اللاجنسية كأداة نقدية: الرعاية والدولة والحدود المعيارية
parachute_website_ar.jpg

سارة السرّاج - هل نسميها كيسًا بلاستيكيًا*؟
المهمّة السياسية الحقيقية التي يتعيّن علينا الاضطلاع بها في مجتمعاتنا هي نقد عمل المؤسسات التي تدّعي الحياد والاستقلالية، وذلك عبر إخضاعها لنقدٍ منهجي يهدف إلى كشف أنماط العنف التي طالما مارستها بصورة خفيّة. إن عملية نزع هذا النقاب تُيسّر بدورها إمكان النضال ضد ذلك العنف ومواجهته.
- ميشيل فوكو، "مناظرة تشومسكي-فوكو" (1971).
تشير بيل هوكس إلى أنّ "الإمبريالية، ونظرية التفوّق الأبيض، والرأسمالية، والذكورية الأبوية" (1994: 248) تتعامل مع الوحدة بوصفها سلعة، وتعلن أنّ اكتمالنا مشروط بالارتباط العاطفي، أو الاستهلاك، أو الامتثال.
يُنظَر إلى القرن الحادي والعشرين على أنه عصر الشمول الكويري على الصعيد العالمي. بعد سنوات من الجدل المحتدم، أصبح زواج الأشخاص من نفس الجنس واقعًا قانونيًا في عددٍ متزايد من الدول. وقد تمّ تشريعه لأول مرة عام 2001 في هولندا، ويُعترف به الآن في 38 دولة حول العالم، مع تسجيل أكثر من ربع هذه الاعترافات خلال السنوات الخمس الماضية. وفي وقت كتابة هذا النص، يسعى ناشطون ومحامون كويريون في الهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وفيتنام، وكمبوديا إلى تمرير تشريعات مماثلة. لكن الظهور المكثّف، شأنه شأن "بانوبتيكون" (جيريمي) بينثام، يمكن أن يتحوّل إلى فخ؛ فما كان يُنظر إليه كعصرٍ للاعتراف بالكويرية أصبح في كثيرٍ من الحالات عصرًا للتشييء والعنف (Small 2018). غالبًا ما يُشاد بالدول في الشمال العالمي باعتبارها ملاذات آمنة للكوير، سواء من قبل الداخلين إلى حدودها أو الخارجين منها، استنادًا إلى التقدّم المزعوم الذي أحرزته في حقوق مجتمع "الميم-عين". غير أن الدراسات تشير إلى أن الأشخاص الكوير لا يزالون يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى مساكن لائقة (Matthews et al. 2018) أو الرعاية الصحية (Casey et al. 2019)، وهي خدمات غالبًا ما تُصوّر ضمن الخطاب الحقوقي على أنها "حقوق إنسانية عالمية". مع تصاعد اليمين المتطرّف الفاشي وارتفاع العنف ضد العابرين جنسيًا إلى مستويات غير مسبوقة، يتّضح أنّ السماح بزواج المثليين لم يخفف كثيرًا من معاناة الكوير الأكثر هشاشة؛ من المشرّدين والمرضى الذين يعانون الجوع في الشوارع، إلى الأشخاص الكويريين والعابرين جنسيًا الذين يتعرّضون للعنف والإساءة من السلطات أو داخل الأسرة، وصولًا إلى الأطفال المتحوّلين وأصحاب الهوية الجندرية غير الثنائية الذين يُجبرون على ترك المدرسة بسبب التنمّر الشديد. في هذا السياق، حيث يفشل إدماج الكوير ضمن هياكل الدولة في تأمين مستقبلهم، أقدّم مفهوم "اللاجنسية السياسية" ليبيّن أن أولويات الدولة ليست محايدة، بل تُنتج وتعيد إنتاج العلاقات الحميمة. يتيح هذا الإطار تحليل استثمار السياسة الرسمية في تنظيم العلاقات الحميمة، وكيف يمكن للأشخاص الكوير ممارسة مقاومة نقدية لها.
يوفّر مفهوم "اللاجنسية" إطارًا تحليليًا خصبًا، إذ يهزّ الاستثمارات العميقة للدولة في الجنس، والارتباط الزوجي، والإنجاب، بوصفها المبادئ المنظّمة التي يُوسّط من خلالها الانتماء الاجتماعي ويُكافأ. بينما لعبت الكويرية دورًا كبيراً في نقد المعيارية الجنسية المغايرة، يوسّع منظور اللاجنسية هذا النقد بتسليط الضوء على مركزية العلاقات الحميمة الجنسية والرومانسية في تحديد الوصول إلى الشرعية، والرعاية، والاستقرار الاقتصادي في ظل السياسات النيوليبرالية. تكشف قراءة السياسات من منظور اللاجنسية الروابط بين وعود الدولة بالشمول وتقديرها لأنماط محددة من العلاقات الحميمة، كما تظهر استغلال هذه الأنماط لإضفاء الطابع الطبيعي على التسلسلات الهرمية الرأسمالية والمعيارية الجنسية المغايرة. كما أتتبع استمرار هذه التسلسلات عبر تقدير الدولة لعلاقات وحميميّات معينة، وأبحث في أشكال العلاقات والرعاية التي تُحجب سياسيًا أو تُجعل غير قابلة للقراءة ضمن هذا الإطار.
الكويرية: فرصة
فعل "queering" يعني النظر إلى شيءٍ ما بطريقة تجعله غريبًا أو موضع شكّ (Young 2012). وقد أكّد بيرلانت ووارنر (Berlant and Warner 1995)، وباتلر (Butler 1999) أن حدود "الكوير" مفتوحة، وأن الكويرية تتحدّد بخروج الفرد عن المعيارية المهيمنة. فتحت نظرية فوكو حول البناء الاجتماعي للواقع و"السلطة الحيوية" المجال لمشروع إعادة تمركز الدولة وتوجيه الدراسات نحو "قطع رأس الملك" (Foucault 1978). وكما لاحظ صموئيل هونيكي (Samuel Huneke 2022)، فإن الكويرية والدولة متباعدتان؛ النظرية الكويرية لا تهتمّ بالدولة، ولا ترى فيها منفعة.
