في ذلك البُعد، نحيا: رسائل للمستقبل
seed_website_ar.png

سارة السرّاج - بذور
"إننا نعيش في بلدان متخيَّلة"
- إيتيل عدنان
إلى القارئ
نوفمبر / تشرين الثاني 2025.
عند قراءة كلماتي العائدة إلى عام 2022، أتساءل عمّا بقي من تلك الصور الهشّة؛ الصور التي كتبتُها يومًا رسائلَ محبّة إلى رفاقٍ وأحبّة وأصدقاء، بعضهم ما يزال يسير معي في هذه الحياة، وبعضهم ابتعد، غير أنّ أثره ظلّ عالقًا في أيّامي كندبةٍ خفيفة لا تزول. أعود اليوم إلى تلك المسافة العاطفية القائمة بيني وبين كلماتي، محاولةً أن ألمسها من جديد، أن أفهم ما الذي تغيّر فيها وما الذي تغيّر فيّ. كنتُ قد كتبتُ إلى دانا وعابد بعد إقامةٍ طويلة في الضفة الغربية سنة 2022. وقد بدا لي، يومها، أنني أستطيع أن أدعوهما صديقين ورفيقين، مع إدراكٍ كامل لما يفصل بين تجربتي وتجربتهما من بعد المكان والزمن، ومن واقع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الذي يحيك الحياة هناك بطابعه الثقيل. التقيتُ عابد أول مرة عام 2017، ثم عرّفني إلى دانا في 2022. ومن خلال صداقتنا، أخذنا نتأمّل معًا معنى القرب والبعد، لا بوصفهما حالتين جسديتين فحسب، بل كعبءٍ عاطفي أيضًا، كشيءٍ يسكن العلاقات ويعيد تشكيلها في الخفاء. أما تيو، صديقي المقيم في ميلانو، فقد كتبتُ إليه بعد حديثٍ طويل دار بيننا، حديثٍ أعاد إليّ تلك التأمّلات القديمة. وكان الصدى الذي تركه في نفسي هو ما دفعني إلى جمع هذه الشذرات المتناثرة، كمن يحاول أن ينقذ من الذاكرة ما لم يندثر بعد.
إلى القارئ
ديسمبر / كانون الأول 2022.
أكتب أحيانًا لأنني أشعر أن لا شيء حولي قابلٌ للتغيّر، وأنّ كل شيء، في نهاية الأمر، ماضٍ إلى الفناء. لذلك تبدو الكتابة لي أشبه بحاجةٍ خفيّة، لا مهرب منها.
أكتب الرسائل لأخفّف عن نفسي وطأة الوحدة، ولأمدّ خيطًا خفيّاً بيني وبين الذين أحببتهم، بحيث تستطيع الكلمات التي أطبعها على حاسوبي أن تبلغ أجسادهم وعقولهم، ولو من مسافاتٍ بعيدة.
أكتب لأنني بحاجة إلى أن أشعر على نحوٍ آخر، وأن أختبر العالم بطريقةٍ مغايرة، وأن أتخيّل لنا مصيرًا غير هذا المصير.
أكتب لأنني بحاجة إلى أن أؤمن بالمستقبل؛ بعوالم يمكن لنا أن نبنيها معًا.
متجاوزين حدود المكان والزمن – ذلك المأزق الذي يرتهننا دائمًا إلى حاضرٍ ضيّق – أظلّ أتوق إلى حالٍ أخرى: إلى الحبّ والرعاية اللذين نستحقّهما.
إلى دانا
أغسطس / آب 2022، رام الله.
حين التقينا للمرة الأولى وجهًا لوجه، كنتُ قد عدتُ توّاً من الخليل، بعد زيارةٍ إلى "اتحاد لجان العمل الزراعي" مع عبد. كنّا قد أمضينا ثلاثة أيامٍ بلياليها بلا نومٍ يُذكر ولا راحة، نتنقّل في المدينة أو نمضي الوقت في شقّتك. وفي الليلة السابقة لوصولي، كان القصف على غزة قد توقّف لتوّه، فيما كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يقتحم رام الله ويهاجم عددًا من المنظمات غير الحكومية؛ يخلع الأبواب، ويصادر الحواسيب، ويغلق المداخل بألواح الحديد، فيما يملأ المكان بالغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي.
ومن رام الله، كان يمكن للمرء أن يستشعر اتساع ذلك القمع وثقله الهائل. وقد شعرتُ به من خلالك أيضًا، داخل واقعٍ يتداعى على نفسه ولا يكاد يترك حيّزًا للعاطفة أو للنجاة الداخلية. ولم يكن الأمر متصلًا بالظروف القائمة وحدها، بل كذلك بذلك الفراغ المخيف الناجم عن غياب أيّ بديلٍ قادر على مواجهتها أو نقضها. ثم، على نحوٍ بدا مفاجئًا لنا جميعًا، وجدنا نحن الثلاثة أنفسنا نقترب من بعضنا، وينمو الحبّ بيننا، كأننا كنّا نحاول، من خلاله، أن نؤكد لأنفسنا أن أحدًا منّا ليس وحيدًا تمامًا، وأن هذا الحبّ قد يكون قادرًا على أن يُنبت شيئًا آخر: حاضرًا مختلفًا، ومستقبلًا آخر ممكنًا. وقد تجلّى حبّنا لبعضنا في الموسيقى والشعر، في الرقص واللمسات العابرة، وفي أحاديثنا الطويلة عن السياسة والمسافة؛ لا بوصفها ما يفرّق بيننا، بل بوصفها سبيلًا آخر لصنع الألفة، ولبناء مشاعر تتجاوز حدود هذه الجغرافيا الممزقة.
إلى القارئ
ديسمبر / كانون الأول 2022.
تتمحور كتابة الرسائل، في جوهرها، حول المسافة: ذلك البعد المادي القائم بيني وبينك، والحدود الفاصلة بين جسدي وجسدك، والاختلاف العنيف بين شروط الوجود التي تحوم حولنا؛ بين العيش تحت الاحتلال والابتعاد عنه، بين من يبقى داخل الحصار ومن يرحل بعيدًا عنه.
كلّ ذلك يلتفّ، بطريقةٍ أو بأخرى، حول سؤال البُعد: البعد عن ماذا، وعن مَن؟
لعلّنا، من خلال هذه المسافة، نستطيع أن نرى بعضنا بوضوحٍ أكبر؛ أن نراقب بعضنا، وأن نقرأ بعضنا، وأن نحاول أن نبلغ شيئًا من حقيقة الآخر، تلك الحقيقة التي يعجز القرب أحيانًا عن كشفها.
ولعلّ هذه المسافة نفسها هي ما يتيح لنا أن نكتب، وأن نصغي، وأن نتبادل شذرات القصائد والاعترافات، فنصنع ألفةً لا تقوم إلا على الأصداء والإيماءات وإيقاع الانتظار الطويل.
وربما كان التلامس عن بُعد يعني أيضًا أن نتخيّل ملمس أجساد بعضنا، وأن نستشعر دفئًا لا يمكن بلوغه حقًا، لكنه يظلّ شيئاً يمرّ خفيفًا بين الكلمات.
إلى تيو
سبتمبر / أيلول 2022، ميلانو.
إلى أين نمضي في هذه الليلة من أوائل سبتمبر/أيلول، وعالمنا يبدو موحشًا ومنعزلاً كالحُلُم؟ "من يستطيع التكهّن إلى أين نحن ذاهبون؟" ترافق تجوالنا أغنية لفرقة روكسي ميوزيك (Roxy Music)، ما يجعل الأمر أشبه بالسير في المدينة أثناء النوم. أحبّ مُراقبتكِ وأنتِ تمشين في الظلام، تبحثين عن مكان نتوقّف فيه، مكان لا ننتمي إليه. ربما عرفت أرواحنا بعضها الآخر منذ الأزل؛ عندما تتلامس بلطف لتنتشي. لكن أجسادنا لم تلتقِ إلا مؤخرًا – لا تزال مرتبكةً تبحث عن بعضها الآخر في الظلام وتتذوق فرحة اللقاء الأول غير المتوقعة. ضوء أحمر، جهاز دي جي، ابتسامتكِ. لا أعرف كيف انتهى بي المطاف في هذا القبو معكِ. نضحك بلا توقف، أعانقكِ وأنا أرقص. تلاشت من ذاكرتي أية أحداث أو وقائع أو قصص، لم تبقَ سوى لمحات من أحداث، والآن، بينما نرقص ونتحدث لا أرى سوى ابتسامتكِ. ربما التقينا لأول مرة في تلك الليلة. كلّ شيء مجزّأ وهشّ وضعيف. بعجزي عن تحمّل الدفق الجارف من حولي… بكل فوضويته واكتظاظه بالتجارب، يتشبّث عقلي بأحاسيس لحظوية. ثم نتبادل القبلات واللمسات في ذلك القبو، بينما يبدو كل شيء خارج هذا البعد معقدًا للغاية، ومُفصَّلًا أكثر من اللازم بالنسبة لأرواحنا، ومُثقلًا بالتوقعات والأوهام وخيبات الأمل. تُطاردني أحلام مضطربة في أوقات يقظتي. ضيق في التنفس، وتسارع في ضربات القلب، ودموع على أطراف جفوني، لأنني لا أستطيع القيام بمهامي؛ أشعر بالتناقض مع من حولي. لا أريد العيش كأداة وظيفية تُعيد إنتاج معايير راسخة في دهر الزمَكان. لهذا أنظر إليكِ الليلة، وأظنّ أن ما من شيء أجمل مما يمكننا خلقه الآن – شيء عقيم بلا هدف يُذكر وبلا فائدة تحتسب.
إلى القارئ
ديسمبر / كانون الأول 2022.
تكتب ألكسيس بولين غامبس (Alexis Pauline Gumbs) قائلة: "كل حبّي لكم يا من تحافظون على الغموض في الأسرار، يا من تعجز إمبراطورية الثنائيات أبدًا عن تحديد وجودكم. إنكم جميعًا تحبّون بعمق يفوق الإدراك، وتولون للحرية القيمة العليا على قواعد الفهم والاستيعاب، وتقدمون الحياة على جاهات الإدراك المُبسّط. أشكركم على حُبكم الذي تُغدقون به عليّ حتى دونما أن تعرفونني".
إلى عبد
أغسطس / آب 2022، رام الله.
لا أعرف لماذا يمنحني دفء صوتك ذلك الإحساس الغامض بالوطن. التقينا عبر أصدقاءٍ مشتركين كنتُ أزورهم في رام الله، ومنذ ذلك الحين وأنت تقيم في ذاكرتي على نحوٍ يصعب تفسيره. كنتُ أنام على أريكتك، ثم مرّت السنوات، قبل أن نجد أنفسنا نلتقي من جديد كأننا لم نفترق قط، كأن بيننا ألفة قديمة كانت تنتظر لحظتها الموعودة فقط. ومع ذلك، وحتى الآن، حتى معنا أنا ودانا، ما تزال تبدو بعيدًا؛ كمذنّبٍ وحيد يواصل اندفاعه في الفضاء، بينما تتناثر منه أجزاء صغيرة مضيئة في العتمة. وأظنّ أنك تشاركنا شيئًا يتجاوز الكلام نفسه. كثيرًا ما تتحدث عن محدودية الكلمات، وعن الحواجز التي تستطيع أن تبنيها بين الناس. نعم، يمكن للكلمات أن تصبح طريقة للاختباء، أو وسيلة يضع بها المرء مسافةً بينه وبين العالم. ومع هذا، في كل مرة تتلقى فيها كلماتٍ صادقة، أراك تنسحب منها على نحوٍ خفيّ؛ تزوغ عيناك، ويثقل صمتك كأن شيئًا في داخلك لا يحتمل القرب الحق. لكن ذلك النأي ينهار أحيانًا أمام كلمات بعينها. وفي تلك اللحظات، يغدو جمالك خطرًا، كوردةٍ يابسة بين صفحات دفتر قديم، يمكن للعالم أن يسحقها بسهولة، أن يبدّدها بلا عناء. ولهذا تحرس رقتك بعناية. إنه مجرد تصدّع صغير في جسدك، لكنه يكفي لأن يُرينا عالمًا آخر كاملًا، ولمحةً خاطفة عن إمكانية قيام نوعٍ جديد من العلاقات فوق هذه الأرض المجروحة، المحتلّة، والمتعبة من نفسها.
إلى نفسي
إبريل-مايو / نيسان-أيار 2023، على متن قطار.
يُمكنني تلمّس البُعد عن نفسي، بعدي عن نفسي. اليوم ومع بداية الربيع، أتصفح الكلمات والمشاعر التي أعادت الحياة لتلك الرسائل. مرةً أُخرى، كل شيء يتمحور حول المسافة… البُعد. تنتمي تلك المقتطفات إلى ماضٍ أتوق لعودته، ماضٍ يُطارد حاضري. المزيد من الشعر لإبعاد شبح الوحدة. يتعلق الأمر اليوم بالمسافة التي يتخذها جسدي من هذا العالم، ما بين القوة والموت، ما بين الألم والمُتعة، ما بين الجهد والعناء المُصاحب لفعل التحوّل.
إلى دانا
أغسطس / آب 2022، رام الله.
خلال الأيام التي أمضيناها معاً، تشاطرنا الأشعار والورود والهدايا والضحكات والأحلام، إضافةً إلى الذكريات الأليمة والصدمات. أمتلكت كل ما امتلكته والعكس صحيح، لأن كل شيء كان مشتركاً، بدا كل شيء جماعياً، نحن في مواجهة الليل المضطرب وفوضى الوجود. قادتنا اختلافاتنا إلى بعضنا الآخر، وبالرغم عنها (أحياناً بسببها)، شعرنا أننا على خلافٍ مع ما يقدمه لنا العالم وما يأخذه منّا. كانت انفراجةً مؤقتةً في حياتنا اليومية، اجتماعاتٌ من البهجة بالرغم من البُعد الذي فرضه علينا هذا العالم. انصرف ذهني إلى ما كتبته م. جاكي أليكساندر (M. Jacqui Alexander) مرةً: "ليس الشأن الخاص بالسياسي فحسب، بل والروحيّ أيضاً". افترقنا مع العهد على إبقاء تلك اللحظات حيّة رغم البُعد المادي. تعاهدنا على أن نعثر عليها مجدداً في طيّات جمال الشعر الذي نتشاركه وما يغذّي أرواحنا في هذا الزمن المدمّر. افترقنا بأبيات من شعر كارول آن دافي (Carol Ann Duffy):
"كلُّ الأيامِ أوانٌ
وزمنٌ تائهٌ في صورته ومعناه
يتأرجحُ بين حلمٍ ورؤيا
والذاكرةُ لا بدَّ أن تخون
تتقاسمها يدُ النسيان
فلا يَبقى منها سوى الأثر"
إلى الجميع
نوفمبر / تشرين الثاني 2022، ميلانو.
كلّ شيءٍ يتمحور حول المسافة أو ربما البُعد: الطريقة التي تصوّرنا فيها أنفسنا والآخرين بعينٍ قابعة على مسافة بُعدٍ معيّن – القوالب التي فيها تصوّرنا ما يقارع الواقع. أشكال من المستقبل التي مازال بالإمكان تكوينها من خلال وجودنا بحدّ ذاته، من خلال رفضنا تقبّل ما يُفرض علينا: من عنف وقمع ورأسمالية وعنصرية واستغلال وما شاكل من هياكل تأديبية ومعيارية.
إلى عبد
أغسطس / آب 2022، رام الله.
كتب محمود درويش مرةً: "تأخذنا الأزهار، وهي في مكانها، إلى مكانٍ آخر وعمرٍ آخر. ونحن في حضورها لسنا من كنّا في غيابها… الأزهار هي تلك اللغة الأخرى… في وسعها وهي وحيدة أن تؤلّب المشهد الخارجي على نفسه؛ حين تنفجر على السفح من دمها الملوّن".
كالأزهار، كشقائق النعمان القرمزية تلك التي تواجه غروب الشمس على تلال حيفا، انت ودانا، وجودكما يُشعرني وكأنني أتنفّس ضمن حيّزٍ وزمنٍ مختلفين – عالمٍ لم يحن حاضره بعد، ولكنّي قادرة على حمله على كاهلي، وفي طيّات ذكرياتي عنكما.
إلى نفسي
إبريل-مايو / نيسان-أيار 2023، على متن قطار.
تصوّرتُ هذه الرسائل كأرشيفٍ للحبّ وتخيّل للنعيم على الأرض، محفظة هشّة لصون ذاكرتي. لم أكن أدرك حينها أنها ستتشظّى، متحوّلةً إلى لحظاتٍ وجغرافيات ومشاعر متداخلة. من الصعب الفصل ما بين الزمـكان الآني من جهة والزمكان الماضي من جهةٍ أُخرى، لأننا نعيش انتقالاً، نجد العزاء في عزلتنا، والحرية في المساعي الجماعية. ننتقل بين الراحة والألم، بين الجمال والعنف الذي لا يُطاق في لحظات خاطفة وحسب. الأمر كله يتعلّق بالمسافة، تلك الفضاءات المابينية، هذا الفراغ الظاهر في حضوره بيننا، تلك اللحظات التي تُطارد مخيّلتنا.
نعيش بفعل المسافة – بفعل تلك الحدود الفاصلة بين كل خليّة من خلايا جلدنا.
إلى تيو
سبتمبر / أيلول 2022، ميلانو.
يكتب غريغوري أور (Gregory Orr): "إن كان من المفترض بنا أن لا نرقص، فلماذا كل هذه الموسيقى؟". ماذا لو كانت الموسيقى مجرّد نغمات مُعدّلة لوجودنا؟ ربما إن توقّفنا عن الرقص، تلاشينا في الصمت. شأن النجوم، التي ماتت منذ آلاف السنين – إنها أيضًا هشّة، وهي ترقص أيضًا على أنغام مهيبة مضطربة، وتختفي كذلك مع موسيقاها. "لا أستطيع سماعها، لكن قيل لي إنها تغنّي عن أشياء لم نتعلّمها بعد" (لورا غريس ويلدون) (Laura Grace Weldon). بينما نرقص معًا، تشعر أنت. أعرفه لأني أراه على وجهكِ ووجنتيكِ وعينيكِ وشفتيكِ. في ليلة سبتمبر تلك، لم تعد المدينة مدينة، بل أصبحت أطلالاً لزمنٍ مضى. وبين تلك الأطلال، بين تلك المباني المهجورة، نرى رغباتنا الماضية، أجسادنا لا تزال في نشوة العلاقة الحميمة، الملابس والأقنعة التي اعتدنا ارتداءها، الدراما والصدمات التي عشناها شخصياً. إن هذه المدينة المدمّرة هي ما يتتبّعنا في الإيقاع والصوت، لأن أطلال مستقبلنا ملكٌ لنا، ولأن رغبتنا تنبع من المستقبل. ولأن رغبتنا كانت أعلى من أن تُسمع.
ربّما يُرهبنا كثيراً أن نتصوّر شيئاً أكثر، شيئاً مختلفاً، شيئاً لا يمكنه أن يوجد على ما يبدو. أُريد أن أفكر، أن أظنّ، أن أرغب… بطريقةٍ جديدة، لأنه "ما من اسم لرغبتنا، غير أنها موجودة"، كما كتب مارك فيشير (Mark Fisher).
إلى الجميع
نوفمبر / تشرين الثاني 2022، ميلانو.
ما هي طبيعة ما عشناه سوية برأيكم؟ هل يمكننا أن نُطلق عليها اسم المستقبل؟ مستقبلٌ كويري؟
إلى نفسي
إبريل-نيسان/ مايو-أيار 2023، على متن قطار.
كيف لنا أن نرسم ملامح المستقبل؟ وكيف لنا أن نستشرفه فيما يُمعَن كل يوم في تعنيف أجسادنا واستنزاف أرواحنا؟
بالكتابة وحدها أشقّ لي طريقًا. إنها المستقبل الوحيد الذي أملك. حين أكتب، ينطبع جسدي كله – بمادّته ومعناه، بذاكرته وخياله – على وجه العالم، كأنني أرسم على الصفحة حدودًا لم تُكتشَف بعد، وأفقًا لم يُفتَح بعد على احتمالاته.
في الكتابة شيء من الحلم، وشيء من الوعد. كلمة تفسح المجال لأخرى، وجملة تنبثق من جملة، حتى تتشكّل عوالم لم تُرَ بعد، ولم تُقرأ، ولم تُعش. عوالم لا وجود لها إلا لأنها كُتبت أولًا.
وأتخيّل المستقبل على نحوٍ قريب مما وصفته سارة أحمد حين تحدثت عن الحركة النسوية: أرشيفًا هشًّا، وجسدًا مؤلّفًا من الشظايا والبقايا والنُّثار. أرشيفٌ تلقي هشاشته على عاتقنا مسؤوليةً أخلاقية: أن نرعاه، وأن نحفظه، وأن نواصل بناءه معًا.
إلى الجميع
سبتمبر / أيلول 2025.
مرّ أكثر من عامين، واتسعت الهوّة بيننا. تكشّفت الإبادة الجماعية في غزة أمام أعيننا صورةً بعد صورة. لم يكن الصمت ما هزّ كياني، بل الضجيج: هديرالقنابل والأزيز المستمرّ للطائرات المسيّرة، واختلاط اللحم بالأنقاض، والتكرار المتواصل للأرقام التي تصرخ في الفراغ. أصبحت المسافة… البُعد… إمبراطورية، ربما تناثر الحبّ مبعثراً لأن الأرض تهاوت. ما زلنا هنا، بيد أن الأمر مازال يتمحور حول المسافة، يتمحور دوماً حولها، لكنها مسافةٌ بطعم الغياب والشوق لعناقٍ مستحيل. لديّ كمٌّ أقل من الكلمات المتقطعة والمتناثرة بين كثافة هواء دَكّ. أفكّر بكم، دانا وعبد وتيو، وأتساءل ما إذا كانت المسافة قد حوّلتنا إلى كوكبةٍ من النجوم، أكتب لكم لخشيتي من أن نكون قد تباعدنا، ليس فقط بسبب الحدود والمجازر بل بسبب الهوّة التي تخلّفها الحُرْقَة فيما بيننا. أتساءل أي معنى يُمكن أن يحمل المستقبل الآن، وأي وقت بين يدينا أصلاً لنتخيل فاضاءً معاكساً لهذا الواقع المبسوط علينا على شكل فاجعة مدبرة لا مغبرة.
ماذا تبقّى لفعل الكتابة من أهميةٍ في حاضر أيامنا؟
Ahmed, S. (2017). Living a Feminist Life. Durham: Duke University Press.
Alexander, M. J. (2006). Pedagogies of Crossing. Meditations on Feminism, Sexual Politics, Memory, and the Sacred. Durham: Duke University Press.
Adnan, E. (2018). Conversations with my soul (III). New York: Nightboat Books.
Darwish, M. (1997). Introduction in The Flowers of Palestine. Colchester: The Balkerne Press (translated from the Arabic by Catherine Cobham).
Duffy, C. A. (2015). All Days Lost Days in Collected Poems. London: Picador.
Fisher, M. (2014). For Now, Our Desire is Nameless. In k-punk: The Collected and Unpublished Writings of Mark Fisher. London: Repeater Books, 585–588
Gumbs, A. P. (2020). Undrowned: Black Feminist Lessons from Marine Mammals. Chico: AK Press.
Muñoz, J. (2009). Cruising Utopia: The then and there of queer futurity. New York: New York University Press.
Orr, G. (2005). To Be Alive, in Concerning the Book That Is the Body of the Beloved. Port Townsend: Copper Canyon Press.
Roxy Music (1982). More Than This. YouTube. https://www.youtube.com/watch?v=kOnde5c7OG8&ab_channel=RoxyMusicVEVO
Weldon, L. G. (2019). Astral Chorus. Blackbird: Poems. West Hartford: Grayson Books. https://x.com/bobbymbolt/status/1585247852137103361
