رهاب الشيعة: بين الماضي والحاضر

السيرة: 

لارا ديب أستاذة الأنثروبولوجيا ودراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في Scripps College. نشرت أربعة كتب، من بينها An Enchanted Modern: Gender and Public Piety in Shi‘i Lebanon (حداثة مسحورة: الجندر والتديّن العام في لبنان الشيعي، 2006)، وLeisurely Islam: Negotiating Geography and Morality in Shi’ite South Beirut (الإسلام الترفيهي: التفاوض على الجغرافيا والأخلاق في الضاحية الجنوبية الشيعية لبيروت، بالاشتراك مع منى حرب، 2013)، وLove Across Difference: Mixed Marriage in Lebanon (الحب عبر الاختلاف: الزواج المختلط في لبنان، 2025).

اقتباس: 
لارا ديب. "رهاب الشيعة: بين الماضي والحاضر". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 12 عدد 1 (03 نيسان/أبريل 2026): ص. 1-1. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 03 حزيران/يونيو 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/shia-phobia-past-present.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

dima_nachawi.png

We Will Rise - Dima Nachawi

في منتصف عام 2026، وفي ذروة الحرب الأميركية – الإسرائيلية ذات الطابع الإمبريالي على إيران، وبالتوازي مع العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، تصاعدت على منصة "إكس" موجة من المخاوف بشأن احتمال إعادة توطين النازحين من جنوب لبنان في منطقة الكرنتينا وسائر أنحاء بيروت. للوهلة الأولى، يمكن تفسير هذا على أنه مجرد حالة من الذعر ناتجة عن مخاوف حقيقية من أنّ نقل النازحين من الجنوب – الذين يشكّل الشيعة اللبنانيون الغالبية العظمى منهم – سيجعلهم بمثابة عامل جذبٍ للقنابل الإسرائيلية. وقد تجلّت هذه الدينامية خلال الأسابيع السابقة، حين بدأت القوات الإسرائيلية باستهداف مناطق الحازمية ودوحة عرمون وبرج حمود والباشورة، إضافة إلى خيام النازحين في رملة البيضا. وفي هذا السياق، صرّحت "إسرائيل" مرارًا بأن المدنيين اللبنانيين يُعدّون أهدافًا مشروعة ضمن عملياتها، ولا سيما في الأحياء التي تؤوي نازحين. وعلى الرغم من أن الجيش الإسرائيلي لم يصرّح صراحةً باستهداف طائفة بعينها، فإن نمط الضربات الجوية وأوامر الإخلاء تشير إلى تركّزها في قرى وبلدات ذات غالبية شيعية. في أعقاب المتابعة الحيّة، عبر البث المباشر، لسلسلةٍ متواصلة من الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال، والتي أفضت إلى الإبادة الجماعية في غزة على مدى العامين والنصف الماضيين، ثم الاطلاع على المناشير التي ألقاها الجيش فوق بيروت، والتي أوحت بإمكانية أن يمسي مصير لبنان مماثلًا لما آلت إليه غزة، يغدو من الطبيعي أن يتفاقم الشعور بالخوف والقلق في أوساط السكان. غير أنّ أنماط العنف التي أبدتها بعض الفئات في تعاملها مع النازحين، والتي تراوحت بين الامتناع عن تأجيرهم المساكن وصولًا إلى إرغامهم على المغادرة، لا يمكن تفسيرها بمعزل عن الخصوصية البنيوية للمجتمع اللبناني القائم على الانقسام الطائفي، ولا سيما في ضوء ما يمكن توصيفه بظاهرة العداء للشيعة.

لم تقتصر المنشورات المتداولة على منصة "إكس" بشأن الكرنتينا على استحضار خطر القصف الوشيك؛ بل إن بعض هذه المنشورات لم تُشر إلى هذا الهاجس أصلًا. وبدلًا من ذلك، استدعت محطات سابقة من تاريخ لبنان، حين انتقل مسلمون شيعة إلى بيروت وأضحوا جزءًا مرئيًا من نسيجها الاجتماعي. جاء في أحد هذه المنشورات: "لقد علّمتنا التجارب السابقة أن "الشيعة"، متى استقرّوا في مكان، لا يغادرونه [...] أناشد المسؤولين التحرّك فورًا للحيلولة دون قيام ضاحية 2.0".1 كما وصفت جهة تدّعي أنها مصدر إخباري تُدعى "Beirut Wire" هذه الخطة بأنها "الأوزاعي الجديد قيد التشكّل". تمثّل هذه الأمثلة بعضًا من أكثر الصيغ "تهذيبًا" في الخطاب المتداول، في حين استخدمت منشورات أخرى تعابير لا يمكن وصفها إلا بأنها متطرّفة ومجرِّدة من الإنسانية، وهي من الحدّة بحيث لا أوردها هنا. إننا إزاء تعبيرٍ مكشوفٍ عن "رهاب الشيعة"، يتجلّى في الادعاء بأن "حزب الله" هو الذي "يتسبّب" بالعدوان الإسرائيلي، ومن ثمّ تعميم المسؤولية على جميع الشيعة بوصفهم أهدافًا مشروعة للاغتيال والإقصاء من الوطن بأسره. ولا ينشأ هذا الرهاب من فراغ، بل تؤجّجه الاعتداءات الصهيونية دون أن تكون مصدره الوحيد، إذ تتشابك جذوره عبر تاريخ لبنان، متقاطعةً مع البُعدين الطبقي والديني من جهة، ومع إرث الاستعمار الاستيطاني وبُنى الهيمنة الإمبريالية من جهة أخرى.