"to queer" يعني معارضة الهياكل والمؤسسات التي تعيد إنتاج شروط ومفاهيم المعيارية، وهي متغيّرة بحسب السياق. كما يعني إعادة مَركزة ما أصبح مركزيًا والتحدّث من هامش مجموعة متغيّرة من المعايير؛ فكون الفرد كويرًا قابلاً للتغيّر وفق السياقات الزمكانية. وكما يكتب راو (Rao 2020:173): "فهمنا للكويرية يجب أن يتغيّر باستمرار مع تحولات الرأسمالية وآلة الدولة لامتصاص وتحييد التناقضات التي تخلقها". فعلى سبيل المثال، رجلٌ إسرائيلي غنيّ مثليّ يعيش في الكيان الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني ليس كويرًا سياسيًا، بينما رجلٌ مثليّ مهمّش اقتصاديًا في دولة فلسطين المحتلّة، هو كذلك. وفي المجتمع الهندي النيوليبرالي المسيطر عليه من اليمين الهندوسي، يُعد الكوير الداليت الأمبدكارتي أكثر كويرية من رجل مثلي من الطبقة الوسطى العليا المهيمنة جنسيًا و/أو جنسانيًا (cis-het).
ومع ذلك، اتّسمت العلاقة بين النظرية الكويرية والنشاط الكويري بطابع صراعي (agonistic)، إذ تمثّل الأولى موقعًا نقديًا راديكاليًا يرفض منطق المساومة السياسية، في حين تنخرط الثانية في مقاربة براغماتية تقبل هذا المنطق بوصفه ضرورة ظرفية. وقد تشكّلت الدراسات الكويرية في السياق الأمريكي بوصفها قطيعة معرفية مع دراسات المثليين والمثليات، التي سعت إلى تحقيق الإدماج ضمن مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الزواج والمؤسسة العسكرية. وقد شكّلت أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبدايات التسعينيات لحظة توتّر سياسي ومعرفي حاد. فمن جهة، وتحت تأثير الإطار الفوكوي، أعادت الحركات الكويرية توجيه اهتمامها بعيدًا عن السياسة الرسمية، مفضّلة أشكالًا يومية من المقاومة وبناء العوالم في الحقول الاجتماعية والثقافية. ومن جهة أخرى، تزامن هذا التحوّل مع تفشّي وباء الإيدز، ما دفع قطاعات واسعة من حركات مجتمع "الميم-عين" إلى الانخراط في نضالات موجّهة نحو الدولة ذاتها – التي كانت موضع شك جذري – للمطالبة بالاعتراف بحالة الطوارئ الصحية والتعامل معها، رغم أن آثارها كانت تطال الأفراد الكويريين بصورة غير متكافئة.
رغم أن العديد من الدول المعاصرة (النيوليبرالية) أصبحت عاجزة عن إعادة توزيع الثروة، ورعاية المواطنين، ومعالجة تغيّر المناخ، أو تحقيق المساواة الاجتماعية الحقيقية (Huneke 2022)، فإن الجهود الضخمة، رغم عيوبها، التي بذلتها الدول الحاكمة لمواجهة جائحة "كوفيد-19"، تُظهر الحاجة إلى دول قوية قادرة على فرض تدابير الصحة العامة وإقناع المواطنين بالتصرف بمسؤولية. قبل عامين، عندما بدأت كتابة هذا النص، كنت سأقترح أنه لا يمكن أن يكون المرء انفصاليًا تحت الرأسمالية مع محاولة معالجة المشاكل التي تعاني منها مجموعات هامشية متعددة. لكن في سياق "الترامبية"، وعنف الدول الإبادية/المستعمِرة، والأزمات الاقتصادية في كثيرٍ من دول الجنوب العالمي، لم يعد من المجدي السؤال عن مدى توافق الكويرية والدولة؛ بل يجب أن نركّز نقدنا على الدولة، مصحوبًا بالعمل المباشر وبناء المجتمعات الذي تركته لنا النظرية الكويرية.
السياسات الجنسية والطاعة المعيارية
كان منظور "السياسة الجنسية" أداة فعّالة لتجاوز الثنائية المعيوبة بين العام والخاص، كاشفًا كيف نظّمت الدول تاريخيًا العلاقات لتتوافق مع قيمها. وقد أظهر باحثو العلاقات الدولية النسويون، مستندين إلى النظرية الجندرية والاجتماعية، كيف تعمل الديمقراطيات كهيمنة ذكورية (Enloe 2014; Alexander 1994; Weber 2016). يكشف هذا المنظور كيف يقوم النظام السياسي الدولي بإسكات النساء والمجموعات الهامشية الأخرى أو تهميشها، من خلال تأطير قضاياهم ضمن نطاق الاهتمام الإنساني بدل السياسة (Enloe 2014). رغم أن المصطلح ارتبط في البداية بسياسة الجندر فقط، فقد توسّع لاحقًا بفعل فهم الجندر كأداء اجتماعية، والنقد ما بعد البنيوي لفكرة الجنس كواقع قبل اجتماعي ثابت (Butler 1999; 2004). لذلك، أستخدم مصطلحي السياسة الجنسية والجندرية بالتبادل للدلالة على هذا الحقل الموسع من البحث، الذي يفحص كيف تهيمن السلطة على الجنس، والجندر، والجنسانية عبر الحركات الاجتماعية والسياسة الثقافية ومؤسسات الدولة.
لعبت الدول دورًا حاسمًا في مأسسة السياسة الجنسية. بعد الحرب العالمية الثانية، أعادت العديد من الدول الرأسمالية النيوليبرالية بناء اقتصاداتها من خلال الاستثمار في الأسرة كوحدة تأديبية تضمن الاستمرارية الإنجابية وتوفّر قوةً عاملة سليمة. أصبح الزواج وسيلة للامتياز الاجتماعي والاقتصادي، إذ حفّزت الحكومات الأزواج عبر الرعاية الصحية والسكن والضرائب، رابطةً الشرعية الرومانسية بالاعتراف الرسمي من الدولة (Rasmussen 2021). ومن خلال هذا النموذج، سعت الدولة إلى استقرار أسواق العمل وتنظيم الأخلاق الجنسية، مؤدِّبة المواطنين عبر نموذج الأسرة الملتزمة بالقانون والإنجاب (Connell 1990)، وترسيخ سلطتها عبر التحكّم الاقتصادي وإنتاج الحميمية نفسها.
مع تعمّق اللامساواة العالمية في ظلّ الرأسمالية، أصبح النموذج القائم على أولوية الأزواج من جنسين مختلفين موضع مساءلة نقدية متزايدة. وفي هذا السياق، أعادت حملات حقوق الإنسان تأطير السكن، والرعاية الصحّية، ومنافع العمل بوصفها حقوقًا أساسية غير قابلة للتفاوض، وشاملة. في المقابل، اتجهت السياسات السائدة للمثليين والمثليات إلى استراتيجيات إدماجية داخل مؤسسات الدولة النيوليبرالية، ولا سيما مؤسستي الزواج والمؤسسة العسكرية. وقد شكّلت هذه المقاربة قطيعةً مع تيارات كويرية أكثر جذرية وإلغائية، كانت قد تصوّرت التحرّر بوصفه انفصالًا بنيويًا عن منطق الدولة وهيمنتها (Conrad 2014). وضمن هذا الإطار، أدّت سياسة "إيلاء الاعتبار" (respectability) وظيفةً مزدوجة بوصفها أفقًا معياريًا وقيدًا سياسيًا في آن واحد: فمن جهة، أتاحت الاعتراف لفئات من الكويريين القادرين على الاقتراب من المُثُل المغايرة جنسيًا، ومن جهة أخرى، أسهمت في حجب وإعادة إنتاج الهرميات العرقية والطبقية والجندرية المتأصّلة داخل الحقول الكويرية ذاتها.
بحسب راسموسن، فإن "النضال من أجل المساواة في الزواج ترك خلفه الكثيرين، إذ لم يقترن بالمطالبة بالرعاية الصحية، أو الاعتراف الجندري، أو دعم الكويريين المُفقَرين، كما افتقر إلى وعيٍ بالآثار البنيوية الكاملة للإقصاء الكويري" (Rasmussen 2021:44). وقد كان ولا يزال الكويريون الذين يشغلون مواقع متقدّمة ضمن السلّم الاقتصادي الأشدّ دفاعًا عن سياسات إيلاء الاعتبار (respectability)، إذ "يعيدون تشكيل ذواتهم بوصفهم فاعلين سياسيين عبر نزع الإعتبار الدلالي (disidentification) عن آخرين مُهمَّشين بطرق مماثلة، لصالح الاندماج ضمن محاور الامتياز" (Puar 2007:28). وعليه، لا تقتصر سياسة إيلاء الاعتبار على كونها استراتيجية اعتراف، بل تعمل بوصفها آلية لإعادة إنتاج سلطة الدولة، حيث يُسهم الكويريون المنتجون اقتصاديًا أي "المستوعَبون" في تثبيت النظم ذاتها التي تُقصي غيرهم. وفي هذا الإطار، يُعاد تمثيل الكويريين غير المنتجين – من ذوي الإعاقة، أو العاطلين عن العمل، أو المُعنصرين، أو الفقراء – بوصفهم فائضاً بشرياً أو "قابلين للاستغناء" (expendable) (Rao 2020). وهكذا، تتحوّل سياسات إيلاء الاعتبار إلى تقنية للتراتب الاجتماعي.
تحجب سياسات إيلاء الاعتبار المعيارية إذن، الكيفية التي تتقاطع بها الجنسانية مع العِرق والطبقة والكاست والجندر في تنظيم الوصول إلى الموارد اللازمة لاستدامة الحياة. كما أن تركيزها على الاستيعاب يتيح للدولة تحييد المطالب التي تُصنَّف بوصفها "راديكالية" – كالرعاية الصحيّة الشاملة، أو العدالة السكنية، أو إعادة التوزيع الاقتصادي – من خلال نزع مشروعيتها السياسية. ومن خلال المشاركة الكويرية المتواطئة في المؤسسة السلطوية للزواج، يُنتَج، كما يلاحظ سبيد (Spade 2013:84)، نموذج "الكويري المستحقّ": ذاتٌ تستوفي معايير الغيرية الجنسية من حيث الثروة، والأحادية، والحياة المنزلية، والاستهلاك، والامتثال الوطني الصامت. غير أن هذه الامتيازات لا تكون متاحة، فعليًا، إلا لأولئك الذين يمتلكون العقار، أو الوضع القانوني للهجرة، أو منافع صحية مرتبطة بالتوظيف – أي من هم أصلًا محصَّنون بشبكات الامتياز الكائنة. وإذا كانت سياسات إيلاء الاعتبار هذه تمثّل الأفق الأقصى للإدماج الكويري داخل الدولة، فإن "اللاجنسية السياسية" (political asexuality) تبدأ تحديدًا عند نقطة إخفاق هذا الإدماج: في الحيوات والعلاقات الحميمية التي ترفض الدولة تنظيمها، أو الاعتراف بها، أو حتى رؤيتها.
الإمكانية السياسية للّاجنسية
كما أُشير سابقًا، تحدّى إطار السياسات الجنسية التصورات التقليدية لنطاق السياسة بوصفها مجالًا أكاديميًا، "دافعًا البحث إلى ما وراء مؤسسات الحكم والمجال العام، نحو مساءلة العلاقات التي تُشكَّل وتُنظَّم بالسلطة داخل الحياة "الخاصة"" (Waites 2007:4253). ويتجلّى هذا التحدّي بوضوح في الكيفية التي تفضّل بها الدولة والسوق تشكيلات جنسية/رومانسية بعينها، تُشرعَن قانونيًا وتُحمَّل بالقيمة. تُهندَس الجنسانيات المعاصرة عبر الأسواق الرأسمالية العالمية؛ وليس في ذلك جديد جذري، إذ لطالما نظّمت مؤسسات تاريخية ممتدة – كالعمل الجنسي، ومهر العروس، ونظم الإرث العائلي – الجنس من خلال آليات اقتصادية. غير أن الوجه الآخر لهذه المعادلة، أي كيفية توجيه مفاهيم المواطنة والانتماء والقيم الاقتصادية وفقًا للحقائق المعيشة لمن تفضّلهم الدولة، هو ما أولته المقاربات الكويرية في السياسة اهتمامًا خاصًا. وقد أسهم بروز الدراسات اللاجنسية بوصفها حقلًا فرعيًا ضمن الدراسات الكويرية في منتصف العقد الثاني من الألفية في توسيع الأفق التفكيكي للنظرية الكويرية تجاه سياسات الدولة. واستُخدمت مقولة الهوية الكويرية اللاجنسية لتقويض مركزية الجنس في المجتمع، وكذلك في الخيالات السياسية النسوية والكويرية (Przybylo and Cooper 2014).
يشير منظّرو اللاجنسية، مثل جوبتا (Gupta 2015)، إلى انشغالٍ ثقافي مفرط بالجنسنة، أي ما يصفه بنظام من الجنسانية القسرية، مستندًا إلى مفهوم أدريان ريتش عن المغايرة الجنسية القسرية (1980). يضفي هذا النظام قيمة معيارية على الجنسانية، بينما يدفع اللاجنسية إلى الهامش بوصفها أداة من أدوات التنظيم الاجتماعي. وكما تصوغ برتسيبيلو، فإن إطار الجنسانية القسرية "يُعبّر عن الكيفية التي يُفترَض فيها أن الجنسانية أمر طبيعي وبديهي، وذلك على حساب أشكال أخرى من الحياة والعلاقات والهويات اللاجنسية وغير الجنسانية" (Przybylo 2019:1). وتوسّع إليزابيث بريك هذا المنطق من خلال مفهوم المعيارية العاطفية الرومانسية (amatonormativity)، التي تعرّفها بأنها "الافتراض القائل إن العلاقة العاطفية الحصرية والمركزية هي أمر طبيعي للبشر، بمعنى أنها هدف عالمي مشترك، وأن مثل هذه العلاقة معيارية، أي ينبغي السعي إليها على حساب سائر أشكال العلاقات الأخرى" (Brake 2012:89). وقد أسهم ترسيخ هذا الافتراض اجتماعيًا، مقرونًا بدعم الدولة له، في إنتاج واقع تُعامَل فيه الممارسات العاطفية المعيارية كحقائق طبيعية غير قابلة للمساءلة. انطلاقًا من ذلك، تنحاز هذه المقالة إلى اقتراح جوبتا (2015) القائل بضرورة مواجهة الجنسانية القسرية لا عبر نزع الجنسانية، بل من خلال تفكيك الامتيازات غير المستحقة التي تتراكم للأشخاص الجنسيين والعلاقات الجنسانية، والعمل على إنهاء التمييز البنيوي ضد الأشخاص غير الجنسيين والعلاقات غير الجنسانية. ومع ذلك، لا أرى أن إصلاح مؤسسة الزواج يشكّل حلًا كافيًا أو ملائمًا للاعتراف القانوني بالعلاقات الحميمة غير الجنسانية. أولًا، لأن الشمول ذاته يعمل كأداة تنظيمية. تاريخيًا، كان توسيع دائرة الاعتراف يتم دائمًا على حساب فئات مهمَّشة أخرى، وهو ما يتجلّى في انتقادات عابرين جنسيًا والكوير الملوَّنين لمشاريع زواج المثليين. فضلًا عن ذلك، فإن إدماج الفئات الأقرب إلى المعيار داخل نسيج الدولة يؤدي إلى تثبيت هوياتها وتحويلها إلى نموذج معياري لـ"المواطن الجيد والمنتج"، بينما يُدفع الآخرون إلى ما تصفه بيرلانت بـ"الموت البطيء" عند عجزهم عن الامتثال (Berlant 2007). ثانيًا، لأن تحويل العلاقات الحميمة غير الجنسانية إلى موضوع اعتراف قانوني يُفرغ الإمكانية السياسية للا-جنسية ــ تتبادر إلى الذهن مفاهيم الكويرية كممارسة للحياة (Bryson and de Castell 1993) ــ ويغفل اعتماد الدولة البنيوي على آليات التفريد والشمول كشرط لمنح الحقوق.
في هذا السياق، أستعيد مفهوم اللاجنسية السياسية كما قدّمته إيلا برزيبيلو (Ella Przybylo) في كتابها "الإيروتيكا اللاجنسية" (Asexual Erotics)، حيث تكتب:
إذا كان الإقصاء المتكرّر للّاجنسية بوصفها هوية جنسية مشروعة نابعًا من الاعتقاد بأن الجنس والرغبة الجنسية يشكّلان قوى تنظيمية مركزية لكلّ الذوات الحديثة، فإن التغييب لما يُسمّى بالعزوف النسوي السياسي أو اللاجنسية السياسية، وتصويره كتهديد للنسوية المعاصرة المؤيدة للجنس، ينبع من قناعة نسوية مفادها أن الجنس والرغبة الجنسية عنصران مركزيان لجميع الذوات النسوية. (2019:38)
قوبلت المقارنة التي طرحتها برزيبيلو بين مفهوم العزوبية واللاجنسية بالكثير من الرفض في أوساط الناشطين اللاجنسيين، الذين شبّهوا هذا الطرح بالبنية المفاهيمية لما عُرف بـ"السحاقية السياسية"، وما ترتّب عليها من أذى. وتمثّلت حجّة الفئات المعارضة في أنّ التلميح إلى أنّ الأفراد يختارون اللاجنسية بوصفها شكلًا من أشكال مناهضة الثقافة المهيمنة لبُنى الغيرية الجنسية من شأنه الإجهاز على سنواتٍ من النضال الهادف إلى تثبيت الميل اللاجنسي، أو انعدام الميل الجنسي، بوصفه واقعًا جنسانيًا معترفًا به اجتماعيًا. فالجنسانية ليست أمرًا اختياريًا، على خلاف العزوبية التي تقوم على فعل امتناعٍ مُختار.
