النبوءة كسياسة: مَن يحقّ له أن يكون متطرّفاً؟

السيرة: 

نادين ن. صايغ كاتبة وباحثة فلسطينية متعدّدة التخصّصات، تركّز في أعمالها على الفضاء الناطق بالعربية. تتوزّع اهتماماتها بين قضايا الجندر والجيوسياسة والأمن الإنساني وفلسطين المحتلّة. حاصلة على ماجستير في الإعلام والشرق الأوسط من جامعة لندن ـ كلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS، وعلى دكتوراه في الفلسفة من جامعة تولوز (جان جوريس)، حيث تناولت أطروحتها أنماط القمع الجندري المتعدّد المستويات في فلسطين والأردن. ظهرت أبحاثها ومقالاتها في منشورات محلية ودولية، منها: "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، صحيفة "العربي الجديد"، شبكة "تي آر تي وورلد"، "ميدل إيست آي"، و"معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا"، كما تُرجمت أعمالها إلى عدّة لغات. تجمع نادين في كتاباتها بين الأطر النظرية والتحليل الميداني لدراسة العنف البنيوي وأشكال المقاومة ومفهوم الضحية، مسلّطة الضوء على الإرادة السياسية الفلسطينية والنقد النسوي ضمن إطار المعرفة ما بعد الاستعمارية.

اقتباس: 
نادين ن. صايغ. "النبوءة كسياسة: مَن يحقّ له أن يكون متطرّفاً؟". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 12 عدد 1 (28 نيسان/أبريل 2026): ص. 2-2. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 28 نيسان/أبريل 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/prophecy-policy.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

تقوم إمبراطوريات الشمال بحرق الأرض في جميع أنحاء منطقتنا – غزة مُدمّرة، ولبنان تحت القصف، وإيران تشكّل التهديد الأكبر للإمبراطورية، والشعوب في الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي هي أضرار جانبية للتعاون. وهم يفعلون ذلك بغطاءٍ ديني ونبوئي صريح. هذه هي السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، مدفوعة بواقعيّين ساخرين يصادف أنهم يتودّدون للصوت الإنجيلي. إنّ الأيديولوجية التي تدفع التسليح غير المشروط لـ"إسرائيل" هي، في أعلى مستوياتها، طائفة موت ألفية تتستّر بقوّة الدولة. أعضاء مجلس الوزراء الأميركي هم مؤمنون حقيقيون بنبوءة "نهاية الزمان"، ويصنعون سياسة حقيقية من هذا المنظور بقنابل حقيقية.

طائرات يوم القيامة تحلّق في الجوّ. وتفيد التقارير بأن طائرة "إي-6 بي ميركوري" (E6-B Mercury)، وهي مركز العمليات الوطني المحمول جوّاً والمصمّمة للنجاة من نهاية العالم والسيطرة على الغواصات الحاملة للأسلحة النووية، تتحرك نحو المنطقة. بعد قتل الملايين من شعوب الجنوب العالمي في العقدين الماضيين، فإن هؤلاء، "الآخر" الحقيقي الذي يمتلك الوقاحة لاتهام الآخرين بالتطرّف الديني، يجب ألا يُوثَق بهم بعد الآن بأي شكل من الأشكال.

هؤلاء ليسوا شخصياتٍ ثانوية أو أصواتاً هامشية في النظام الأميركي. صرّح مايك جونسون، رئيس مجلس النواب، علناً أن الكتاب المقدس هو دليله السياسي، حرفياً، كوثيقة حكم. واستند مايك بومبيو، وزير الخارجية الأسبق، إلى سِفر أستير لتصوير رئاسة دونالد ترامب على أنها تدخّل إلهيّ، متحدّثاً عنها بلغة النبوءة المتحقّقة. تحمل كاثوليكية جي دي فانس نفس المنطق الحضاري بطريقة معدّلة: الفكرة القائلة بأن الغرب هو مشروع مسيحي تحت حصار وجودي، وأن حروبه بالتالي هي حروب مقدّسة. هؤلاء الرجال ليسوا متلاعبين يستغلّون الدين للحصول على الأصوات، بل هم مؤمنون. وهم يتّخذون قرارات بشأن منطقتنا من منطلق هذا الإيمان، وبدعمٍ كاملٍ من ثقل الجيش الأميركي.

يدخل وزير الحرب الأميركي، بيتر هيغسيث، إلى البنتاغون ووشم "كافر" على ذراعه الأيمن وصليب القدس موشوم على صدره – وهو شعار المملكة الصليبية وشارة الجيوش المسيحية التي جاءت "لاستعادة" هذه الأرض قبل تسعة قرون – ويتحدّث من على المنصّة. يتحدث على المنصّة عن "الأوهام الإسلامية النبوئية" لإيران. وفي غضون ذلك، وعبر عشرات المنشآت العسكرية الأميركية، يخبر القادة عناصر قوّاتهم إن هذه الحرب هي "خطّة إلهية"، وأن ترامب "قد اختير من الله" لإشعال إشارة معركة هرمجدون. وتوثّق الشكاوى المقدَّمة من قبل أفراد الخدمة العسكرية عبر فروع وقواعد متعددة، أن هذا هو الجو السائد. هذه هي الثقافة العسكرية التي يتمّ نشرها فوق سمائنا، وهم يصفوننا بالمتطرّفين الدينيين.

في عام 2018، نقلت الولايات المتحدة سفارتها بشكل غير قانوني إلى القدس المحتلّة، فما هو الأساس المنطقي الجادّ للسياسة الخارجية الذي تمّ تقديمه على الإطلاق؟ تقرأ القاعدة الإنجيلية "عودة القدس كشرطٍ مسبق للمجيء الثاني". وقد حظي حفل افتتاح السفارة بمباركة قساوسة وصفوا الإسلام بأنه دين شرير وشيطاني. لكن التناقض هو أن الصهيونية الإنجيلية ليست مؤيدة لليهود. إنها لاهوت يُعتبر فيه الشعب اليهودي مجرد أدوات "للمجيء الثاني"، وبعد ذلك يجب عليهم أن يتحوّلوا (عن دينهم) أو يحترقوا. لطالما عرف بنيامين نتنياهو ذلك، ولكنه يأخذ الأسلحة والأصوات على أي حال.

يعتمد التحالف على منفعةٍ مشتركة للعنف. فمن ناحية، هناك طيّار قد يكون أميركياً أو اسرائيلياً، يقود طائرة من طراز F-35، وهي منظومة أسلحة دفعت ثمنها حكومة يعتقد كبار مسؤوليها بصدق أنهم يسرّعون من الاختطاف (نهاية الزمان). ومن ناحية أخرى، يكتب الناس مقالات تحليلية حول ما إذا كان ميثاق حركة "حماس" لعام 2017 أو سجلّ إدارة "حزب الله" في لبنان يُفقد الشعبين الفلسطيني أو اللبناني الأهلية للحصول على التضامن. لا أحد يسأل طيار الـ F-35 عمّا إذا كان دينه معتدلاً. ولا أحد يطالب عضو الكونغرس الإنجيلي بإثبات أهليّته لقيادة الدولة قبل التوقيع على صفقة نقل الأسلحة التالية. لا يتمّ تطبيق التدقيق مطلقاً على القاذف؛ بل يُطبّق دائماً على مَن يتعرّض للقصف.

الخطاب الليبرالي مدمن على هذا الفخ، إذ يقولون: "يمكن لشيئَين أن يكونا صحيحَين". "أنا أدعم فلسطين ولكن ليس حماس"، و"أدعم لبنان ولكن ليس حزب الله". يُقدَّم هذا التنظير المضيّع للوقت على أنه "دقّة فكرية"، لرفض التغاضي عن العنف. ولكنه في الممارسة العملية، شكلٌ من أشكال الرقابة الذاتية المشروطة التي تطبّق التدقيق حصرياً إلى الأسفل. فهي تستجوب لاهوت المقاومة، وإدارة المحاصَرين، وتكتيكات أولئك الذين يواجهون الإبادة الجماعية. لا تنظر هذه الرقابة أبداً إلى الأعلى، ولا تطلب من الإمبراطورية أبداً تبرير وجودها العنيف في جوهره، بل تطلب فقط من المُستعمَر تبرير مقاومته، أو لعب دور الضحية المثالية.

عدم التماثل هو الحجة؛ فمَن يحقّ له أن يكون متطرّفاً دون عواقب، ومَن يجب عليه أن يكون معتدلاً ليستحقّ البقاء؟ ونحن أيضاً يحقّ لنا تقديم هذا الادّعاء، فلن نظلّ خاضعين لهذه الهيمنة. لقد انتهينا من ذلك، لأننا بالفعل في هذا المنعطف الحاسم. لقد سئمنا من مراقبة لاهوت الأشخاص الذين يموتون بدلاً منّا.

إن تجزئة نضالاتنا إلى طائفية لم تنبثق بشكل عضوي من كراهية قديمة، بل تمّ استغلالها، ثم صُنعها، وتمويلها، والحفاظ عليها. فبعد عام 2003، أدّى تدمير الدولة العراقية إلى خلق فراغ طائفي تمّ تعميقه بنشاط. منحت سياسة الاحتلال القوى الإقليمية دوراً في النظام الجديد من خلال دول الخليج التي سُمح لها وتمّ تشجيعها على تمويل طرف في صراع أهلي ضد طرف آخر في سوريا واليمن.

الانقسام السنّي/الشيعي المعاصر كسلاحٍ سياسي ليس حقيقةً ثابتة في التاريخ الإسلامي. بل هو نتاج للإدارة الإمبراطورية، وهو يسمح للإمبراطورية بقصف مجتمعٍ ما بينما تسأل جيرانه عمّا إذا كانوا يتشاركون حقاً ما يكفي من القواسم مع الأشخاص الموجودين تحت الأنقاض للحداد عليهم. الإجابة الصادقة الوحيدة على هذا السؤال هي الرفض وفكّ الارتباط. المقاومة على الأرض، سواء كانت سنّية أو شيعية أو مسيحية أو علمانية، هي الشيء الوحيد الذي يقف مادياً بين هذا المشروع الإمبراطوري والمحو التام. إن زرع الانقسام بينهم يخدم الدول الاستبدادية والكومبرادورية؛ المتعاونين مع القمع والذين تكمن مصلحتهم في تفتيتنا.

لا يمكننا أن نثق في حكوماتنا للدفاع عنا، وهذا هو الواقع السياسي الذي ننطلق منه. التضامن غير المشروط ليس سذاجة؛ بل هو الموقف المعرفي الصادق الوحيد المتاح لنا. وهذا لا يعني محو النقد أو تسطيح الاختلاف؛ بل يتعلق الأمر بعدم جعل هذا النقد شرطاً مسبقاً لمعارضة الإبادة الجماعية. لا يوجد شيء اسمه مقاومة معتمدة من الغرب، والمطالبة بها هي بحدّ ذاتها سلاح. المقاومة في غزة غيّرت العالم، وغيّرت النظام الإقليمي، تماماً كما قالت إنها ستفعل، وهذا ليس بالأمر الهيّن.

تمّت الإجابة على سؤال مَن هو المتطرّف، وقد تمّت الإجابة عليه من قبل أشباح غزة. وتُجيب عليه الحفر الموجودة في بيروت وجنوب لبنان. وتُجيب عليه الدماء في شوارع طهران. نحن نرفض مناشدة الغرب الإمبراطوري من أجل الاعتراف أو الاحتكام إلى قوانينه التي كُتبت لحماية أسلحته. المقاومة لا تحتاج إلى موافقتنا، بل تحتاج إلى رفضنا للتقسيم؛ من خلال تسمية المتطرفين، والإشارة ليس إلى المسجد، بل إلى البيت الأبيض، وإلى الكنيست، وإلى طائرة يوم القيامة التي تحلّق في السماء.

المقاومة في لبنان وفلسطين غير عادية، وإيران، بغض النظر عمّا يعتقده المرء عنها، وبغض النظر عن المشاعر المعقّدة التي تثيرها، هي القوّة الإقليمية المضادّة الوحيدة المتاحة لنا. هذا ليس تفضيلاً أيديولوجياً بل حالة واقعٍ مفروضٍ علينا. ثمن الكرامة باهظ، وهي تكلفةٌ آمل أن يكون معظمنا على استعدادٍ لدفعها، حتى يرث أطفالنا شيئاً أفضل مما سُلّم إلينا. لا يوجد بديل سوى التنظيم حول المقاومة ودعمها، دون قيد أو شرط، حتى اليوم الذي لا يعود فيه هذا الدعم ضرورياً. وعندما يأتي ذلك اليوم، يمكننا إجراء المحادثة التي نريد حقاً إجراءها: حول الحكم المبني من القاعدة إلى القمة، خارج حدود "سايكس بيكو" التي قُررت لنا، ضد إرادتنا وبدون موافقتنا.

تلك المحادثة قادمة، لكنها ليست محادثة اليوم. كلّ شيء آخر، وكل عبارة "من ناحية، ومن ناحية أخرى"، وكل محاولة ليبرالية للفصل في سياسات الملعونين وبؤساء الأرض، هي إلهاء عن ظروف تشغيل المشاريع الاستعمارية.

هم يخوضون "حرباً مقدّسة"؛ ونحن نناضل من أجل التحرّر.

 

ملحوظات: