البحر يُقفل عند السابعة

السيرة: 

صباح، محرّرة النسخة العربية من مجلّة "كحل" ومنسّقة الملفات، عملت في الصحافة المكتوبة في لبنان، نسوية مهتمّة بأحوال العمل وقضايا العمّال والعاملات.

اقتباس: 
صباح أيّوب. "البحر يُقفل عند السابعة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 2 (10 نوفمبر 2022): ص. 2-2. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 23 أبريل 2024). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/367.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.

لم يُثِر ذلك المكان فضولي يوماً، لكن البقاء في بيروت في عطلة نهاية الأسبوع قد يدفعك إلى تجريب أي شيء. لنذهب إلى ذلك الكورنيش إذاً، أحتاج إلى مكان مفتوح من كلّ الجوانب، إلى الهدوء والتواجد قرب كائن طبيعي ضخم كالبحر يحجّم كلّ ما حوله ويبتلع ما يدور في الرأس. "الكورنيش الجديد" هكذا سمّاه البعض حينها، كورنيش "البيال - سوليدير"، تلك المساحة المردومة البعيدة التي كان الإعلان عن جهوزها لاستقبال السكّان مؤجّلاً دائماً. أنا أيضاً أجّلت زيارتي إلى ذلك المكان النائي، مشروع آخر من تنفيذ "سوليدير"، الشركة الخاصة التي اختطفت وسط العاصمة واحتلّته بأبشع الطرق وأعنفها.

زيارة كورنيش "سوليدير" لم تكن حاجةً ملحّة، فبيروت لديها كورنيشها الأصلي، كورنيش عين المريسة الذي يشبه المدينة وعلاقتنا المتأرجحة بها مدّاً وجزراً. أحبّه حبّ الهروب من زحمة بيروت وضيقها، وأكرهه عندما يكثر الهاربون إليه فيزدحم هو الآخر ويضيق بي وبرغباتي.

لكنها عطلة نهاية الأسبوع، وأردتُ أن أخرج من المنزل برفقة من أحبّ طمعاً بتجربة جديدة في إحدى المساحات العامة النادرة في المدينة واشتياقاً إلى صوت الموج.

وصلنا إلى المكان. قبل الكورنيش، امتدّت مساحات إسمنتية فارغة نبَتَ فيها عشب يابس، قد تصلح لركن السيارات لكنها مقفلة بجنازير. طريق معبّدة ومخططة بالأبيض تفصلك عن خطٍّ أوّل مخصّص للدراجات الهوائية، وخطّ آخر للمشاة من الرياضيين، ثم أخيراً تنزل درجاً لتصل إلى الكورنيش. الانطباع الأوّل، أننا فوق البحر لا بجواره. نقف على كتلٍ اسمنتية ضخمة ترتطم بها الأمواج من الأمام وتهدر من تحتها فتتسرّب بين شقوق الباطون فقاقيع مائية تُصدر أصواتاً غريبة، مشهد مسلّي جداً للمخيّلة الطفولية التي في داخلي، لكن ذلك لم يخفّف من ثقل فائض الإسمنت المهيمن على المكان. إسمنت جديد، كثيف، ضخم، باهت، سميك، لا خربشات عليه ولا رسائل حبّ أو فَقد أو عتاب، حضوره الثقيل بدا غير متجانس أبداً مع المياه والسماء ودرّاجات الأطفال.

كان البحر هادئاً جداً، أزرق غامق، نصف بيروت الشمالي ظاهر أمامنا، التلال المحيطة المشوّهة بكثافة عمرانية، المرفأ بآلياته وإهراءاته والسفن الراسية حوله وبعض اليمام… المشهد مختلف عن كورنيش عين المريسة، أصفى وأهدأ صحيح، لكن هناك شعور غريب وغير مريح هنا، شعور بأنّك ضيف.

أصعد إلى واحدة من الكتل الإسمنتية وأمدّ رقبتي وأغمض عينيّ لأتنشّق هواء البحر وأسمعه ويلفّني. الناس قليلون نسبياً مقارنة بكورنيش عين المريسة وجدّية الرياضيين منهم طاغية على المكان، لا موسيقى تلعلع في الأرجاء ولا بالونات مضيئة… لا مشكلة، فأنا أتيتُ بحثاً عن الهدوء، هكذا واسيتُ نفسي.

شاهدنا الغروب، ولم نكد نرمش بعد انتهاء مشهد نزول الشمس حتى نادانا صوت من الخلف. "إذا بتريدوا، يلّا"، قال الرجل المنادي من بعيد. يلّا؟! يلّا ماذا؟ لم نفهم ولم نكترث. ظللنا جالسين على السور الإسمنتي فوق البحر، لحظات قليلة وصار الرجل بجوارنا، "اعملوا معروف، سكَّرنا". سمعتُ الجملة الغريبة بينما كنت أشاهد خلفه حركة ابتعاد الناس جميعهم، سويّاً، إلى الخلف وانسحاب الرياضيين إلى سياراتهم والأهل حملوا درّاجات أطفالهم ومشَوا... ماذا حصل؟ هل حدثت كارثة ما بينما كنت أغمض عينيّ وأتنشّق هواء البحر؟ الهاتف لا ينقل أي أخبار عاجلة، ما الذي يريده هذا الرجل الخمسيني منّا؟ مهلاً، هل قال "سكّرنا"؟ لم أفهم فعلياً ما قاله الرجل في البداية، فسألته مجدداً بلطفٍ وبتركيزٍ شديدين كتائهة في مدينة غريبة لا أتقن إيقاعها ولغتها. أجاب: "إنها السابعة إلا عشر دقائق، نُقفِل هنا عند السابعة، لذا أرجو منكما المغادرة كبقية الناس".

كان الرجل يكرّر الجملة وأنا أحدّق بوجهه وبتجاعيده وبقميصه الرمادي الذي يشير بوضوح إلى كونه موظفاً في شركة أمن خاصة. حاولنا، بعدما فهمنا، أن نشرح له أنّ هذا البحر وهذه المساحة هي له ولنا ولا يحقّ للشركة التي يعمل فيها أن تطردنا منها. هذه مساحةٌ عامّة، مياهٌ مردومة، متنفّس أهل المدينة الصغيرة، ممشى الرياضيين، ملجأ التائهين يوم العطلة، مقرّ عشّاق الغروب، ملاهي فقاقيع الأمواج، جنّة الأطفال ودرّاجاتهم الملوّنة… سَمِّها ما شئت يا عمّو لكنّها لنا! هَزّ الرجل برأسه موافقاً على كلّ ما قلناه لكنّه أصرّ على مرافقتنا إلى البوّابة. نعم، البوّابة! بوّابة حديدية صغيرة عند أحد مداخل الكورنيش، انحنى الرجل ليقفلها بالمفتاح، استدرتُ عمداً لأسجّل سوريالية المشهد في رأسي: رجل شركة أمن يقفل كورنيشاً عامّاً ببوّابة. سمعتُ أزيز الحديد وخشخشة المفاتيح، حصَلَ الأمر فعلاً. أقفَلَ الرجل البحر عند السابعة مساءً. لم أرجع إلى ذلك المكان أبداً.

 

 

في طرابلس، المدينة التي وُلدت ونشأتُ فيها، حديقة عامّة وميادين تتوسّطها نافورات مياه كانت متنفّساً لسكّان بعض الأحياء في أوقات الهدنة خلال الحرب اللبنانية. كنّا نذهب إليها فرحين بعد أسابيع من التوتر وعتمة الملجأ وملل المنزل. ظلّت النافورات بالنسبة لي مصدر راحة نفسية كلّما سمعت صوت مياهها من بعيد وكلّما مررت بجانبها. عندما كبرت، أدركتُ مدى جمالها وأهمية حضورها وسط الميادين والأحياء السكنية. لكنّ "عقدتي" كانت مع الحديقة العامّة، المنشيّة أو "الماشيّة" كما يناديها سكّان المدينة. حديقة صغيرة نسبياً، مسوّرة خضراء هادئة رغم وجودها وسط الساحة الأكثر اكتظاظاً في المدينة. كنت أسمع توصيات جدّتي لأمّي قبل توجّهنا إلى المكان، كلّ مرّة: "انتبهي منيح وخلّي عيونك عشرة عشرة، ما تفلتيهن من إيدك". في كلّ زيارة للحديقة، كنت أحسّ بمرارة كبيرة عندما أصل إليها رغم توقي الشديد لها. مساحة عامّة خضراء أرضها ترابية تتوسّطها بركة ماء فيها أسماك برتقالية وذهبية، لكنّي ممنوعة من الركض فيها بحرّية، يداي محجوزتان بإحكام داخل يد أمّي، لم أستطع الإفلات حتى لمجرد الوصول إلى البركة لرؤية الأسماك والتحدّث معها. كانت زياراتنا القليلة إلى ذلك المهرب الوحيد سريعة دائماً ومرتبكة ينغّصها الخوف من "خاطفين" و"مسلّحين" ورجال يحتلّون المقاعد ويحدّقون بنا طوال الوقت.

عندما انتهت الحرب وبتُّ شابّة أتجوّل في شوارع المدينة لوحدي ومن دون خوف، بقيَت "الماشيّة" المكان الوحيد الذي يرهبني. توصيات جدّتي حاضرة في رأسي، إمساك أمي بيدي واستعجالها الدائم لنا، الخوف من التجوّل بحرية في الحديقة، من الرجال الجالسين على المقاعد والمارّين… الخوف هذه المرّة ليس من خاطفين أو مسلّحين، لكن من احتمال اعتداء أو تحرّش لفظي أو جسدي. فأنظار الجالسين هناك ما زالت معلّقة تحدّق بالوافدين وترافق النساء في كلّ خطوة. رغم تفادي والدتي والكثير من صديقاتي المرور في الحديقة، أتقصّد أن أعبرها في كلّ مرّة. أمشي مسرعةً وأسلك خطّاً واحداً مستقيماً نحو البركة، أقِف عندها لثوانٍ قليلة ثم مباشرة إلى إحدى بوابات الخروج. لا أتلفّت، لا أستريح على مقعد، لا أطيل النظر في المياه، لا مجال للتكلّم مع الأسماك، لا أتأمّل جمال النافورة ولا النباتات، استعجال دائم وعيناي عشرة عشرة على كلّ كائن يتحرّك من حولي.

لم أخف من التجوّل في المدينة حتى في عزّ خضّاتها الأمنية، لا تخيفني طرابلس، فهي مدينتي التي كبرت في شوارعها وبين أهلها، لكن الخوف من الأماكن العامّة بقي رابضاً في داخلي.

أريدُ أن أستمتع بمساحات المدينة العامّة القليلة، بحديقتها الجميلة المسوّرة. أريد فقط أن أمشي ببطء، أن أجلس براحة على مقعد تحت شجرة، أن أنحني لأحرّك مياه البركة بأصابعي وأن أطعم الأسماك وأبتسم لها من دون أي حسابات أو توتّر… أريد أن أزور الحديقة لا أن أعبرها مسرعة. هذا الأمر، على بساطته، ما زال مستحيلاً.

ملحوظات: