دروب الرغبة: توليف تأمّلي للحميميات الذاتية

السيرة: 

نور كامل كاتبة ومحرّرة وقيّمة فنّية مصرية، تعمل على موضوعات تتخلل الطعام والشاعرية، العائلة، الهوية، المجتمع، القمع، اللغة، الكويرية والجندر. نشرت أعمالها في مجلات مثل ANMLY، Mizna، World Literature Today، Rusted Radishes وSinister Wisdom، وصدرت لها مطبوعة بعنوان "نون" ضمن سلسلة شعراء إفريقيا من الجيل الجديد، وكانت ضمن القائمة القصيرة لجائزة جامعة برونيل الدولية للشعر الإفريقي عامي 2018 و2020. تمّ اختيار كامل للمشاركة في إقامة كتابية بعنوان «إفريقيا لنا، مستقبلنا» في LOATAD، وهي برنامج يتيح للكتّاب التفرّغ لفترة زمنية محدّدة للعمل على مشاريعهم الإبداعية والبحثية، وذلك احتفاءً بالذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد الإفريقي. ضمن Kusbarra Collective، تنظّم كامل مع مريم بوكتر ورشاً تعاونية تجريبية في الكتابة والطهي والأبحاث. تشمل اهتماماتهما الطعام، وأجسادنا، والبيئات، والأرض، والتراث، وأنظمة المعرفة البديلة. وقد أنشأوا معًا ويسروا العديد من ورش الكتابة والمنشورات اللاحقة مثل: "طعم الحروف / The Taste of Letters"، "أجسادنا تتنفس تحت الماء / Our Bodies Breathe Underwater"، دورة "مفردات الحزن / Vocabularies of Grief" في معهد القاهرة للعلوم والآداب الحرّة. أحدث مشاريع المجموعة هو Mukawen (المكوّن)، احتفاءً بالطهي والاستضافة المجتمعية. وفي 2025، شاركت كامل وبوكتر في الفرع الإشرافي لمدرسة Àsìkò للفنون.

اقتباس: 
نور كامل. "دروب الرغبة: توليف تأمّلي للحميميات الذاتية". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 11 عدد 3 (15 كانون الأول/ديسمبر 2025): ص. 9-9. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 09 كانون الثاني/يناير 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/desire-paths.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

parachute_website_ar.jpg

سارة السرّاج - هل نسميها كيسًا بلاستيكيًا*؟

قد لا أحسُّ هوى الأجساد يجذبني
لكنني عشت في دهرٍ به اشتعلوا

أبصرتُ ما للهوى في الناس من قدر
وكيف به الأرواح تكتمل

وأدرك اليوم أنّي أبتغي الغوى
من صاحب الدرب، إذ بالإنس أعتدل

لا فرق: أكان طوق الوصل شهوته
بين الأجساد، أم ودّ به نصل

ولذّة الملقى، مهما قيل في صفتي

أبغاها، وإن قيل: هذا المرء معتزل

Read 11/09/2029 1:24 AM

 

 

في مايو، حين يسطع الجوزاء

جلستُ وزحلُ ينيرُ السماء لي،
وتاقت نفسي إلى عيسى، أردته لي.

يشتدّ الحنينُ مع كلِّ عامٍ يمضي،

أغلبُ أشعاري عن رجالٍ قد قدّستهم في داخلي،
وعن نساءٍ قداستهم في عتمة الكون لا تغيبُ عنّي.

 

 

29 أبريل 2018

 

العزيزة W،

أغتنم هذه الفرصة لأعترف بأمرٍ عن نفسي كنتُ ولا أزال، إلى حدّ ما خائفة منه. فالوصول إلى إدراكات صادقة عن الذات ليس أمرًا هيّنًا حين يعيش المرء في مجتمعٍ صلب، لا يسمح لكِ (حرفيًا) بالبقاء إلا إن بدوتِ وتصرّفتِ على نحوٍ بعينه.

لطالما عرفتُ أنني كوير، أو أن جزءًا عميقًا منّي كذلك. لم تكن الغيرية الجنسية توصيفًا صالحًا لحالي، وكانت لفظة "كوير" المظلّة التي احتميتُ بها ريثما أتعلّم كيف أفهم نفسي على مهل. لا أؤمن بالجندر، ولم أشعر يومًا بأنني "فتاة" أو "صبيّ" – وما زلتُ أحاول تفكيك هذا الإحساس، من دون القدرة على فصله عن السياق المصري الذي تشكّلتُ فيه. خلال ورشة الكتابة الكويرية، استطعتُ أخيرًا أن أصف بالكلمات ما كنت أعرفه منذ زمن: أنني لا-جنسية (asexual).

كان تبنّي هذا الوصف صعبًا عليّ، لأنني أحب الجنس. أمارس الجنس. الجنس لا ينفّرني. لكنني، ببساطة، لا أشعر بانجذابٍ جنسيّ تجاه أي أحد. أتذكّر كم مرّة – أنتِ وغيرك – سألتموني: "ما هو تايبك؟" ولم يكن لديّ جواب قطّ. ربما كنت ألوذ بإجابةٍ نمطية، مقاسة على الذوق المستقيم: "رجل كبير ووسيم". أدرك الآن أن تلك العبارة لم تكن سوى مخرجٍ سهل لما كان متوقّعًا من "امرأة نمطية جنسياً". أظنّ أنني، لوقتٍ طويل، حاولتُ أن أتقمّص هذا الدور، بل وأقنعتُ نفسي به. لكنه لم يكن حقيقيًا قطّ. كنت أستمتع بالجنس، لكن الشخص نفسه لم يكن هو ما يصنع المعنى. ولم أستطع أن أتخيّل الجنس مع امرأة، لا لأنني كنت منجذبة إلى الرجال (لا إلى النساء، في الحقيقة)، بل لأنني درّبتُ نفسي على هذا التصوّر، وخشيتُ أن أفقد صديقاتي النساء، وأن أفقد تلك الحميمية التي كنتُ أتوق إليها أكثر من أي شيء.

أشعر أنني قلتُ لك مرّة إنني قد أكون لا-رومانسية (aromantic)، ولا أدري إن كان ذلك توصيفًا دقيقًا. ربما كان آنذاك تسمية مؤقتة، أسهل من قول "لا-جنسية"، أو من الاعتراف بعدم رغبتي في علاقات رومانسية مغايرة تقليدية. لم أستطع يومًا أن أتخيّل نفسي واقعة في حبٍ رومانسي مع رجل. لكن – يا إلهي – كم أحببتُ النساء.

تعني اللا-رومانسية عدم الرغبة في علاقات أو حبّ "رومانسي"، لكنني أعتقد أنني أطالب بتلك الحميمية نفسها من أصدقائي. وبهذا المعنى، كانت كلّ علاقاتي وما زالت رومانسية-لا جنسية. أنا و(A) عدنا إلى التواصل، ونحاول الاشتغال على بعض تعقيداتنا: طلبي الدائم للانكشاف والضعف، عجزها السابق عن تقديم ذلك، ثم عجزي اللاحق عن مبادلتها الأمر ذاته وعن الوثوق بها. أفكّك أشياء كثيرة في داخلي هذه الأيام، فاعذريني إن بدا كلّ هذا مربكًا أو مبعثراً.

يسعدني حقًا أن أعرف أنك موجودة في هذا العالم، تُعلّمين الناس وتُلهمينهم – وأنتِ تفعلين ذلك ببراعة لافتة. آسفة بشأن جدّتك. سعيدة لأنها تحسّنت، لكن الأمر يكون قاسيًا حين يبدأ أفراد العائلة بفقدان قوتهم الذهنية. والدي أيضًا يتدهور؛ نوبات الارتباك تتكرّر، لكننا أصبحنا أقدر على التعامل معها، ولم تعد تستنزفني عاطفيًا كما كانت قبل عامين.

أنتظر ردّك بشغف. أخبريني: كيف حال قلبك؟

 

بعض الموسيقى:

In My View, Young Fathers – أستمع إلى هذه الأغنية منذ لحظة صدورها، والفيديو – بكل بساطته وكثافته – آسر تمامًا. لديّ ضعفٌ خاص تجاه الذكورة الحنونة.
Los Ageless, St. Vincent – لأنّها مذهلة، ببساطة. ولأنك ذهبت إلى لوس أنجلس.
Territory, The Blaze – أحببتُ الفيديو أكثر من الأغنية نفسها، بصراحة. ثمة شيء شديد الأهمية بالنسبة لي في ذلك التداخل بين الذكورة القاسية والناعمة، في سياق عربي/مهاجر، وفي ذاك الإحساس بالعودة – إلى البيت، إلى العائلة.
Frontline, Kelela – لأننا نحبّ الأصوات الناعمة، الحسّية، وكيليلا تمثل شيئاً فينا. ولأنني، طبعًا، كنت مهووسة بـ The Sims حين كنت أصغر.

 

 

على غير ما تظنّين، لستُ أطيقه
هذا المقام، ولا يطيب لي السبيل
فإن أردت ودّاً بلا شغفٍ ولا ميلٍ
فخلِّ الصُّحبة الحُرّة، بيننا تعيل

أما علّمتُ قلبي المحبّة دهرا
إلّا لأُغمَرَ مثلَ ما كنتُ أفيضُ

وهناكَ قومٌ سوف يحبّونني
حبّاً تامّاً متمّماً يفيض به الأثير
وكذاكَ أنتِ، لكِ بين القلوب نصيبها
لسنا مُطالَبين أن نكونَ الفصل العليل

لكنني أحتاجُ علمَ الأمر كي
أمضي، فمن حقّي البيانُ الأوّل والأخير

Read 11/10/2029 11:41 PM

 

 

يونيو: قبل أن نموت يا دودة قلبي

تريدينَ رقصًا، وكسرَ قيدِ سلطةٍ
أبويةٍ.

كُتِبَ الهوى بالطبشور على جدارٍ في أورلينز.
أشتهي حبّاً، أشتهيك مُحِبّاً،

أنا أو لا أحد.
عُراة قلوبٍ في خفاء المراحيض،

يحاول كلٌّ أن يفارق ما استوطننا.
نفرّ من الدود الذي في صدورنا،
يقلّب وجع الأرواح.

فلنضاجع الأبوية وقمعها.

وما سمّاني القوم المترف وحشًا لشهوتي،
ولكن لأنّي لم أهبْهم.

اعذروني على تقبيح الرغبة الملتهبة.

ويأتيني الشَّبه الذي هو صورتي،
فأعرف أنّ الحقّ في الجسد سُكنى.

ودودٌ يراقص في الحشا نبضي،

يقول: صدقتِ، لا تكوني مُداهِنة.

فكلُّنا إلى القاع، حيث الصمت معلنًا.

أُؤخّركَ عامًا، يا حبيب،

أُؤخّركَ حتى نرقص القول مرّةً،
ويُضرَب لحن أحمر، لا يُستكنّ.

 

 

11 ديسمبر 2022

 

يا أعزّ W،

الحزن كائن غريب الأطوار؛ لا يسير في خطٍّ مستقيمٍ، ولا يخضع لتوقّعٍٍ أو انتظام. ومع ذلك تمضي الحياة كأنّ شيئًا لم يكن – وهذا أكثر ما يربكني، حين يبقى هناك فراغ في موضع إنسانٍ كامل كان هنا يومًا. فراغٌ مفجعٌ محسوس، لا يزال على حاله بعد عامين.

أظنّ أننا مررنا معًا بالكثير، وتباعدت بيننا الأزمنة وامتلأت بالأحداث، حتى صار استيعاب كل ذلك أمرًا عسيرًا. لكنني لم أفكّر لحظة أنك كنت "صديقة سيئة"؛ بل كنت صديقتي التي كانت تخوض كثيرًا من المتاعب… كثيرًا حقًا. وكنت أعلم أنك تدركين أنني كنت أخوض مثله. وقد انتهيت إلى قناعة مفادها أن الحبّ، حين يكون صادقًا وممنوحًا بسخاء، لا يطلب إلا القليل. فلا تشعري يومًا أنني أتوقع منك شيئًا سوى أن أعلم أنّ لي فيك حبّاً يقابل حبّي (وهو ما أعلمه فعلًا!).

أتمنى أن تكوني بخير يا عزيزتي، محاطة بالمحبة، دافئة، شبعانة، ومعافاة.

دعينا نعود إلى بعضنا رويدًا رويدًا، بلطف. أشتاق أن أسمع كلّ شيء، وأن أشاركك كلّ شيء أيضًا.

 

وآه… موسيقى هذه الأيام:

Jazmine Sullivan – Pick Up Your Feelings
NAO – Good Luck
Saint Mela – (Root)less

مع حبّي دوماً.

 

 

أغسطس وأهل الدار

أهدتني الديار هيامًا
يسوده الجزع

لم أُرِدْ له
أن يفعل بي
ما فعله بهم

ما فعله بنا
حين كان
أجملَ، وأقسى ما طرأ علينا 

وأعمقهُ

 

 

قد نلتقي أو لا نلتقي، ونبقى
على حواف أعمارنا، لا نقترب
ولا أدري إن كنت أقدر الآن
على غير هذا المقام، أو أطالب
ولا أرى من العدل أن أحمّل نفسي
ثقل شعور أبذله
وأنت تمضين تبحثين عمّا وراء ظنّك

وما من سور، في الحقيقة
غير فسحة مفتوحة أمامك
فامضِ، واستكشفي
قد لا تجديني إذا عدت
فقد يتبدّل شكلي
ويختلف جسدي
ويتغيّر فكري
ويسكنني غير من كان

غير أنّي، مهما تبدّلت
لن أغيّر نفسي
لأرضي ما تشاء

Read 11/11/2029 12:06 AM

 

 

27 فبراير 2023

 

العزيزة W،

منذ رحيل أبي، لم أعد أعرف الكتابة كما كنت. ولا ذلك الإحساس العميق بالانغراس في الكون، بجماله، بفنّه، بقدرته على أن يجعل الأشياء ممكنة. تلوح لي أحيانًا ومضات، لمعان لحظات، شذرات إلهام، بذور نصوص أودّ لها أن تنمو. أجلس لأكتب، لأتمدّد، لأبني عوالم… فأعود دائمًا إلى صفحةٍ بيضاء أو أعود إليه. كان مؤلمًا أن أرى كل قصيدة أحاول أن أكتبها تنتهي عند ذاك الشخص-أبي. محاولة جهادية بامتياز: الصخرة تتدحرج في كل مرة… لكن العجيب أن الصعود، في كل مرة، يصير أسرع، وأخفّ. وأنا ممتنّة لذلك، على نحوٍ لا أعرف كيف أعبّر عنه.

أقول هذا لأن ما تحكينه عن حجركِ الغريب الهيئة يشبه كثيرًا نظارتيّ الملوّنتين بالحزن. شكرًا لأنكِ اخترتِ أن تحملي هذا الحجر معي. أعرف أن المهمّة هائلة. موجعة. عارية. ومجزية على نحوٍ يكاد يفوق الاحتمال. ومن حقّكِ تمامًا أن تكوني قد صلّبتِ قلبكِ حينًا.

ما أدهش هذا الكون، وما أغرب طرائقه، وما أوسع حظّنا أن كنّا في المكان نفسه، في اللحظة نفسها. لا هذا فحسب – بل أن نلتقي، وأن نشعر بذلك القرب العجيب، بذلك التآلف الذي لا يحتاج تفسيرًا. لقد أدركتُ أخيرًا أنني لا أعرف كيف أكون إلا شرسة وهشّة معًا. وأنني لا أستطيع أن أتصل بالآخرين إلا إذا كانوا مستعدّين للقائي في هذا الموضع تحديدًا، وأن ينظروا إلى الموضع بمحبّة، وبعناية كاملة، من دون استعجال.

اعلمي أن قدرتي على السير في هذا العالم بهذه الطريقة أدين بها لكِ. لم تطلبي منّي يومًا أن أبتعد عن صدقي، أو أن أُصغّر نفسي، أو أن أُجامل على حساب الحقيقة. كان ما بيننا راحة، وطمأنينة، واهتمامًا خالصًا. كان انفتاحًا، وقبولًا لا شروط له. كان حبّاً لا يُنتزع، ولا يُقايَض، ولا يقوم على شيء سوى كونه حبّ. أحببتكِ منذ لحظة لقائنا، وشعرتُ بحبّكِ لي أيضًا – بلا سبب، سوى اللطف، والاكتمال، والقدرة على احتضان حتى ما نراه أمامنا من شقوق. لا أعلم إن كنتُ قد أخبرتكِ يومًا كم كنتُ ضائعة في تلك السنة في مسيسيبي (وأعلم أن زمنكِ هناك كان قاسيًا بدوره)، لكنني كنتُ على وشك أن أفقد إيماني بالناس، وبالطريقة التي أردتُ أن أكون بها معهم. كنتِ يدًا أعادتني إلى نفسي، ودليلًا على أنّ ما أردته من العالم، وما استحققته من الآخرين، ليس حلمًا مستحيلًا.

لقد جرت مياه كثيرة منذ ذلك الحين… منها انفصال قاسٍ تركني في مكانٍ مظلم نفسيًا وذهنيًا. لكنني الآن، وبصدقٍ عميق، بخير. ليس بي ندم. تعلّمتُ الكثير عن نفسي، وعن قدرتي على الحبّ، وتعلّمت الكثير عن الحبّ نفسه. كم أحبّ الحبّ، حتى حين يقف خوف الفقدان إلى جواره، كتوأمٍ لا ينفصلان.

وقد وجدتُ لنفسي سكينة في كويريّتي، ولاجنسيّتي، وميولي رومانسيّة الشمولية، وفي اتساع فهمي للحبّ والعلاقات. وكذلك في إحساسٍ متحرّك بالهوية الجندرية، وبمعنى أن تقطن في الجسد عمومًا. لا أظنّ أن من يعرفني بحقّ قد فوجئ بهذا، لكن امتلاك الكلمات كان نورًا، حتى وإن جاء بعد عناءٍ طويل. أحاول أن أنمو في الاتجاهات التي تقودني إلى من أريد أن أكون، من دون أن أقيّد نفسي باسمٍ أو إطار.

أحبّ أن أظنّ أنني ما زلتُ الشخص الذي التقيتِه في مسيسيبي… لكن حين أحسب الزمن، أجدنا نقترب من عقدٍ كامل من الصداقة. أن نلتقي ونحبّ بعضنا في نافذةٍ ضيّقة كهذه، وأن يكبر هذا الحبّ عبر عشر سنوات من البعد، هذا بحدّ ذاته، معجزة صغيرة. وجودكِ سحرٌ في حياتي. أشعر أنني في نواحٍ كثيرة كما أنا، وفي نواحٍ لا تُحصى صرتُ (ولا أزال أصير) نفسي. أمّا قلبي، فواحد – تعرّض لبعض العواصف، نعم، لكنه هو القلب ذاته.

أرجوكِ، حدّثيني عن كل شيء: الكبير من القصص والصغير، اسردي لي ما بين السطور، التفاصيل اليومية التي لا تبدو مهمّة… ماذا أكلتِ هذا الأسبوع ، ما هو الملمس والطعم الذي جعلكِ ترغبين في الغناء. أخبريني عن عملكِ، وعن أبحاثكِ ذات "العائد الكبير" (أحبّ هذا لكِ حقًا!).

وإن كنتُ قد مررتُ مسرعة على بعض المحطّات، فذلك فقط لأنني لم أرد أن أؤخّركِ أكثر. أعرف أن لدينا متّسعًا من الوقت لنملأ الفراغات… بهدوء، وبحبّ.

 

وهااا هي الموسيقى:

In a sentimental mood – Duke Ellington & John Coltrane (لم أستطع الفكاك من هذه المقطوعة؛ ظلّت تتبعني أينما ذهبت، فقرّرت أن أتركها تذهب إليك الآن)
Dance Like U – Okay Kaya (هذه ممتعة جدًا، وأحبّ كلماتها كلها لأنها محرِجة قليلًا… وصادقة تمامًا)
Who is She? – Centaurworld (هذا العمل… رائع حقًا. وأردتُ أن أُريكِ أيضًا مدى اتساع ما أستمع إليه – حتى الأشياء السخيفة جدًا جدًا)
Ocean of Love – Kipo and the Wonderbeasts (كرتون أيضًا، لكن هذه الأغنية أخذتني فعلًا في جولة داخل عالم البوب الكوري لبعض الوقت)
I Can't Help Myself – The Four Tops (نعود بها إلى الإيقاع الراقص المبهج – وهي تلتصق بالاذن، الوجه الآخر تمامًا لـ In a Sentimental Mood)

أحبّكِ حبًا عميقًا،

 

 

مارس: مسارات الهوى

       كيف تعرف الفارق

بين حين أريدك
وحين لا أريدك
في سريري كيف تعرف الفارق
بين حين أريدك
وحين لا أريدك
في مضجعي

       كيف تعرف أنّك وقعت في الحبّ

قولي لها إنني كثيرًا ما
اتكأتُ على سخاءِ
غرفٍ لم يفسدها الابتذال

لأحتفظَ بالاحتكاك
بين أجسادٍ تحبُّ بعضها
بطُرُقٍ متفرّعة كالكسور

       لكنّك لم تُجب بعد،

هي تريد أن تعرف
أن فوضى الحبّ
تتنفسُ في الجسد، في الرغبة،
تزيّنُ الغرفَ غير المحترقة
بما في أعماقنا من بعضنا البعض.

       لا تحاول إيجاد الله بمن سواك أنت…أنت الذي لم تجب بعد على السؤال

 

 

تعرفين أن جسدي رسالةُ حبٍّ إلى نفسي،
لكنني قد أغيّر شكل الخطّ
من أجل من أحببت.

أشياء صغيرة،
من أجل الحبّ.

فالجسد، في النهاية،
ليس سوى شيء يُشتهى
ثم يزول.

وما الفرق عندي
بين شعرة ساقٍ، أو إبطٍ، أو عانة،
إن كانت سعادتكِ هي المقصودة؟

Read 11/13/2029 02:49 AM

 

 

23 نوفبمر 2023

 

مرحبًا يا حبّي،

نعم، هذه الوسيلة ما زالت مناسبة لي (على حدّ إحساسي حتى الآن).

وإن كان هناك مكان آخر تفضّلين أن نرسل فيه رسائلنا الخاصة أو نتواصل من خلاله، فأنا منفتحة على أي اقتراح.

كلّ المحبة،

 

 

أكتوبر: جدران اللحم والحبّ
(بعد غسّان كنفاني)

رأيتُ الهدهد
في كلّ مكان
قبل أن ألقاك،
وكان يمرّ بي
ثم يبتعد.

في ذلك الأيلول،
كان الجلد
لا يزال يتألّم من الصيف،
لكن العظم
كان يتذكّر الخريف.

أضحكتُك
فقط
لأراك تضحك.

نحن ننسج هذه الجدران
من لحمٍ
ومن حبّ،
معًا.

مرّةً،
ألقيتُ خاتمًا في البحر الأحمر،
صدفةً.
ومنذ ذلك الحين
لا أنفك أشتاق إلى وزنه.

لن أتوقّف أبدًا

عن افتقاد

كلّ شيء.

 

 

هو ده قصدي تماماً

سعادتِك بالنسبالي الدنيا كلّها
بس جسمي دايمًا هيحسّ بنقص ليكي

كل اللي عايزاه هو إنتِ
كسّرت كل القواعد
اللي محفورة في عضمي
وجبتلك الرغبة اللي مش مطابقة
لللي جوّا نفسي

اخترتِك مليون مرة
ورجّعت لنفسي رغبة مكسورة
مش زي الرغبة اللي عندي لنفسي
بس مهما حصل
لسه قلبي بيميلّك
لسه نفسي عايزاكِ

Read 11/13/2029 03:01 AM

 

 

19 سبتمبر 2024

 

العزيزة W،

سامحيني على تأخّري في الردّ؛ لا أدري كيف انزلقت الشهور من بين أصابعي – على نحوٍ محموم إن أردت الصدق – لكنّكِ أنتِ وC كنتما حاضرتَين في بالي طوال الوقت. متزوّجتان!!!

يؤلمني قلبي وأنا أقول إنني لن أتمكّن من الحضور. كنتُ أتوق حقًا لأن أكون هناك، شاهدةً على اتحادكِ أنتِ وC – أحبّ حبّكما، وكم تمنّيتُ أن أحتفل به معكما. لكنني رأيتُ في سجلّ هداياكما أنكما تخطّطان لشهر عسل في أوروبا، وحين يحدث ذلك أتمنى أن تُخبراني. يسعدني كثيرًا أن أحاول لقاءكما آنذاك، حين نكون أقرب جغرافيًا، وحين تكون الحياة – نأمل – أهدأ قليلًا.

سأُبقي هذه الرسالة قصيرة، لأن في قلبي الكثير ممّا أودّ قوله والردّ عليه، والكثير ممّا أودّ مشاركتكما إيّاه أيضًا، ولا أريد أن تسرقني الكتابة فأؤخّر الإرسال إلى ما بعد الزفاف!

أحبّكِ كثيرًا، وسأراسلكِ قريبًا (آمل ذلك حقًا).

ملاحظة أخيرة: أرجوكِ أرسلي صور الزفاف والاحتفال :’)

PPS Tracy Chapman – Wedding Song

 

يوليو: تلات حبايب في القاهرة

جمعوا سرير من إيكيا من غير مفكّ
بس معاهم تلات سكاكين

هو فيه سحاقية أكتر من كده؟

واحد، اشترى السرير
التاني، خطّط للفكّ والتركيب
وتلاتة موجودة بس عشان بحبّ الاتنين

أحيانًا بتحبّ أصحابك لدرجة

إنك تحبّ تبوسهم بالمودة

وتكمّلوا تركيب السرير سوا

مفيش حد يعرف إيه ممكن الأجسام تعمل

ولا إزاي ممكن تفكّوها وترجعوا تجمّعوها
لحتت بتحبّ بعضها رغم بُعدها

 

 

11 يناير 2025

 

حبّي،

يؤلمني أنني غبتُ عن زفافك، وعن أي ملامسةٍ للاحتفال بحبّك وفرحك. يؤلمني أن الأشياء لم تكن سوى كارثية، لما يقارب عامين الآن. يؤلمني أنه، في الوقت الذي كان ينبغي لكِ فيه أن تبدئي فصلًا جديدًا من حياتك مع C، تجدين نفسك تستعدّين للرحيل بدلًا من ذلك. لزراعة طعامكِ بنفسك. لتكوني ملاذًا آمنًا لمجتمعكِ الكويري. لشراء سلاح.

لم أتخيّل يومًا أنني سأكتب لكِ هذه الكلمات. كنت أظنّ أننا سنظلّ نتبادل رسائل الحب – حبّنا لبعضنا، وحبّنا للآخرين الذين نحبّهم (أو أحببناهم). وأنا، مثلكِ، متعبة حدّ الإنهاك من كل ما هو غير مسبوق. من ذلك الشعور بأن أقصى ما أستطيعه هو المراقبة من بعيد، مشلولةً أمام العنف، وأمام حجمه، وأمام لا نهائيته.

كنت أودّ أن أخبركِ منذ وقتٍ مضى أن اللاجنسيّة هبة. يبدو هذا صغيرًا، وربما ضئيلًا، في لحظة كهذه، لكن هكذا نمونا معًا – ولا نزال. هذه الكلمات، نحن، هذه الهدايا التي نمنحها من ذواتنا لبعضنا. كانت هبة عظيمة لي، ولي أنا الكويريّة. في الكيفية التي أحضر بها للآخرين، وفي الفرص التي تُمنح لي لأكون معهم، لأحبّهم، لأختبرهم – وحين يستطيعون، وحين أستطيع أنا أن أترك لهم المجال كاملًا، يختبرونني أنا أيضًا. الأمر مخيف. موحش. رائع. شافٍ.

استغرق الأمر كل هذا الوقت مع C لتتحدّثي عن ذلك. واستغرقها كل هذا الوقت لتتحدّث إليكِ عنه. لتفكّر فيه بجدّية. ولم يكن ذلك ممكنًا إلا لأنكِ كنتِ هناك، تمسكين بيدها، وتقولين لها إن الأمر بخير، وإنكِ تحبّينها مهما كان. هذا بحدّ ذاته راحة عظيمة يا W. أن تعرفي أنكِ تستطيعين استكشاف من تكونين، وأن من يحبّونك سيظلّون يحبّونك لأجل ذلك. سيحبّونك وأنتِ بلا أجوبة، ومع أجوبة، وحين تنظرين في أعماقك وتعودين بمزيد من الأسئلة. هي دائمًا أسئلة أكثر. ودروس أكبر.

لا أدري إن كنتُ قد أخبرتكِ يومًا عن أطفال المدارس في ميانمار، بزيّهم الأخضر الداكن، حين كنتُ هناك. لوني المفضّل. أشعر أنها لحظة كنتُ سأشاركها معكِ – لكنني أحيانًا أكتفي بأن أعيش تلك المحادثات في رأسي، وأنسى أنها لم تنتقل إليكِ فعلًا. أشعر بكِ معي طوال الوقت، بحبّك. وتلك الرحلة، ساعدتِني على رؤية الإساءة العاطفية التي كنتُ أتعرّض لها من امرأة أحببتها حدّ أنني سمحتُ لها أن تفعل بي ما تشاء، إلى أن لم تعد هي نفسها قادرة على الاحتمال، فرحلت. لذا نعم، أظنّني لم أُخبركِ عن الـ"لونغي" الأخضر الداكن الذي كان يرتديه كل طفل! قيل لي إنه زيّ الطلبة. وأنتِ، الباحثة، العالِمة، شعرتُ أنكِ ستقدّرين هذا. لطالما حاولتُ أن أبقى طالبة – للآخرين، لنفسي، لمجتمعاتي. قد يبدو ادّعاءً أن أقول "للعالم"، لكننا نحاول. وأنا أعلم أنكِ تحاولين. لذلك، كان طبيعيًا أن يكون اللونغي الوحيد الذي أردته هو الأخضر الداكن. صُنع خصيصًا، أطول من المعتاد، ليتّسع لجسدي الكبير، لبطني الطريّ البارز (الذي لا يزال ابن أخي يحبّ وخزه حتى اليوم!).

خلاصة كل هذا: أتمنى لو أستطيع فقط أن أتحدّث معكِ عن الحبّ والجنس. عن تأثير أحدهما في الآخر، وما الذي يعنيه ذلك للناس. عن كيف يتغيّر كل شيء، ويتحوّل، ويكون في آنٍ واحد شديد الأهميّة… وشديد اللامبالاة. كل شيء طاغٍ الآن – لكننا عشنا، وما نزال نعيش، عبر كمٍّ هائل من النهايات، ونجد طرقًا للاستمرار. لإبقاء بعضنا أحياء، ومحبّين، رغم كل شيء.

أتمنى لو كنتُ أعرف من أكون الآن، أو إلى من أصير، لكن الأمر يبدو – للمرة الأولى منذ وقتٍ طويل – معلّقًا بكل ما هو خارج عني، وخارج عن يديّ. هاتان اليدان اللتان كثيرًا ما ساعدتاني على أن أكتب نفسي بوضوح، أن أكتب نفسي إليكِ، للشهادة، حين كنتُ أشعر بعدم الأمان، وغير قادرة على طلب ذلك من أيّ أحد آخر. حين أقرأ عنكِ وعن C، عن علاقتكما، عن العمل الذي يوسّع الروح الذي تقومان به معًا – أرى أملًا خالصًا. أملًا أراه من خلالكما، ومن خلال حبّكما، حين أشعر أنني لا أستطيع أن أكون نفسي إلا مع نفسي. أنكما هناك، تفعلان هذا الشيء الصعب، الجميل – وليس لأجلكما فقط، بل لأجل كل إنسانٍ يتقاطع مسار حياته مع مساركِما. أنا محظوظة جدًا (والحظ فعلًا هو الكلمة) لأنني أعرفكِ، ولأنني أعرف هذا الأمل، في وقتٍ أشعر فيه الآن بيأسٍ طاغٍ إلى حدّ أنني أفقد أجزاءً من نفسي في الهاوية.

أنتِ وC هديّتان لهذا العالم. لمجتمعكما، ولي. هذه الرسائل، كلماتنا، مهما بدت ثقيلة، ما تزال تُرسيني حين أشعر بأنني غير حقيقيّة، وبلا مرساة. فلا تستسلمي، اتفقنا؟ أنا هنا، أحاول أيضًا. هذه – كما هو الحال دائمًا – أزمنة مرعبة.

أحبّك. أنتِ عائلتي، دائمًا،

N

 

 

أحببتُ نفسي كاملةً كما هي،
وإن لم تفعلي، فذاك أمرٌ عسير.

ليس في نفسي ما يُلام، بل الحتمية المغروسة في الجسد،
ولا يُدرك سرَّ مفارقة الأجساد من لم يختبرها بعد.

لا أستطيع أن أوقظ شهوةً في جسدٍ لا يشتهيني،
كما لا أقدر أن أخلق رغبةً لك في جسدٍ لم يعرفك إلّا حبّاً متكامل الأركان.

قد لا أفهمك ومع ذلك أحببتك،

وذلك يكفي سكوني

Delivered 11/17/2029 03:13 AM

 

 

ملاحظة وببليوجرافيا

هذا المقتطف مأخوذ من عمل أكبر بعنوان Khaltabeeta Intimacies، الذي بدأ خلال دائرة الكتابة الجماعية في "كحل" لعدد (2023–24). ستُنشر مقتطفات إضافية من هذا العمل قريبًا في مجلتي Mizna وSinister Wisdom.

الأعمال المذكورة والمُشار إليها تمّت قراءتها بعنايةٍ وحبّ أثناء عملية الكتابة:

غسان كنفاني، أرض البرتقال الحزين

Adrienne Rich, “Compulsory Heterosexuality and Lesbian Existence”
Alexis Pauline Gumbs, Undrowned: Black Feminists Lessons From Marine Mammals
Angela Chen, Ace: What Asexuality Reveals About Desire, Society, and the Meaning of Sex
Anne Carson, Plainwater: Essays and Poetry 
Audre Lorde, “Uses of the Erotic: The Erotic as Power”
bell hooks, All About Love: New Visions
Ela Przybylo, Asexual Erotics: Intimate Readings of Compulsory Sexuality
Etel Adnan, The Arab Apocalypse and Shifting the Silence
Jack Halberstam, The Queer Art of Failure
Julietta Singh, No Archive Will Restore You
June Jordan, Some of Us Did Not Die
Paul B. Preciado, Can the Monster Speak?
Sara Ahmed, Queer Phenomenology: Orientations, Objects, Others
Sherronda J. Brown, Refusing Compulsory Sexuality: A Black Asexual Lens on Our Sex-Obsessed Culture 
Victoria Chang, Obit and Dear Memory
Yanyi, The Year of Blue Water

 

ملحوظات: