إعادة تأمّل كويري في إحصائيات الانتحار حسب العرق في المملكة المتحدة

السيرة: 

الدكتورة إميلي يو، زميلة بحث ما بعد الدكتوراه في جامعة إدنبرة (زمالة ميلدريد بلاكستر)، تبحث في مناهج مناهضة للعنصرية في أبحاث الانتحار في المملكة المتحدة، مع التركيز على كيفية توظيف القراءات المختلفة لـ"الأدلّة" لتحدّي الروايات السائدة حول "أزمة الانتحار بين الرجال البيض".

اقتباس: 
إميلي يو. "إعادة تأمّل كويري في إحصائيات الانتحار حسب العرق في المملكة المتحدة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 11 عدد 3 (16 كانون الأول/ديسمبر 2025): ص. 18-18. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/queering-uk-suicide-ethnicity.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

moon_website_ar.png

سارة السرّاج - قمر

مع صدور أول إحصاءات مفصّلة في المملكة المتحدة عن الانتحار حسب العرق في عام 2021، يُبرز الإبلاغ عن بعض المجموعات الجنسانية والمُعنصَرة بمعدلات انتحار مرتفعة، تحوّلًا عن السياسة التشتيتية لأزمة الانتحار لدى الرجال البيض، التي كانت تصورّهم كضحايا الانتحار الوحيدين (Jordan & Chandler 2019; Helman et al. 2024). كيف ينبغي لنا استقبال هذه البيانات الجديدة عن الانتحار، وكيف نردّ عليها؟ هل نعتبرها دليلًا على صعوبة العيش تحت هيمنة البيض؟ أم دعوةً لتوسيع نطاق معرفة الانتحار والوقاية منه لنتوسّع خارج بوتقة الخوف على الذكور البيض المطابقين جنسياً (cis white maleness) في المملكة المتحدة (Yue 2025)؟

في هذا العدد حول "اللا-مستقبلية الكويرية"، ترى مجلة "كحل" أن "المستقبلية الكويرية هي في الوقت نفسه ممارسة، وطريقة، ومنهج في الوجود والفعل". بالاستناد إلى مفهوم كيفن جويان للمعرفة الكويرية بالبيانات (queer data literacy)، أقدّم بعض الطرق لقراءة إحصائيات الانتحار حسب العرق في المملكة المتحدة، بهدف تعطيل الوضع الفنّي الراهن للمعرفة الإحصائية حول الانتحار، واستثمارها في إعادة تشكيل العالم بما يتجاوز الأنظمة التي تعيد إنتاج حالة "العيش المستحيل" التي يرزح تحتها الكثيرون.

سأبدأ بتقديم مفهوم المعرفة الكويرية بالبيانات، قبل استعراض بعض القراءات المختلفة لإحصاءات الانتحار حسب العرق، آملةً أن تكون قراءتي مفيدة لمن يرغب في إجراء أبحاث حول الانتحار ضمن إطار مناهض للعنصرية.

 

قراءة البيانات الكويرية كمنهجية

استنادًا إلى منهجية النسوية المعتمدة على البيانات (D’Ignazio & Klein 2020)، وإلى نداءات ناشطي حقوق الإعاقة التي ترفع شعار "لا شيء يخصّنا من دوننا"، يقدّم كيفن غويان مفهوم كفاءة التعاطي مع البيانات المتعلقة بالديموغرافية الكويرية كأداة تحليلية تسلّط الضوء على اختلالات القوة التي تنظّم جمع البيانات وتحليلها، خصوصًا تلك التي تؤثّر مباشرة في حياة أفراد ومجتمعات "الميم-عين"، إذ ما تزال القرارات المتعلّقة بهذه البيانات خاضعةً في الغالب لوصاية أغلبية مغايرة جنسيًا ومطابقة جندريًا. ويشير غويان إلى أن كفاءة التعاطي مع البيانات الكويرية "توفر حدًا أدنى من المعايير الواجب اتباعها من قبل صانعي القرار فيما يتعلّق بالبيانات التي تمسّ مجتمعات الميم-عين" (2022:156). فهي، أولًا، تتطلّب معرفةً أساسية بالمفاهيم واللغة المرتبطة بالهويات الكويرية، وفهمًا للسياقات التاريخية والاجتماعية التي تشكّلها، ووعيًا بفوارق القوة داخل هذه المجتمعات وفيما بينها، إضافة إلى إدراك تقاطعات الهويات الكويرية مع سمات هوياتية أخرى. ثانيًا، تُدرِج هذه المنهجية الدور الاستجوابي كشرطٍ معرفيٍّ أساسي في نقاشات البيانات، بمعنى: الاستعداد لتبنّي موقع ناقد ومخالف، وطرح استفزازات معرفية، والتشكيك في الفئات التصنيفية السائدة، والاعتراف بتعدد طرق إنتاج المعرفة.

تغدو الحاجة إلى هذا الدور ملحّة في ظلّ المكانة المركزية للبيانات الكمّية وما يُنسب إليها من حيادٍ مفترض ضمن اقتصاد المعرفة، على الرغم من توثيق تصاميمها العنصرية (Benjamin 2019). وانطلاقًا من هذه العناصر، أستثمر مفاهيم كفاءة التعاطي مع البيانات الكويرية لاقتراح قراءات استفزازية ومقاربات معرفية بديلة لإحصائيات الانتحار بحسب العرق في المملكة المتحدة، بما يزعزع الوضع التقني الراهن للمعرفة الإحصائية حول الانتحار، ويعيد توجيه استخدامها نحو صناعة العوالم، بدل إعادة إنتاج الأنظمة التي تتنبّأ بالمعطيات التي ستجهز علينا وتحافظ على هذه المعطيات. آمل أن تكون هذه القراءة – أو القراءات – مفيدة للباحثين والباحثات الراغبين في تناول دراسات الانتحار بوصفها ممارسة معرفية مناهضة للعنصرية.

 

واقع الحال التكنولوجي: بين التحريف والتبيان

تاريخيًا، اعتمدت المملكة المتحدة في الإبلاغ عن الوفيات، بما في ذلك الانتحار، على محور العمر والجنس كما يَرِد في شهادات الوفاة. غير أنّ عام 2021 شهد تحوّلًا منهجيًا، إذ استخدم "مكتب الإحصاءات الوطنية" (ONS) أرقام هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) لربط شهادات الوفاة ببيانات الإثنية المُبلَّغ عنها ذاتيًا في تعداد عام 2011، وذلك بهدف إنتاج إحصاءات عن الوفيات بحسب الإثنية للفترة الممتدة بين عامي 2012 و2019. وبحسب تقارير مكتب الإحصاءات الوطنية، سُجِّلت أعلى معدلات الانتحار بين الرجال المصنَّفين ضمن فئتَي البيض والإثنيات المختلطة/المتعددة. غير أنّ هذا الاستنتاج يستند تحديدًا إلى فترة 2017-2019 فقط، حيث بلغ المعدل 14.9 حالة بين الرجال البيض لكل 100,000 نسمة، و14.8 حالة بين الرجال من الإثنيات المختلطة لكل 100,000 نسمة. وقد تلقّفت هذه الخلاصة جمعية "السامريون" Samaritans، وهي منظمة بريطانية معنية بالوقاية من الانتحار، معتبرةً أن "هذه النتائج تعكس أبحاثًا أخرى… وجدت أن أعلى معدلات الانتحار سُجّلت بين المرضى البيض" (2022: 1-2).

غير أنّ الاطلاع على مجمل مجموعة البيانات للفترة الكاملة (2012-2019) لا يتأتّى إلا عبر اتخاذ خطوة تحليلية إضافية:

عند فحص الجدول المُحمَّل الذي يعرض مجمل مجموعة البيانات (انظر أدناه)، يتبيّن أنّ الفترة 2017-2019 وحدها هي التي تظهر فيها معدلات وفاة الرجال المصنَّفين ضمن فئتَي البيض والإثنيات المختلطة/المتعددة بوصفها متقاربة ومرتفعة على نحوٍ مماثل. أمّا في سائر فترات الإبلاغ الأخرى (بين 2012 و2018)، فقد سُجِّلت معدلات وفاة أعلى بالانتحار بين الرجال من الإثنيات المختلطة مقارنةً بالرجال البيض. ومع ذلك، لا يَرِد هذا التمايز الزمني والتحليلي في أي موضع من تقرير "مكتب الإحصاءات الوطنية".

تتمثّل نيّتي هنا في لفت الانتباه إلى الكيفية التي يُسهم بها عرض بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية – من دون إخضاعها لمعاينة أو تدقيق إضافي – في إعادة إنتاج ظاهرة الانتحار بوصفه مشكلةً تخصّ الرجال (البيض). ويؤدي ذلك إلى تقييد قدرة أول إحصاءات في تاريخ المملكة المتحدة عن الانتحار بحسب الإثنية على تقديم إسهامٍ ذي معنى في معرفة الانتحار وفي جهود الوقاية منه. ولا سيما في ما يتعلّق بإبراز الحاجة إلى عملٍ مناهض للعنصرية، ليس فقط في تبيان أبعاد اللامساواة، بل أيضًا في بناء المعرفة حول الانتحار نفسها – أي في تحديد من يُحتسب، وما الذي يُحتسب انتحارًا/انتحاريًا.

 

الفعل الذي يتأتّى عن البيانات

يشير كيفن جويان (2022) إلى أن الأعداد الصغيرة من الأشخاص المنتمين إلى الجماعات الكويرية في مجموعات البيانات، نظرًا لتحويلهم إلى صفة الأقليات مقارنةً بالسكان ككل، يمكن أن تؤدي إلى عدم استخدام بيانات الكويريين، أو استخدام هذه البيانات لنزع أولوية تلبية احتياجاتهم. وبنفس السياق، فإن تقرير "مكتب الإحصاءات الوطنية" البريطاني عن الرجال من الجماعات العرقية المختلطة/المزدوجة على أنهم يموتون بمعدلات انتحار مرتفعة مماثلة للرجال البيض، يمثل تمثيلًا منقوصًا للمعدلات الفعلية المرتفعة للانتحار المبلَّغ عنها للجماعات المختلطة. على سبيل المثال، في تقريرهم السياسي بعنوان "العرق والانتحار"، اختارت جمعية "السامريون" عدم التركيز على الجماعات المختلطة التي سُجِّل وفاتها بمعدلات انتحار عالية؛ وبدلاً من ذلك، اقترحوا أن الأقليات العرقية عمومًا (بما في ذلك الجماعات العرقية غير المختلطة، التي سجّلت معدلات انتحار أقلّ، والجماعات العرقية البيضاء) تموت بمعدلات مختلفة من الانتحار (2022:2)، وأننا بحاجة إلى المزيد من البحوث لتوجيه جهود الوقاية من الانتحار بين الأقليات العرقية (2022:7).

يشمل مطلب الجمعية "تسجيل وجمع وتوصيل بيانات [الانتحار حسب العرق] بشكل أفضل… للحصول على صورة كاملة للانتحار تكون شاملة لكل الجماعات العرقية" (ibid.) بعض الاعتبارات المهمة، مثل تسجيل العرق في شهادات الوفاة، ووقف دمج فئات العرق (مثل دمج البيض الغجر والروم والمسافرين ضمن فئة البيض). ومع ذلك، فإن إدراك البيانات المحدودة يُمثل تمثيلًا منقوصًا للتقارير الجديدة عن الرجال والنساء من الجماعات المختلطة الذين يموتون بمعدلات انتحار مرتفعة بشكل غير متناسب، ويقلل من الإمكانيات التي تحملها هذه البيانات في زعزعة تمركز الذكورة البيضاء في تقارير الوقاية من الانتحار الحالية. كما يشير جويان: "تُطلب من منظمات حقوق الكويريين التعامل مع أنظمة القوة الحالية وطرق العمل لإحداث تغيير" (2022:168). إن قيام جمعية "السامريون" برفع عتبة الاشتراط لبيانات الانتحار حسب العرق إلى المثل الأعلى غير القابل للتحقق، المتمثل في "صورة كاملة للانتحار عبر الجماعات العرقية" (2022:7)، يعيد إنتاج الحاجة المتزايدة لمزيد من الأدلة حول الفوارق في إمكانية العيش تحت الهيمنة البيضاء، وفي النهاية، يشرعن النظام الراهن للوقاية من الانتحار القائم على تمركز الذكورة البيضاء.

 

التنقيب نحو الرفض

في مقالها "الدفاع عمّا هو موجود"، تصوّر صوفي ماري نيانغ (2024) التنقيب كمنهجية رفض – رفض للمنطق الاستعماري الذي يجعل الأجساد المهمّشة غير قابلة للفهم ويجبرها على جعل نفسها مفهومة من أجل تيسير عمليات استغلالها مرارًا وتكرارًا (Campt 2018؛ انظر أيضًا McKittrick 2021). في عام 2024، استخدمت دوليكا كنايب وزملاؤها بيانات الوفيات بين 2012-2019 الصادرة عن "مكتب الإحصاءات الوطنية" لحساب معدلات الانتحار المعدلة حسب العمر والجنس لكل واحدة من 18 مجموعة إثنية ذاتية التحديد في إنجلترا وويلز. في ضوء دعوة جمعية "السامريون" للحصول على مزيد من الأدلّة، اعتبر عمل كنايب وزملائها (2024) في التنقيب الرفضي الكويري – منهجية كويرية.

بدلًا من إعادة توحيد فئات الإثنية (مثل الأبيض والمختلط)، يعزز النهج التقاطعي لكنايب وزملائها بشكل كبير قاعدة الأدلة المتعلقة بالإثنية والانتحار في المملكة المتحدة، مغايرًا للمعرفة القائمة حول الانتحار على مستويات عدة.

أولًا، في البلدان الغربية، لطالما جرى تقليل أهمية الانتحار بين النساء تاريخيًا استنادًا إلى انخفاض معدلات الوفاة مقارنة بالرجال (Jaworski 2014؛ Townsend 2025). تشير بيانات كنايب وزملائها إلى أن النساء من خلفيات مختلطة بين الأبيض والكاريبي يمتن بمعدلات أعلى من الإناث البريطانيات البيضاوات، بينما تموت نساء الغجر البيض أو الرحّل الإيرلنديين بمعدلات تفوق ضعف معدل الإناث البيض في الأغلبية. علاوة على ذلك، بينما "توفي عدد أكبر من الذكور مقارنة بالإناث… فإن هذا الاختلاف تفاوت حسب المجموعة الإثنية" (2024:614)، لم يكن هناك أي تفاوت بين الذكور والإناث ضمن المتعرف عليهم كعرب (2024:615).1

ثانيًا، أدّت تسجيلات العمر والجنس في شهادات الوفاة إلى تصوير أزمة الانتحار بين الرجال العاملين في المملكة المتحدة على أنها أزمة "بيضاء" عامة (Wyllie et al. 2012). إن تفكيك الانتحار حسب العمر والجنس والإثنية وفق بيانات كنايب وزملائها يعقّد هذه الأزمة، إذ تشير البيانات إلى معدلات مرتفعة للانتحار ليس فقط بين الذكور البريطانيين البيض العاملين، بل أيضًا بين ذكور الغجر البيض أو الرحّل الإيرلنديين العاملين، و"الإناث العاملات من خلفية مختلطة بين الأبيض والكاريبي" (2024:615). لهذه النتائج تبعات مهمة على المنطق الرأسمالي لسياسات الوقاية من الانتحار في المملكة المتحدة.

تشير الباحثتان والمعالجتان تيشا إكس ومارسلا بولانكو (2021) إلى ارتباط معرفة الانتحار والوقاية منه بالمنطق الرأسمالي الأوروبي.2 استخدام كنايب وزملائها للمنهجية الرفضية الكويرية للبيانات – سواء للإبلاغ عن معدلات الانتحار المرتفعة بين بعض النساء، أو لتجاوز المركزية الذكورية البيضاء للموضوع الانتحاري العامل – يتيح فرصة كبيرة لتسليط الضوء على هذا التمركز وتحدّيه. بالفعل، فإن تركيز الكثير من برامج الوقاية على إعادة هذا الموضوع إلى العمل المأجور يستبعد السكان الجنسيين والعرقيين من هذه الصورة النادرة للقدرة على العيش، حيث يُطلب منهم أداء العمل الخاضع للمثال المثالي للعامل الأبيض القوي.

علاوةً على ذلك، ومن خلال استخدام البيانات المتاحة للعامة، تقوم كنايب وزملاؤها بالتنقيب الرفضي الكويري لتفكيك الحاجة المستمرة لمزيد من البحث والأدلة حول تفاوتات الانتحار، بينما تبقى متطلبات الوقاية نفسها. بهذا، تكشف هذه المنهجية الكويرية عن عبثية محاولات "إدماج السكان الجنسانيين والعرقيين ضمن أساليب الوقاية القائمة المصممة على أساس المعيار الذكوري الأبيض" (Yue 2024). ومن خلال تحويل هذا الهدف الوقائي شبه المقيّد بالذكورة البيضاء في مواجهة الانتحار، تتجلّى السياسة التشتيتية لأزمة الانتحار الذكوري في مساهمتها في إعادة إنتاج الأعراف والهياكل الأبوية-الجندرية وعدم المساواة في المشهد السياسي العنصري المتزايد وضوحًا، وهو المشهد الذي يثير القلق من مستقبل غير أبيض، ويتجلّى بوضوح في نقد النسوية ومراجعة الإجهاض والعلاقات النسائية الكويرية (Jordan & Chandler 2019; Tack 2019; Baril 2023).

 

التخيّل الكويري للمستقبل

أودّ أن أختتم بالإشارة إلى محدودية بيانات الانتحار فيما يخصّ الجندر والهوية الجنسية. فعلى سبيل المثال، لا تتوافر بيانات تتجاوز ثنائية الذكر/الأنثى، إذ يُستخدم الجنس البيولوجي المسجّل في شهادات الوفاة لإنتاج إحصائيات الانتحار الخاصة بـ"مكتب الإحصاءات الوطنية" (ONS). وقد تؤدي "الأعداد الصغيرة" (Guyan 2022:120) أو ما يُسمى بـ"اللامرئية الإحصائية" (Marzetti et al. 2023:1565) إلى التقاعس عن العمل، إذ تُعطى الأولوية للتكميم على حساب المبادرة الفعلية، بينما قد تؤدي زيادة الظهور إلى مخاطر أكبر، إذ غالبًا ما يتعرّض السكان غير المتوافقين جندريًا لعنف متزايد. ومع ذلك، يبقى جويان متفائلًا بشأن الفوائد طويلة المدى للظهور: "كونك محسوبًا… يمكن أن يوجه الحكومات والمنظمات في تخصيص الموارد وتقديم الخدمات" (2022:169).

في سياق الانتحار والوقاية منه، يبرز نقص البيانات الرسمية حول مجتمع "الميم-عين" في المملكة المتحدة، إذ لا تُجمع عند تسجيل الوفاة أي معلومات عن "التوجه الجنسي أو الهوية المتحوّلة، أو الهوية الجندرية" (Marzetti et al. 2023:1559-1560). ومع ذلك، فقد أسفر التنظيم القاعدي والتنقيب الكويري عن البيانات حول العالم (مثل "منظمة الصحة العالمية" 2014) عن مجموعة أدلة تُظهر ارتفاع معدلات الانتحار/الانتحارية بين أفراد مجتمع "الميم-عين" مقارنة بأقرانهم من الجنس والجندر المتوافقين (Marzetti et al. 2024). ورغم أن تصوير أفراد مجتمع "الميم-عين" على أنهم "معرّضون للخطر" قد يكون مسارًا مرضيًا (pathologising) ولا يضمن بالضرورة زعزعة أساليب الوقاية القائمة (Marzetti et al. 2023)، يمكن فهم هذا النهج – الممارس خارج إطار "الإنتاج الرسمي للأدلة حول الانتحار" في إحصاءات ONS – كمثال على استخدام البيانات من أجل مستقبلات كويرية. وقد بدأ باحثو المرحلة المبكرة من مجتمع "الميم-عين" وحلفاؤهم (Marzetti et al. 2024) بالاستناد إلى هذه الأدلة غير الرسمية لتطوير مقاربات شمولية للوقاية من الانتحار في مجتمعات الـ"ميم-عين". ومن خلال ذلك، يفتحون الطريق نحو بناء عالم بدل الاقتصار على استجابات محدودة لمعدلات الانتحار/الانتحارية المرتفعة، مجسّدين بذلك مقاصد الوقاية من الوفاة ضمن رؤية كويرية متجددة وشاملة.

 

الخاتمة

تهدف هذه المقالة القصيرة إلى أن تكون في متناول المهتمّين بتطوير محو الأمّية حول البيانات ضمن مناهج مناهضة للعنصرية في بحوث الانتحار.3 فقد فضّلت الأدلة الإحصائية تاريخيًا في اقتصاد المعرفة حول الانتحار الرجال البيض، الذين أفيد بأنهم يموتون بمعدلات أعلى. آمل أن أُبرز الإمكانيات التي تحملها إحصاءات المملكة المتحدة الأولى للانتحار حسب العرق في توسيع نطاق تمركز الذكورة البيضاء في معرفة الانتحار وجهود الوقاية، خصوصًا مع تسجيل معدلات مرتفعة للانتحار بين بعض الجماعات الجندرية والمُعنصَرة. مع ذلك، أشرت أيضًا إلى حدود من يُعتبر مرئيًا في أحدث إحصاءات الانتحار بالمملكة المتحدة، وسلّطت الضوء على المخاطر التي تنشأ عند قراءة هذه البيانات بطرق تعيد إنتاج الوضع القائم في المعرفة التقنية للانتحار. وفي سياق الدعوات لتصميم برامج الوقاية لصالح السكان المهّمشين، أبرزت الطرق التي وظفت بها بعض الجماعات المناهج الكويرية للبيانات لمقاومة عدم قابليتها للفهم ضمن الإحصاءات البريطانية. كما يسهم هؤلاء في بناء استجابات أكثر عدالة تجاه الانتحار/الانتحارية والفوارق في إمكانيات العيش، بما يتجاوز مجرد الوقاية من وفاة الرجال البيض.

 

  • 1. ومن اللافت أن كنايب وزملاءها يشيرون صراحةً إلى "ارتفاع خطر الانتحار بين أبناء المهاجرين (أي مهاجري الجيل الثاني)" (2024:612). ويترتّب على ذلك أن بعض الجماعات المُدرجة في البيانات – مثل الجماعات العربية – لا ينبغي بالضرورة فهمها بوصفها جماعات مهاجرة، إذ إن هذا التصنيف يُغفل تعقيدات تاريخية وبنيوية تتجاوز منطق الهجرة المباشرة، ويُسقِط تجارب الانتماء والتجذّر عبر الأجيال.
  • 2. إبراز الطابع الخاص، وغير الكوني، للمعرفة الطبية المُعولَمة حول الانتحار وسياسات الوقاية منه، بوصفها معرفة تشكّلت تاريخيًا انطلاقًا من ذاتٍ أوروبية بيضاء وذكورية، ثم جرى تعميمها باعتبارها معيارًا محايدًا، بما يستتبعه ذلك من إقصاءٍ لتجارب ومعارف أخرى لا تنسجم مع هذا النموذج.
  • 3. قبل عام 2021، ومع غياب تفكيك بيانات الانتحار حسب العرق، كانت الإحصاءات تُقارن عادةً بين النساء البيض والآخرين.
ملحوظات: 
المراجع: 

Baril, A. (2023). Undoing Suicidism: A Trans, Queer, Crip Approach to Rethinking (Assisted) Suicide. Philadelphia: Temple University Press.

Benjamin, R. (2019). Race After Technology: Abolitionist Tools for the New Jim Code. Cambridge: Polity Press.

Campt, T. M. (2019). Black visuality and the practice of refusal. Women & Performance: A Journal of Feminist Theory, 29(1), 79–87.

D’Ignazio, C., & Klein, L. F. (2020). Data Feminism. Cambridge: MIT Press.

Guyan, K. (2022). Queer Data: Using Gender, Sex and Sexuality Data for Action. London: Bloomsbury.

Helman, R., Huque, S. I., & Chandler, A. (2024). Jarring Encounters: Discomfort, Disruption, and Dominant Narratives of Suicide. Qualitative Health Research, 0(0). https://doi.org/10.1177/10497323241302653

Jaworski, K. (2014). The Gender of Suicide: Knowledge Production, Theory and Suicidology. Surrey: Ashgate.

Jordan, A., & Chandler, A. (2019). Crisis, what crisis? A feminist analysis of discourse on masculinities and suicide. Journal of Gender Studies, 28(4), 462–474.

Knipe, D., Moran, P., Howe, L. D., Karlsen, S., Kapur, N., Revie, L., & John, A. (2024). Ethnicity and suicide in England and Wales: a national linked cohort study. The Lancet Psychiatry, 11(8), 611–619. https://doi.org/10.1016/S2215-0366(24)00184-6 

McKittrick, K. (2020). Dear Science and Other Stories. Durham: Duke University Press.

Marzetti, H., Chandler, A., Jordan, A., & Oaten, A. (2023). The politics of LGBT+ suicide and suicide prevention in the UK: risk, responsibility and rhetoric. Culture, Health & Sexuality, 25(11), 1559–1576. https://doi.org/10.1080/13691058.2023.2172614

Marzetti, H., Cooper, C., Mason, A., van Eijk, N. L., Gunn III, J., Kavalidou, K., Zortea, T. C., & Nielsen, E. (2024). LGBTQ+ Suicide – A Call to Action for Researchers and Governments on the Politics, Practices, and Possibilities of LGBTQ+ Suicide Prevention. Crisis, 45(2), 87–92. https://econtent.hogrefe.com/doi/epdf/10.1027/0227-5910/a000950 

Niang, S. M. (2024). in defence of what’s there: notes on scavenging as methodology. Feminist Review, 136(1), 52–66. https://doi.org/10.1177/01417789231222606

ONS. (2021). Mortality from Leading Causes of Death by Ethnic Group, England and Wales. Office for National Statistics. https://www.ons.gov.uk/peoplepopulationandcommunity/birthsdeathsandmarriages/deaths/articles/mortalityfromleadingcausesofdeathbyethnicgroupenglandandwales/2012to2019

Samaritans. (2022). Samaritans Policy Position: Ethnicity and Suicide. https://media.samaritans.org/documents/Ethnicity_and_suicide_July_2022.pdf

Tack, S. (2019). The Logic of Life: Thinking Suicide through Somatechnics. Australian Feminist Studies, 34(99), 46–59.

Townsend, H. (2025). “Drama queens” and “attention seekers”: Characterizations of Femininity and Responses to Women Who Communicated their Intent to Suicide. Gender & Society, 39(1), 5–34. https://doi.org/10.1177/08912432241300619

WHO (World Health Organisation). (2014). Preventing Suicide: A Global Imperative. World Health Organization. https://www.who.int/publications/i/item/9789241564779

Wyllie, C., Platt, S., Brownlie, J., Chandler, A., Connolly, S., Evans, R., & Kennelly, B. (2012). Men, Suicide and Society. Samaritans. https://media.samaritans.org/documents/men-suicide-society-samaritans-2012.pdf 

Yue, E. (2025). Ethnicity Statistics as Tricky Tools in “Post-Racial” Britain: Celebrating the Lives and Obscuring the Deaths of Mixed-Race Populations. Catalyst: feminism, theory, technoscience, 11(1), 1–26. https://catalystjournal.org/index.php/catalyst/article/view/39502/33733 

Yue, E. (2024). Mixedness and Suicide/ality: Exploring Knowledges of Un/Liveability in Postcolonial Britain. The University of Edinburgh. https://era.ed.ac.uk/bitstream/handle/1842/42624/YueE_2024.pdf