قضيّتي، ليست المساواة في الزواج
parachute_website_ar.jpg

سارة السرّاج - هل نسميها كيسًا بلاستيكيًا*؟
كُتب هذا المقال باللغة المليبارية بقلم آدي (تجدون المقال الأصلي على الرابط TrueCopy Think)، وتُرجم إلى الانجليزية بقلم شيلبا بارثان التي أضافت بعض الحواشي لدواعي البيان اللغوي والسياقي. هنا، نُترجم النص من نسخته الانجليزية إلى العربية.
إنّه زمنٌ تشتدّ فيه أشكال الرهاب من المثليين والعابرين جنسياً1 وتستشري الخطابات ضدّ حقّ الأشخاص المثليين في العيش. صدَرَ في عام 2018 الحكم القضائي بالإلغاء الجزئي2 للمادة 377 من قانون العقوبات الهندي (IPC) – القانون الهندي لمكافحة المثليين الذي احتفظت به السلطات الوطنية من حقبة الاستعمار البريطاني. وحتى ذلك الحين، كانت الاعتراكات والسجالات القانونية حول المادة 377 تشكّل أساسَ الفضاء السياسي المتعلّق بسؤال الهويات الكويريّة ضمن الهند. أمّا الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في الهند في 6 أيلول/ سبتمبر 2018، فقد كان سبباً للكثير من الفخر والاحتفال في أوساط مجتمع "الميم عين" في جميع أنحاء الهند.
صدر الحكم عن هيئة من خمسة أعضاء بقيادة رئيس المحكمة العليا ديباك ميسرا، وكان تتويجاً لأكثر من عقدين من الاعتراك القانونيّ بقيادة أناس كويريين. صدر الحكم القاطع بالطبيعة غير الدستورية للمادة 377 قبل عقدٍ من هذا الانجاز، في 2 تموز/ يوليو 2009، عن محكمة دلهي العليا على لسان رئيسها أجيت براكاش شاه. لم تدم فرحتهم طويلاً إذ تمّ نقض الحكم لاحقاً في سياق قضية سوريش كومار كوشال ضد مؤسسة "ناز" عام 2013، التي أعادت تفعيل صلاحية المادة 377 في تجريم العلاقات الجنسية المثلية.
بعد التحييد القاطع للمادة 377 لعام 2018، بدأنا نشاهد انعطافات كبيرة في مسار السياسة المثلية في الهند. من بين الانعطافات الأكثر فجاجة، سيطرة قوى الهندوتفا [القومية العرقية الهندوسية] على السياسة الكويرية وخصخصة النشاطية المتعلقة بها. مع هذا التحوّل، فقدت الحركة الكويرية "السائدة" في الهند الكثير من أساساتها السياسية. في هذا السياق، تُقدَّم لنا الآن مسألة المساواة في الزواج باعتبارها القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للأشخاص المثليين.
مع استمرار جلسات المحكمة العليا حول مسألة المساواة في الزواج، أصبحت هذه المسألة موضوعاً رئيسياً في الفضاء العام. أعلنت الحكومة المركزية في الهند موقفها الصريح ضد المساواة في الزواج – فقد صرّحت المحكمة العليا بأنها لن تدعم أيّ نوع من التشريعات في مسألة تتعارض مع الثقافة الهندية. جاء ذلك كردٍّ متوقّع. في الوقت عينه، أشعر أنه لن يكون مفاجئاً أيضاً إذا قررت الحكومة الاستجابة بشكل إيجابي لمسألة المساواة في الزواج، ففي السنوات القليلة الماضية، كانت هناك العديد من المحاولات من قبل اليمين الهندوسي لاستمالة القضايا الكويرية. كتب أويشيك سيركار عن مخاوف بشأن سياق هندي "جديد" يظهر فيه الأشخاص المثليون كأقلية محبّبة لدى الجميع – القوى الديمقراطية والرأسمالية في آن، أي لكلٍّ من اليمين واليسار السياسي.3
هنا، آمل أن أعرض الخطوط العريضة للخطابات الحائمة حول الحكومة الهندية والمساواة في الزواج، مع إبراز التناقضات داخلها. ليس هذا النص ردّاً على أولئك الذين يستمرّون في القول إنّ الجنسانية المثليّة غير مقبولة على أسس أخلاقية وهي بالتالي حالة "ضد الطبيعة". ما أتبنّاه هنا هو موقف يستفزّ الاشكاليات الكامنة ضمن المفاهيم المعيارية للزواج والأسرة، وذلك بهدف فهم التعقيدات الآمنة في السجالات الجارية حول المساواة في الزواج.
السرديّة التي نطالب بها
ما الدليل الذي لدينا لمواجهة حجّة الحكومة بأن الزواج المثلي يتعارض مع الثقافة الهندية؟ لا تزال الحجّة المقابلة ــ القائلة بأن الجنسانية المثليّة طالما كانت جزءًا من الثقافة الهندية ــ تقتصر على استدعاء مصادر تشير إلى الممارسات الجنسية غير المعيارية التي وردت في الملحمتين الهندوسيتين الرئيسيتين، ماهابهاراتا ورامايانا. ظلّت الاستفسارات حول تاريخ المثليين ولزمن طويل معلّقة على هذه القراءات المحدودة وأحادية الجانب. باستخدام شخصية اردهاناريشفارا4 وهي تجسيد لشكلٍ إلهيٍّ من أشكال الزواج، يظهر فيها الخليلين بارفاتي وشيفا على شكل وجهين للجسد نفسه، هكذا ترسم الهيندوتفا وجهًا صديقًا ومتسامحاً مع الجنسانية العابرة. لكنّ تقديم الأشخاص العابرين جنسيًا على شاكلة إلهية هو في النهاية سَلخ لإنسانيّتهم، فالمنزلة الألوهيّة تستبطن دحضًا لمكانتهم الوجوديّة كبشر. هناك العديد من الصور النمطية عن العابرين جنسيًا في المجتمع الهندي، على سبيل المثال، يُنظر إليهم على أنهم قادرون على تقديم البركات. إنّ هذا التصوير الما-فوق إنسانيّ للأشخاص العابرين يُسقط عنهم حقوقهم الانسانيّة. إنها نفس السياسة التي تقود منطق الهندوتفا في تمييز شعب الداليت على أنهم هاريجان [شعب الله] والأشخاص الذين يعانون من الإعاقاة على أنهم ديفيانغان [أولئك الذين لديهم أجساد إلهية].
تستبطن النقاشات القائمة حول الجندر والجنسانية تصوّرًا لمستقبل السافارنا الهندوسي5 حيث يسود التسامح مع جميع الاختلافات المتعلقة بمسألة الهوية الجنسية. كلّ الأدلة التي نقدّمها في مثل هذه السرديات توظَّف لدعم قضية الهندوتفا وتجريم الأديان الساميّة. بذلك يصبح رهاب المثلية رذيلة مرتبطة بالمسلمين والمسيحيين حصريًا. لذلك، من المهمّ أكثر من أي وقت مضى أن نعي بأنّ تحركاتنا لا تهدف إلى إعادتنا إلى الماضي المتخيَّل بل نحو مستقبل يتمّ فيه الاعتراف بالجميع كبشر.
الحكومة المحليّة تغيّر لونها أحيانًا
لن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى تلوي الحكومة الحجّة القائلة بأن المساواة في الزواج تتعارض مع الثقافة الهندية. كما ذكرنا آنفًا، فإن مشروع هيكلة هوية هندوتفية صديقة للمثليين ما زال قيد التنفيذ، يترافق ذلك مع مشروع استيلاب السياسات الكويرية الهندية بالهوية الهندوتفية. كان حكم 2018 الذي قرأ جزئيًا المادة 377 من قانون العقوبات غير متوقَّع، لا سيما بالنظر إلى صمت الحكومة بشأن هذه المسألة. مع ذلك، وبعد صدور الحكم، أيّد العديد من النشطاء المثليين رئيس الوزراء ناريندرا مودي كبطل للكويريين. بدأت الصور الملونة بألوان قوس قزح لمودي وأميت شاه6 بالظهور في "مسيرات الفخر".
بل ظهرت سردية مفادها أنّ قرار الحكومة انتزاع الوضع الخاص لكشمير وسيادتها7 عام 2019 أدى إلى تحرير شعب كشمير المثلي. يمكن إعادة توجيه سرديات الهندوتفا بسهولة فيما خصّ المساواة في الزواج، عليه فإن عملية الاستلاب الهندوتفي للحركة الكويرية الهندية تتخلل حرصًا على نسب جميع الميول المعادية للمثليين إلى خندق الأديان السامية.