 

بين الطبقة والدين

تعود جذور تهميش المسلمين الشيعة في لبنان إلى حقبة الانتداب. فمع رسم حدود الكيان آنذاك، لم تكن القرى الشيعية في الجنوب ذات أهمية تُذكر، إلا بقدر ما قد تُعيق مساعي السلطات الفرنسية والنخب المارونية إلى إنشاء كيان ذي غالبية مسيحية في المنطقة. أما العائلات الشيعية القليلة المنتمية إلى النخبة، فكانت في معظمها حضرية مرتبطة بالسلطات الفرنسية. وفي المقابل، شكّلت القرى المارونية الواقعة في الجنوب إشكالية لمشاريع الهندسة الاجتماعية، ما استدعى ضمّ جيرانها من القرى الشيعية ضمن هذا التصوّر. وقد عانى الشيعة من التهميش البنيوي، إذ جرى تقليل عددهم في إحصاء عام 1932، كما تمّ تمثيلهم على نحوٍ غير متكافئ في النظام السياسي الطائفي الذي أرساه الانتداب ونخبه. وبقي الشيعة، ولا سيما في الأرياف، خارج دائرة الاهتمام الرسمي، إلى أن بدأت التحوّلات في خمسينيات القرن العشرين، مع مدّ شبكات البنية التحتية التي ربطت الأطراف بالمراكز الحضرية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية للتحوّل نحو الزراعات النقدية، ما دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الهجرة نحو بيروت بحثًا عن فرص العمل. وقد استقرّ هؤلاء في محيط العاصمة، التي سُمّيت آنذاك بـ"أحزمة البؤس". وبحلول ستينيات القرن الماضي، ارتبط حضور الشيعة في المخيال الاجتماعي بالفقر والعمل في قطاعات الخدمات، حيث تداخل البُعد الطبقي مع الانتماء الطائفي، كما تداخلت النزعات الطبقية مع التحيّزات الطائفية. وخلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، أسهمت موجات النزوح السكاني، ولا سيما انتقال المسلمين الشيعة من الضواحي الشرقية، وخروج المسيحيين الموارنة من الضواحي الجنوبية، في ترسيخ الطابع الشيعي للضاحية الجنوبية لبيروت، التي باتت تُعرف لاحقًا بـ"الضاحية". وتشكل هذه الخلفية التاريخية الأساس الذي تستند إليه الخطابات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعبّر عن الخشية من أن النازحين "لن يغادروا" هذه المناطق "أبدا".

في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بدأ تحرّك اجتماعي "ذو طابع شيعي" بالمطالبة بتوسيع حقوق الطائفة ضمن النظام الطائفي في لبنان. وقد تجسّدت البدايات في إطار "حركة المحرومين"، قبل أن تتطوّر إلى حركة اجتماعية وسياسية متعدّدة الأوجه، ذات طابع متأثر بمرجعية إسلامية. وبذلك، برزت إلى العلن تلك الفئات من العمّال ومقدّمي الخدمات وهم في الأصل فقراء ريفيون تحوّلوا إلى طبقة عاملة حضرية وقد باتوا أكثر تنظيمًا، يرفعون مطالبهم ويطعنون في هرمية المكانة الطائفية التي وضعتهم في أدنى درجاتها. وقد عبّر أحدهم يومًا عن هذا التحوّل بالقول إن اهتزاز الامتيازات الراسخة قد يُشبه تلقّي ضربة قاسية في الصميم. وعليه، حين نهض "المحرومون" بوصفهم جماعة شيعية مُعلَنة تطالب بحقوقها، اتخذ ذلك التداخل بين التحيّز الطبقي والانقسام الطائفي شكلًا أكثر حدّة، تمثّل في بروز ظاهرة "رهاب الشيعة".

شهدت، منذ ذاك الحين، الأوساط الشيعية في لبنان تحسّنًا ملحوظًا في مستويات الدخل والتعليم، إلى حدٍّ يمكن معه سرد مسارها بوصفه قصة حراك طبقي جماعي صاعد. صحيح أنّ الفقر لم يُستأصل كليًا، غير أنّه لم يعد بالإمكان توصيف الشيعة بأنهم "الأفقر بين الفقراء" في لبنان. ومع ذلك، استمرّت ظاهرة رهاب الشيعة. في تسعينيات القرن الماضي، حين بدأتُ أولى أبحاثي الإثنوغرافية في الضاحية الجنوبية، كان الأصدقاء وأفراد العائلة في مناطق أخرى من المدينة يحذّرونني من الذهاب إليها، مستندين إلى صورٍ نمطية تُصوّرها على أنها "غيتو شيعي" وتربطها بالقذارة والخطر. بل إن أحد الأساتذة في "الجامعة الأميركية في بيروت" أشار عليّ بعدم الحاجة إلى الذهاب "إلى هذا الحدّ"، مقترحًا الاكتفاء بإجراء مقابلات مع عمّال النظافة في الجامعة، "لأنهم بطبيعة الحال جميعًا من الشيعة"، على حدّ تعبيره. أما المسلمون الشيعة الذين أجريت معهم مقابلات، فقد لجأوا إلى نوع من الدعابة النقدية الذاتية، كوسيلة للإشارة بوضوح إلى وعيهم بالصور النمطية التي يحملها الآخرون عنهم، كاشفين بذلك الخطابات المُجرِّدة من الإنسانية. بل إن بعضهم أعاد توظيف مصطلحات ازدرائية مثل "متوالي"،2 أو روى مواقف واجهوا فيها مَن يروّج لأفكار عبثية، كالتصوّر بأن للشيعة "ذيولًا". وبين بدايات بحثي آنذاك والوقت الراهن، سواء في سياق المقابلات البحثية أو التفاعلات اليومية مع الأهل والأصدقاء، ظلّت هذه الصور النمطية راسخة. فزواج سنّي من شيعية كان يُنظر إليه بوصفه تراجعًا في السلّم الاجتماعي، حتى وإن كانت عائلة الزوجة أكثر ثراءً. كما جرى التقليل من شأن الثروات الكبيرة المتأتية من الهجرة إلى غرب أفريقيا والتحويلات المالية في الأوساط الشيعية، حيث وُصفت منازلهم الفخمة بأنها "بشعة" أو "مشوِّهة للمنظر"، في مقابل تقبّلٍ مماثل لقصورٍ ضخمة في قرى مسيحية شُيّدت بأموال محوّلة من دول الخليج العربية ذات الغالبية السنية. كذلك، أشار شيعة حاصلون على شهادات عليا، سواء من الجامعة الأميركية في بيروت أو من جامعات أجنبية، إلى تعرّضهم لأشكالٍ من التمييز في التوظيف والترقية. أما الضاحية الجنوبية، التي تطوّرت لتصبح فضاءً متنوّعًا ومتعدّد الطبقات ضمن النسيج الاجتماعي لبيروت، فقد بقيت موضع تجنّب من قبل كثير من سكان المدينة، باستثناء التعامل معها بوصفها مكانًا للحصول على سلع بأسعار منخفضة.