وبعيدًا عن التنديدات المتمحورة حول مفهوم برزيبيلو لـ"اللاجنسية السياسية"، فإن ما أودّ القيام به هو استعارة هذا الابتداع المفاهيمي بوصفه اصطلاحًا جديدًا ينطوي على مكامن ثورية، حين يُوظَّف كمقاربةٍ أو إطارٍ نظري لإجراء تحليل نقدي ودراسة العلاقات الجنسية والزوجية والرومانسية، وإبراز مكانتها المميَّزة في كنف السوق النيوليبرالية والدولة القومية. أنطلق من الإقرار بأن النزعة الجنسانية القسرية في مجتمعاتنا تهدّد مفهوم برزيبيلو (2019) للتناسلية اللاجنسية، وأقترح تباعًا موضعة العلاقات اللاجنسية بوصفها عمادًا لصيغتي الخاصة لمفهوم اللاجنسية السياسية. وعليه، فإن استخدامي للفظة "اللاجنسية" في الصيغتين المفاهيميتين اللتين أطرحهما – "العلاقات اللاجنسية" و"السياسة اللاجنسية" – لا يدلّ على ميل جنساني أو تصنيف جندري. فاللاجنسية، في طرحي، هي لفظة أستعملها للدلالة على كل ما يقع خارج محددات العلاقات الحميمية النمطية، سواء أكانت ذات طابع جنسي أم لا، كالمعاشات طويلة الأمد غير الرومانسية/الأفلاطونية، والأسر غير التقليدية. وبعبارة أخرى، لا يحتل البعد الجنسي المباشر أهمية جوهرية في هذا الطرح. إن هاجسي يتمثّل في الإفصاح عن أبعاد الإهمال التي تتعرّض لها هذه العلاقات، وتلك المجتمعات التي لا تنظر إليها الدولة الرأسمالية في راهنيتها النيوليبرالية بعين الاعتراف، ولا ترى في مثل هذه الوحدات الاجتماعية قيمةً تستحق الرعاية. وعليه، فإن صيغتي لمفهوم "اللاجنسية" لا تشكّل ترحالاً لمعانيه الشائعة في أدبياته، بل محاولة للولوج إلى مدرسة "الكويرية الطوباوية لبناء العوالم"، بما يتطلّبه ذلك من النظر إلى "اللاجنسية" بوصفها دالّة لغوية ذات شمول كويري، تعمل ضمن شبكة من الدلالات المتعدّدة والمتباينة.
يتفتّح فضاء الإمكان الثوري لمفهوم اللاجنسية السياسية في اللحظة التي يُوظَّف فيها المفهوم بوصفه عدسة للتأمّل في بنية الامتيازات الممنوحة لأشكال معيّنة من العلاقات. فالإشارة إلى طبائع التهميش ليست قضيتنا الوحيدة هنا؛ بل إن المسعى يتمثّل في بناء مخيالٍ قادر على تصوّر عالم لا تُحدَّد فيه الشرعية والرعاية والقيمة وفق الجنس أو الحميميات الرومانسية تحت نير الدول والأسواق.
تدعونا اللاجنسية السياسية، إذن، إلى سبر أغوار الفضاءات التي عملت العوالم النمطية على محوها: التعايش طويل الأمد بين الأصدقاء، وشبكات الرعاية غير المرئية التي تتحدّى مفهوم الأسرة التقليدية، وممارسات الدعم الصغيرة التي تعمل خارج نطاق القانون. فكّر في الجيران الذين ينسّقون رعاية الأطفال بشكل تعاوني، وفي العائلات المختارة التي تدعم المثليين، أو ذوي الإعاقة، أو كبار السن حين تفشل المؤسسات، وفي الشبكات غير الرسمية التي تتبادل الموارد بين الأسر. فالحياة، واستمراريتها، وفعل الانتماء المجتمعي تنبع من هذه التركيبات، ومع ذلك لا تجد لها مكانًا في السياسات أو القانون أو التخطيط الاقتصادي. ليست هذه التركيبات والشبكات الاجتماعية "حالات شاذة" أو "إجراءات تعويضية" إذا ما نظرنا إليها من منظور اللاجنسية السياسية. إنها منطقٌ مجتمعيّ مغاير يقاوم الجنسانية القسرية والمخيال الزوجيّ النمطي، الذي يفترض استحالة اكتمال الحياة خارج إطار العلاقات الزوجية السائدة. تكمن القضية هنا في فعل الرفض: رفض اختزال الاختلاف ضمن القوالب النمطية الحاكمة، ورفض اختزال قيمة الإنسان في مدى قربه من المُثُل الجنسية الرومانسية. ففي هذا الرفض، تتبدّى إمكانات للرعاية والانتماء والتضامن، إمكانات متمرّدة على قواعد القيمة التي يفرضها منطق الدولة وأسواقها التقليدية.
سياسات الحياة والموت واللاجنسية
يتمحور الامتياز الممنوح للعلاقات الرومانسية والجنسية الثنائية الأحادية على حساب مجتمعات وشبكات الرعاية غير المعيارية – مثل الأُسر غير الرومانسية، والعلاقات غير الأحادية، وأشكال أخرى من الحميمية الرومانسية/غير الجنسية – في قلب التنظيم الاجتماعي والسياسي للدول الليبرالية الجديدة (Shearer 2010; Chavez et al. 2015). ففي الواقع، لا يتمتّع أفراد الأسر ذوو الصلة البيولوجية البعيدة، أو الشركاء في العلاقات المتعددة، أو الأصدقاء المتساكنون لفترات طويلة، وغيرهم من "الأسر المختارة" (Weston 1991)، بالمزايا القانونية والاجتماعية ذاتها التي يوفرها قانون الزواج أو الشراكات المدنية للزوجين، في مجالات محورية مثل الضرائب، والإرث، والهجرة، والرعاية الصحية. ومن خلال قصر الامتيازات والحمايات القانونية والاجتماعية على المرتبطين رومانسيًا، تعيد المجتمعات النيوليبرالية إنتاج برمجة اجتماعية تجعل من الرومانسية شعورًا يستحق رعاية مُعَلّاة وحماية استثنائية، حتى وإن كانت الصداقة، وأشكال الرعاية الأخرى، تتضمن في كثير من الحالات قدرًا أكبر من الالتزام، والاستمرارية، والحب غير المشروط. وفي هذا السياق، تكتب أنجيلا تشين في كتابها Ace (2020) عن الصعوبات القانونية والمعيشية التي تواجهها شراكات الرعاية طويلة الأمد غير الجنسية، حيث تُربط حقوق أساسية – مثل الإقامة، واتخاذ القرار الطبي، أو الحماية من الترحيل – ربطًا شبه حصري بمجال العلاقة الرومانسية المعترف بها قانونيًا. ومن الأمثلة الصارخة على العنف البنيوي الذي ينتج عن اشتراط الرومانسية للحصول على الحقوق، ما وقع في عام 2012 حين قامت الحكومة الكندية بترحيل نانسي إنفيريرا، وهي مواطنة أميركية تبلغ من العمر ثلاثة وسبعين عامًا، كانت تعيش مع صديقتها ميلدريد سانفورد، البالغة من العمر ثلاثة وثمانين عامًا. فقد انتقلت المرأتان إلى نوفا سكوشا قبل عدة سنوات، وجمعتا مدخراتهما لشراء منزل متنقّل بقيمة أربعة عشر ألف دولار، بهدف رعاية إحداهما الأخرى. وكانت نانسي، على وجه الخصوص، قد كرّست وقتها وجهدها لرعاية ميلدريد خلال إصابتها بالخرف. وقد أدّت علاقتهما وظائف الزواج الأساسية: الرعاية المتبادلة طويلة الأمد، والرفقة، والاعتماد المتبادل (Brake 2015). ومع ذلك، كان زوجان في علاقة زواج عنيفة سيحظيان بحماية قانونية من الترحيل تفوق ما حظيت به نانسي وميلدريد، رغم أن نانسي حصلت في نهاية المطاف على الإقامة الدائمة الكندية بعد سبع سنوات من النضال القانوني.
يحاجج باحثون مثل باجيني (Baggini 2018) بضرورة توسيع نطاق حقوق الشراكة المدنية لتشمل الأصدقاء المقرّبين أو الأشقّاء، بينما يدعو منظّرون سياسيون مثل ميتس (Metz 2010) إلى الاعتراف بما يسمّيه "اتحادات الرعاية الحميمة" بغضّ النظر عن الوضع الجنسي أو الرومانسي. وعلى الرغم من أن هذه المقترحات تسعى إلى إضفاء الشرعية الاجتماعية والقانونية على علاقات الرعاية غير المعيارية، فإن التوثيق القانوني في حدّ ذاته قد لا يكون كافيًا لتفكيك البنى الاجتماعية-السياسية الأوسع التي تنتقص من قيمة العلاقات غير الرومانسية، أو التي تُبقيها ضمن أطر تنظيمية تابعة للمنطق المعياري نفسه.
في المجال الثقافي الأوسع، نجحت الليبرالية الجديدة في ترسيخ فلسفاتها ومعايير السوق الرأسمالية داخل ذوات تُنظِّم نفسها بنفسها وتخضع في الوقت ذاته لمنطق النظام. ويُفهم مفهوم "فن الحكم" (governmentality) بوصفه إطارًا يفسّر كيف تدير الدول السكان لا فقط عبر القوانين المباشرة، بل من خلال إنتاج أنماط تفكير ومنطق وتقنيات ضبط ذاتي. ووفقًا لهذا المنظور، لا تتمركز السلطة في الإكراه الخارجي وحده، بل تتجلى أيضًا في السيطرة الاجتماعية التي تُدار عبر المؤسسات الانضباطية – كالمدارس، والجامعات، والدولة – وتُستبطن من خلال المعرفة والخطاب اللذين ينتجهما الأفراد وهم ينظّمون ويصحّحون ذواتهم بأنفسهم. تتمفصل هذه الأجهزة المهيمنة في "الخطابات والمؤسسات والأشكال المكانية والأطر التنظيمية والممارسات القانونية والإدارية، فضلًا عن أنماط السلوك والعاطفة والرغبة" (Buzogány 2014:73). وتُدمج السيطرة الاجتماعية في الذات إلى حدٍّ تصبح فيه غير مرئية، حيث تجبر تقنيات التنظيم الذاتي الأفراد على "تجديد ذواتهم وأجسادهم وعقولهم وأنماط حياتهم، لتحقيق نسخة معتمدة من الدولة للسعادة، عبر عمليات تحميل المسؤولية والتطبيع" (Long 2018:79). وبهذه الطريقة، تتحوّل الأجساد إلى مواقع للتصحيح الذاتي المستمر – وهو شكل من أشكال السلطة الحيوية (biopower) التي تفرض المُثل المعيارية وتجعل الذات "خاضعة" (Foucault 1980).
غير أن فهم هذا العنف البطيء الذي تمارسه الدولة على الفئات المهمّشة لا يكتمل من خلال عدسة السياسة الحيوية وحدها. فهنا تتوسع سياسات الموت (necropolitics) كما صاغها مبيمبي (Mbembe 2003)، لتفحص كيف تدير الدول الموت والقابلية للتخلص الاجتماعي. فالمجتمعات التي تُحرم من السيادة على أجسادها – سواء عبر الإهمال، أو الهشاشة الاقتصادية، أو المحو الرمزي – تُدفع إلى ما يسميه مبيمبي "عوالم الموت"، حيث يُسمح بالحياة فقط ضمن شروطٍ معيارية صارمة. في اقتصادياتنا السياسية ذات الأطر المعرفية والأبوية المغايرة جنسيًا، يصبح الكويريون الذين يعانون من تقاطعات متعددة من التهميش، ذواتاً خاضعة لسياسات المحو (necropolitics)، أو ما يمكن وصفه بـ"الأحياء-الأموات". وتبيّن نظرية قومية الثرى (necronationalism) كيف أن محو أجساد المواطنين-العمّال الكويريين "غير الصالحين" يخلق مساحةً أيديولوجية ومادية لازدهار المواطنين "الصالحين". ويعيش السكان الكويريون المشرّدون – الذين يتعرّضون بنسب غير متناسبة للإساءة والإهمال المنهجي – في قلب هذا التقاطع، حيث يُنظر إليهم بوصفهم قابلين للتخلّص الاجتماعي والسياسي.
ومع ذلك، فإن إهمال الدولة للفئات المهمّشة وغير المعيارية لا يمكن اختزاله في منطق التقشّف أو ندرة الموارد. ففي كثيرٍ من الأحيان، تخصّص الدول ميزانيات ضخمة للتوسع العسكري، وأجهزة الشرطة، وهياكل المراقبة، بينما توفّر تمويلًا ضئيلًا لأنظمة الدعم الاجتماعي القادرة على دعم الفئات التي تُصنّف بوصفها "غير منتجة" أو "غير شرعية". ومن هذا المنظور، لا تُعد سياسات الموت مجرد نتيجة جانبية للقيود الاقتصادية، بل توزيعًا أيديولوجيًا لأحقّية الحياة والموت: إذ تُوجَّه الموارد نحو إعادة إنتاج التسلسلات الاجتماعية المعيارية، وتُحجب عمّن تتحدّى وجودُهم تصوّرات الدولة حول الإنتاجية، والعلاقات، والرعاية. ويكشف الخاضعون للّاجنسية السياسية – الذين تقع شبكاتهم الحميمة وهياكل رعايتهم غير الرومانسية خارج هذه الأطر المقرّرة – هذا المنطق بوضوحٍ حادّ. فهشاشتهم ليست حتمية، بل مُختارة سياسيًا. ولا تُنفَّذ التغييرات السياسية الممكنة، لأن تشويه وإهمال هؤلاء الكويريين "غير المنتجين" يخدم في نهاية المطاف المؤسسات المهيمنة التي تستمدّ منها الدولة شرعيتها وقيمتها. ويمكن قراءة لا مبالاة حركة المثليين السائدة إزاء هذا النوع من المعاناة الكويرية – أي الظروف المعيشية المُنهِكة للكويريين "غير المنتجين اقتصاديًا" – بوصفها مثالًا على القومية الموتية، حيث ينعكس غياب الفعل في معالجة قضايا مثل الهشاشة الاقتصادية، والتشرّد، وإتاحة الرعاية الصحية، انعكاسًا مباشرًا لسياسات الدولة المتعلقة بقابلية العيش والقتل لدى سكانها المهمّشين.
تقدّم اللاجنسية السياسية، في هذا السياق، عدسة تحليلية لفهم كيفية عمل المنطق النيكروسياسي خارج المجال الجنسي أو الرومانسي الصريح. فكما توزع الدولة الحياة والموت وفق خطوط الإنتاجية، والجاذبية، والامتثال، فإنها تمحو وتهمش الأشكال الارتباطية التي لا تندرج ضمن المخططات الجنسية أو الرومانسية المعيارية. وغالبًا ما تقع المساكنات غير الرومانسية، وشبكات الرعاية بين الأصدقاء، والعائلات المختارة، وغيرها من المجتمعات الحميمة اللاجنسية أو غير المعيارية، خارج نطاق الاعتراف القانوني، والدعم الاجتماعي، والحماية الاقتصادية، مما يجعلها هشّة سياسيًا وغير مرئية اجتماعيًا. وبهذا المعنى، فإن اللاجنسي السياسي هو أيضًا ذات نيكروسياسية: إذ تُعتبر حياتهم العلائقية أقلّ "شرعية"، وأقلّ قيمة، وبالتالي أكثر عرضة للعنف البطيء المتمثّل في الإهمال، والفقر، وانعدام الرؤية الاجتماعية.
ومن خلال إعادة توجيه الانتباه نحو هذه الشبكات اللاجنسية وغير المعيارية، يصبح ممكنًا تتبع كيف تتكشّف ممارسات البقاء، والرعاية، والانتماء، بمعزل عن الأطر التي تحدّد ما يُعدّ حياة "منتجة" أو "جديرة" في الدول الليبرالية الجديدة. ففي حين تتعقّب القومية الموتية من يُسمَح له بالعيش والازدهار أو أن يُعترَف به، تتتبع اللاجنسية السياسية العوالم الارتباطية التي تستمر في الوجود رغم محو الدولة لها: الهياكل الهادئة للدعم، والمعونة المتبادلة، والحميمية غير الرومانسية التي تقاوم البرمجة والتقييم المعياري. وفي هذا التقاطع، يمكن قراءة اللاجنسية السياسية بوصفها ممارسة لصنع الحياة داخل شقوق الأنظمة النيكروسياسية: فهي تُسمّي وتحمي أشكالًا من العلائقية تسعى الدولة إلى جعلها غير مرئية، وفي الوقت ذاته تتخيل إمكانات للرعاية، والتضامن، والازدهار، منفصلة عن قيود الجنسانية، والرومانسية، والشرعية المؤسسية.
الإرث اللاجنسي
تتضح ضرورة النظرية السياسية اللاجنسية في السياقات المستكشفة هنا: بينما يسلّط منظور السياسة الجنسية الضوء على كيفية تأديب وتنظيم الدول النيوليبرالية والرأسمالية للعلاقات وفق معايير المعيارية المغايرة ونموذج الأسرة النواتية، ينقل الإطار السياسي اللاجنساني التركيز إلى أولئك الذين تهمّشهم الدولة أو تُمحى هويتهم. من خلال كشف الدور المركزي للجنس في تكوينات العلاقات المعترف بها رسميًا، يفضح هذا الإطار حرمان الأجسام غير المعيارية من شروط وجودٍ أساسية غالبًا ما تُصوَّر على أنها "حقوق إنسانية أساسية". ويحدث هذا الحرمان أحيانًا حتى على حساب مصالح الدولة نفسها، مما يبرز هشاشة وعشوائية الواقع الاجتماعي المبني، الذي يظل جزئيًا واستبعاديًا وغير قادر على التنمية الشاملة والشاملة.
حين تركّز السياسة الكويرية الشاملة على الرؤية وخلق المساحات دون تفكيك التسلسلات الهرمية المتجذّرة للجندر، والطبقة أو الموقع، والامتياز العرقي، فإنها تخاطر بتحويل النشاط الكويري إلى مسألة تمثيلية أو نخبوية، متجاهلة الوصول إلى الخدمات والبنى التحتية الأساسية التي تشكّل حياة الأفراد، لا سيما للفئات الكويرية الهشة نتيجة التداخلات بين أشكال القمع النظامية. على العكس، تطالب السياسة اللاجنسية بممارسةٍ أكثر راديكالية، تستلزم الانخراط النقدي مع المؤسسات والمعايير والسياسات التي تتظاهر بالشمولية بينما تبقى متواطئة مع هياكل السلطة. ومن ثم، فإن فعل الـqueering ينبغي أن يكون لاجنسانيًا كويريًا: تحدّي أولوية الجنس، والحميمية الرومانسية، والتسلسلات العلائقية المعترف بها رسميًا، مع تأكيد الحياة، والرعاية، والوفرة العلاقية بما يتجاوز منطق الاعتراف المعياري.
Alexander, M. J. (1994) “Not Just (Any) Body Can Be A Citizen: The Politics of Law, Sexuality and Postcoloniality in Trinidad and Tobago and the Bahamas.” Feminist Review, 48, 5-23.
Baggini, J. (2018) “Why You Should Be Allowed to ‘Marry’ Your Sister.” Prospect Magazine, 2 July. https://www.prospectmagazine.co.uk/philosophy/why-you-should-be-allowed-to-marry-your-sister
Berlant, L. (2007) “Slow Death (Sovereignty, Obesity, Lateral Agency).” Critical Inquiry, 33(4), 754–780.
Berlant, L., and Warner, M. (1995) “What Does Queer Theory Teach Us About X?” PMLA, 110(3), 343–349.
Brake, E. (2012) Minimizing Marriage: Marriage, Morality and the Law. Oxford: Oxford University Press.
Brake, E. (2015) “Why Can’t We Be (Legally-Recognized) Friends?” Forum for Philosophy, 14 September. https://blogs.lse.ac.uk/theforum/why-cant-we-be-legally-recognized-friends
Bryson, M. and de Castell, S. (1993) “Queer Pedagogy: Praxis Makes Im/Perfect.” Canadian Journal of Education, 18(3), 285–305.
Butler, J. (1999) Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge.
Butler, J. (2004) Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence. London: Verso.
Casey, L. S. et al. (2019). “Discrimination in the United States: Experiences of lesbian, gay, bisexual, transgender, and queer Americans.” Health Serv Res., 54, 1454–1466.
Chavez, K., Nair, Y., and Conrad, R. (2015) “Equality, Sameness, Difference: Revisiting the Equal Rights Amendments.” WSQ: Women’s Studies Quarterly, 43(3), 272–275.
Chen, A. (2020) Ace: What Asexuality Reveals About Desire, Society, and the Meaning of Sex. Boston: Beacon Press.
Chomsky, N. (2011) Human Nature: Justice Versus Power: The Chomsky-Foucault Debate. London: Souvenir Press.
Connell, R. W. (1990) “The State, Gender, and Sexual Politics: Theory and Appraisal.” Theory and Society, 19(5), 507–544.
Conrad, R. (eds.) (2014). Against Equality: Queer Revolution, Not Mere Inclusion. Chico: AK Press.
Enloe, C. (2014) Bananas, Beaches and Bases: Making Feminist Sense of International Politics. 2nd ed. Berkeley: University of California Press.
Foucault M. (1978) The History of Sexuality: An Introduction, Volume 1. New York: Vintage Books (Random House).
Foucault, M. (1980) Discipline & Punish: The Birth of the Prison. New York: Vintage Books.
Gupta, K. (2015) “Compulsory Sexuality: Evaluating an Emerging Concept.” Signs: Journal of Women in Culture and Society, 41(1), 131–154.
hooks, b. (1994) Teaching to Transgress: Education as the practice of freedom. New York: Routledge.
Huneke, S. C. (2022) “Toward a Queer Theory of the State.” The Point Magazine, 26 July. https://thepointmag.com/politics/toward-a-queer-theory-of-the-state/
Matthews, P., Poyner, C., and Kjellgren, R. (2018) “Lesbian, gay, bisexual, transgender and queer experiences of homelessness and identity: insecurity and home(o)normativity.” International Journal of Housing Policy, 19(2), 232–253.
Mbembe, A. (2003) “Necropolitics.” Public Culture, 15(1), 11–40.
Metz, T. (2010) Untying the Knot: Marriage, the State, and the Case for Their Divorce. New Jersey: Princeton University Press.
Long, R. (2018) “Sexual Subjectivities within Neoliberalism: Can Queer and Crip Engagements Offer an Alternative Praxis?” Journal of International Women’s Studies, 19(1), 1–17.
Posocco, S. (2014) “On the queer necropolitics of transnational adoption in Guatemala.” In J. Haritaworn, A. Kuntsman, and S. Posocco (eds.) Queer necropolitics. London: Routledge, 72–89.
Przybylo, E. and Cooper, D. (2014) “Asexual Resonances: Tracing a Queerly Asexual Archive.” GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies, 20(3), 297–318.
Przybylo, E. (2019) Asexual Erotics: Intimate Readings of Compulsory Sexuality. Columbus: The Ohio State University Press.
Puar, J. (2007) Terrorist Assemblages: Homonationalism in Queer Times. Durham: Duke University Press.
Rao, R. (2020) Out of Time: The Queer Politics of Postcoloniality. Oxford: Oxford University Press.
Rasmussen, T. (2021) First Comes Love: On Marriage and Other Ways of Being Together. London: Bloomsbury Publishing.
Rich, A. (1980). “Compulsory Heterosexuality and Lesbian Existence.” Signs: Journal of Women in Culture and Society, 5(4), 631–660.
Scherrer, K. S. (2010) “What Asexuality Contributes to the Same-Sex Marriage Discussion.” Journal of Gay & Lesbian Social Services, 22(12), 56–73.
Small, Z. (2018) “This Art Exhibition Proves That Queer Visibility Alone Won’t Save Queer Lives.” them, 24 April. https://www.them.us/story/queer-art-and-visibility
Spade, D. (2013) “Under the Cover of Gay Rights.” New York University Review of Law & Social Change, 37(1), 79–100.
Waites, M. (2007) “Sexual Politics.” In George Ritzer (ed.) The Blackwell Encyclopedia of Sociology. Oxford: Blackwell Publishing, 4252–4255.
Weber, C. (2016) Queer International Relations: Sovereignty, Sexuality and the Will to Knowledge. Oxford: Oxford University Press.
Weston, K. (1991). Families We Choose: Lesbians, Gays, Kinship. New York: Columbia University Press.
Young, T. N. (2012) “Queering ‘The Human Situation’.” Journal of Feminist Studies in Religion, 28(1), 126–131.