مع اعتراض أتباع الديانات السامية في الهند على المساواة في الزواج، تصبح سياسة الخندقة أسهل. من ناحية أخرى، تتمتع سرديات الهندوتفا بقدرة خاصة على استلاب القضايا التي تبدو تقدّمية ظاهريًا – لقد رأينا ذلك في النقاشات حول الطلاق البائن والحجاب. فعلى الرغم من أن الرغبة المزعومة في تحرير المرأة المسلمة تبدو حالة تقدّمية، إلا أن النية من ورائها مختلفة تمامًا. إنها مسؤوليتنا السياسية ألّا نسمح لألوان العلم الكويري أن تبهت تحت الطلاء الزعفراني8 الهندوسي المتغوّل.
المساواة في الزواج، العائلة والحُكم
ليست العائلة ولا الزواج مؤسسات "طبيعيّة". اعتدنا إلصاق الدالّة اللفظية "غير طبيعي" بالجنسانيات الكويرية، في حين أنها كدالّة مفاهيمية أكثر تعبيراً عن البنية العائلية الغيريّة جنسيًا. ليس هنالك من عنصر في البنية العائلية الغيريّة ما يمكن أن يُعَدّ في تجريده "طبيعيًا". فكلّ ما في هذه المؤسسة هو آليّة لترسيم معالم السلطة وتوزيعها. عليه، إنّ نقض المؤسسة العائلية هو بالضرورة نقضٌ أشمل للسلطة. إنّه نقض موجّه للمنتظم الأبوي المغاير جنسيًا والبنى الهرمية التي يفرضها على تفاصيل حياة الأفراد مُرسياً بذلك دعائم الهيمنة السلطوية. العائلة أساسها الزواج، والعلاقة الغيرية جنسيًا مبنية على مبدأ التكاثر، وأما البنيتَين فتستمدّان شكلهما من البنية الرأسمالية ونزعتها الفردانية.
فلنفترض جدلاً أنّ السجالات حول المساواة أمام المؤسسة الزوجية تؤدي الى إعادة النظر في معنى العائلة والزواج في الهند. الزيجات المثليّة قد تزعزع على نحو جدّيّ الافتراض القائل بأن المؤسسة الزوجية قائمة على جماع بين رجل وامرأة (وفق المعياريّة الاجتماعية السائدة)، إلا أنها كمؤسسة صانت ماهيّتَها على مرّ قرون من الزمن وعليه أقول إن ولوج الاشخاص الكويريين ضمنها سيؤدي إلى إعادة إنتاج الغيرية الجنسانية المعياريّة بملامح اخرى. لن تتزعزع سلطة العائلة الغيريّة المعياريّة، بل سيُعاد توظيفها بنحو يضمن دوامها.
استطرادًا، العائلة لا تنفصم عن نظام الحكم لأنها من بين جملة الأدوات التي تستخدمها الدولة للاستحكام بمكوناتها البشرية. تكمن مصلحة الدولة في قدرتها على تصنيف وتنظيم الأجساد، متجاهلة في هذا السياق الواقع المتقلّب ومتعدّد الأشكال للرغبات. هكذا، تُخضَع الأجساد لقبضة الدولة حين تؤطّرها ضمن عقد زواج. في ظل كلّ ما سبق نطرح التساؤل التالي، هل يمكن للعلاقات الكويرية أن تتجاوز أعتاب إعادة إنتاج مؤسسات القربة المرتكزة على العلاقات الغيرية المعيارية؟ والسؤال الأهمّ، إن كان هذا الإمكان موجوداً بالفعل، هل نحن قادرون على توظيفه؟
الزواج المثلي وخطاب "مرض المناعة المكتسبة"
لجأ ما لا يقلّ عن 21 قاضياً إلى المحكمة العليا ضد المساواة في الزواج، إن حِجَجَهم وادعاءهم بأن الزواج من نفس الجنس سيزيد من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز، لهي بالية ورخيصة. مثالٌ صارخٌ ومؤرّخٌ لهذه الظاهرة نجده في سياق الولايات المتحدة الأميركية حيث تأججت حملات الكراهية ضد الكويريين في أثناء جائحة فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز.
أصدرت المنظمة الوطنية لمكافحة الإيدز (NACO) في الهند مجموعة من الإحصائيات حول فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز. عُمِّمت هذه الإحصائيات عملاً بمبدأ الحق في الحصول على المعلومات (RTI) الذي قدّمه المحامي توشار بوسلي. كشفت الاحصاءات أن 86 في المائة من جميع حالات الإصابة بفيروس نقص المناعة من بين الحالات المبلَّغ عنها عائد الى اتصالات جنسية بين افراد مغايرين جنسيًا. هل علينا تباعاً المُطالبة بتجريم العلاقات الجنسية الغيريّة في ضوء هذه المعلومات يا تُرى؟
لذلك أقول، إن الخطاب الذي يربط فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز بالمساواة في الزواج يدعّم فعليًا الخطابات القاضية بشيطنة أولئك المصابين بالفيروس وأولئك الذين يعيشون مع هكذا حالات والمثليين والمثليات. هذا المنطق الذي يصوّر الأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي كتهديد اجتماعي ونتيجة حتمية لأنماط الحياة "الفاسدة" لا بدّ من أن يُواجَه. تنزع مثل هذه السرديات الشرعية عن جميع العلاقات الجنسية الخارجة عن المؤسسة الزوجية.
مكامن خطاب المساواة أمام المؤسسة الزوجيّة
في الوضع الحالي، هناك خياران فقط يقدّمهما لنا خطاب المساواة أمام المؤسسة الزوجية. الأول هو الدفاع عن المساواة في الزواج وبالتالي نيل مكانة فيما يراه الخطاب السائد على أنه الخندق المتقدم – مكانة بين أوساط الدول أوروبية وغيرها من الدول المُعدّة ضمن خارطة الشمول والانفتاح المعولَم. الخندق المغاير وفق هذه السردية هو الوقوف ضد المساواة في الزواج والوصم بالأصولية الدينية أو الرجعية المحافظة – من يعارض المساواة في الزواج يُعدّ من "البدائيين أو المتخلفين". من المهمّ أن نلاحظ أنه لا توجد مواقف خارجة عن الثنائية المذكورة آنفا في السجالات التي تدور في حاضرنا. لا مكان في هذه السجالات لمعالجات نسوية أو خطابات كويريّة مضادة. بات خطاب المساواة في الزواج منغلقاً على نفسه، نابذًا كل إمكانية لتوسيع الحوار ومواجهة التعقيدات.
المجتمع يمقت العلاقات الخارجة عن شرعنة المؤسسة الزوجية. الشرعية المقترنة بالمؤسسة الزوجية وبغضّ النظر عن تفاصيلها الجنسانية والجندرية، يؤدي إلى ظهور تسلسل هرمي جديد بين أولئك المشرعنين بموجب المؤسسة الزوجية وأولئك الذين لا يزالون يفتقرون إلى رأس المال الاجتماعي والثقافي الذي يخوّلهم الزواج. لقد لوحظ أن المساواة في الزواج ستعزّز ببساطة عدم المساواة بين المتزوجين وغير المتزوجين. لاحظت جوديث بتلر مَيل المثليين والمثليات للاحتفال بالاعتراف القانوني والتخلّي عن التزامهم السياسي السابق للنضال من أجل نظام اجتماعي يتجاوز التطلّع إلى هكذا أشكال من المساواة:
ينسى الآلاف من المثليين، الذين تبهجهم فكرة الاعتراف القانوني، التزاماتهم السياسية السابقة وآمالهم في حركة اجتماعية تتجاوز المطلب القانوني هذا. إنهم لا يفكّرون في تاريخ الملكية الخاصة والهويات العرقية اللذين يرسمان معالم المؤسسة الزوجية التي يأملون في أن يلجوا فيها حاضرًا، ولا يفكّرون في الأشكال الاجتماعية للقرابة التي يساهمون في نزع شرعيتها على طول هذا الطريق. إذا كان زواج المثليين يَعد بالتأمين الصحي والتوكيل القانوني وحقوق الميراث للشريك الزوجي، فربما يمكننا التفكير في مسارٍ سياسي بديلٍ وأشمل. بدلاً من النضال من أجل زواج المثليين، يمكن أن نناضل من أجل تشريعٍ يضمن الرعاية الصحية لكل مواطن بغضّ النظر عن الحالة الاجتماعية، لفصل التوكيل العام والميراث عن الحالة الاجتماعية الزوجية وحصر الزواج على أنه عمل "رمزي" يمكن للراشدين تأديته بالتراضي إذا رغبوا في ذلك. (الأمة، 17 يونيو 2004).9
مثلما جرى تأطير العلاقة الغيريّة جنسيًا ضمن محدّدات المؤسسة الزوجية، يمكن للمساواة في الزواج أن تقمع بالمثل التعبيرات الأكثر حرية وانسيابية التي تتحلّى بها أشكال الرغبة والوصال المثليّة غير النمطيّة. ترسيخ فكرة أن أولئك الذين يدخلون في عقد الأسرة التكوينية المشتركة هم وحدهم المؤهلون للحصول على الحقوق الدستورية، يسهّل على الدولة أن تصنّف غير المتزوجين والذين يرفضون القرابة الإنجابية على أنهم سيّئو السمعة وغير أخلاقيين.
هل يُعَدّ الزواج علاجاً لآفات المجتمع الذي يعاني من رهاب المثلية؟
يتمتّع الزواج والأسرة بمكانة مرموقة في التصورات الاجتماعية الهندية، عليه فإن من البديهي أن يواجه المخيال المضاد الذي يسعى إلى الإطاحة بهذه القيم مقاومة صارخة. يتمّ تقديم الزواج على أنه حلّ لجميع المشاكل – حلٌّ سحريّ. إذا اكتشفت العائلة علاقة حبّ غير مصرّح بها لإحدى بناتها، فإن أول شيء يجب فعله هو تزويجها من صبي آخر. يخبرنا المجتمع أن المثلية الجنسية يمكن "علاجها" من خلال الزواج الغيري. تختفي كل رذائل المرء بعد الزواج – المدمن على الكحول سيتوقف عن الشرب. في المجتمع النمطي الغيري، تتمحور مجريات الحياة حول الزواج. يصبح من الصعب حتى تخيّل الحياة خارج المؤسسة الزوجية.
بناءً على ذلك نسأل، لأي داء تُعدّ المساواة في الزواج دواءً؟ هل ستساعدنا على مداواة رذيلة المثلية؟ أحد الحجج التي تُستخدَم للدفاع عن مسعى المساواة هذا هي حجّة "التقبّل" المجتمعي، القائلة بأنه ومن خلال المؤسسة الزوجية، يستعيد الموصومون يوماً بأنهم "يعيشون حياة جنسية تملأها الرذيلة" أو أنهم "مريضون جنسانيًا" مكانتَهم في رحاب المؤسسة العائلية. هكذا تتقلّص هيمنة العلاقات الغيرية النمطية السائدة كمصدر أخلاقي في المجتمع. لا بد لنا أن نناقش وننقد باستمرار موضِع مفاهيم مثل الحقّ في نَيل الاحترام والأخلاق والتقبّل وكيفية استخدامها ضمن هذه السجالات.
في الولايات المتحدة، تعزّزت المطالبة بالمساواة في الزواج، من نواحٍ كثيرة، بفعل الهلع الأخلاقي حول انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز. كان الدافع وراء دعم المساواة في الزواج هو الاعتقاد بأن العثور على شريك أحادي والدخول في أنظمة القرابة من خلال الزواج، من شأنه أن يضع حدًا لخطر الإصابة بالإيدز. تمّ تصوير المثليين جنسياً على أنهم سبب جائحة فيروس نقص المناعة البشرية، أما ما دفع بالعديد من المثليين والمثليات للمطالبة بالمساواة في الزواج هو الاعتقاد بأن الزواج سيُجسّد مهرباً من هذه الوصمة ومعبراً نحو الادماج المجتمعي.
ستستمرّ المؤسسة الزوجية والاحترام المقترن بها في خلق جمع "آخر" لنبذِه. لدينا العديد من الأمثلة التي تُظهر لنا مدى عدم تسامح المجتمع تجاه الأشخاص العابرين جنسياً الذين ينخرطون في العمل بالجنس. مَن هم الأشخاص الذين لا قيمة لهم في اقتصاد الزواج؟ ما هي الأجساد التي ستُنبَذ في الخطاب السائد؟ في أيامنا هذه، من الممكن أن يقبل المجتمع الهندي ذو الأغلبية الهندوسية الزواج من نفس الجنس للرجال المثليين المطابقين جنسياً والمنضوين تحت كاست السافارنا، في حين أنهم سيظلون يجدون صعوبة في تقبّل العلاقات العاطفية الغيريّة جنسيًا لرجل ينتمي الى كاست الداليت. حالة كيفن – رجل مسيحي ينتمي إلى الداليت ويبلغ من العمر 23 عامًا من ولاية كيرالا – الذي قُتل في عام 2019 على يد أفراد عائلة زوجته التي تنتمي إلى السافارنا، هو مثال واحد من بين أمثلة عديدة على ظاهرة التقبّل الانتقائي هذه. يجب أن نتذكّر أن حق كيفن في الزواج الغيري جنسياً غير ملحوظ قانونياً في ولاية كيرالا، المعروفة بحركات الإصلاح الاجتماعي المناهضة للطبقة الاجتماعية وما يسمّى بمزاعم "معاداة النظام الكاستيّ" في دوائر السافارنا التقدمية. إنه المجتمع نفسه القادر على قتل كيفن دون تردد، وطمس كل أشكال العلاقات الجنسية والعاطفية التي قد تزعزع استقرار التسلسلات الهرمية الكاستيّة الطبقية.
إذا تحققت المساواة في الزواج غداً، مَن سيكون لديه رأس المال الاجتماعي والثقافي للاستفادة من مزايا الاعتراف؟ لا يمكننا معالجة هذا السؤال في السياق الهندي دون الحديث عن النظام الكاستي (شكل من أشكال نظام الفصل الطائفي). لنأخذ كمثال إعلان الزواج الذي نشرته بادما إيير، والدة الناشط والسياسي المثلي المعروف هاريش آير، في صحيفة هندوسية: "أبحث عن زوج بين الـ 25 والـ 40 من السن، مستقرّ مادياً ويحبّ الحيوانات من أجل إبني البالغ من العمر 36 عاماً (5’ 11’’). إبني يعمل مع منظمة غير حكومية، الانتماء الكاستيّ غير مهم (على الرغم من تفضيل الآيريين)". أدّى الإعلان إلى العديد من السجالات. في حين تمّ انتقاد التفضيل الكاستي المشار إليه في الإعلان من قبل البعض، رحّب آخرون بثانوية التفضيل والاعلان ككلّ باعتباره بشارة نحو تغيير مرتقب. هل هذا ما يبدو عليه التغيير؟ ستكون هناك أشياء كثيرة ستبقى على حالها حتى لو أصبحت المساواة في الزواج واقعاً. سنرى أنواعًا جديدة من الإعلانات الزوجية في المستقبل لكن بنفس التلقيب القديم ضمن المنتظم العشائري والطبقي الذي يستثني الفئات المهمّشة من الكاستات والعشائر.10 السؤال بسيط: هل هذه المعارك القانونية حول المساواة في الزواج قادرة على تحدّي الزواج ضمن الكاست الواحد؟
ليست المساواة في الزواج درب التحرّر
لا ينبغي أن يُقرأ إعلاني بأن الحركة من أجل المساواة في الزواج ليست قضيتي، على أنه تماهي مع مواقف الحكومة والجماعات المناهضة لحقوق الإنسان والمثليين. إن خطاب المساواة في الزواج هو خطاب يمكن أن يُساء فهمه بسهولة وبالتالي يجب أن يتمّ صوغه بحذر شديد. لا أرحّب بأي حلّ وسط يمسّ بحق الأشخاص المثليين في العيش والازدهار. ولذا، أعتقد أنّ من المهم، بصرف النظر عن معارضة مواقف الحكومة، أن نشير أيضًا إلى المغالطات التي تُبنى على أساسها. ما أطرحه تباعاً هو جملة من الأسئلة التي لا بدّ من طرحها إزاء ماهية المطالبة بالمساواة في الزواج، والتي تحظى حاليًا بالكثير من الدعم والقبول. من خلال هذه الأسئلة أبيّن سبب إصراري على أن الحركة من أجل المساواة في الزواج ليست قضيتي.
مَن يقود الحركة المنادية بالمساواة في الزواج؟ أصوات مَن هي تلك التي تمثّل الحركة الكويرية الهندية ككلّ؟ هذه هي أولى الأسئلة التي تتبادر إلى ذهني. إذا غيّرت الحكومة موقفها في الإقرار بالمساواة أمام المؤسسة الزوجية، فمَن هي الشرائح الاجتماعية التي ستستفيد من هذا التحوّل؟ أنا على يقين من أن الحكم لن يُحدث تغييرات كبيرة في حياتي الخاصة، على سبيل المثال. فقط أولئك الذين يتمتعون فعلياً بحقوق خاصة معيّنة سيكونون قادرين على الارتباط بهذه القضية والانضمام إلى الحركة. كيف تصبح المساواة في الزواج انتصارًا لمن لا يتمتّع حتى بأدنى أشكال من الخصوصية – غرفة يخلو بها مع نفسه للاستمناء. فلننظر حولنا: هل المساواة في الزواج هي القضية الأكثر إلحاحًا التي نواجهها؟ أو بالأحرى، من منظور مَن تصبح قضية المساواة في الزواج قضية لا بدّ من حلّها؟
في الآونة الأخيرة، تقدّمت الناشطة الداليتية جريس بانو إلى المحكمة العليا للمطالبة بالمحاصصة الأفقية للعابرين جنسيًا. هل ستحظى هذه القضية المتعلّقة بالتخصيصات أو المحاصصة11 الأفقية بنفس هذا النوع من الدعم؟12 ما هي أولوياتك: الصمود الحياتي اليومي أم الزواج؟ كم عدد العابرين جنسيًا الذين قُتلوا بوحشية في شوارع الهند؟ لماذا تحدث عمليات القتل هذه؟ أيُّ أشخاص هم ضحايا هذه الجرائم؟ الجواب بسيط: هؤلاء الأشخاص المثليون الذين لا يتمتعون بامتياز الدخول في المؤسسة الزوجية، وليس في حوزتهم رأس مال اجتماعي ثقافي يحميهم، هم الذين يتمّ تهميشهم على أساس الطبقة الاجتماعية والاقتصادية. هل ستتمكن السياسة الكويرية السائدة في الهند من معالجة الجوانب الطبقية والكاستية للقضية؟ هل ستُساءَل الدولة والمجتمع عن هذا العنف؟ كيف ستقارَب مسألة المثليين الذين يتسوّلون أو يمارسون الجنس من أجل قوت يومهم؟ ماذا عن المشكلات التي يواجهها كبار السنّ من المثليين؟ كيف تعالج الحركة الكويرية قضية 51 شخصًا مثليًا وجّهت إليهم تهمة التحريض13 على الفتنة خلال "مسيرة الفخر" لعام 2020 في مومباي، والذين قد يفقدون حقّهم في المواطنية؟
التحرّر الكويريّ لا يعني تحرير أي فئة معينة من الناس أو أفراد بعينهم، بل لا بدّ وأن يكون تحريراً للناس أجمعين. تُنتِج الحركة من أجل المساواة في الزواج منافع لنخبةٍ صغيرة وحسب. في رأيي، هناك قضايا أكثر إلحاحًا من مسألة الزواج يجب معالجتها. يجب أن تكمن القضايا التي هي في أمسّ الحاجة إلى حلٍّ في قلب حركتنا الكويريّة. عليه، فإن قضيتي ليست المساواة في الزواج.
- 1. يختلف مصطلح "كوير" في الهند عن سياق الولايات المتحدة الأميركية حيث تقرن اللفظة بالهويات الغيريّة السائدة والنمطية ومسألة السياسات الالغائية ضد العابرين جنسيًا. في الهند يستخدم الناس اللفظة كمصطلح شامل مناهض لتقاسيم الهوياتية وذلك لوصف كل من ينضوي ضمن طيف مجتمع "الميم عين"، بما في ذلك الأشخاص العابرين جنسياً نرى هذه الخصوصية الدلالية في طي هذا النص.
- 2. تنصّ المادة 377 من قانون العقوبات الهندي على معاقبة أولئك الذين "يمارسون طواعيةً الجماع الجسدي ضد أحكام الطبيعة مع أي رجل أو امرأة أو حيوان"، على أن "يُنظر الى الإيلاج كدلالة... لحدوث الجماع الجسدي". لم يعدّل حكم 2018 أو يلغي القانون، لكنه حدّ من قابلية تطبيقه. تمّت إعادة تفسيره على أنه لا ينطبق على الجماع التوافقي بين البالغين، ولا يزال ساريًا لمعاقبة ممارسة الجنس مع القاصرين والحيوانات والأفعال الجنسية المبنية على عدم رضى متبادل. على هذا النحو، فإن الثنائية الإشكالية بين "الطبيعي" و"غير الطبيعي" للتحكيم في أخلاقيات الفعل الجنسي تظل دون مشكّك أو منازع ؛ جادل الحكم ببساطة أن المثلية الجنسية أمر طبيعي.
- 3. Sircar, Oishik. 2017. “New Queer Politics in the New India: Notes on Failure and Stuckness in a Negative Moment.” Unbound: Harvard Journal of the Legal Left 11 (1): 1–36.
- 4. https://arz.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%87%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B4%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%A7
- 5. الكاست المهيمن – أولئك الذين لديهم مكانة في التصنيفات الاجتماعية (الفارنا) ضمن الهرمية الكاستية بعكس الداليت الذين تمّ استبعادهم من المنتظم الكاستي وفصلهم عنصريا عن الهرمية الاجتماعية بأسرها. https://www.equalitylabs.org/castesurvey/#what-is-caste
- 6. يُنظر إلى شاه على نطاق واسع باعتباره الاستراتيجي الرئيسي لحزب بهاراتيا جاناتا والمقرّب من مودي، وهو وزير الداخلية الحالي للهند ورئيس "التحالف الوطني الديمقراطي" (NDA) وهو التحالف الحزبي الذي يقوده حزب بهاراتيا جاناتا.
- 7. https://standwithkashmir.org/intro-to-kashmir/
- 8. الزعفران هو اللون المرتبط باليمين الهندوسي.
- 9. https://www.thenation.com/article/archive/can-marriage-be-saved-0/
- 10. الكاستات أو العشائر المتشذّرة أو المقموعة إقتصادياً واجتماعياً والمشار إليها في الدستور الهندي هي فئات قانونية تستخدمها الدولة الهندية لتوسيع العمل الإيجابي والرفاهية إلى تلك المجتمعات المهمشة على أساس كونها خارج نظام فارنا الكاستي ولأنها مجتمعات رعوية (داليت هو اسم سياسي ذو منشأ قاعدي يستخدم لتوحيد العديد من الجماعات الطبقية المقصيّة).
- 11. كان النهج الحالي للحكومة الوطنية هو التعرّف على جميع الأشخاص العابرين جنسيًا كجزء من فئة "OBC" أو "الطبقات المتخلفة الأخرى" حيث يتم معالجة بعض المجموعات الطبقية غير الداليتية المقموعة في الهند قضائيا. سيؤدي هذا إلى منح الأشخاص العابرين جنسيًا حصّة في المؤسسات العامة كفئة واحدة من بين أكثر من 5000 مجموعة طبقية معترف بها على أنها OBC من قبل الحكومة الهندية. تعد جريس بانو ومنظمتها، "حقوق العابرين الآن"، ضمن قيادة الداليت التي تعارض هذه الخطوة باعتبارها تمحو الاختلافات الطبقية بين الأشخاص العابرين جنسياً، وتطلب تحاصصاً أفقياً للأشخاص العابرين داخل كل فئة من الفئات المعتبرة ضمن القانون الحالي والمنصوص عليها في النظام الهندي.
- 12. وضعت المحاصصة، أو معايير الأهلية المخففة لأولئك الذين ينتمون إلى مجموعات اجتماعية وطوائفية تعرضت للتمييز تاريخياً، بشكل منهجي في القطاع العام الهندي في التسعينيات. ومنذ ذلك الحين، كانت موضوع نقاش حاد ومقاومة كاستيّة، مع قيام نظام اليمين الهندوسي في الوقت نفسه بتوسيع التحفظات لزيادة أصواتهم في حين تُميّع المبادئ التي على أساسها تمّ إنشاء المحاصصات الطبقية في بادئ الأمر. تظلّ المحاصصات "موضوعًا ساخنًا" يرسم حدود الأيديولوجيات السياسية في الهند وموقعًا للتعبيرات السياسية لداليت-باهوجان-أديفاسي وردود الفعل الكاستية العنيفة. إن مسألة توسيع نطاق المحاصصات لتشمل الجماعات المهيمنة، والتي يدعمها حزب بهاراتيا جاناتا، تعمل حاليا على تأجيج العنف العرقي المطلق في ولاية مانيبور في شمال شرق الهند.
- 13. https://thewire.in/law/mumbai-sedition-sharjeel-imam
