مقتطف من قصّة "القصر على التلّة العالية"
parachute_website_ar.jpg

سارة السرّاج - هل نسميها كيسًا بلاستيكيًا*؟
المقتطف الآتي هو من رواية "القصر على التلّة العالية" لكريم قطّان، والتي كُتبت في الأصل باللغة الفرنسية، وترجمها إلى الإنجليزية جيفري زوكرمان وصدرت عن دار "فاوندري إيديشونز" في الثاني من نيسان/أبريل 2025 بعنوان The Palace on the Higher Hill. يمكنكم الحصول على القصة عبر الرابط التالي.
مقدّمة كتابة صبيحة علوش وغوى صايغ
قرأنا رواية كريم قطّان "القصر على التلّة العالية" للمرّة الأولى بالفرنسية عام 2021، ثم عدنا إليها بالإنجليزية عام 2025. يومها، خُيّل إلينا وكأنها تناص لرواية "محبوبة" لتوني موريسون؛ رواية تستحضر الأشباح وطقوس العبور، وتبعث أمكنة غابت واندثرت، ولكن هذه المرّة في جغرافيتنا نحن، في غرب آسيا. واليوم، مع اشتداد الإبادة في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تكاد الرواية تُقرأ كنصّ نبوئي. فقد سبقت زمنها، واستشرفت مآلًا استعماريًا مدمّرًا يبدو وكأن لا خلاص منه، في مقابل الوعود الحالمة، وربما الساذجة، بأفقٍ كويريّ مختلف. يرسم لنا قطّان من خلال سردية الراوي، شكلًا مؤلمًا لفكرة انعدام المستقبل الكويري، وكأن الراوي يشرع في خَطّ معالم زواله بنفسه.
ومع ذلك، ترتكز رواية "القصر على التلّة العالية" على فوضى سردية مُحكمة تُحاكي التشبّث بفلسطين. في مستهلّ الرواية، يترك راوي كريم قطّان سكينة حياته الأوروبية ويعود إلى قريته الأم، "جبلين"، ذلك الموضع المتخيَّل في فلسطين. وهناك يقيم في بيت أسلافه: قصرٌ يتداعى اليوم، بعدما كان يومًا معلمًا للبذخ البرجوازي. يحاور أشباح العائلة، وكلّ شبح منها يلمح إلى فلسطينٍ مُشتهاة، كان من المُمكن أن توجد. غير أنّ أكثر ما يلاحقه هو طيف عمّته نوال. لكن الأشباح لا تعرف البقاء طويلًا؛ فمع اشتداد التمدّد الاستعماري، تسحبك الارواح إلى أنقاض البيت العائلي وتباعاً تجرّك إلى منتهى التاريخ. ومع كل غياب، يشتدّ فينا، نحن القرّاء، شعورٌ قاسٍ باللايقين إزاء مصير الراوي، ومصير فلسطينه.
تعكس لقاءات الراوي بأشباحه ذلك الشذوذ التاريخي الذي تمثّله إسرائيل: مشروعًا استعماريًا متأخرًا عن زمنه، تحوّل إلى كيان استيطاني إبادي قائم على تفوّق العرق الأبيض. جرائم هذا الكيان جليةٌ لا لُبس فيها، بالضبط كما الأشباح في عينيّ الراوي. أمّا بعكس الأشباح التي تنكفئ نحو نهايات الزمان، يبدو أن هذه الإبادة بلا نهايةٍ منظورة. ويستمر هذا الكيان الإبادي من العقاب يومًا بعد يوم.
تتكرّر في الرواية محاولات قطّان الإمساك بفلسطين، لكنه يُخفق دوماً في مساعيه، فشلٌ يُشبه في كثيرٍ من تفاصيله، فشل الحراك المناهض للصهيونية اليوم. أمّا نحن، المناهضين للصهيونية، فقد ألفنا امتناع القوى المهيمنة عن محاسبة إسرائيل. ومع ذلك، نواصل عملنا المناهض للصهيونية، وبعضنا يفعل ذلك تحت تهديدٍ شخصي جسيم. فلسطين، التي نمدّ أيدينا إليها مرارًا، ما تزال بعيدة المنال.
