو يعمل على تأطير الفروق بينهما على أنهما ضدَّين يتقابلان ويتكاملان في آن (نجم آبادي، 2013، ص. 215-219). بدلاً من التفكير في مختلف التوظيفات المفاهيمية لنظام الثنائية الغيرية (الجنس/الحندر)، العائد الى نموذج أدريا ريخ "الغيرية الجنسية الإجبارية" كبناء مؤسسي وبنيوي للغيرية الجنسية باعتبارها القاعدة المثالية (ريتش، 1980)، بدلاً من ذلك أريد التفكير في الافرازات المفاهيمية التي تخلقها مقاربة "الاختلاف الجنسي". كما يذكّرنا أحمد إبراهيم، هناك قيود تترافق مع استخدام الأدوات المفاهيمية "خارج السياقات التي صُمّمت فيها"، حيث إن القول "أن الغيرية الجنسية... أمر إلزامي هو تجاوز للطرق التي ساهمت بها المعرفة الغربية في إنتاج "ذاتٍ" مستقرةٍ بمقدورها رفض الغيرية الجنسية طواعيةً" (إبراهيم، 2020). تعتمد مقاربة الـ "إختلاف الجنسي" على إصرار في عملية تطبيعها وعلى أهميتها الجوهرية بالنسبة للعائلة التقليدية والأُمَّة على نحو أعظم. هذا يعني أن أيّ انحراف عن طبيعية الغيرية الجنسية سيعدّ تجاوزًا للفروقات التي في الثنائية القائمة بين الرجل والمرأة. وبهذا المعنى، تنتج مقاربة الإختلاف الجنسي معايير جندرية وجنسية تحدد مدى مقروئية أو لامقروئية الأفراد تحت أحكام السلطة المقرِّرة للمعيارية. يتّضح إذن، كيف أن الجنسانية غير المعيارية في الكويت غالبًا ما تكون "مقروءة" ومستساغة من خلال تمثيليات جمالية للأنوثة والذكورة. يوضح هذا الكثير من الطرق التي تدير بها الكويت سياساتها الحيوية، والتي تتجلّى في الخطابات المجتمعية، سواء في شكل تمثيليات إعلامية أو برامج حوارية أو غير ذلك. تتجلّى هذه السياسة كذلك في صياغة المادة 198 من قانون العقوبات الذي يجرّم "تقليد الجنس الآخر" (المزيدي، 2020).

هيكل الاختلاف الجنسي يساعدنا على فهم كيف يمكن لللامعيارية الجنسية أن تصبح خارجة عن نطاق التفكُّرأو داخلة في حيّز اللامقروئية عندما يقدّم المرء نفسه للمجتمع بطرق معيارية جندريًا. يتجلّى هذا بشكل أكبر في محادثات مجلس الأمة الكويتي وكذلك على وسائل التواصل الاجتماعي حول إعادة فرض التجنيد الإلزامي: فهم دائمًا يطرحون تساؤلات حول المثلية الجنسية، أما المعالجات السائدة فمفادها أن الرجال الأنثويين بحاجة إلى "إعادتهم الى ذكورتهم" من خلال التدريب العسكري (السريع، 2017). أفاد بعض المشاركين/ات بأن الأداء "كمثلي ذو تمظهرات ذكوراتية" عوضًا عن"مثلي أنثوي" يؤدي الى خوض تجارب مختلفة إلى حدّ كبير لجهة أوجه التفاعل التي تحدث في الأماكن العامّة والخاصّة في الكويت. على سبيل المثال، يقول جاسم:

المثليّون ذوو التمظهرات الذكوراتية يخوضون تجارب مختلفة تمامًا، حيث أنه يُنظر إليهم على أنهّم غيريي الميل الجنسي في المجتمع... وهم يحظون بالتأكيد بمعاملة أفضل ووظائف أفضل وخدمة أفضل حتى في المستشفى. لقد مررتُ بلحظات تمّ فيها التغاضي23 عنّي بسبب مظهري. يتمظهر بعض الرجال المثليين على هيئات ذكوراتيّة عن وعي وإصرار لأنّ ذلك يساعدهم على نيل ما يريدون؛ مهنة ناجحة وحياة عاطفية ناجحة. إنه أمر مفيد للشخص على صعيد نظرة المجتمع العام في الكويت وحتى ضمن المجتمع الكويري نفسه. والسبب واضح كما تعلمون…. فأنت إما أن تكون رجلًا أو امرأة.

وبالمثل، يقول يوسف أنه يقدم نفسه بشكل على نحو متغيّر وذلك وفقًا للسياق:

إن أردتُ التصرّف على سجيّتي ... فإنّ أنوثتي تطغى على ذكورتي، لكن ولأنني معتاد على التصرّف بطريقة رجولية مع عائلتي وعائلتي الممتدّة وفي الأماكن الحكومية، فمن السهل عليّ القيام بذلك. أرتدي الدشداشة وأتصرّف بحزم وصرامة بنبرة القرار. أقدم على هذا السلوك بملء إرادتي.

إن طيف المعيارية الجندرية وموضع الشخص ضمن الطيف وخارجه، كلّها تشكّل وتملي مقدار المضايقات والعنف المتعمّد الذي يتعرّض له النساء العابرات والرجال ذوو التمظهرات الأنثوية من قبل المدنيين/ات وضبّاط الشرطة على حدّ سواء. يستحضر جاسم حدثًا كان فيه صديقيه اللذان يبدوان أكثر أنوثة، أحمد وموسى، في مجمّع "الأفنيوز":

...كانا يتجوّلان في الطابق السفلي وكان هناك أشخاص ينظرون إليهما من أعلى ويضحكون ويقذفون بتعليقات، ثم بصقوا عليهما... لذلك أعلم أن الأمور قد تصبح بهذا السوء حتى في أماكن مثل "الأفنيوز" حيث توجد كاميرات أمنية مشدّدة وأناس يراقبون، لكن تعرفون الحال، من سيدافع عنهم في نهاية المطاف؟

وبالمثل تحدّث نضال عن تعرضهم للمضايقات اللفظية في المركز التجاري:

...كانت مجموعة من النساء الأكبر سنًا يجلسن معًا. وبينما كنتُ أمشي بجانبهن، رمقونا بنظرات استنكار فجّة قائلين "شال أشكال هاظي؟"24 ("ما هذه الأرجاس؟").لا عدل في هذه المعاملة، ولكن هذا ما أواجهه عندما أذهب إلى الأماكن العامة الكبيرة مثل مراكز التسوّق.

في حين يؤثّر نظام المعيارية الغيرية للـ الجنس/الجندر على أي شخص غير معياري جندريًا عبر إملائه الامتثال للثنائية الجنسية، يصوّب العنف التشريعي بإدارة الدولة الأسهم تحديدًا على المتحوّلات جنسياً، لأنه يبيّنهن على أنهن موضوعات العقاب الرئيسية.

 

الرقابة البوليسية على الحدود الجنسية/الجندر

تنص فقرة الفسق والفجور من المادة 193 على أن عقوبة الجماع بالتراضي ما بين رجلين يزيد عمرهما عن 21 سنة، هي السجن مدّة 7 سنوات. تعود أُسس هذا القانون إلى القوى الإستعمارية البريطانية منذ القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين. تعكس العقوبات المفروضة من قِبل البريطانيين على المنطقة تجريمًا واضحًا لـ "فعل اللواط" في بريطانيا حيث استُبدل شنق المثليين بالسجن وبأشكال أُخرى من الغرامات (الفرشيشي وصاغية، 2012). لا تستخدم المادة 193 مُصطلح "المثلية الجنسية" أو"المثلي". على الرغم من أن المُصطلح العربي الذي غالبًا ما استُخدم لاحقًا وهو الشذوذ الجنسي، يهدف في العلوم الطبّية والخطاب الأدبي إلى "التعبير عن المفهوم الأوروبي المعاصر "للانعكاس الجنسي" أو"الانحراف الجنسي"" (الرُويهب، 2005، ص. 158)، ومع ذلك فإنه غير مذكور في المادة 193 وبشكل عام غير مُستخدم على نطاق واسع في الكويت. قبل بداية الاستعمار، لم يُنظر في الخطاب العربي والإسلامي إلى العلاقات والسلوكيات والرغبات المثلية على أنها جزء من "ظاهرة شاملة واحدة"، وبالتالي لم يكن لها نفس الوزن في الخطاب القانوني الشرعي كما كان الحال في الغرب (ص. 6). علاوةً على أن القانون بحدّ ذاته يتناول فقط "المثلية عند الذكور" دون أي ذكرٍ للعلاقات المثلية بين النساء. هذا بطبيعة الحال ليس ابتهاجًا بجنسانية النساء غير المعياريات. كما ناقشتُ آنفًا، تتجلّى العلاقات الجنسية المثلية بين النساء بشكل أساسي من خلال شخصية البوية (الفتاة المُسترجلة) التي تُعتبر غير أخلاقية ولكنها ليست موضوعًا مُجَرِمًا. وربما يُعزى هذا الغياب لقانون يُجرّم تلك العلاقة إلى إحدى طرق التفكير في المسألة "... بالنسبة للنساء اللواتي يمارسن الجنس مع النساء، يبدو أن ممارستهن الجنسية تعتبر أقلّ "إزعاجًا" للنظام الجنساني الأبوي، لأن اللقاء الجنسي بين النساء يُعتقد أنه لا ينطوي على استخدام قضيب، وبالتالي لا ينطوي على ولوج واضح"، في حين أن "الجنس بين الرجال يُنظر إليه على أنه الأكثر تهديدًا للبنية الأبوية، لأنه ينطوي على ممارسة الجنس الذي يتضمّن فعل الولوج، حيث يتدخّل القضيب بشكل مباشر" (أبو أسعد، المرجع السابق، 2018، ص. 173).

في حين أن المعلومات حول التشريع نفسه متاحة، فإن ّهناك نقصاً في الوصول إلى قضايا المحاكم، كما أنّ الأحكام المنشورة نادرة للغاية، مما يؤدي إلى مزيد من الصعوبات المنهجية (الفرشيشي وصاغية، 2012). على الرغم من أنّ الأحكام الفعلية لهذه القضايا غير واضحة، إلّا أن الاعتقالات تحدث عادة عندما يكون هناك مُمارسة علنية للجنس، مع تأطير القضية بلغة "الفاحشة العامة" و"الفجور". تُبيّن الاعتقالات المُوثّقة بعد العام 2007 أنّ مُعظمها تُهمٌ مُدرجة ضمن المادة 198 وليس 193 (ويكيسلام، 2013). وجدتُ من خلال بحثي بأن الاعتقالات للمُهاجرين/ات الكويريين/ات بسبب العمل في الجنس تميل لأن تكون أكثر انتشارًا في الكويت، ويأتي ذلك ضمن مزيد من التأكيد على بروز الخطابات التخيّلية حول المهاجر الأجنبي "القذر" بكونه الآخر المُعَنصر الذي يتمّ قياس وإنتاج الذات الكويتية "النقيّة" مقابله. كما يوفّر اضطهاد المهاجرين الكويريين ذريعةً مناسبة لترحيل غير المواطنين/ات. على سبيل المثال في العام 2017، أبلغت "جلف نيوز" عن ترحيل "76 رجلًا مثليًا كجزء من حملة "أخلاقية"" مع توجيه اتهامات للمشتبه بهم بموجب المادتين 193 و198 (جلف نيوز، 2017). يتطلّب فهم استحضار الكويرية فيما يتعلّق بـ "الأجنبي" بهذه الطريقة المحدّدة، الاعتراف بالعلاقة ما بين الدولة والطبقات في المُجتمع. حيث أن الطبيعة غير المستقرّة والمؤقتة لإقامة المهاجرين/ات وافتقارهم/ن التام لحقوق المواطنة، يسمح بإضفاء الطابع الخارجي على الجندر والجنس غير المعياريين بتضمينهما في صفوف غير المواطنين/ات بصفتهم رعايا "مذنبين/ات" لا يمثّلون الأمّة ولا ينتمون إليها.

في العام 2007، صوّتت الجمعية الوطنية على تعديل المادة 198 وفي أن تتضمن "بأن تقليد الجنس الآخر" يُعاقب عليه بالسجن مدّة عام، وغرامة مقدارها ألف دينار كويتي، أو كلاهما (قانون الجزاء الكويتي، 2013). على إثر مشاركته في لجنة لدراسة الظواهر السلبية في المجتمع الكويتي، اقترح النائب وليد الطبطبائي التعديل على الشؤون التشريعية والقانونية وسط ادعاءات بالفساد المالي ضد عدد من الوزراء وحلّ مجلس النواب المتكرر (المزيدي، 2020). واجهت اللجنة رد فعل جماهيري عنيف اتهمها بمحاولة تقييد الحريات التي يكفلها الدستور، مثل اقتراح "فرض ضوابط صارمة على الحفلات والتجمعات الخاصة، تحدّي التعريف القانوني لـ "الخصوصية" لتنظيم حياة الأفراد الشخصية وسلوكهم بشكل أكبر، معارضة البرامج التلفزيونية والحفلات الموسيقية التي يعتبرونها غير أخلاقية" (هيومن رايتس واتش، 2012). في حين قوبل القانون الذي اقترحته بحظر ملابس السباحة "الفاضحة" للنساء بمعارضة شديدة، حصل تعديل المادة 198 التي تُجرّم "تقليد الجنس الآخر" على تصويت 40 نائبًأ بالإجماع. بالرغم من إحباط أعضاء اللجنة بسبب عدم قدرتهم على تمرير القوانين التي تتحكم في الاستقلال الاجتماعي للمرأة، إلّا أنهم حققوا انتصارًا في تمرير تعديل المادة 198. تعود محاولات تقييد استقلالية المرأة إلى تاريخ طويل من الذعر الأخلاقي الذي يكشف الكيفية التي يجري وفقها "التمييز بين الجنسين في المواطنة والتخيّلات الوطنية والطرق التي يعمل بها الاختلاف الجنسي ويتم تفعيله سياسيًا"، كما تؤطّره مايا مكداشي (2014)، في حين أن تعديل المادة 198 لم يحظَ بأي اهتمام، وهو ما يُعدّ من أعراض الاستثمار الوطني في نظام المعيارية الجنسية/الجندرية.

إن غموض الصياغة في القانون وعدم تحديد ما يمكن اعتباره "تقليدًا" يمنح رجال الشرطة الحرّية في اتخاذ القرار حيال الوضع. كما ذكرت بعض النساء العابرات، حتى وإن كُنَّ يرتدين زيَّ الرجال، فإن الشرطة اعتقلتهنّ بسبب "صوتهنّ الناعم" و"بشرتهنّ الناعمة" (هيومن رايتس واتش، 2012). تحدّثت مريم أثناء مقابلتي لها، كيف تغيّرت تجربتها كامرأة عابرة في الكويت بعد تمرير التعديل، مشيرة إلى أنه وبعد تمرير القانون:

...أصبح من الصعب علينا الذهاب إلى المستشفيات الحكومية بسبب المخاطرة في أن يتّصل أحد العّمال هناك بالشرطة، كما أن مُعاملتهم تغيّرت من كونهم عاملين طبّيين محترفين إلى رفضهم الصريح لمُعالجتنا لأننا عابرات، على الرغم من حاجتنا إلى علاج عادي، مثل الإنفلونزا أو علاج الأسنان، وليس بالضرورة علاجًا متخصصًا لكوننا عابرات.

اللغة الغامضة للمادة 198 في تعريف ما يُعتبر "تجاوزًا" جندريًا، أدّى إلى أشكال متعدّدة من المضايقات لأي شخص غير معياري الجندر. ومع ذلك، فإن الكراهية ضد العابرات هي التي تحكم على النساء العابرات باعتبارهن الموضوع الرئيسيّ للعقاب المنصوص عليه في القانون، وهو إذلال أبوي للأنوثة يُمظهر الأنماط التي يُعبَّر من خلالها عن العنف ضد المتحولات من النساء. العابرات المقبوض عليهنّ بموجب المادة 189، غالبًا ما يختبرن الإعتداء الجسدي والجنسي بهدف "إعادة الذكورة" عبر حلق الشعر وغيرها من الأساليب العنيفة. في الخامس من حزيران 2020، جرى نشر سلسة من فيديوهات سنابتشات لمها المُطيري، إمرأة كويتية عابرة، على العلن بينما كانت تقود سيارتها نحو مركز احتجاز ليتمّ إلقاء القبض عليها وسجنها بموجب المادة 198 بتهمة "التشبّه بالنساء". وضّحت مقاطع الفيديو بالتفصيل كيف قُبض علي مها مرارًا وتكرارًا في زنازين الرجال حيث تعرّضت للاعتداء الجسدي والجنسي من قبل الشرطة. كانت تجربة مها مع الرُهاب المُمنهج ضد العابرين/ات، وبشكل أكثر تحديدًا تُجاه النساء العابرات، جرى تيسيرها بفعل المادة 198. عندما تحدّثنا عن قضية مها، تذكّرت مريم عدّة حالات من مضايقات الشرطة، خاصة عندما تسافر عبر مطار الكويت:

مضايقات الشُرطة واستغلالها لا نهاية لها عند الحواجز وفي المطار أو عند احتجازك. وبما أنهم يعرفون أين تعيشين، فإنهم يظهرون باستمرار في المنطقة مُحاولين اعتقالك مجددًا. يطلبون رقم هاتفك ويتصلون بك باستمرار، يهددون باعتقالك إن لم تأتِ إلى شقّتهم الخاصة لأجل مُمارسة الجنس أو إن لم تُرسلي صور عري، وتباعًا فإنهم يبتزّونك بتلك الصور أيضًا.

يمنح التعديل على المادة 198 صلاحية الاستجواب للشرطة فيما يعتبرونه "انحرافًا" جندريًا وجنسيًا. التهديد بالاعتقال وفقًا للمادة 198 يتيح لكلّ من الشرطة وغيرها من المدنيين/ات، ليس فقط مراقبة وتقييد الحدود التأديبية للجنس/الجندر عبر التجريم والإبلاغ عن وابتزاز الأشخاص الذين يسلكون طرق غير معيارية جندريًا وجنسيًا، ولكنه أيضًا يبيح بشكل خاص العنف ضد العابرات من خلال الإساءة اللفظية والجسدية والجنسية (المزيدي، 2020).

صديقي نضال، الذي يُعرّف عن نفسه بصفته لاثنائي الجندر (خارج ثنائية المرأو والرجل)، قد تحدّث إليّ عن لقاءه بشرطي في محطة وقود:

أثناء دخولي إلى المحطة لاحظت وجود سيارة شرطة في الخارج، وبالنسبة لي فإنني كلّما رأيت شرطة أُعدُّ نفسي ذهنيًا للمُشاجرة.... عندما دخلت، كان الشرطي يسير بالجوار، وتقاطعنا عند نقطةٍ ما، فارتطم بي بكتفه بقوة كبيرة... نظرت إليه وقلت، "ما خطبك؟" فأجاب، "ما خطبك أنت؟ لماذا تسير على هذا النحو؟ ولماذا ترتدي هذه الملابس؟ لماذا يبدو شعرك هكذا؟ ما الذي فعلته بنفسك؟" لأني أعلم بأنه من غير القانوني ارتداء الملابس غير المعيارية في الكويت، أدركت أنه يتصوّرني رجلًا بصفات أُنثوية أو بقصة شعر نسائية أو بسروال قصير جدًا.... لذا قُلت له، "إنك تتهمني بتقليد الجنس الآخر وهذا غير قانوني في الكويت... إنك تُدلي بهذه الملاحظة دون أي دليل". إنهم بحاجة إلى دليل فعليّ مثل وضع المكياج أو حمل حقيبةٍ نسائية أو شيء من هذا القبيل يُمكن استخدامه كدليل حسيّ إن اعتقلوني. أضفت، "يُمكنني أن أُقاضيك وأوقعك في مشكلة". لقد قُلت هذا من دون توتر لأني أعلم بأن اسم عائلتي سيُساعدني في هذه الحالة.

تلعب أسماء العائلات دورًا هامًا في أي تفاعل اجتماعي في الكويت. يجري التعرّف على الألقاب الكويتية بدلالتها على النسب والقوة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية (ماريا عُشيا وسبيلينغ، 2010، ص.90). اتفق كل مواطن/ة من المُشاركين/ات معي على قيمة أسمائهم/ن العائلية في تأمين نوعِ من الحصانة لهم/ن أثناء المواجهات مع الشرطة. كما أن هناك قاسمًا مشتركًا بينهم لجهة وجود أفراد من الأسرة كجزء من مؤسسة الشرطة ووزارة الداخلية، حيث يقيّد اسم العائلة تصرّفات ضابط الشرطة. من الجلي ملاحظة استبعاد غير المواطنين/ات من هذه الرواية. لو كان نضال مهاجرًا أو من البدون، لكان هذا اللقاء ليجري على نحوٍ مختلفٍ تمامًا.

كما ذكرتُ آنفًا، تُقرأ الأجساد الكويرية في الكويت على أنها غير معيارية عندما تظهر على شكل طاقة أنثوية أو ذكورية لشخص ما، في حين أنه عندما "لا تظهر" كما وصفها أحد المشاركين/ات، يُقرأ الشخص على أنه غيريّ الميل الجنسي. يتجلّى هذا أيضًا في شهادة أحمد البالغ من العمر 25 عامًا عن تجاربه مع الشرطة عند نقاط التفتيش، حيث يصف كيف يمارس ضباط الشرطة سلطتهم في مغازلة الرجال ذوي "المظهر الأنثوي":

إنهم يغازلون بشكل خاص العابرات اللواتي لا يمكنك اعتقالهن حقًا لعدم تمظهرهن بأنوثةٍ كافية لاتهامهن بتقليد هندام الجنس الآخر. إذا كان في السيارة بالفعل "شيمايل"، فسيشعر الشرطي بسلطة أكبر للإقدام على التحرّش بها جنسيًا أو اعتقالها.

تُعيدنا هذه الرواية إلى أهمية إدراك التقاطع واستحالة الفصل ما بين الجندر والجنسانية في هذا السياق (أبو أسعد المرجع السابق، 2018، ص. 174). العابرون والبوية لديهم تجربة مُختلفة مع الشرطة، وهم أقلّ عُرضة للاعتقال وفقًا للمادة 198. في حال كُتب على الهوية "أُنثى"، تُصبح احتمالية اعتقالها أكثر حساسية بالنسبة لرجل الشرطة بكونه اعتقل "إمرأة"، وينبع هذا جزئيًا من الأعراف المجتمعية الكويتية حول المعضلات المتعلقة بمفاهيم الشرف والعار التي تندرج تحت فئة "المرأة". وهذا يعكس بشكل أكبر مركزية إشكالية الشرف والعار في نظام الجنس/الجندر في الكويت، ومُعاملة رجولة الأنثى على أنها طفالةٌ جنسية، ولكنه لا ينبع بأي طريقة من حالة احتفاء أو تفضيل للمرأة اللامعيارية الجنس. تحدّث حمد، الذي يُعرف بأنه شخص عابر جنسيًا، عن تفاعلاته مع الشرطة خلال الفترة التي كان فيها قد حلق رأسه وارتدى مشدًا للصدر:

أوقفني رجل شرطة، وقرأ هويتي، ثم سألني، "هل أنت فتاة أم فتى؟" أجبت، "ماذا تعتقد؟" لا أعلم إن كان مُتقبّلًا أم أنه لا يُبالي بالأمر، لكنّي أعتقد أنني عندما تكلّمت، علم بأني أُنثى لذا لم يشأ التلميح لشيء آخر، وتركني في حال سبيلي.

لا ينطبق هذا "المرور" بالضرورة على الأماكن العامة أو في التعاملات مع المدنيين/ات. صديقتي عايشة مثلًا، تحدثت عن المُضايقات التي تعاني منها خليلتها في الأماكن العامة، والتي واجهتها عندما حلقت رأسها: "رجلٌ بدأ يصرخ عليها قائلًا: "لن تُصبحي رجُلًا أبدًا" عندما كُنّا في مرآب السيارات في مركز سُلطان".

تمثّل نقاط تفتيش الشرطة نوعًا من التكشف/الإنفلاش للخطابات الجنسانية والجندرية التي أشرت إليها سابقًا. الكثير من هذا التحليل مستمَدّ من روايات المشاركين/ات وذكرهم/ن المتكرر لنقاط التفتيش كمبعث للشعور بالقلق، سواء من خلال التوترات أو حالات المغازلة من ضباط الشرطة. تُعيّن وزارة الداخلية عدة نقاط تفتيش للشرطة للعمل في جميع أنحاء الكويت، بهدف التحقق من رخص القيادة وضمان السلامة وخفض معدلات الجريمة ومراقبة المهاجرين/ات غير الشرعيين/ات، والعمل كشكل من أشكال المراقبة. (كويت تايمز، 2015). لكن يُمكن النظر لنقاط التفتيش كأكثر من موقع مادي يُطلب عنده من الشخص تقديم وثائق الهوية، بل هو أيضًا مساحة تتعاظم فيها الحركية التي تحكم علاقات القوة حيث تنضوي الذاتيات.

 

في الإدراك المكاني والإرادة التقريرية/الوكالة الذاتية والعاطفة

إن النظر الى الكويرية على أنها بطبيعتها شكل من أشكال العصيان يحدّ من معاني مسألتَي الاعتراف والظهورية، لأنه يعمل بسرد غائي لـ "الخروج من مختبأ الهوية الجنسانية" الذي يمنح – فور حصوله – امتيازًا لشكل معيّن من المقاومة الإرادية. يُفهم العجز عن التماس حالة "الظهورية" و"الإعتراف" في منطق المثلية المعيارية والاستشراقة والقومية المثلية على أنه محوٌ للإرادة التقريرية للكويريين/ات في هذا السياق.

أدب الاستقلالية الإنسانية25 والنسوية التي تعتمد على مفاهيم الذاتية الثورية وتحمل معها "افتراضات فلسفية حول "الأنا"26 الحقيقية" (هاتشينغز، 2013، ص. 14) تؤطر مفهوم الإرادة التقريرية بالـ "الاستقلالية السياسية والأخلاقية للفرض الموضوع" (محمود، 2005، ص. 7). عندما يُصبح ما يُحدد الإرادة التقريرية للشخص هو "مقاومة...أنماط القوة المُهيمنة والذاتية"، فإنها تستعيد نوعًا من أشكال السياسة التقدمية التي تقرأ أجساد الكويريين الكويتيين، الذين لا توضع كيناتهم الذاتية "على خريطة القمع والمقاومة" على أنها مستسلمة أو مُنصاعة (محمد، 2005، ص. 7-14). إن إعطاء فكرة عن الطرق التي تسكن بها الموضوعات الكويرية وتشارك فيها العالم يتطلب فهماً للإرادة التقريرية باعتبارها ناشئة "من خلال تحليل مفاهيم معينة تُمكّن أنماطًا معينة من الوجود والمسؤولية والفاعلية" (المرجع نفسه). إذن فإنني لست مهتمة بتحديد أمثلة على "المقاومة" أو "التمرد" كمؤشر على ارادة تقريرية فاعلة.ما أسعى وراءه لهو عمليةٌ مُعقدةٌ وجماعية من "الإرادة التقريرية الفاعل" (مدهوك، 2013) والذي بإمكانه فقط أن يكون مفهومًا من خلال الظروف الاستطرادية والعملية التي تُخوّل تشريعه – الظروف التي آمل أن أكون قد حددتها من خلال هذا البحث. من الأهمية بمكان أن نأخذ بعين الاعتبار كيفية تعبير الأفراد عن شخصياتهم الذاتية ليس على مسافة من القواعد، بل من خلال "الفجوات المفتوحة ضمن القواعد التنظيمية" (بتلر، 1993، ص. 22).

أستكشف مركزية المساحات في هذا النشاط التقريري كطريقة لتوسيع نطاق نقد "توظيف السلطة، ليس فقط في تنظيم الأجساد والذاتيات، ولكن في حركتها" (ريتشي، 2010، ص. 149). أُحاول من هذا المنظور صياغة فهم للتجسيدات المكانية التي تلتقط كيفية قيام الأشخاص الكويريين/ات بتكوين نمط مختلف للوجود، وهو نمط يعبر عن شكل مميز لما أسميه "الاعتراف المكانيّ". أستخدم الإعتراف المكاني لوصف الإعتراف بمعنى الشعور به عبر كُلٍ من الفضاءات المادية والمُتخيلة، العامة والخاصة، بكُلٍ من الطُرُق العابرة وطويلة الأجل. هذه مساحات موجودة دون اعتراف قانوني أو سياسي. تحدثت أنا ومشاركييّ/اتي عن بعض المقاهي الخاصة بالنرجيلة والمقاهي المحلية العصرية والتجمعات والحفلات في الشاليهات (منزل الشاطئ)، ومواقف السيارات والمنازل الخاصة والمعارض الفنية والصالات الرياضية والديوانيات والملجئ والمحال. من خلال هذه الفضاءات يتجسّد شكل من أشكال الاعتراف المنطوق وغير المعلن، يتكشف على شكل تعايش وتبادل للنظرات والإيماءات والابتسامات والنظرات. يعمل الإعتراف المكاني على مركزية الشعور بالآخرين وإقامة الروابط معهم والتأثير والتأثر بهم، ويتضمن في داخله إمكانيات لأنماط مختلفة من العيش مع الذات ومع الآخرين مغايرة للمسار التنموي المتعارف لـ "الخروج من المختبأ"، وبذلك فهي تشكل حالة اعتراف مُعاش.

ما كان لمعرفة مثل تلك الفضاءات مُمكنًا، سواء كانت "نقاط ساخنة" عامة أم تجمّعات خاصة، دون شكل من أشكال شبكات التواصل الاجتماعي إمّا شفهيًا أوعبر أصدقاء مُشتركين أو تطبيقات عبر الإنترنت. المساحات التي يُنشئها ويعيش فيها الكويريون/ات ليست متجانسة أو ثابتة أو متماسكة، فهي "تتواجد كمعارضة ومتجاوز لفضاء غيري الجنس" (أوسوين، 2008، ص. 89). إنها بالأحرى "مراوغة وعابرة ودائمًا في طور التحول والتفكك" (كنوب، 2007، ص. 50). على سبيل المثال، تحدثت فاطمة المُشاركة في المقابلة كيف أن بعض هذه الأماكن يعمل بمثابة "قنبلةٍ موقوتة"، متوقعة بأن:

...سيكتشف الجمهور يومًا ما هذا المكان وسيتوقف عن كونه مُرحِبًا كما هو الآن، لذا يكون بالعادة مؤقتًا. أن يُكتشف أو احتمالية انتشار ذوي الهويات المعيارية (الغيرية) في المكان يعني أنه سيتوقف عن كونه ما هو عليه أو أن الشرطة ستكتشفه وستتسبب للمالك بالمُشكلات وطردنا خارجًا.

أضع تحليلي لهذه الأماكن ضمن نقد لهيكلية دولة الكويت التي توجّه الحركيات الاجتماعية والسياسية بين المواطنين/ات والمهاجرين/ات والبدون بطرق لا يمكن فصلها عن أي تقدير للحياة الجنسية والحميمية الكويرية. من المُهم التشديد على أنني لا أصف "الأماكن الكويرية" التي غالبًا ما تؤطَّر بكونها مساحات مقاومة أو تقدمية أو معارضة. إن تصورها على هذا النحو هو إعطاء الأفضلية للجنسانية فوق كل العمليات التأسيسية الأخرى لتشكيل الذات، وبالتالي الفشل في دراسة الكيفية "التي تُصنّف وفقها الأجساد الكويرية في الوقت ذاته حسب العِرق والطبقة والجندرية" (أوسوين، 2008، ص. 91). إنني لا أقدم مقاربة "للمساحات الكويرية" على أنها معارضة لمساحة غير كويرية، بل أحاول تقديم نظرة نحو فضاءات السكن/الإستِكان التي يشعر فيها غير المعياريون/يات جنسانيًا وجندريًا بلحظات من الاعتراف والحميمية والودّ.

كما أشرت آنفًا في قسم المنهجيّة، فإن تنقّلي في هذه الأماكن في الكويت يقتصر في الغالب على المواطنين/ات، وينعكس هذا على تصوّر الأماكن التي أصفها. ومع ذلك، فإن رفض فصل العلاقات الاجتماعية-المكانية الكويرية عن هيكلية المواطنة، وواقع عنف نظام الكفالة والسلب الممُنهج والإقصاء والوصم الذي يتعرض له البدون والذي يهيكل ويوجّه الحياة اليومية في الكويت، لهو أمر أساسي في فهمي للإعتراف المكاني.

القيود المفروضة على إمكانية الوصول إلى نفس أنماط الحياة الاجتماعية-الاقتصادية والمرتبطة بالمواطنيّة الكويتية، كما انتجها نظام الكفالة والعلاقات الاجتماعية للإنتاج تلمّح إلى الطرق التي يُستبعد من خلالها المهاجرين/ات والبدون في الكويت من العديد من الأماكن محط نقاش هذا البحث. كما يُظهر كيف تعمل المواطنة كجهاز قمع على أساس طبقي عنصري وجندري، من شأنها كما يقول سفيان مرابط إنتاج دقيق لـ "هرميات التنقل الحضري" (مرابط، 2014، ص. 74). بالإشارة إلى الأساليب التي تُصنّف من خلالها أماكن الكويريين، يتبين كيف أن الفارق لا يقع ضمن إطار "الثروة المادية والأمن الاقتصادي، بل يؤثر أيضًا...على إمكانية وصولنا للأشياء وإنشاء العلاقات وخوض التجارب والمُمارسات التي في حوزتنا حجة لتقديرها" (بنيّ، 2011، ص. 22). يتجلى ذلك في رواية جاسم عن تفاعله مع رجل لبناني مثلي الميل الجنسي يعمل في صالون، حيث يصف كيف أنه على الرغم من كونهما ودودين مع بعضهما البعض:

...أعلم بأنني لن أراه خارج صالون الحلاقة، أي أنني سأراه في هذا السياق وهو يُقدّم لي الخدمة، أتعلم؟ إننا لا نختلط سوية بالفعل.

على نحو مُشابه، تحدث فهد عن الهرمية في الأماكن الكويرية:

يدعو الناس ضمن دوائر مُعينة أُشخاصًا من عائلات مُحددة، يعتمد الأمر على ما إذا كُنت ثريًا أم لا، إن كُنت تنتمي لنفس المُستوى الاجتماعي الاقتصادي، وما إذا كُنت ترتدي الماركات أم لا، إن كُنت "مُتعلمًا".... إنهم/ن يُصبحون كثيري/ات الانتقاد وإلقاء الأحكام.

كما قال بعض المُشاركين/ات إنه من السائد رؤية لافتات كُتب عليها "يُمنع دخول البدون"! و"يُمنع دخول الجنوب آسيويين"! على التطبيقات المثلية في الكويت. فيما يتعلق بالعلاقة بين الفضاء السيبراني الكويري وبيروت، يحلل ماثيو غانييه الهياكل الافتراضية لموقع المواعدة الشهيرللمثليين الذكور GayRomeo.com، ويجادل بأن "السياسات المحلية الهووية مرتبطة نصًا وباستطراد بفئة الملف الشخصي ووصف الذات من خلال المفردات الجندرية والعرقية والمواطنية والجنسية" (غانية، 2012، ص. 128). على نحو مشابه في الكويت، فإن اللقاءات الحميمة والجنسية غارقة في هذه الممارسات الإقصائية التي رسمتها الحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

يُمكن للجندر والعرق والمواطنة والطبقة أن تحُدّ بل وتمنع الكويري/ة من الوصول إلى كويري/ة آخر/أخرى عبر الأماكن التي ذكرتها. وصفت النساء المثليات وغير المتوافقات مع الثنائية الجندرية كيف أنهن قلّما "تتسكعن" في حفلات الشاليهات ومواقع الشيشة مع أصدقاء آخرين، ما يشير إلى إمكانية منع التنقل والحركة عبر الأماكن، وفقًا لموقع الشخص من بُنى منتظمات الجنس/الجندر/الجنسانية، والهياكل الأبوية الجنسانية، والأعراف المجتمعية التي يمكن أن تقيد تنقل المرأة أكثر من الرجل، وأيضًا بطريقة ما، تهيكل نمط تفاعل الشرطة مع النساء. هذا مكان يجري الإمعان في تشكيله من خلال العلاقات الأسرية والعمر. ومع ذلك، فإن هذا لا يستبعد وجود الإيروتيكية المثلية عبر العلاقات المثلية الاجتماعية التي تُنتج مساحات اعتراف للكويريين/ات. وفقًا لتجربتي وجدت أن المثلية الاجتماعية27 قد سهّلت تجربتي الكويرية، وفي الواقع فإني أجد صعوبة في مواعدة امرأة في الكويت. ما أقترحه إذن، هو أنه على الرغم من أن المساحات نفسها مُخصصة للشخص الكويري، فإن إطار الإدراك المكاني لا ينبثق من إطار الحقوق الجنسية المرتبطة بأنماط الرؤية السائدة والروايات "الصادرة". عوضاً عن ذلك، يمكن تعزيزها من خلال العلاقات الاجتماعية، ولذلك أن يمثل استبصارًا في الأنطولوجيا المكانية التي تشير إلى الأساليب المُختلفة التي بإمكان الكويرية العيش من خلالها. آمل أن يسمح لنا الاعتراف المكاني بالتفكير حيال ما يمكننا اتباعه على نحو إبداعي من هذا المُنطلق، كحوار خلّاق مُنتج ومستمرّ عوضاً عن حجة مبتوت بها.

 
  • 1. بمعناها العام هي أن يكون الشخص/المجموعة/الأمر مرئيًا وظاهرًا. ولكن يحمل التعبير بعدًا سياسيًا ارتبط بالناشطية على قضايا التغيير الاجتماعي. يرتبط مصطلح الظهورية غالبًا بالحركات السياسية التي ترغب في اتخاذ حيز في المجال العام عبر الإعلان عن وجودها، تمثل الظهورية بالنسبة لناشطي/ات مجتمع الميم استراتيجية عمل لكسب الحقوق والوصول إلى الخدمات، مع أنه موضع جدل عميق ضمن الحركة، حيث تعتبر فئة أخرى أن هذه الاستراتيجية مضرة، تهدد أمنهم/ن وتنزع عنهم/ن استقلاليتهم وأصالتهم/ن في التنظيم السياسي والاجتماعي، كما تعكس امتيازًا لأولئك القادرين/ات على الإشهار بميولهم/ن وهوياتهم/ن الجنسية و/أو الجندرية. (هيئة التحرير)
  • 2. أو المساحَتيَّة. (المترجمة)
  • 3. الإستِكان أو الأدق الَّسكَن، انتقيت اللفظة الأولى كترجمة لكلمة inhabitation بحيث أن المعنى السياقي ينوّه إلى أبعد من السكن أو الاستيطان الجسدي/المكاني، بل أيضا الى حيث يتبلور الشعور بالاعتراف الذاتي المتبادل، فالإنتماء فالسكينة. (المترجمة)
  • 4. حرفيًا، تعني عبارة coming out "الخروج من الخزانة"، ولكنها أصبحت تعبيرًا راج مع صعود حركة المثليين/ات والعابرين/ات، واستخدم مجازيًا للدلالة عن الإفصاح عن التوجهات الجنسية/الهويات الجندرية بشكل علني، حيث تعاني هذه الفئة من اضطهاد مبني على أساس توجهاتها وهوياتها الجنسية والجندرية، مما يجبر بعض أفرادها على "البقاء في الخزانة" (closeted)، أي إخفاء/عدم الإعلان/عدم الإفصاح عن هوياتهم/ن وتوجهاتهم/ن الجنسية والجندرية، لتجنب الوصمة والتمييز والعنف. وفيما بعد باتت مسألة الإفصاح أو عدمه نقاشًا سياسيًا بين المجموعات الناشطة على قضايا الجنسانية والجندر، حيث حمل التعبير الأول معنى إيجابيًا يشير إلى الشجاعة ويعطي امتيازات للأشخاص الذين أفصحوا عن توجهاتهم/ن أو هوياتهم/ن الجنسية والجندرية، بينما اعتبر من أخفوا تلك التوجهات والهويات أقل شأنًا. كما اعتمدت استراتيجة الإفصاح أو الإعلان عن التوجهات والهويات الجنسية والجندرية من قبل الحركات المعنية لفترات طويلة، مثيرة جدالًا حول فعاليتها، ومراعاتها لمعايير الأمان والسلامة وانسجامها مع المبادئ السياسية والتنظيمية المختلفة بين المجموعات ذات التوجهات والقوميات المتعددة. (هيئة التحرير)
  • 5. تعرّف ليزا دوغان التطبيع المثلي، أو المعيارية المثلية على أنها "سياسات لا تتحدى الافتراضات والمؤسسات المعيارية الغيرية الجنسية المهيمنة"، بل تتمسك بها وتساهم في إدامتها، بينما تعد بأوساط مثلية غير معبئة ومخصخصة، وبثقافة مثلية غير مسيّسة وغارقة في شؤونها الخاصة والاستهلاك. (هيئة التحرير)
  • 6. القومية أو الوطنية المثلية هي مفهوم نظّرت له جاسبر بوار، لتنتقد من خلاله الحركة المثلية والكويرية في الولايات المتحدة وانخراطها ومساهمتها بتعزيز الأجندة والخطاب القومي التقسيمي، بالإضافة إلى التماهي مع المعيارية الغيرية، ومجاراتها للعنصرية وخطاب تفوّق الرجل الأبيض في ما يسمّى "بالامبراطورية الأميركية". تقول بوار عن مفهوم القومية المثلية الآتي "نشوء المثلية الجنسية، أو ما أسميه اصطلاحًا القومية المثلية، التي توازي تميز الامبراطورية الأميركية لا يعمل وحسب بوصفه أداة تنظيمية ورقابية للمثلية والكويرية المعيارية، بل أيضًا بالنسبة للأنماط العرقية والوطنية التي تعزز هذه المواضيع الجنسية. هناك التزام بصعود هيمنة البيض العالمية، ويمكننا ملاحظة هذا التورط من خلال الترويج للامبراطورية الأميركية وأيضًا التحالف بين هذا الترويج وهذا النوع من المثلية". وفي حين انطلق هذا المفهوم من بوار لنقد الكويرية الأميركية، انتشر في سياقات مختلفة للتنظيم الكويري حول العالم. (هيئة التحرير)
  • 7. أُخذت من ترجمات لكتابات عالم الاجتماع بينيديكت أندرسون. (المترجمة)
  • 8. جملة من الاستراتيجيات التسويقية والسياسية التي تهدف إلى توظيف واستغلال قضايا التعددية الجنسيّة والجندريّة والأشخاص الذين يعيشون هذه التجارب من مثليات/ين ومتحولات/ين، لصالح منتجات أو سياسات أوأسواق تابعة لدول/أنظمة أو أشخاص وكيانات إقتصادية/إجتماعية معينة. المصطلح تبلور بعد حملة "براند إسرائل" التي أطلقتها سلطة الإستعمار في دولة إسرائيل. (المترجمة)
  • 9. Colonization not occupation – إستعمار لا إحتلال: أشجّع على استخدام لفظة الإستعمار لا سيما في السياق المشار إليه أعلاه (توظيف مفاهيم حضارية لتسويغ بنية سياية إقتصادية) لأن لفظة الإحتلال هي لفظة قانونية – عسكريّة ذات أبعاد ضيقة لجهة تفسيرها الديناميات ما بين السلطة المحتلة والجمع البشري الذي يرزح تحتها و/أو يقاومها. أما الإستعمار فيحوي تفاسير مادية تاريخية تساهم أدواتها النظرية في هيكلة أدقّ لواقع المجريات الإجتماعية الإقتصادية. (المترجمة)
  • 10. أو الترجمة السائدة: "هل يستطيع التابع أن يتكلّم؟"، إلّا أنّه ولأن المفهوم (subaltern) مستقى من كتابات غرامشي فوجدتُ أن لفظة الـ"مستَعمَر" أفضل، علما بأن لفظة التابع وافية كذلك. (المترجمة)
  • 11. الحجّة أو الخطابات أو المقاربات الحضارية، أي تلك التي ترتكز على تبريرات مستقاة من النموذج الغربي لمفهوم الحضارة والتحضُّر.
  • 12. الجنسية المواطنية؟ (المترجمة)
  • 13. أي المُقاربات التي تنطلق من منطق الأنا والآخر. (المترجمة)
  • 14. حالة المستَعمَر أو حالة الإستتباع. المترجمة)
  • 15. أو البيئة الإدراكية – العقل متشابك وجوديًا وعمليًا ضمن العوامل البيئية والاجتماعية والثقافية. (المترجمة)
  • 16. إخضاع النفس بقرارها الذاتي لمجموعة من المعايير الأخلاقية المبتدعة والمفروضة أو المرفوضة من قبل المنتظمات القائمة والمتعلقة بالتمظهر والسلوك البشري/الإجتماعي. (المترجمة)
  • 17. أو هذه الحبكة. (المترجمة)
  • 18. أو الترجمة الأكثر شيوعًا هي "الممارسة" والتي تعني الإنصهار الجدلي بين الانتاج المعرفي النظري والفعل المحتك مع الواقع والساعي الى تغييره ماديًا. (المترجمة)
  • 19. أي عملية تسويغ الظاهرة الإجتماعية بنكران وجود أصلٍ موضوعيّ لها في البيئة المعنية (الكويت). انتقاء اللفظة عائد من الفقه الإسلامي الذي يبحث في أصل الكلام والأحاديث. (المترجمة)
  • 20. “an ambiguous nebula of overlapping and shifting assignations and (self)cognitions”
  • 21. جمع مخصص للفظة الـ "ذكورة". (المترجمة)
  • 22. أو الترجمة المباشرة الـ لا تاريخي. (المترجمة)
  • 23. أي، التغاضي عن "تهمة" أني مثليّ. (المترجمة)
  • 24. العبارة باللهجة الكويتية أما صياغتها النحوية فعلى الشكل التالي: ما هذه الأشكال؟ (المترجمة)
  • 25. أو المدرسة الإنسانوية وهي فرع من فروع فلسفة الأخلاق. (المترجمة)
  • 26. أو الذاتية الحقيقية. (المترجمة)
  • 27. homosociality
ملحوظات: 
المراجع: 

Abu-Assab, N. & Nasser-Eddin, N. & Greatrick, A. (2018). Reconceptualising and contextualising sexual rights in the MENA region: beyond LGBTQI categories. Gender & Development, Vol. 26, 1, pp. 173-189.

Ahmed, S. (2004). The Cultural Politics of Emotion. London: Routledge.

Al Farchichi, W. & Saghiyeh, N. (2012). Homosexual Relations in the Penal Codes: General Study Regarding the Laws in the Arab Countries with a Report on Lebanon and Tunisia. Helem. http://daleel-madani.org/node/5802

Aljarida. (2020). Fixing Demographic Imbalance. Aljarida. (Online) Available at: https://www.aljarida.com/articles/1595265244925065100/

Almazidi, N. (2020). Policing the borders of sex/gender in Kuwait: on transmisogyny and state-mediated violence. LSE Engenderings. (Online) Available at: https://blogs.lse.ac.uk/gender/2020/07/29/policing-the-borders-of-sex-ge...

Almubayei, D. (2010). Articulations of Identity within Kuwaiti High School Cliques: Language Choices in Boyat and Emo Filipino Youth Groups. PhD, The University of Texas at Arlington.

Al-Qasimi, N. (2020). Queerer Than Queer: Anti-Ancestry, Disavowal, and the Emirati Post-Oil Generation. GLQ, 26 (1): 63–101. doi: https://doi.org/10.1215/10642684-7929111

Al-Qasimi, N. (2011). Ladies and Gentlemen, Boyahs and Girls: Uploading Transnational Queer Subjectivities in the United Arab Emirates. In Radha S. Hegde: Circuits of Visibility: Gender and Transnational Media Cultures. NYU Press.

Al-Samman, H. & El-Ariss, T. (2013). Queer Affects: Introduction. International Journal of Middle East Studies, Vol. 45, 2, pp. 205-209.

Bell, D. & Binnie, J. (2006). Geographies of Sexual Citizenship. Political Geography, Vol. 25, 8, pp. 869-873.

Binnie, J. (2011). Class, sexuality and space: A comment. Sexualities, Vol. 14, 1, pp. 21–26.

Bracke, S. (2012). From ‘saving women’ to ‘saving gays’: Rescue narratives and their dis/ continuities. European Journal of Women’s Studies, 19, pp. 237–252.

Butler, J. (1993). Critically queer. GLQ: A journal of Lesbian and Gay Studies, Vol. 1, 1, pp. 17-32.

Butler, J. (2009). Frames of War: When Is Life Grievable? London: Verso.

Code, L. (1993). Taking Subjectivity into Account. In: Alcoff, L. & Potter, E.: Feminist Epistemologies. New York, Routledge.

DeVault, M. L., & Gross, G. (2007). Feminist Interviewing: Experience, Talk, and Knowledge. In Hesse-Biber S.N.: Handbook of Feminist Research: Theory and Praxis. Sage, London, pp. 173-198.

Dhawan, N. (2013). The Empire Prays Back: Religion, Secularity, and Queer Critique. boundary 2, Vol. 40, 1, pp. 191–222.

Duggan, L. (2002). The new homonormativity: The sexual politics of neoliberalism. In Russ Castronovo and Dana D. Nelson: Materializing democracy: Toward a revitalized cultural politics. Duke University Press, pp. 175-94.

Duggan, L. (2003). The twilight of equality? Neoliberalism, Cultural Politics, and the Attack on Democracy. Boston, MA: Beacon.

El-Rouayheb, K. (2009). Before homosexuality in the Arab-Islamic world, 1500-1800. University of Chicago Press.

El-Shakry, O. (2017). The Arabic Freud: Psychoanalysis and Islam in Modern Egypt. Princeton University Press.

Falcón, S. M. (2016). Transnational Feminism as a Paradigm for Decolonizing the Practice of Research: Identifying Feminist Principles and Methodology Criteria for US-Based Scholars. Frontiers: A Journal of Women Studies, Vol. 37, 1, pp. 174-194.

Gagné, M. (2012). Queer Beirut Online: The Participation of Men in GayRomeo.com. Journal of Middle East Women’s Studies, Vol. 8, 3, pp. 113-137.

Georgis, D. (2013). Thinking Past Pride: Queer Arab Shame in Bareed Mista3jil. International Journal of Middle East Studies, Vol. 45, 2, pp. 233–251.

Gulf News. (2017). Kuwait deports 76 gay men in crackdown. Gulf News. (Online) Available at: http://gulfnews.com/news/gulf/kuwait/kuwait-deports-76-gay-men-in-crackdown-1.2070054

Haraway, D. (1990). Situated Knowledge: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective. Feminist Studies, Vol. 14, 3, pp. 575–599.

Harding, S. (1993). Rethinking Standpoint Epistemology: What is ‘Strong Objectivity’?. In: Alcoff, L. & Potter, E.: Feminist Epistemologies. New York, Routledge.

Hemmings, C. (2012). Affective solidarity: Feminist reflexivity and political transformation. Feminist Theory, Vol. 13, 2, pp. 147-161.

Human Rights Watch. (2012). “They Hunt Us Down for Fun”: Discrimination and Police Violence Against Transgender Women in Kuwait. (Online) Available at: https://www.hrw.org/report/2012/01/15/they-hunt-us-down-fun/discrimination-and-police-violence-against-transgender-women

Hutchings, K. (2013). Choosers or losers? Feminist ethical and political agency in a plural and unequal world. Gender, Agency, and Coercion. UK, Palgrave Macmillan.

Ibrahim, A. (2020). In and/or/plus Out: Queering the Closet. Kohl: Journal for Body and Gender Research, Vol. 6, 2.

Knopp, L. (2007). On the Relationship Between Queer and Feminist Geographies. The Professional Geographer, Vol. 59, 1, pp. 47-55.

Kollman, K., & Waites, M. (2009). The global politics of lesbian, gay, bisexual and transgender human rights: an introduction. Contemporary Politics, Vol. 15, 1, pp. 1-17.

Kuwait Times. (2015). 700 checkpoints set up in Kuwait. Kuwait Times. (Online) Available at: http://news.kuwaittimes.net/700-checkpoints-set-up-in-kuwait/

Kuwait’s Penal Code. (2013). (Online) Available at: https://www.indexsignal.com/community/threads/206524/

Madhok, S. (2013). Action, agency, coercion: reformatting agency for oppressive contexts. Gender, Agency, and Coercion. UK, Palgrave Macmillan.

Mahmood, S. (2005). Politics of Piety: the Islamic Revival and the feminist subject. Princeton, Princeton University Press.

Mahmood, S. (2008). Feminism, democracy, and empire: Islam and the war of terror. In Joan Scott: Women Studies on the Edge. Durham, Duke University Press, pp. 81–114.

Merabet, S. (2014). Queer Beirut. University of Texas Press.

Migrant Forum in Asia. (2012). Policy Brief No. 2: Reform of the Kafala (Sponsorship) System. International Labour Organization. (Online) Available at: https://www.ilo.org/dyn/migpractice/docs/132/PB2.pdf

Mikdashi, M. (2014). Moral Panics, Sex Panics and the Production of A Lebanese Nation. Jadaliyya. (Online) Available at: https://www.jadaliyya.com/Details/30261

Nagar, R. (2002). Footloose Researchers, 'Traveling' Theories, and the Politics of Transnational Feminist Praxis. Gender, Place & Culture, Vol. 9, 2, pp. 179-186.

Najmabadi, A. (2011). Verdicts of Science, Rulings of Faith: Transgender/Sexuality in Contemporary Iran. Social Research, Vol. 78, 2, pp. 1-24.

Najmabadi, A. (2013). Genus of Sex or the Sexing of Jins. International Journal of Middle East Studies, Vol. 45, 2, pp. 211–231.

O'Shea, M., & Spilling, M. (2010). Kuwait (Vol. 17). Marshall Cavendish.

Oswin, N. (2008). Critical geographies and the uses of sexuality: Deconstructing queer space. Progress in Human Geography, Vol. 32, 1, pp. 89-103. 

Puar, J. (2006). Mapping US Homonormativities. Gender, Place & Culture, Vol. 13, 1, pp. 67–88.

Puar, J. (2007). Terrorist Assemblages: Homonationalism In Queer Times. Durham, Duke University Press.

Puar, J. (2013). Rethinking Homonationalism, International Journal of Middle East Studies, Vol. 45, 2, pp. 336-339.

Rich, A. (1980). Compulsory heterosexuality and lesbian existence. Signs: Journal of women in culture and society, Vol. 5, 4, pp. 631-660.

Ritchie, J. (2010). How do you say “come out of the closet” in Arabic? Queer activism and the politics of visibility in Israel-Palestine. GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies, Vol. 16, 4, pp. 557-575.

Ritchie, J. (2010). Queer Checkpoints: Sexuality, Survival, and the Paradoxes of Sovereignty in Israel-Palestine. PHD thesis. University of Illinois at Urbana-Champaign.

Sinnott, M. (2013). Dormitories and Other Queer Spaces: An Anthropology of Space, Gender, and the Visibility of Female Homoeroticism in Thailand. Feminist Studies, Vol. 39, 2, pp. 333-356.

Spivak, G. C. (1993). Can the subaltern speak. In P. Williams & L. Christman: Colonial discourse and post-colonial theory: A reader. London. Harvester Wheatsheaf, pp. 66-111.

Sulttan. (2016). Gay rights in Kuwait: Land of the straight. YouTube. (Online) Available at: https://www.youtube.com/watch?v=NWfZa8NzukQ

Traub, V. (2008). The past is a foreign country? The times and spaces of Islamicate sexuality studies. Islamicate sexualities: Translations across temporal geographies of desire. Cambridge, Mass., Harvard Center for Middle East Studies.

WikiIslam. (2013). Persecution of Homosexuals (Kuwait). WikiIslam. (Online) Available at: https://wikiislam.net/wiki/Persecution_of_Homosexuals_(Kuwait)