هناك جانب آخر للعلاقة بين الطبقة والطائفة: التديّن. فقد كان للحركة الشيعية في السبعينيات تأثير ملموس مع انتقال مظاهر التقوى إلى المجال العام. ولنأخذ المثال الأكثر وضوحًا وتكرارًا: ففي غضون بضعة عقود، اختارت العديد من النساء الشيعيات ارتداء الحجاب. وما كان بالنسبة لهن مجرد لباس مرتبط بإيمانهن وهويتهن ولاحقًا بالأعراف المجتمعية، اعتبره بعض اللبنانيين تغلغلًا مقلقًا للإسلام في بلد يُفترض أنه علماني. وقد كان لهذا التصور أثرٌ ملموس: إذ اشتكت لي شابات شيعيات من أن لباسهن حال دون حصولهن على وظائف ذات دخل أعلى خارج الضاحية.

يمكن النظر إلى هذه الظاهرة أيضًا بوصفها شكلاً من أشكال الإسلاموفوبيا، لا مجرد رهابٍ شيعي. فقد شكّل خطاب التفوّق الحضاري للمسيحية المارونية أحد التصوّرات السائدة لدى شريحة من النخب السياسية منذ عهد الانتداب. وبالنسبة لبعض اللبنانيين، يُنظر إلى المسيحية بوصفها جسرًا نحو أوروبا و"البياض" العالمي، وهو جسر يسمح بإعادة تعريف التديّن المسيحي باعتباره متوافقًا مع العلمانية، في حين يُنظر إلى مظاهر التديّن الإسلامي العلنية مثل ارتداء الحجاب أو الامتناع عن شرب الكحول بوصفها تهديدًا لهذا التصوّر. كما يربط هذا الخطاب بين الإسلاموفوبيا في السياق اللبناني وبين أنماط أوسع من العنصرية ضد المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة. وفي أبحاثي الميدانية الأخيرة، سمعتُ عددًا كبيرًا من التعليقات ذات الطابع الإسلاموفوبي من لبنانيين مسيحيين، تربط بين المظهر وأنماط الحياة من جهة، والانتماء إلى طبقات أدنى ومكانة اجتماعية متدنية من جهة أخرى، بمعزل عن أي اعتبارات تتعلق بالثروة أو الدخل. وقد دلّلت هذه التصوّرات كلاً من المسلمين الشيعة والسنّة على حدّ سواء.

ومع ذلك، يظل هناك بُعدٌ محدّد لرهاب الشيعة يتجلّى في تقاطع التديّن مع الصور النمطية الطبقية. فمن الناحية الظاهرية، ترتدي كثير من النساء السنّيات الحجاب أيضًا، إلا أن هذا المظهر في بيروت وخاصةً في أوساط السنّة من الطبقات الوسطى والعليا كان تاريخيًا أكثر شيوعًا بين الفئات الأكبر سنًا، حيث يُنظر إليه، من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء، بوصفه علامة على التقدّم في العمر والوقار الاجتماعي. ورغم أن العقدين الأخيرين شهدا تزايدًا في إقبال شابّات سنّيات على ارتداء الحجاب ضمن موجة من التديّن السنّي المعاصر، فإن كثيرًا من سكان المدن اللبنانية ما زالوا يفترضون أن النساء الشابات المحجبات ينتمين إلى الطائفة الشيعية، أو إن كنّ سنّيات فإنهن ينحدرن من بيئات ريفية أو ذات وضع اقتصادي متدنٍ. ويرتبط هذا الافتراض ببنيةٍ هرمية طائفية طالما احتلّ فيها السنّة، كجماعة، موقعًا مهيمنًا نسبيًا، سواء في ظل الدولة العثمانية أو ضمن نخب الانتداب.أسهمت هذه المكانة الاجتماعية في حماية بعض أشكال التدين السنّي من التوصيف السلبي. إضافة إلى ذلك، فإن رهاب الشيعة لا يقتصر على المسيحيين اللبنانيين، بل هو شائع أيضًا بين فئات من السنّة. أما على مستوى أبعد من البنية الطائفية المحلية، يتصل كل هذا بسياقات إقليمية أوسع، تعاظمت خلال العقدين الأخيرين، تقوم على استقطابٍ بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات الغالبية الشيعية من جهة، والدول العربية الخليجية ذات الحكم السنّي من جهة أخرى.

إن النظر إلى ظاهرة ما أسمّيه بـ "رهاب الشيعة" من خلال تقاطعات الطبقة والانتماء الديني يتيح فهمًا أعمق للاعتراضات التي أُثيرت حول احتمال انتقال نازحين شيعة إلى منطقة الكرنتينا، بوصفه اعتراضًا يرتبط أساسًا بالتحدّي الذي يمثّله وجودهم للتطييف المكاني الذي ترسّخ في معظم مناطق لبنان منذ الحرب الأهلية. تحمل الكرنتينا دلالات تاريخية كثيفة. فاسمها يعود إلى وظيفتها في القرن التاسع عشر كمحجر صحّي، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى فضاء لجوء استقبل الأرمن الفارّين من الإبادة، واللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة، والعمال المهاجرين، ثم اللاجئين السوريين خلال الحرب. وقد واجهت هذه المجموعات، التي وجدت في الكرنتينا ملاذًا، أشكالًا متفاوتة من العداء والتمييز، وإن كانت حدّتها أقل في بعض المراحل من مظاهر العداء المعاصر الموجّه ضد الشيعة، وكذلك من موجات سابقة من العداء ضد الفلسطينيين. كما يختزن المكان تاريخًا مأساويًا، أبرزُه مجزرة عام 1976 خلال الحرب الأهلية، حين قُتل مئات اللاجئين الفلسطينيين، على يد ميليشيات مسيحية، إلى جانب ما شهدته المنطقة في العقود اللاحقة من تحوّلات قاسية. وفي الزمن الأحدث، تعرّضت الكرنتينا لدمار واسع جراء انفجار مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020، الذي خلّف آثارًا كارثية على النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة.

يُسهم هذا التاريخ أيضًا في تفسير حالة الهلع الراهنة. فالدعوات الموجّهة إلى السلطات لمنع تكرار نموذج "الضاحية 2.0"، والإشارات إلى "الأوزاعي"، تستحضر موجات الهجرة الأولى للشيعة من الأرياف إلى بيروت، ثم ترسّخ الضواحي الجنوبية بوصفها فضاءً ذا غالبية شيعية خلال الحرب الأهلية، كما تستدعي في الوقت نفسه التاريخ المتراكب للكرنتينا بوصفها مكانًا للتجاذب بين اللجوء والعنف. ويُرسّخ الخطاب المتداول في هذه المنشورات فكرة مفادها أن لكل طائفة "مجالها الطبيعي/المكاني" الذي تنتمي إليه، وأن الحدود التي نشأت نتيجة تحولات سكانية زمن الحرب، إضافة إلى ممارسات سوق العقار، تشكّل حواجز مادية أمام إمكانات الاختلاط الاجتماعي.3 كما توحي هذه الخطابات بأن الوافدين من مناطق تتعرض لأوامر إخلاء صادرة عن الجيش الإسرائيلي – بما في ذلك الجنوب والضاحية الجنوبية – سينقلون معهم أو يفرضون على محيطهم أنماطًا "شاذة" من الممارسة الاجتماعية والدينية، في تجاهلٍ لكونهم مواطنين لبنانيين يتمتعون بالانتماء نفسه إلى الدولة وبالحقوق نفسها تاريخيًا. وتعكس هذه المخاوف أيضًا إدراكًا ضمنيًا، لا يُصرّح به أصحابها عادةً، مفاده أن النزوح قد لا يكون مؤقتًا، بل مرشحًا لأن يكون دائمًا، وهذا بفعل المشروع الاستيطاني التوسعي للدولة الصهيونية.

 

الاستعمار والامبريالية / فرّق تسُد

منذ عام 1948، شهد لبنان سلسلة من الاعتداءات الاسرائيلية الهمجية. وخلال هذه الاعتداءات، ولا سيما أثناء الاجتياحات الكبرى في عامي 1978 و1982، وما أعقبها من احتلال للجنوب حتى أيار/مايو 2000، تضرّر سكان الجنوب اللبنانيون، ومعظمهم من الطائفة الشيعية، بشكل كبير، إذ فقد كثير منهم منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.4 وبسبب ظروف الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، إضافة إلى ضعف الإمكانات والتجهيزات، لم يتمكن الجيش اللبناني من بسط سيطرته الكاملة أو الدفاع عن مناطق الجنوب بصورة فعّالة. وفي هذا السياق، ومع تأثره بالتحولات التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، وارتباطه بالحركة الاجتماعية الشيعية في لبنان ولا سيما في قرى الجنوب، نشأ حزب الله كقوة مسلحة أعلنت هدفها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والميليشيات المتحالفة معه. بحلول نهاية الحرب الأهلية عام 1990، ترسّخ حضور الحزب كأحد الفاعلين الرئيسيين في إطار المقاومة المسلحة ضد الوجود الصهيوني في الجنوب. وخلال سنوات الاحتلال، ومع بقاء العمليات العسكرية محصورة في نطاق جغرافي محدد وعدم امتدادها إلى معظم المناطق اللبنانية الأخرى، اعتبر بعض اللبنانيين ذلك واقعًا فرضته الظروف، كما حظي في فترات مختلفة بقبول ضمني من أطراف لبنانية مختلفة. بات الحزب الاسلامي يضطلع بمهمة الدفاع التي عجز عنها الجيش، وهو دفاع، إذا أُمعِن النظر في تصريحات القادة الصهاينة، كان ولا يزال ضروريًا لإحباط الطموحات الصهيونية الرامية إلى إقامة "إسرائيل الكبرى"5 التي تمتد، على الأقل، إلى نهر الليطاني، والتي شكّلت على مدى أكثر من قرن رؤية صهيونية ثابتة ومعلنة.

بعد نجاح المقاومة في دحر إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، شهدت البلاد نقاشات سياسية حادّة حول الجناح العسكري لحزب الله ودوره. في تلك المرحلة، كان الحزب قد ترسّخ كقوة سياسية نشأت في أعقاب الحرب الأهلية، وإلى جانب حليفه حركة أمل، شكّل أحد أبرز الممثلين السياسيين للطائفة الشيعية ضمن نظام سياسي يقوم على التوازنات الطائفية. لم يقتصر حضور حزب الله على العمل السياسي داخل مؤسسات الدولة، بل شارك لاحقًا في ائتلافات حكومية كبرى، لا سيما بعد عام 2008. وكان من المفترض أن يتمحور النقاش العام حول دور الجيش اللبناني، وآليات الدفاع عن الحدود الجنوبية وحماية السكان في ظل التهديدات والتوترات المتكررة مع إسرائيل، غير أن هذا النقاش اتخذ في كثير من الأحيان طابعًا طائفيًا، متأثرًا بإرث طويل من الحروب والإهمال وعدم الثقة بين المكونات السياسية والاجتماعية. أُعيقت شروط هذا النقاش بفعل البنية الطائفية للدولة من جهة، وبفعل التدخلات الإمبريالية والاستعمارية الخارجية من جهة أخرى، والتي سعت إلى تقسيم المنطقة وإذكاء التنافس بين مجتمعاتها ودولها بهدف إحكام السيطرة عليها. ومن هذا المنظور، فإن رهاب الشيعة، الذي يتجلّى أساسًا في مواقف معادية لحزب الله، يمكن فهمه بوصفه أحد مظاهر كلٍّ من الطائفية السياسية والمشروع الإمبريالي الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

كما يُعدّ خلق الانقسامات وتعميقها أحد الأساليب الأساسية في عمل المشروع الاستعماري الصهيوني. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في تصنيفات الدولة الإسرائيلية للفلسطينيين إلى "عرب" و"مسيحيين" و"مسلمين" و"دروز" و"بدو"، مع منح امتيازات متفاوتة لبعض هذه الفئات دون غيرها، وكذلك في نظام الأحوال الشخصية القائم على هذه التصنيفات الطائفية المصطنعة. أما في لبنان، فقد رُسمت الخطوط الطائفية عند نشأة الدولة على يد النخب المارونية بالتعاون مع الفرنسيين، ولم يكن على الحركة الصهيونية سوى استثمار هذه الخطوط وتحويلها إلى انقسامات أعمق. بل إن أولى بوادر هذا المسار ظهرت قبل النكبة، من خلال اتفاق بين الحركة الصهيونية والبطريركية المارونية في لبنان. 

تزايد انخراط الولايات المتحدة في المنطقة خلال العقود التي تلت الثورة الإيرانية عام 1979، في سياق تحولات إقليمية كبرى أعادت تشكيل موازين القوى والتحالفات. وقد تزامن ذلك مع تصاعد التوتر بين إيران والدول العربية، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية، وما رافقها من استقطاب سياسي وأمني أوسع. اكتسب انخراط الولايات المتحدة في مشاريع الهيمنة القائمة على التفريق والسيطرة زخمًا متزايدًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حين بدت شعبيتها في بداياتها وكأنها قد تستقطب، ولو مؤقتًا، شرائح من المسلمين السنّة إلى خطاب شيعي مناهض للهيمنة. وقد ترسّخت الانقسامات لاحقًا مع تأجيج الحرب العراقية الإيرانية. ثم، مع غزو العراق عام 2003 وتوسّع الوجود العسكري الأميركي في دول الخليج العربي، طالبت الولايات المتحدة بحالة من الاصطفاف السياسي، مقابل ما عُرض بوصفه حماية من إيران، وهي دولة ذات غالبية شيعية وتنوّع سكاني، ولم تكن قد شكّلت تهديدًا عسكريًا مباشرًا لجيرانها. ويُذكر أن عددًا من هذه الدول الخليجية ذات الأنظمة السنية يضمّ مجتمعات شيعية كبيرة تعاني التهميش. وفي هذا السياق، تحوّلت إيران، بوصفها رمزًا للقوة الشيعية، إلى مبرّر يُستدعى لتوسيع الحضور العسكري الأميركي في أنحاء متزايدة من المنطقة.

خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وللمرة الأولى، بدأت قنوات إخبارية تبث على مدار الساعة خرائط كُتب عليها مصطلح "الهلال الشيعي". وبحلول ذلك الوقت وفي سياق الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000 بعد تعثر مسار أوسلو، كانت الدول ذات الأغلبية السنّية في المنطقة تميل إلى القبول بالضغوط الدولية الرامية إلى تطبيع العلاقات مع الكيان القائم على الحدود الجنوبية للبنان. وقد استُخدم مصطلح "الهلال الشيعي" بوصفه رمزًا أو توصيفًا سياسيًا يشير إلى قوى إقليمية تُعرَّف بأنها خارج فلسطين وترفض الاعتراف بإسرائيل والمشروع الصهيوني، وشكّل بذلك ما يُعرف بمحور المقاومة الذي استمر حضوره في السنوات اللاحقة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يظهر الانقسام السياسي ذي البعد السني – الشيعي في لبنان عقب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005، كما لم يكن من قبيل المصادفة أيضًا أن تندلع حرب عام 2006، وهي أول مواجهة كبرى بعد الاندحار الإسرائيلي، في لحظة كانت فيها الانقسامات الإقليمية قد انعكست بوضوح على الساحة اللبنانية.

خلال حرب عام 2006، اعتمد الجيش الإسرائيلي ما عُرف بـ"عقيدة الضاحية"، وهي تقوم صراحةً على تدمير البنى التحتية المدنية، انطلاقًا من افتراض مفاده أنّ تحويل الضاحية والجنوب إلى ركام سيدفع سكان تلك المناطق، ومعظمهم من المسلمين الشيعة، إلى التخلي عن حزب الله والمقاومة. غير أنّ النتيجة جاءت معاكسة لذلك. ومع هذا، فإن تدمير البنية التحتية في مناطق أخرى من لبنان أسهم في تأجيج التوترات الطائفية داخل البلاد. 

ومع اتساع الانقسام السياسي الداخلي، بلغت الخطابات المعادية للشيعة مستويات غير مسبوقة، وارتبطت ذرواتها بمحطات اتخذ فيها حزب الله قرارات أو خطوات أثارت غضب شريحة واسعة من اللبنانيين. ومن هذه المحطات: اعتصام حزب الله وحركة أمل في وسط بيروت الذي بدأ أواخر عام 2006، وانتشار مقاتلي حزب الله لفترة وجيزة في العاصمة عام 2008، وقرار الحزب المشاركة في الحرب السورية إلى جانب النظام، وكذلك مشاركته في قمع الغضبة الشعبية عام 2019 في لبنان، فضلًا عن انخراطه في موجة من الهلع والتحريض على العنف ضد المثليين عام 2023، وهي موجة شملت مختلف الطوائف. تباعاً رأى كثيرون في ممارسات حزب الله طابعًا طائفيًا، كما استخدم الحزب خطابًا طائفيًا، وهو أمر لم يكن حكرًا عليه، إذ شاركته فيه معظم الأحزاب السياسية اللبنانية. وفي هذه المرحلة أيضًا، تصرّف الحزب، في جوانب أخرى، على نحو مماثل لبقية القوى السياسية، من حيث توطيد التحالفات مع النخب، والانخراط في العمل الانتخابي، ودعم سياسات وتشريعات تميل إلى تفضيل الطبقتين الوسطى والعليا على حساب الفئات الأفقر.ولا يعني ذلك عدم جواز انتقاد حزب الله أو رفض بعض ممارساته، بل إن الإشكال يكمن في أنّ التعبير عن هذا الغضب أو الرفض لم يظل محصورًا في الحزب بوصفه فاعلًا سياسيًا، بل تجاوز ذلك. في المقابل، وعلى مدى العقود الماضية، ازداد ما يُعرف برهاب الشيعة أي الخطاب الذي يستهدف جماعة كاملة على أساس هويتها وضوحًا وحدّة، مستعيدًا صورًا نمطية ذات طابع طبقي تُحيل إلى القذارة والجهل والتلوث. ويسهم النظام السياسي الطائفي في لبنان في ترسيخ الإِقران السطحي بين الطوائف وقياداتها، بما يجعل هذا الارتباط يبدو وكأنه أمرا طبيعي.

غير أنّ هذا الاقران التسطيحي يتجاهل التنوع السياسي داخل الطوائف، كما يتجاهل التفاوت في موازين القوة بين الزعماء الطائفيين والناس الذين يعيشون ضمن دولة لا يتيح نظامها خيارات للتمثيل السياسي خارج الأطر الطائفية. ومع أنّ الخلط بين الطائفة والحزب السياسي يحدث، إلى حدّ ما، لدى مختلف الجماعات اللبنانية، إلا أن مستوى التشويه الذي لحق بالشيعة عند الاعتراض على ممارسات الأحزاب التي يُفترض أنها تمثلهم، لا نظير لقسوته. فعلى سبيل المثال، ليس ظاهرة "رهاب الموارنة" يُعتدّ بها في لبنان، حتى في أعقاب مواقف أو أفعال مستنكرة صدرت عن "القوات اللبنانية". وبذلك، فإن تشويه صورة الشيعة اللبنانيين نتيجة هذا الخلط يُعدّ من أكثر أشكال التمييز الطائفي ثباتًا وخطورة في لبنان، لا سيما أنه يسبق ظهور حزب سياسي ذي نفوذ وازن.

في امتدادٍ زمني يصل إلى العامين والنصف الماضيين من الإبادة الجماعية في غزة، استمرّت الضغوط السياسية والاقتصادية الرامية إلى تطبيع حضور الكيان الاستيطاني في المنطقة، بالتوازي مع مواصلة الاستيلاء على مزيد من الأراضي في الضفة الغربية، ولاحقًا في سوريا. ليس من قبيل المصادفة أن المجموعات الوحيدة التي حاولت، بصورة مادية وملموسة، التصدي لهذه الحرب كانت تتمركز في ما يُعرف بـ"الهلال الشيعي" (والذي بات يُشار إليه أيضًا ليشمل جماعة أنصار الله في اليمن). كما لا يُعدّ من المصادفة أن طيفًا واسعًا من العمليات، سواء كانت عسكرية امنية أو مُوجَّهة نفسيًا وسياسيًا، قد استُخدمت في محاولة احتواء هذا النوع من المقاومة: من الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، إلى القصف الأميركي لليمن، وصولًا إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي في سوريا، حيث جرى استبدال نظام استبدادي بترتيبات حكم جديدة وُصفت بأنها أقرب إلى نماذج موالية للولايات المتحدة ومندمجة في مسار التطبيع مع الكيان الاستيطاني.

يبدو من المعقول افتراض أن دولة الاحتلال الإسرائيلي، في مطلع عام 2026، كانت تتهيأ لاتخاذ ما تصوّره البعض باعتباره خطوتها الحاسمة الأخيرة في هذا المسار الإقليمي. كما يبدو من المعقول أيضًا أنها سعت إلى إدارة هذا الصراع بما يرسّخ واقع "إسرائيل" كحقيقة سياسية غير قابلة للنقاش في المنطقة، وأنها دفعت الولايات المتحدة نحو الانخراط المباشر في مواجهة مع إيران، بالتوازي مع تصعيد عسكري ضد لبنان. انتهاكات الكيان الصهيوني ضد لبنان تكررت عشر مرات على الأقل منذ النكبة، بحسب طريقة احتساب كل عملية عسكرية بوصفها غزوًا مستقلًا.6 وفي هذا السياق، جرى توسيع ما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية" (كما طُبّقت عام 2024) لتتحوّل إلى ما يمكن تسميته بـ"عقيدة غزة". ويُستخدم هذا النهج ليس بهدف دفع المسلمين الشيعة إلى الابتعاد عن المقاومة، بل لإعادة توجيه الغضب والانقسام داخل المجتمعات اللبنانية ضد الشيعة أنفسهم، بما يعمّق الشرخ الطائفي. مع ما يشهده الخطاب العام من عودةٍ واضحة إلى مظاهر رهاب الشيعة، فإن هذا المسار يبدو قادرًا على تحقيق بعض أهدافه، أو على الأقل على إعادة إنتاج هذه الانقسامات بصورة أكثر حدّة.

 

حين يسود "الرهاب الشيعي"

إن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تُبدي مخاوف من أن الشيعة "لن يغادروا" أحياءنا أبدًا، ورفض تأجير المساكن لهم، ومحاولات طردهم من مناطق معينة، تُخبرنا الكثير عن حدود الانتماء ومن يُضَمّ إلى المجتمع ومن يُستبعد منه. ومن البديهي أن تحويل الغضب من حزب سياسي إلى غضبٍ على جميع الشيعة يُعدّ إشكالًا واضحًا. لكن من الخطأ أيضًا افتراض أن تصرفات أي جماعة سياسية، بما فيها حزب الله، تجعلها وكيلًا لدولة خارجية أو حتى لجماعة غير لبنانية. إن الادعاء بأن إيران "تحتل" لبنان عبر تحالفها مع حزب الله يتجاهل حقيقة أن التحالفات الخارجية سمة أساسية في النظام السياسي اللبناني، بما في ذلك لدى أشد منتقدي حزب الله. كما يتجاهل هذا الادعاء التاريخ الطويل لتحالف جماعات لبنانية أخرى مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل ومشاركتها في اتخاذ قرارات بالتنسيق معهما. إن وصف حزب الله بأنه "إيراني وليس لبنانيًا" أو "وكيل" لإيران هو بداية انزلاق خطير نحو اعتبار شرائح من المجتمع غرباء عن الوطن. كما تتجاهل هذه الادعاءات التاريخ اللبناني للحزب: فقد نشأ ردًا على الغزوات والاحتلال الإسرائيلي، ودافع عن الأراضي اللبنانية ضد التوسع الإسرائيلي، واتخذ قراراته ضمن سياق السياسة الطائفية اللبنانية. وعندما تتفاقم هذه الادعاءات لتزعم أن جميع الشيعة ليسوا لبنانيين ولا عربًا، بل إيرانيون، فإنها تستبعد ضمنيًا شريحة واسعة من مواطني البلاد.

يدعم كثير من المسلمين الشيعة، لكن ليس جميعهم، حزب الله والمقاومة. ولما لا؟ إنهم يعيشون في دولة لا يقوم أحد فيها سواهم بفعل الدفاع عن الشعب بما في ذلك جيش البلاد. ولا يمثلها أي حزب سياسي آخر أو يوفر لهم الدعم؟ ومع ذلك، فإن دعم حزب الله لا يلغي مواطنية الفرد، ولا يبرر بأي حال تهديده بالقتل. كما أن العمل في بنك أو محطة تلفزيونية تابعة لحزب الله، أو التصويت له، لا يُعد سببًا للاقصاء الاجتماعي. إن افتراض أن كل من يدعم حزب الله أو يعمل لصالحه أو يرتبط به هدف مشروع لألة الحرب الصهيونية هو دعوة إلى الإبادة الجماعية. كما أن افتراض أن كل شيعي قد يدعم حزب الله يوسّع نطاق الأشخاص المستهدفين. أما افتراض أن كل من يبقى في منطقة أصدرت لها القوات الإسرائيلية أمراً بالإخلاء هو هدف مشروع، فهذا إقرار بالشروط التي يفرضها الجيش الغازي.

يجب أن نتذكر أن الصورة الراهنة لما أسميه برهاب الشيعة: أي الجمع بين فكرة أن حزب الله "يستجلب" القصف الإسرائيلي على لبنان، وبين تصوير الشيعة عمومًا كأنهم عامل جذب لتلك الهجمات، بما يفضي إلى تجنّبهم أو طردهم أو النأي عنهم…هي، في جانب منها على الأقل، نتيجة تراكمات سياسية وإعلامية ارتبطت بمحاولات تفتيت الداخل اللبناني وإذكاء الانقسام فيه. وقد سعت أطراف مختلفة، وفي مقدمتها الحركة الصهيونية منذ نشأتها، إلى توظيف الانقسامات الداخلية في لبنان كما في فلسطين. ومن هذا المنظور، فإن رهاب الشيعة يتحول إلى عنصر مُعزِّز لتلك المساعي ومُغذٍّ لها. 

تداخلت عقود من هذا الخطاب في السياق الطائفي اللبناني مع انقسامات أعمق تتعلق بالطبقة الاجتماعية والدين وأنماط التديّن، إضافة إلى تأثيرات جيوسياسية إقليمية، ولا سيما في الخليج، ومخاوف مُركّبة غذّتها السياسات الأميركية تجاه إيران. وفي هذا الإطار، كثيرًا ما وُضع اللبنانيون أمام ثنائية جامدة: إما الاصطفاف مع "المعسكر الغربي" أو مع ما يُسمّى بـ"الهلال الشيعي". غير أن اللبنانيين الشيعة، بخلاف هذا التصوّر التبسيطي، يُجرَّدون من أي تعقيد سياسي، إذ يُفترض أنهم ينتمون تلقائيًا إلى هذا المعسكر الأخير، بصرف النظر عن تنوّع آرائهم وخياراتهم السياسية. وفي هذا السياق، يتضح أن الخطاب السائد لا يعكس فقط خلافًا سياسيًا، بل ينطوي على اختزالٍ للهوية وإعادة إنتاج لمعالم الإقصاء. ولكي يكون الأمر واضحًا، وكما باتت بعض دول الخليج تدرك اليوم، فإن المشروع الأميركي في المنطقة لا يتعامل مع لبنان كأولوية مركزية، ولا يقدّم ضمانات حقيقية لحمايته في لحظات التصعيد، بل يظل منخرطًا في حسابات أوسع تتجاوز مصالحه المباشرة. ولن تتدخل أي قوة في العالم لإنقاذ البلاد في لحظة تصعيد كبرى في إطار التوسّع الاستعماري في المنطقة.

من الممكن الاختلاف مع خيارات حزب الله وأفعاله وتصريحاته، دون الوقوع في الخطاب الإمبريالي الذي يصنف الحزب وكل من يرتبط به، وبالتالي جميع الشيعة، على أنهم أهداف مشروعة للقتل. من الممكن الاختلاف مع حزب الله دون أن يكون المرء معادياً للشيعة، ودون تجريدهم من إنسانيتهم، ودون حرمانهم من السكن، ودون التمييز ضدهم. كما من الممكن الاختلاف مع مواقف حزب الله مع الإقرار في الوقت نفسه بأنه المجموعة الوحيدة التي تدافع حالياً عن لبنان ضد الهجوم الصهيوني. إن دعم المقاومة لمجرد كونها تابعة لحزب الله موقف إشكالي بنفس القدر، لأنه لا يزال قائماً على سياسات الهوية الطائفية. يمكن، بل يجب، دعم المقاومة بغض النظر عن رأيك في حزب الله، لأنه في غياب جيش لبناني ودولة قادرين على حماية حدود البلاد، فإنها القوة الوحيدة التي تقف حالياً في وجه القتل والتهجير وسرقة الأراضي من جنوب لبنان. لم يعد الأمر مجرد تحليل تنبؤي قائم على تصريحات صهيونية تاريخية للقول بأن "اسرائيل" ستهاجم الجنوب في هذه الحرب؛ بل إن السياسيين الإسرائيليين يقولون ذلك علنًا.

الوقوع في فخّ رهاب الشيعة يعني الانخراط في اللعبة الاستعمارية والإمبريالية، والتسليم بالانقسامات التي تفرّق اللبنانيين عن بعضهم البعض، وكذلك عن الفلسطينيين والسوريين (وذلك موضوع آخر بحد ذاته)، بدل إدراك أننا جميعًا أبناء هذه المنطقة، وأننا جميعًا متأثرون بالمشروع الصهيوني الاستيطاني والطموحات الإمبريالية الأميركية، وأن الاستراتيجية الأقوى بكثير هي أن نتوحّد. أما البديل، فيقوم على فكرة غير منطقية مفادها أن الجنوب يمكن فصله عن البلاد وتركه عرضة للتوسع الاستيطاني، مقابل افتراض أن بقية لبنان سيعيش حرّاً. وهذا غير منطقي جزئيًا لأن الدول الاستيطانية بطبيعتها توسعية؛ فإذا كان الخط اليوم عند نهر الليطاني، فقد يصبح غدًا عند الزهراني، ثم صيدا، ثم… ومن زاوية أخرى، فالأمر غير منطقي لأنه يفترض أن لبنان قادر على الاستمرار اقتصاديًا من دون الدور الأساسي للجنوب في الزراعة والتجارة، ومن دون احتياطاته الغازية في البحر المتوسط. ولماذا يُفترض بأبناء الجنوب اللبناني أن يتخلّوا عن أرضهم وبيوتهم؟ لماذا يُطلب منهم إما الرحيل، أو البقاء والتعرّض للقتل، أو القبول بالعيش تحت الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي؟ وكيف يمكن تخيّل مطالبتهم بالتضحية بمنازلهم من أجل الوطن، فيما يجري في الوقت نفسه إخراجهم رمزيًا من هوية هذا الوطن؟

والجواب عن هذا السؤال الأخير يفسّر تمامًا كل هذا الغضب تجاه حزب الله، وكل هذا اللوم بسبب الصواريخ الستة التي أُطلقت عبر الحدود بعد خمسة عشر شهرًا من ضبط النفس في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لوقف إطلاق النار. غضبٌ تجاه حزب الله – وتباعا، تجاه جميع الشيعة اللبنانيين – غضب يطغى على الغضب من ذاك الذي يقصف البيوت. لأن إحدى طرق الإجابة عن سؤال: "لماذا عليهم هم أن يضحّوا من أجل الوطن؟" هي تحميلهم مسؤولية هذه الحرب، وغرس اللوم في غير موضعه، أي على الدولة الاستيطانية التي تجتاج وعلى السياسيين المتواطئين معها. هكذا أيضا بدأت عملية نزع الإنسانية عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: عبر تحميلهم مسؤولية إشعال الحرب الأهلية بدل النظر إلى الصهاينة الذين هجّروهم من فلسطين أصلًا. والمخيف أن هذا يبدو وكأنه الاتجاه الذي قد يسلكه رهاب الشيعة في لبنان. وجبت اليقظة.

 

شكر

كل الامتنان لرفيقاتي في الكتابة، منى حرب، مايا مكداشي، تسولين نالبانتيان، وناديا سبيتي، على ملاحظاتهن واقتراحاتهن القيّمة، وكذلك لفريق تحرير "كحل" على نشر هذا النص بسرعة.

 

  • 1. المستخدم @CanaaKnight، الذي كتب المنشور، موجود على منصة X منذ يوليو/تموز 2016، ويبلغ عدد متابعيه حاليًا 2204.
  • 2. كان مصطلح "المتوالي" في الأصل يُستخدم للإشارة إلى أتباع الإمام علي بن أبي طالب، إلا أنه في السياق اللبناني اكتسب دلالات سلبية ازدرائية. وقد أعاد بعض الشيعة استخدامه بوصفه توصيفًا ذاتيًا، في عملية تستعيد معناه التاريخي من جهة، وتعيد توظيفه في السياق المعاصر عكس مرتجاه العنصري من جهة أخرى.
  • 3. انظروا أيضًا إلى أعمال Beirut Urban Lab حول الفرز الطائفي المكاني (sectarian redlining): https://www.beiruturbanlab.com
  • 4. للمزيد عن هذا التاريخ، انظر: https://www.merip.org/a-primer-on-lebanon-history-palestine-and-resistan...
  • 5. سعى الزعيمان الصهيونيان حاييم وايزمان ودافيد بن غوريون، خلال مؤتمر باريس عام 1919، إلى توسيع حدود الانتداب على فلسطين لتصل إلى نهر الليطاني. ومنذ ذلك الحين، تكررت بين الحين والآخر تطلعات قادة إسرائيليين، من بينهم نتنياهو، لضمّ الأراضي الممتدة حتى الليطاني.
  • 6. رغم وقوع عشرات الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ عام 1948، فإنني أعتبر هجمات أعوام 1948 و1970 و1973 و1978 و1982 و1993 و1996 و2006 و2024، إضافة إلى الهجوم الحالي، "اجتياحات".
ملحوظات: 
المراجع: 

Bou Akar, Hiba. For the War Yet to Come: Planning Beirut's Frontiers. Stanford University Press, 2018.

Deeb, Lara. An Enchanted Modern: Gender and Public Piety in Shi’i Lebanon. Princeton University Press, 2006.

Makdisi, Ussama. Age of Coexistence: The Ecumenical Frame and the Making of the Modern Arab World. University of California Press, 2019.

Mikdashi, Maya. Sextarianism: Sovereignty, Secularism, and the State in Lebanon. Stanford University Press, 2022.

Zittrain Eisenberg, Laura. My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948. Wayne State University Press, 1994.