لكن إذا قرأنا ما هو في متناولنا على نحوٍ مغاير، فربما لم تختفِ أشباح قطّان. ربما آثرت الانسحاب مؤقتًا على امتداد الرواية. فكون قطّان قادرًا على رؤية أشباح أسلافه ومحاورتها لا يعني استسلامه لواقعٍ متشظٍّ بوصفه فلسطينيًا اقتُلع قسرًا من أرضه وصودر بيته. على العكس، تبدو هذه الأشباح امتدادًا لآلاف الفلسطينيين الذين سُلبوا مثلَه في حيوات سابقة، واختاروا أن يظلّوا معلّقين عند تخوم الغياب كي يذكّرونا بأن فلسطين كانت دائمًا، وستظلّ دائمًا في وجود مؤكد. وليس غريبًا أن هذه الأشباح لا تكشف نفسها إلّا لمن تعترف بهم الأرض وتضمّهم إليها.
يكشف هذا المقتطف عن قبح الاستعمار الاستيطاني وما يخبئه للمستقبل وعن حتمية مقاومته. كما يُذكّرنا هذا المقتطف بحتمية رفض فكرة "الملاذ" الكويري الزائف الذي يروّج له الكيان الإبادي. فالفعل الكويري الأصيل هو أن تدفعك أشباح أسلافك إلى المقاومة ومناهضة الاستعمار، فيُباشر الراوي باستحضار صور ورموز "العالم المغاير" الذي تختزنه منطقتنا.
أخيرًا، يكشف هذا المقطع عن تصادمٍ بين مستقبلين: فمن جهة، هناك الآفاق الكويرية "الإنجابية" التي تتخيّل عائلات كويرية، والتي تتجسّد في شخصية خليل الراوي المدعو جورج. ومن جهة أخرى، ثمّة مستقبل مناهض للاستعمار، يبدأ من مصير الراوي نفسه: أن يشهد اندثار شعبه بأمّ عينه. ليس في المستقبل الثاني تخلّيًا عن الطموحات المستقبلية الكويرية بقدر ما هو مسار حتمي تفرضها الاشباح في زمن الإبادة.
وربما تكمن مساهمة قطّان في التفكير في اللا/مستقبل الكويري تحديدًا على النحو التالي: التمسك بهذا القلق، ومجاراة التناقضات بين الأحياء والأموات برقّةٍ وخفّةٍ وهشاشة تميّز الراوي، من دون أن تغيب فلسطين المحرّرة عن الأفق لحظة واحدة.
مقتطف من قصّة "القصر على التلّة العالية"
لم أكن أعرف السائق. ولا يعرفني بدوره. مضى يقود بصمت، لا يسألني ولا أُكلّمه، وأنا وحيد في المقعد الخلفي، كأنني شيء غريب منبوذ. حتى عمّتي جانيت لم ترافقني إلى المطار. كانوا، فيما أحسب، سعداء لفكرة ذهابي، مع أني لم أقترف ذنبًا. التفتُّ إلى الوراء. كان الوادي المكسوّ بالرماد يبتعد، والتلّان يذوبان في الضباب، ومعهما تتلاشي القرية. رأيت مطعم جهاد العجوز، والبيوت – بيتنا وما بقي من بيت جوزفين، وما بقي من أزهارها الذابلة. كان في النظر إلى ذلك كلّه وجعٌ ثقيل، كأنّ القلب يُنتزَع منّي انتزاعًا. بدت القرية خالية على نحوٍ موحش، كأن أهلها هجروها منذ دهر، أو تركوها للموت. مع أن شيئًا لم يحدث. لا شيء البتّة. ومع هذا، كان المكان يوحي بأن الحياة انطفأت فيه منذ زمن بعيد.
تُرى، هل فرّ الجميع؟
ثم انعطفت السيارة عند منعرج الجبل، فغاب كلّ شيء دفعة واحدة. غابت القرية والتلّان والبيوت، كأن الأرض ابتلعت كلّ المعالم. ومع ذلك، لم يكن قد حدث شيء. لا شيء. وأنا أيضًا لم أفعل شيئًا. كلّ ما ظننته فعلًا قائماً، لم يكن إلا أوهامًا عبرت رأسي. لم يكن هناك سوى عينين بلون الذهب تلمعان في الليل، وجنود يصعدون تلّنا تحت نضح السماء. والآن صار كلّ شيء هناك، القرية والتلّان وبيتنا العالي وبيت جوزفين في السفح، تحت رحمة الريح وحدها. أدرتُ وجهي إلى الأمام، لأن النظر إلى الوراء كان يؤلمني. وفجأة انكشف البحر، أزرقٌ صافٍ على مدّ البصر. ثم رأيت، لأول مرة في حياتي، مطارًا… وطائرة…
أُرسلتُ إلى مدرسة داخلية. مع أني لم أفعل شيئًا! وبعد أسبوعين جاءني كتابٌ يخبرني أن عمّتي جانيت قد ماتت. كان ذلك، في نظري، جزاءها.
ثمّة أمر لا بدّ أن أبوح لك به. وأرجو أن تُصغي إليّ، رغم كلّ ما جرى. لا أطلب منك أن تغفر لي ما فعلت، ولا أن تؤيّده، بل كلّ ما أرجوه أن تسمعني حتى النهاية. لا بدّ لي من الاعتراف.
لقد قتلتُ رجلًا. مستوطنًا. رجلًا، ولكنّه مستوطن. مستوطنًا، ولكنّه رجل. ما أقبح العبارة حين تُقال هكذا، أليس كذلك؟ غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك القبح.
عليك أن تفهم ما حدث: لقد ظهر أمامي فجأة تحت أشجار اللوز. كان يبدو كأنه ميت منذ زمن بعيد، كالشبح، حتى إن موته أو حياته لم يعودا يغيّران شيئًاعلى هذه الأرض. كان ضوء النهار النقيّ يتكسّر بين ظلال أشجار اللوز. لم يرَ الرجل نوال، لكنها كانت صاحبة السيادة على هذه اليد – يدي. كان معي مسدّس. خرجتُ من البيت وجلستُ في الفسحة الصغيرة. كنت قد وجدتُ المسدّس في غرفة نوال وإبراهيم. خرجتُ أحمل كأس ليموناضة في يدي، والمسدّس في جيبي، وتلك الأفكار السوداء التي كانت تشجعني على أن أضع حدّاً لحياتي في مكانٍ ريفي هادئ، لا شأن له بشيء من هذا العالم.
خرج المستوطن من العدم! فأطلقتُ النار عليه – أو لعلّ الأدقّ أن أقول إن نوال أخذت بيدي وأطلقت النار. كانت متعبة هي أيضًا. كانت تشبه تمثالَ إلهةٍ أكل عليها الزمن وشرب. يا لعبث الأشياء. مسدّس! لو لم أُطلق النار عليه، لكان هو من أطلق النار. أنا على يقين. غير أن ذلك لا يغيّر شيئًا. وليس فيما أقول تبرير أو دفع للتهمة. نعم، قلتها كما هي: لقد قتلتُ رجلًا… مستوطناً. فعلت فعلتي هذه بالأمس. هكذا، دفعةً واحدة قتلت الرجل المستوطن. ولا شيء بعد ذلك.
غير أن ما أريد الاعتراف به لك هو أمر آخر.
لم أحرّك جثة ذلك الرجل، ذلك المستوطن… ها هي هناك تركد تحت أشجار اللوز، وما الخطب في ذلك؟ أتراك تظنّ أن العفن بدأ ينهش جسده؟ اسمع، لقد كان قبيحًا. نعم، أعرف ما تقوله في سرّك، ولكنها الحقيقة. كان قبيحًا حقًا. ولعلّي ما كنت لأقتله لو كان جميلًا بما يكفي. أجل، ربما ما كنت لأضغط على ذاك الزناد. لكنه رجل مستوطن، مستوطن قبيح. لو كان غير ذلك ربما كنتُ تركته يقتلني أنا، وارتجفتُ بين يديه ارتجافة لذّة. لكنه لم يكن رجلاً جميلاً… كان رجلاً ومستوطناً… لو كان جميلًا إلى حدٍّ يخطف أنفاس نوال نفسها، لو كان في وجهه ما يفتن الشياطين، فمن يدري؟ لعلّ الأمور كانت ستسلك سبيلًا آخر. لعلّي كنت سأرجوه أن يقتلني، لا بالرصاص، بل بيديه، وهما تطبقان على عنقي، وكنتُ سأموت متنهّدًا، كأن الموت نفسه نشوة أخيرة.
لكنّه كان مستوطناً…
وقبل أن يظهر، قبل أن أعثر على المسدّس، قبل أن أخرج لأموت تحت أشجار اللوز بهدوء دون إزعاج، كانت نوال تهمس في أذني بكلماتٍ، داكنه حاسمة: "هيا اخرج! اذهب إليهم… واجههم. إن سقط واحد منهم برصاصك فذلك يكفي. لا تخَف. سأسبقك أنا. لن يجرؤوا على إطلاق النار عليّ. سأملأ قلوبهم رعبًا. هيا… هيا الآن… أنا ذاهبة اتبعني…".
كنتُ متعبًا، ولم أعد أريد أن أبدّد ما بقي فيّ من قوّة. كنتُ أريد أن أموت، لا أكثر. ثم ظهر ذلك المستوطن أمامي، فإذا به – على نحوٍ لا يخلو من السخرية – ينقذني من الموت الذي كنتُ أترجّل نحوه. لهذا قرّرت أن أكلّمك. أن أعترف لك بكل شيء. لم يبقَ لي أحدٌ أحدّثه. ومع ذلك فأنا أعلم، رغم كلّ ما كان، ورغم الرعدة التي تعتريني كلّما كتبت إليك، أنك ستصغي إليّ. أعلم أنك، ما إن تقع عيناك على هذه الكلمات، ستشعر برغبة في محو الرسالة، في طردي من ذاكرتك مرّةً أخيرة. لكن ما أعرفه يقيناً أيضاً، أنك لن تفعل. ستتنهّد أولًا، ذلك التنهّد الخائر الذي أعرفه، ثم تتابع القراءة.
طوال هذا الزمن الذي كنتُ فيه حبيس نوال، دورةَ فصولٍ كاملة، وثلاثةَ فصولٍ، وشهرين فوق ذلك، كنتُ أشعر بحاجة جارفة إلى أن أحدّث إنسانًا ما، لأن الكلام وحده قادرٌ أحيانًا على تبديد المغلوط من المعاني، أو على الأقلّ أن يمنحه اسمًا آخر أقلّ ظلمة.
أصغِ إليّ إذن، إن شئت طبعاً…
إنها حكايةُ بدايةٍ، على ما أظن. أو لعلّها حكايةُ نهاية…
وُلدتُ تحت قمرٍ بدويّ. ولا أدري، إلى اليوم، معنى هذا الكلام. كانت عمّتي جانيت تردّده دائمًا بنبرةٍ توحي كأنني وُلدتُ مصابًا بلعنةٍ ما، لعنة معدية…
وكانت تقول إنّها، يوم وُلدتُ، خرجت من البيت ومضت تائهةً في الأحراج، حتى عثرت على دابّةٍ مبقورة البطن.
"حيوان"، كانت تقول، "وحش… مخلوق بريّ، وحيد".
وكنتُ أسألها دائمًا:
- أيُّ مخلوق؟
فتجيبني:
- مخلوق… مجرّد مخلوق!
ثم تسكت قليلًا، كأنّها ترى المشهد أمامها من جديد.
وكان ذلك الكائن… تخيّل ما تشاء: غزالًا، ابن آوى، غولًا، أو مسخًا خرج لتوّه من ظلمة الأرض – قد بدأ العفن يدبّ فيه، ومع ذلك أخذ يكلّم عمّتي جانيت.
أما عن مضمون ما قيل، فظلّ سرّاً بعيداً عنّي.
والحقّ أنني، كلما روَت لي الحكاية، كانت تضيق بعينيها نحوي كأنها تتهمني بشيءٍ خفيّ. غير أنها، في تلك اللحظات بالذات، كانت تشبه حيوانات الراكون المرسومة في مجلّاتي المصوّرة، فأنفجر ضاحكًا، فتشيح بوجهها وتقول:
- هاك ترى.
وها أنا أكلّمك كأنني أعرّفك بنفسي لأول مرة. أقول: "وُلدتُ"، و"عمّتي جانيت"… كأننا غرباء نتعارف…
اسمع… لقد أنهكتني نوال.
الدخان غطّى الأفق البعيد. والقرى الحجرية المعلّقة على التلال تظهر حينًا وتغيب حينًا وراء ستارة الدخان، كأنها تلعب الغميضة. وكأني أرى أن أكثر البيوت لم يبقَ منها إلا الركام.
"القمر البدوي"، كان من تعابير جوزفين المحبّبة. أحيانًا، حين أكون عندها، كانت ترفع رأسها إلى السماء ثم تصيح قائلة:
- آه، هذا قمرٌ بدويّ بحقّ!
ومنذ طفولتي، صارت كلّ الأقمار في نظري بدوية. وكانت الكلمة توقظ فيّ صورًا لا أعرف من أين تأتي: أقمار القوافل، أقمارًا عصيّة على الترويض، تعدو فوق الصحارى نحو واحاتٍ من نجوم. قمرٌ غريب حتى عن نفسه، يشبه ذلك الكائن الذي يعيش غريبًا في داخلي. وها نحن الآن، أنا وذلك الآخر الساكن فيّ، جالسان في الحديقة خلف هذا البيت، المطلّ على حديقة جوزفين، وتحت ضوء القمر ما تزال الحديقتان تحتفظان بشيء من لمعانهما القديم.
وفي الأيام الأخيرة أخذت شظايا من حياتنا، أنت وأنا، تطفو ببطء إلى سطح مخيّلي. وصرتُ أتعرّف، شيئًا فشيئًا، إلى الرجل الذي عشتُه معك طوال تلك السنوات العشر. وما يزال أكثر ذلك العمر غارقًا في الضباب. وإن بدت تلك الحياة كأنها مُحيت من رأسي، فليس لأنني لم أقاتل للاحتفاظ بها.
هذا الصباح فقط، تذكّرت أنك كنت تريد أطفالًا.
وتذكّرتك وأنت تترك على الطاولة كتيّباتٍ مليئة بصور أطفال يبتسمون ابتسامات عريضة، كأنهم معروضون للبيع. أطفال جميلون، أنيقون، فيهم شيء من الشقاوة المحبّبة، لكنهم مهذّبون. وحتى الملامح كانت قابلة للانتقاء: هل نريد للطفل أن يميل الى شحوبي الزيتونيّ، أم إلى إشراقتك الخفيفة؟
كنت تريد أطفالًا، وأنا لم أكن أسمعك.
كأن ضجيجًا مكتومًا كان يرتفع حولي كلّما فتحت هذا الحديث، فيأخذني بعيدًا عنك، بعيدًا حتى عن نفسي.
تذكّرتُ كل ذلك هذا الصباح، بينما كانوا يُطبقون الحصار على القرية.
لم يسعني يوماً أن أفضي إليك بذلك اليقين الذي يسكنني: أنني وُلدتُ لأشهد انقراض قومي.
أما أنت، بكل انتباهك ورقّتك، فكنت تتوق إلى الأطفال، وكنت مستعداً لأن تنتظر حتى آخر الدهر ريثما أوافق.
صدّقني يا جورج، لم أقصد.
لم أقصد أن أختفي من حياتك على هذا النحو.
أقسم لك أنني لم أقصد، في ذلك الصباح، أن أستيقظ مشوّشًا بينما كانت الشمس تكافح لتطلع، ولم أقصد أن أمدّ يدي إلى الهاتف فوق المنضدة، وأنقر عليه نصف نائم، فأختار شركة طيران، وموعد سفر، وحقيبة إضافية، كأنّ الأمر يحدث من تلقاء نفسه. أجل، لا بدّ من حقيبتين لرحلةٍ طويلة كهذه.
ولم أقصد ألّا أخبرك.
لم أقصد أن أنسلّ من حياتك في ذلك الضباب الباكر، كما ينسلّ حلمٌ من رأس صاحبه.
وبعد ثمانٍ وأربعين ساعة، لم أقصد أيضًا أن أصل إلى هذا البيت، وأن أدفع الباب بصعوبة، وأن أترنّح داخل هذه الغرفة.
وقد لا تصدّقني، وذلك شأنك، لكنني لم أرد أن يمتدّ الصمت بيننا إلى هذا الحد. لا رسالة، لا اتصال، لا بريد إلكتروني، ولا حتى ورقة تُرسل بالبريد كما في الأزمنة القديمة.
لم تكن هناك خطة كبرى للاختفاء.
لكنّني تلاشَيْت، هذا كلّ ما حدث.
