على هوامش مضطربة: نحو فكّ قيود الأكاديميا وخلق آفاق تحرّرنا

السيرة: 

مي أبو مغلي، باحثة ومعلمة تشمل مجالات تخصصها حقوق الإنسان ودراسات التنمية النقدية والتعليم المقارن والدولي والتعليم في حالات الطوارئ ودراسات اللاجئين مع التركيز على البلدان الناطقة باللغة العربية.

آية مسمار، باحثة وتربويّة وقيّمة تعمل في تقاطعات العمارة، والنظرية النقدية، والسياسة، مع اهتمام خاص بفلسطين، والجامعة، والمخيّم بوصفها فضاءات لإنتاج معرفة مقاومة. تتعدّد أماكن إقامتها ويشغلها الفضاء المتواري بين عمّان ودمشق والقاهرة.

اقتباس: 
مي أبو مغلي، آية مسمار. "على هوامش مضطربة: نحو فكّ قيود الأكاديميا وخلق آفاق تحرّرنا". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 12 عدد 1 (07 أيار/مايو 2026): ص. 3-3. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 07 أيار/مايو 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/troubled-margins.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.

failure_of_humanitarianism_ar.jpg

ميرا المير

* تمّ التفكّر وكتابة هذه المقالة بجهدٍ متساوٍ، الأسماء مرتّبة حسب الأبجدية.

 

قيود الأكاديميا وأفق التحرّر

نكتب هذا النص من موقعيّاتٍ متقاطعة ومتشابكة وانطلاقاً من رمزيّة الفلسطينيّ بصفتها الموقعيّة المقاومة للاستعمار والممتدّة عبر اليمن ولبنان والسودان وفلسطين. فكوننا أكاديميات فلسطينيات في شتاتٍ وتهجيرٍ قسريٍّ مستمرّ، نتمسّك بوجودنا في منطقةٍ نتمنّى أن تشبهنا ولكنّها في كثيرٍ من الأحيان تلفظ وجودنا الرافض للسكوت والتعوّد وتطبيع القمع. نجد أنفسنا باحثاتٍ عن جيوب مقاومة تشبهنا وتتفهّم أحزاننا داخل صفٍّ دراسي أو بين سطور مقالة. تتجلّى مشاعرنا بالحزن والعجز أحياناً عندما نفكّر في واقعٍ يتمّ تشويهه بالتجهيل المتعمَّد والممأسس وأحياناً تتجلّى بغضبٍ تثيره ملاحظات زميل أو زميلة أو عادية المكان حيث يعيش غير الآبهين/ات في واقعٍ مترفٍ أو متخيَّل خلقوه لأنفسهم/ن بعيداً عن حقيقة الألم الممتدّ وتجذّره.

نكتب هذه المقالة لحاجةٍ نابعةٍ من الاضطرار للعيش والتعامل مع شعور التنافر الوجودي. بالرغم من اختلافات السياقات والمساحات التي نعيش ونعمل فيها إلا أننا نتشارك حالةً من الاغتراب يتخللّها الخوف من فقدان القدرة على فهم وتحديد موقعيّتنا في خضمّ إزاحاتٍ دائمةٍ لأرضية السياسة والمجتمع والمؤسسة في منطقة دائمة الانفجار والتوتر. في هذه المقالة نشارككم/ن أفكار ومشاعر العزاء وتوازن فقدناه. نشارككم/ن أفكاراً من وجدانٍ خالصٍ نبعت من محادثة دامت ساعتين، عفوية وغير متكلّفة ومتحرّرة من الخوف من الأحكام.

في ظلّ السياق الذي نحاول أن نعيشة اليوم وأن نفهمه، وبين الحرب الإمبريالية المستعرة على منطقتنا والإبادة المستمرّة في فلسطين ولبنان، نجد أنفسنا مضطرين لمساءلة دورنا وموقعيّتنا كأكاديميين/ات من هذه المنطقة، وفيها، ولأجلها. إننا نضع موقعيّتنا داخل المؤسسة تحت مجهر النقد؛ فلا يمكن للبحث والأكاديميا أن ينفصل عن صرخة الواقع، ولا يمكن لموقعيّتنا أن تظلّ ترفًا نظريًا بينما نُباد وتُمحى جغرافياتنا. إن هذه اللحظة تفرض علينا تعرية التواطؤ المؤسسي وإعادة تعريف وظيفة المعرفة: هل نحن "وسطاء" محايدون في خدمة الاستعمار الجديد، أم نحن جزءٌ من جسدٍ ينتفض ضدّ المحو؟

تطرح هذه التساؤلات إشكالية بنيوية ومقلقة حول جوهر الوجود الأكاديمي حيث يبرز تقاطعٌ حادّ بين قيود الأكاديميا بوصفها أدوات تدجينٍ مؤسّسي، وبين أفق التحرّر الذي يُفترَض بالباحث إيجاده كفعل مقاومة. إن مفهوم التحرّر الأكاديمي لم يعد مقتصرًا على شعارات حرية التعبير، بل بات مشتبكًا مع مادية الحياة اليومية؛ فكيف للأكاديميين/ات أن يدّعون الانعتاق وهم ما يزالون أسرى نمط حياةٍ نخبويّ يعيدهم/هن دومًا إلى مساحات الراحة ونصوصٍ جامدة تفتقر لروح الشارع؟ إننا نواجه حالةً من الارتهان الوجودي تمسخُ الفعل التحرّري وتحوّله إلى مجرد استراحة مؤقتة قبل العودة إلى قيد الشاشة والجدران الآمنة.

يزداد هذا القيدُ تعقيدًا مع انحسار مفهوم الأمان الذي سيّج المسيرة الأكاديمية تاريخيًا؛ إذ استُبدل الاستقرار الوظيفي بسياسات الهشاشة (casualization) والتعاقدات قصيرة الأمد التي تستنزف كرامة الباحث. إن هذا التحوّل القسري من مسارات التثبيت الواضحة إلى التنقّل المذلّ بين المشاريع والمنح البحثية، خلق حالةً من الإذلال المؤسّسي تُجبر الأكاديمي على مطاردة التمويل المرتَهَن بشروط المانح بدلًا من مطاردة الحقيقة. وفي ظل هذا الواقع الذي يحوّل الأستاذ إلى موظفٍ مؤقت يلهثُ خلف عقده القادم، يبرز السؤال الوجودي: أين نذهب؟ وكيف نشقّ أفقًا حقيقيًا للتحرّر بعيدًا عن سطوة المؤسسة وما نسمّيه في هذه المقالة الهوامش المتغيّرة؟ إن هذا هو التحدّي الأخلاقي والمعرفي الأبرز في زمن الانهيارات الأكاديمية حيث يصبح خَلقُ مساحاتٍ بديلة ضرورةً للبقاء لا ترفًا فكريًا.

 

عن بنيوية القلق واستحالتها في الأكاديميا

نشتبك من خلال هذا النصّ مع بنية القلق داخل المساحات الأكاديمية والمؤسّسية في المنطقة العربية. القلق هو بنية واستراتيجيّة تحكُّمٍ تتحكَّم بوجودنا، فنحن كأكاديميات نعلّم ونقوم بالبحث والكتابة نواجه حدوداً ضبابية غير واضحة وغير مفهومة فليس هناك معايير واضحة وخطوط حمراء ثابتة تعرّفنا ماذا يمكن أن نقول/نعلّم أو نكتب، بل هناك استراتيجية مؤسّسية لخلق مساحاتٍ للانخراط في قضايا معيّنة شرط ألا تؤدّي إلى أي تمزّق أو اضطراب حقيقي للوضع الراهن.

إن هذه البنية تحوّل الفعل السياسي إلى مجرد تنفيسٍ لا يمسّ جوهر القضية بل يضمن استمراريتها عبر امتصاص الغضب وتوجيهه نحو مساراتٍ لا تسبّب اضطراباً للمؤسساتية. في صلب هذه البنية ما نسمّيه الهوامش دائمة الإزاحة، وهي حالة من السيولة المتعمّدة التي تجعل الأكاديمي/ة في حالة تفاوضٍ دائم مع حدود لا نفهمها تماماً، حدودٌ تُزاح في لحظة تبعاً لتقلّبات جيوسياسية. فالمؤسسة التي تدّعي تبنّي القومية العربية أو نهج مقاوم أو حتى فكر تحرّري ونقدي قد تجد نفسها فجأة، وبفعل ضغوط ناتجة عن شروط أمنية تصيغها مؤسسة الدولة، تعيد تعريف المقاومة كخطر إذا ما تعارضت مع سياسات الدولة. يتّكئ هذا اللا-استقرار على عنفٍ بنيوي؛ ومع تزايد اعتماد العقود المؤقتة والتحوّل المفرط نحو النيوليبرالية في الجامعة تنتهي حالة الاستقرار ويعيش الأكاديمي تحت رحمة الوضع المؤقت وغموضٍ تام في معايير التقييم، حيث قد يُرفض تثبيت أشخاص متميّزين فكرياً لا لشيء إلا لأن فكرهم/ن النقدي يشكّل تهديداً لنمطية الولاء المطلوب.

هنا لا يمكننا فصل هذه البنية عن ارتباك الهوية واستخدامها للتلاعب بالهوامش وجعلها أكثر ضبابية. من موقعنا كمعلّمات نعمل مع الكثير من الطلاب والطالبات من خلفيات مختلفة وهويات مختلطة أو هجينة، وبدلاً من الاحتفاء بتنوّع الهويات وتركيباتها والتعامل معها بشكل نقدي لإيجاد موقعية تتناسب مع نسيج المنطقة، نراقب بكثيرٍ من القلق كيف يتمّ استدعاء هوياتٍ تمّ تهميشها والتي، للأسف، استُخدمت من قبل الغرب لعزلها عن محيطها وربطها بالتحضّر في أحسن الأحوال أو بأنها الضحية المثالية التي يجب إنقاذها من المجتمعات المتخلّفة والمتوحشة التي حولها. هذه البراءة المدّعاة في مقابل صورة الآخر العنيف، وهذا التقسيم الذي هو نتاج عمل الصهيونية المسيحية والاستعمار و"الاستبياض" الناتج عن تذويت احتقار وكراهية الذات، يهدف إلى خلق حواجز بين إخوتنا في المجتمع الواحد، ويدفع بالأقليات نحو الاحتماء بالامتياز الأبيض والحياد الزائف. كما يتمّ استخدام الجنسيات المزدوجة كتكتيكٍ للمناورة الطبقية؛ حيث تُستحضَر الهوية الغربية كدرعٍ للأمان والامتياز، بينما يتمّ التبرّؤ منها في لحظات الاستعراض السياسي دون دفع ثمنٍ حقيقي للالتزام.

في قاعة المحاضرات التي يندر فيها التنوّع، حيث تسود الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية، يصبح التنوّع المحدود عامل استقطاب، وهنا نتساءل: ما هو دورنا كمعلّمين/ات؟ هل نحن في وضعٍ يسمح لنا بالتيسير، والتراجع خطوة إلى الوراء، والتلقين عند الحاجة لاحتواء الاستقطاب؟ أم أننا محرّضون سنستخدم هذا الاستقطاب لفتح مساحاتٍ نقدية؟ وهنا يتجلّى عنف الهوامش المتغيّرة فتصبح عبئًا لا يسمح لنا بالتجربة وتحسين أساليبنا التربوية وتجربة التعلّم، رابطين الواقع بالفقاعة الجامدة التي تمثّلها الفصول الدراسية لذوي/ات الامتيازات. إن التنوّع الحقيقي الذي يغذّي النقد في سياقاتٍ تضمّ فئاتٍ مهمّشة ومهاجرة ولاجئة في سياقات الشتات تخلق ديناميكية تسمح بتفكيك العنصرية والقومية والامتياز. أما في بيئات النخبة فنجد أحياناً أن هناك حاجة لممارسة نبرةٍ سلطوية للتأثير في أفكار طلّاب/ات يعيشون في حالة انفصالٍ تام عن الواقع، محميّين بتجهيلٍ يفرضه الأهل والمجتمع لتجنّب خسارة الامتيازات. 

 

محدودية الوعي المبطّنة بالامتيازات

من جملة الاصطدامات التي تحفّزها الأكاديميا أيضاً، تلك التي نخوضها ضمن محيطنا في سياق العمل الجامعي. إذ في لحظاتٍ شديدة الوطأة مثل التي نعيشها حالياً كشهودٍ على المحو المستمرّ لأبناء وبنات جلدتنا، تُطلَق بعض التعابير من وسَطنا وتمرّ بصعوبة بالغة على مسامعنا، فنجتهد بالتبصّر في حسن نوايا الآخرين، ونعلم تماماً أنّ حرفة معايشة "الحرب" التي فرضها علينا واقعنا الجيوسياسي – كبنات فلسطين – حصرية ولا يتقنها الجميع. لكنّها عبارات التعاطف تحديداً والتي تستسلم لحتمية كوننا أصحاب هذه الحرفة هي ما يجعل حِمل هذا الواقع أثقل ممّا هو عليه في الحقيقة، ليطرح مع ثقله جملةً أخرى من التساؤلات التي تشكّك في الأفكار والمواقف والمسؤوليات التي هُيّئ لنا أنّنا ربما نمتثل لها جمعاً بصفتنا ننتمي إلى المنظومة الفكرية التحرّرية ذاتها.

حينما تصير تجربة الحرب تجربة عابرة للحدود، لا بدّ أن تتطلّب التفاتنا اليقظ حول دورنا الجمعيّ في مواجهةٍ تاريخيّة للاعتداءات التّي صُوّرت لنا على أنّها أقدارٌ مستحقّة. لذلك، يتوجّب علينا خلق الأرضيات الضرورية لمداولة ما نعرفه عن الحرب وجعله مشاعاً مشتركاً. وإن كان عبء دور الشهادة المسبقة على الحرب ومن ثم تقمّص دور المحترفين أمرين ثقيلين، لا نمانع مشاركة الأدوات التي استحدثناها أو ورثناها على مدار ثمانية وسبعين عاماً في مواجهة مسوّغات الذعر. إلّا أنّها حالة الاستثناء التي طبّعها أصحاب الامتيازات بالفلسطينيّ وكأنّ تجربته مع العنف تنتمي إلى عقلانيةٍ نوعيّة. حسب هذه العقلانية، يكون الفلسطينيّ قرباناً للنظام العالمي الاستعماري بشكله القائم حالياً وكأنّ شعاراً خفيّاً يحرّك مشاعر الناس مفاده، "اقتلوهم إن شئتم ما دمنا سالمين غانمين". تتسبّب مشاعر التعاطف والدعم بشعورنا بالخذلان إن لم يكن بالإهانة في كثيرٍ من الأوقات. لتصبح تصريحات الآخرين العابرة مثل، "لا نعرف كيف نتعامل مع هذا الوضع" أو "لا يُفترض بالحرب أن تقوم هنا"، مبرّرات لعجزٍ قيميٍّ تهدف إلى تعطيل إمكانيّة بناء بيئات تربويّة جديدة لا تكون فيها مقاومتنا لهذا النظام العالمي حالة استثناء.

تلك المسافة التي تفصل بين تجربتهم الحديثة مع الحرب وتجربتنا لا تعرّف تفاصيل الحكاية التي تمتثل لها حياة الفلسطيني الذي عايش عقوداً من عنف الاستعمار. هي ذاتها مكوّنات القضية الفلسطينية – وما ترمز له بسياقٍ أشمل كقضية شعب يقاوم الاستعمار بشتّى أشكاله – التي تشكّل أركان هذه التفاصيل. لا يشترك جميع الفلسطينيين بالتجربة ذاتها، فبعضهم يعايش أجهزة الاستيطان ويعرف معنى أن تتوزّع الحرب على دقائق الانتظار عند نقاط التفتيش وبعضهم من يُلبس الكلمة مئة رداءٍ خوفاً من الملاحقة في الداخل وهناك من يقاوم الموت في قطاع غزّة كلّ يوم. أمّا بالنسبة للفلسطينيّين/ات في الشتات أمثالنا، فتلك قصّة أخرى. تسطّح هذه المسافة تجربتنا ونشعر عميقاً بأنّنا سُلبنا قدرتنا على النطق. كيف نخبركم عن شتاتنا الذي اختبرنا به معنى الحياة كموتٍ معلّق؟ وكيف يشترط استمرارها حرفةً أخرى اسمها تعوّد الفقد؟ في غياب هذه التفاصيل، تتحوّل المسافة إلى هوّةٍ فارغة تبتلعنا وكأنّ لكلّ شخص آخر الحقّ في الحماية، والحقّ في الشعور بالغضب والحزن والخوف والحيرة… لنصبح نحن الفراغ.

 

التجهيل بخلق عالمٍ موازٍ والإعفاء من المساءلة

حينما نسائل محيطنا عن موقفه من الحرب فإنّنا نسائل مشكلة فقدان الذاكرة الجمعيّة الحديثة وتخلّيه المتعمّد عن البصيرة التي كانت لتتكهّن دويّ صفّارات الإنذار في كلّ السماوات العربية. خلال نقاشنا، أدركنا أنّ أزمة فقدان الذاكرة هذه تطالنا أيضاً وأنّ فرق عدد السنوات بيننا كان كفيلاً برسم صورةٍ وهميّة عن بعض بلداننا بأنّها "لا تعرف الصراع" حقّاً. ويحنا! هل ننسى حقّاً؟ هل ننسى الليالي التي سطّر فيها "الهجوم النوويّ" هواجسنا؟ يشهد الغبار المتراكم على صفحات الكتب التي رصّها أهالينا في مكتبتهم عن الحرب العالمية الثالثة ويوم القيامة على قِدَم الصراع. هو ذاته الذي نعيشه الآن، والذّي لا يتجاهلنا حتى وإن تجاهلناه. كيف زيّف لهم فقدانهم لذاكرتهم حداثة علاقتهم مع العنف؟

يبدو لنا أنّ التحوّلات السياسية خلال العقود الماضية قد أفرزت نسيجاً مجتمعيّاً يعيش علاقةً مضطربة مع الوقت. وهذا الاضطراب ما هو إلّا نتاج تجهيلٍ متعمّدٍ نجح جلّادو المعتقلات في بلادنا بتسويقه على أنّه عملةٌ مربحة. تتداول العائلات المقتدرة هذه العملة فتراهم يتسابقون لحماية أبنائهم وبناتهم من الواقع، ليس فقط بحجب المعلومات عنهم بل أيضاً بمنعهم من الانخراط السياسي خوفاً من فقدانهم. نعم، فقدانهم! في سجنٍ يُحاكي معسكرات الموت، أو في زنزانةٍ مظلمة، أو في أحسن الأحوال، نهاية مستقبلهم، أو حتى استشهادهم. الاستشهاد الذي لا تحرّك زغاريد الفرحة به الحزن الذي يثقل قلوب أهل الشهداء.

تتجلّى هذه التحوّلات السياسية في البيئة المبنيّة لتصبح أشكال مدننا في بنائها كما في زوالها ماكينات تعيد إنتاج الأدوات التي تمكّن الجهل من التغلّب على ما نعرفه. ترتفع مخاوف العائلات على أبنائها وبناتها على هيئة أسوارٍ حصينةٍ تلفّ مجمّعاتٍ سكنيّة ينعزل فيها سكّانها عن محيطهم حيث يقايضون لغتهم وتاريخهم وواقعهم البائس بواقعٍ بديلٍ معقّم مفرّغ من الحقيقة. كلّ مَن يعيش داخل السور هو آمن من معرفة الحقيقة وكلّ مَن هو خارج السور مستهلك لدرجة الكفر بالحقيقة. خارج الأسوار أرصفة وشوارع متهالكة حيث يقطن مَن لا يقدرون على الأسوار، حيث تتدافع أجسادهم التي أثقلها تاريخها المشوّه وواقعها المظلم وتعليمها البائس. 

ليست المدينة والبيت وحدهما من يتآمران على إمكانية الوصول إلى الحقيقة، حتى أنّ بنات الأفكار لا تستطيع الخروج من الضّلال سبيلاً. لا منفذ من هذه العلاقة المضطربة إلّا إليها، حتى للخيال. استنتجنا في حديثنا أنّ التجهيل قد استفحل لتحرّف الوسائط المصوّرة الحقائق فتراها تشكّل مرجعاً لخلق وقائع بديلة. في واحدة من هذه الوقائع البديلة، تتوقّف الإبادة في قطاع غزّة، وننسى أنّ ما يزيد عن المئتي ألف شهيد قد قضوا جرّاء مذبحة صهيونيّة في أبناء شعوبنا الممتدّة عبر البحر الأبيض المتوسط، ولا نعرف أن نتخيّل الضرر الذي تحمله هذه المذبحة علينا حتى وإن هُيّء لنا أنّنا بعيدون عنها. ثمّ يأتي مسلسل رمضاني عن الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة، ليستقطب جمهوراً عريضاً يستغرق في أحداث قصص الأبطال. وفي مواجهة النقد الموجّه لمحتواه وتوقيته ونوعيّته، يُقال لنا إنّ "المسلسل أداة مصوّرة، صحيح، لكنّها ضروريّة لنشر الوعي حول المذبحة كما أنّها ترقى لأن تكون وثيقة!"... "وعي؟ وثيقة؟". وكأنّنا يجب أن نتعلّم فقه هذه المفردات من أوّل وجديد لتصير كما كلّ شيء ذات طابعٍ تأويليّ. هكذا تمكّن الوسائط المصوّرة ضمائر مشاهديها من الاختباء خلف وجوه أبطالها حيث يغتسلون من الشعور بالذنب المترتّب عن عبء هذه الشهادة عبر المشاهدة. هكذا نُصاب بالخيبة مجدّداً، حينما نكتشف أنّنا رغم كل ما نشهده سويّاً، إلّا أنّنا لا نشترك بالأرضيّة اللازمة لتعريف الظلم ولا العنف. ترانا ندور حول أنفسنا ونحن نحاول إيجاد انعكاسٍ لما نراه ونحسّه في عيون مَن هم حولنا. نرى أنّ خيبتنا هذه عزيزة، لأنّها لا تفلت خيوط ذاكرتها التي حاكت لنا "الحدّ الأدنى" لما يمكننا أن نقوم به سويّاً. 

نسائل في هذا السياق، التدنّي في ذائقة مجتمعاتنا السياسية التي استساغتها درجات رديئة من الوعي الجمعيّ. في زمانٍ آخر، غير هذا الزمان، كان ليتسبّب الإفصاح عن هذه الذائقة أو التصالح معها بالفضيحة. ألا نعتبر حجّة الأرشفة وتكريم الضحايا ورفع الوعي حول إبادةٍ مستمرّة نوعاً من أنواع تبييض جرائم الصهيونيّة متمثّلةً بالاحتلال الإسرائيلي وأعوانه؟ ألا ننتقد غياب الإطار السياسي والأكاديمي المعمّق عن أنماط الإنتاج المعرفيّة التي تشكّل وعي العامّة؟ هذا التجهيل الناعم الذي يخلق حقائق بديلة ليصبح المرجع الرئيسي لفهم الحياة ما هو إلّا تشويه للواقع، وفصله عن الألم الحقيقيّ الذي يعانيه الناس. يتحوّل النقاش العام إلى هذا الواقع المتخيَّل، وليس إلى العنف الحقيقي المُعاش. هذا التبرير يتسرّب إلى عامّة الناس، ويرتبط بما يُعرف بإرهاق التعاطف. هؤلاء الذين لا تعتمد حياتهم على معرفة تفاصيل الإبادة والذين ليس لديهم عائلات أو أحبّاء متأثرون بها، والذين لم تتشكّل حياتهم بفعل هذا العنف، يمكنهم أن يقرّروا التوقّف عن مشاهدة الأخبار، والتوقّف عن الاستماع إلى شهادات الناجين، والتوقّف عن إحصاء جثث الأطفال وسماع صرخات الأطفال الذين فقدوا آباءهم ومنازلهم وأطرافهم. إن مشاهدة هذه المسلسلات يمكن أن يمنحهم ذلك الرضا ويؤكد براءتهم من خلال الانخراط في واقع مبسّط ومزيّف قد يثير شعوراً بالشفقة والحزن، لكنه لا يثير أبداً الغضب الذي يشعل الحاجة إلى الانخراط في تضامنٍ حقيقي ودعم المساءلة. 

نشعر بالأسف على مآلات فقدان الذاكرة الجمعيّة والمحو المترتّب عليها، والتي تتجسّد أخيراً في غرفنا الصفيّة. لندرك كلّما نسينا أنّنا قابعون تحت أنياب استيطانٍ استعماري لا يطاردنا جغرافيّاً فحسب، بل يفترس ذاكرتنا القريبة ليسرّع من فعل الزمن؛ لتمحو سنةٌ من العنف المتجدّد سنةً سبقتها. وكأنّ عبور الأمل من جيلٍ إلى آخر يمرّ أيضاً بمماطلات نقاط تفتيش منهكة تضلّلنا عن وجهتنا التحرّرية. فكيف تغيب ثورة يناير عن أفق طلبة مصريّين تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عامًا؟ ولماذا تندثر تداعيات انفصال السودان عن جنوبه عام 2010 فلا تسهم في تشكيل وعي أبناء وبنات السودان؟ أما الشباب الفلسطينيون الميسورون في لبنان – ممّن يعيشون خارج المخيمات – فلا يدركون حاجتهم التي تدفعهم إلى تغيير لهجتهم ولا يعرفون شيئاً عن مجزرة صبرا وشاتيلا. وفي الوقت الذي شكّلت فيه أحداث أيلول الأسود الضمير السياسي للأردنيين، يكادون لا يفقهون شيئاً بالأبعاد الإقليمية لتلك الحرب. يستمرّ هذا المحو من خلال التجهيل عبر الأجيال، حيث تُعامل الذاكرة التاريخية – وتحديدًا التحوّلات الإقليمية الكبرى مثل الربيع العربي – على أنها تاريخ غابر أو غير ذي صلة أو غير موجود، مما يسمح لطبقة ذات مميّزات بأن تطفو على واقعٍ مجرَّدٍ من السياسة ومنزوع الحقيقة يعاني من عدم التجذّر. في هذه السياقات يُفرض صمت اجتماعي حول العنف غير الرائج، مما يُعطي الأولوية لراحة الميسورين على حساب الاعتراف بحياة المهمشين. ويُعزّز هذا المناخ محو الوعي التاريخي، حيث تُطمس الأحداث السياسية الهامّة من الذاكرة الجمعيّة مما يسمح لهم بالبقاء منفصلين عن واقع منطقتهم.

 

التضامن الذي يحدّده عنفٌ مهولٌ أو متخيَّل

لا تنحصر أسباب الاختلاف في فرق الأجيال فحسب، لأنّ قياس الزمن لا يعمل بشكل خطّي؛ ليس كما عرفناه نحن على الأقلّ في منطقتنا. نقيس الزمن بمقدار العنف، حتى أنّ فرق بضع سنوات بين شخصين قد تبدو وكأنها دهرٌ كما أنّ أبناء وبنات جيلين مختلفين قد يشعرون أنّهم عاصروا نفس الأحداث أحياناً، لعلّه العجز عن التعريف المشترك للعنف الذي نُعانيه – وتداعياته وكيفية التعامل معه – الذي يشوّه ماهيّة التعاطف في مجتمعنا ويحرمنا الوعي السياسيّ المشترك. كيف يمكننا أن نتحدّث عن العنف وهل بمقدورنا أن نحلّه دون ضرورة حلّ الكيان الصهيوني؟

ثمة تسلسل هرمي لاستحقاقية الحزن والفقد، حيث يُعتبَر العنف المهول أو تمثّلات العنف غير المسبوقة، والتي تتجلّى في جثث الفلسطينيين/ات الممزّقة او المقطّعة في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 الشكل الوحيد الذي يحظى بالاهتمام الاجتماعي والسياسي وحتى الأكاديمي. هذا الاعتراف الانتقائي والشرطية تخلق تباعدً مكانيًا وزمانياً يمحو العنف البنيوي الذي يحدث يومياً في شوارعنا وأحيائنا، وخاصة ضد أجساد الفئات المهمّشة. العنف الذي يتّسم بالارتباط بالنوع الاجتماعي والعنصرية أو ذلك العنف في الجوار الجغرافي المباشر، كما هو الحال في لبنان أو إيران، من خلال تصوير تلك المناطق على أنها عرضة بطبيعتها للعنف فيتمّ تطبيعه ولا تنطبق عليه شرطية التضامن. 

أولئك الذين يعيشون خارج الفقاعات المؤمننة، خارج أسوار الامتيازات، الذين تخلّت عنهم الدولة ولا تتعامل معهم إلا كفائضٍ ومشكلة، يسعى إليهم المنقذ الدولي المانح، والمنظمات غير الحكومية، وفاعل الخير الغربي. يُصوَّرون إما كضحايا، أو متوحشين، أو مجرمين، يجب دائمًا إدارتهم وتهذيبهم. المصطلحات المستخدمة لوصفهم بعيدة كل البعد عن الواقع. يُشاد بهم باعتبارهم "مرنين" (ريزيليانت) قادرين على التعامل مع أي كارثة، مع أي خسارة، مع أي تجريد. إنهم مرنون (ريزيليانت) لأنهم لا يستحقّون أبدًا الحياة الكريمة. يكفيهم البقاء على قيد الحياة ضمن معايير محددة مسبقًا. معايير تُبقي المنقذ يعمل وتُعفي الدولة من واجباتها. هؤلاء الناس، على الرغم من الجهود المبذولة لتجهيلهم لكنهم على دراية ووعي تام، ومع ذلك يُتوقَّع منهم أن يتظاهروا بالجهل، وأن يلعبوا دور الضحية، وأن يكونوا بلا صوت، وأن يكونوا جديرين بالصدَقة المجزّأة والفُتات الملقى عليهم باسم الإنسانية. 

هناك فجوة عميقة تظهر أو تفسّر أدائية التضامن، حيث يتموضع الطلاب/ات من خلفيات النخبة في حالةٍ من الانفصال عن الواقع السياسي، محميين بفعل تجهيلٍ متعمّد يمارسه الأهل والمجتمع لتجنّب خسارة الامتيازات. في المقابل، يبرز الطلاب/ات الحاصلون على منح دراسية، كأصحاب العقول الأكثر نقدية، حيث ينبع وعيهم من اشتباك حقيقي مع الواقع وليس من الرفاهية الفكرية.

هذا التباين يفكّك ويفسّر فكرة التضامن المشروط، فبينما يرى الطلاب/ات المستنيرون (woke) القضية الفلسطينية من باب الشفقة المجرّدة أو كـبشر يتعرّضون للقصف دون وجود أرضية سياسية عميقة، نجد أن الطلاب/ات الأكثر قرباً من المعاناة يمتلكون ارتباطاً جوهرياً بالواقع. وتبرز هنا مفارقة المرجعيات الدينية أو الروحانية أو الثقافية المشتركة، مثل مفهوم الشهادة الذي يقدّم نوعاً من السلوان لأصحاب المبادئ المشتركة رغم الاختلاف، فهو يكسر حواجز النخبوية لحظياً ويخلق مساحة تقاطع وجدانية، لكنه لا ينجح بالضرورة في خلق روابط سياسية مستدامة، مما يبقي الأغلبية في حالة انفصال عن الواقع، محكومين بمسافة تفرضها مكانتهم الطبقية وحالة تجنّب الانخراط السياسي الفاعل إما قصداً أو بسبب التجهيل الممنهج.

 

دَأْب الشعور ضدّ المحو

ما أدركناه خلال نقاشنا، وهو الأمر الذي لا يتوقّف عن إدهاشنا على الرغم من بديهيّته، هو أنّ نقص المعرفة وتشويه ماهيّة التعاطف والوعي السياسي ليس بالضرورة مرتبطًا بالأجيال – وهو ما اعتدنا بحكم العادة على لومه. صحيح أن الفارق الزمني بين أحداث العنف المختلفة في المنطقة ليس كبيرًا – بل هو السمة الرئيسية للمنطقة مع استمرار وجود الكيان الصهيوني، من حيث معرفتنا بالعنف. 

في نهاية المطاف، نجد أنفسنا محاصرين بين نارين: البقاء في هذه الهوامش المضطربة حيث يطاردنا قلق الرقابة الذاتية والمؤسساتية، أو الهروب نحو امبراطورية المستعمِر بحثاً عن أمانٍ زائف. لكنّنا ندرك تماماً أن الهروب إلى الإمبراطورية هو ارتماءٌ في حضن المركز الذي صنع هذه المآزق أصلاً؛ فليس هناك خلاص حقيقي هناك، بل مجرد انتقال من عبودية القلق إلى عبودية الخضوع والتماهي والاستعمار. 

إن إصرارنا على خلق فضاءات معرفية من مؤتمرات وحلقات بحثية وتجمّعات مهنية ليست مجرد جهد تنظيمي، بل هي فعلُ مقاومةٍ ضد محاولات حصرنا في خانة الباحثة الفلسطينية أو اللاجئة التي يُتوقَّع منها وحدها حراسة الذاكرة وحمل ثقل القضية. نحن نرفض أن تتحول هوياتنا إلى توصيفٍ وظيفي، أو أن يُختزل وجودنا الإنساني في أدوارٍ رسمتها لنا المؤسسات أو التنميط.

إننا نسعى إلى تحويل التضامن من أداءٍ استعراضيٍّ عابر إلى مسؤوليةٍ جذريةٍ مشتركة؛ فنحن ندرك أن هذا الحِمل هو قدَرنا وواجبنا، لكننا نرفض الانفراد به. إن دعوتنا للآخرين للاشتباك مع الهوامش هي دعوة لتقاسم عبء الحقيقة، ورفض المشاريع البحثية التي تحوّلنا إلى مجرد أرقامٍ في سجلّات المانحين. إننا نبحث عن مساحاتٍ بديلة للتحرّر الأكاديمي الحقيقي، بعيداً عن شروط المؤسسة، لنبني يقيناً جديداً يتجاوز أطر التشييء الأكاديمي نحو تناغمٍ إنساني ومساحات أكثر عدالة.

 

ملحوظات: