التحديق في ضجيجٍ ثابت

السيرة: 

سارة زرياب فنانة ومخرجة أفلام فلسطينية. تزاول سارة عملها ودراستها في برلين. تقوم حاليًا بمتابعة برنامج الفنون الجميلة في جامعة دير كونست الألمانيّة. تسخر الأدوات السمعية والبصرية والمكانية في سياق عملها بهدف سرد وإعادة سرد التجسيدات العاطفية والجمالية للفقدان والحزن والمقاومة إنطلاقًا من تحليل للموروثات الأوروبية للحداثة والاستعمار وإنتاج التاريخ في الزمن الحاضر.

اقتباس: 
سارة زرياب. "التحديق في ضجيجٍ ثابت". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 7 عدد 3 (13 يوليو 2022): ص. 13-13. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 02 أكتوبر 2022). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/361.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.

still_staring_at_static_noise.png

"التحديق في ضجيج ثابت"

هذا ليس نصّاً، إنّما صورة مشذَّرة وعشوائية، حركة دائرية لا إرادية، تعيدك إلى البداية دوماً.

شعرتُ مؤخراً بالحاجة إلى الكتابة، الحاجة، وبمعنى آخر Urge، لا أعرف الآن كيف أترجم Urge إلى العربية. أكثر من صديقة وصديق أخبروني بأنّه عليّ أن أكتب عندما أشعر بالحاجة إلى ذلك، ولكنّي لست بكاتبة ولست بشيء. أحاول مراراً أن أُشَيّء نفسي، أقلب أنا المتكلّم إلى المجهول، وأتعامل مع نفسي، أي جسدي، كآلة مضبوطة على إيقاع أوامر تأتي من الرأس، أو أنقر على الجزء السفلي السرّي لأعطي أمراً للجسد.

أكتب وأمحو… أكتب وأمحو… أكتب وأمحو.

كلّ ما أكتبه، أشعر بأنّي قرأته، في وقتٍ ما، أو في كتابٍ ما، أو في مقالٍ ما. أشعر أنّي أروي ما رواه أحد آخر قبلي، أنا لست كاتبة وأظنّ أنّي لست هاوية للكتابة. أهوى اللعب والأدرينالين.

 

الحاجة أم الرغبة

منذ أسبوع، حلمت بأنّي أجلس على طاولة ما، لست في منزلي، لا أعرف أين، كنت في وضعية مكشوفة حيث يمكن للمارّة أن يروني. وكنت آكل، لكن دون توقّف. آكل وآكل وآكل ولا أستطيع التوقّف عن الأكل، أردت التوقّف عن الأكل، وحاولت مراراً، أردت أن أتقيّأ، لا أحد ينقذني من هذه الميكانيكية الخارجة عن إرادة جسدي: إمساك الطعام بيدي، ودفعه نحو فمي، التهام، مضغ، بلع، أريد أن أتقيّأ، أنظر حولي طالبةً النجدة بعينيّ ولا أحد يفهم عليّ.. في الحلم، كنت أنظر إلى صديقي ليساعدني كي أتوقّف عن الأكل، ولم يفهم، أظنّ أنّه لم يفهم، في الحلم. شعورٌ داخليٌّ لا أعرف إذا كان مرئياً للمارّة.

هذا الحلم أعاد إلى ذهني فيلماً للمخرج ماركو فيريري (La Grande Bouffe, 1973)، الذي لم أشاهده كاملاً قط، وميم استوقفتني على إنستغرام.

 

(الصورة من الويب)

 

الميمز (memes) والكلمات متشابهة بالنسبة لي، تبقى في رأسي، في ذاكرتي، الكلمات تولّد صوراً، والميمز تختصر ما لا يمكن قوله من سيناريوهات واقعية وخيالية.

عندما بدأت بتعلّم اللغة الألمانية، كنت أنجذب إلى الكلمات التي لا يمكن ترجمتها إلى العربية أو إلى الانكليزية بمفردة واحدة، ومعناها في أغلب الأحيان يوصّف حالة، إذ يمكن لكلمة واحدة بالألمانية أن تُترجَم بعدّة مفردات من لغة أخرى.

على سبيل المثال: Politikverdrossenheit = alienation from and disillusion with politics 

وتترجم إلى العربية: اللامبالاة السياسية.

أتذكّر نصّ إسلام الخطيب الذي نشرته على مدونّتها وتتحدّث فيه عن الوحدة وال grief السياسي، ذلك المقطع تحديداً الذي تتساءل فيه عن الرؤية السياسية، والآمال والقوة الجماعية. هي تتساءل، وأنا أسأل نفسي وأدرك أنّي مؤخراً بتُّ عاجزة عن "التعايش" اليومي من دون المواجهة الدائمة مع المحيط.. هناك نبذٌ وتخبّطٌ من كلّ الجوانب، هناك مَن يصنّفوك بـ "الراديكال" بينما أرى نفسي متعبة وعاجزة ومتفتّتة ومنبوذة ووحيدة سياسياً.

كتَبَتْ إسلام نصّاً عن العزلة والوحدة السياسية، جاء فيه:1

Hybrid

كثيرون يصفونني بأنّي awkward, socially awkward. ويتعزّز شعوري بأنّ everything is like a performance، كيف أقول "بيرفورمانس" بالعربي؟ نعم إستعراض… كلّ شيء يبدو كاستعراض، ويتطلّب ذلك منّي الخروج إلى العالم الخارجي "الواقعي".

أفضّل ذاتي الافتراضية التي ليست مجبرةً على الظهور والكلام كفعل أو حدث إنّما تسبح في الديجيتال. هي موجودة هناك دائماً، لا تنام، لا تأكل ولا تشرب، هي في حالة أونلانية ثابتة، لا تريد أن تكون محبوبة، ترسم صورتها كما تريد. لديها الكثير من الأصدقاء والصديقات، الافتراضيين/ات بالطبع، يسبحون معاً، يرسلون الميمز إلى بعضهم/ن البعض. شيء أشبه بكائنات جنّات عدن.

نرسل الميمز دون أن نشعر بأنّنا مجبرون على الكلام، وبناءً على محتوى الميم يمكن أن نفسّر ما المقصود به، مثلاً، صباح الخير أو آي مس يو… سايبر سكس ناو؟ 

 

الموت السريريّ

كيف نبني عالمنا الكويري في ظلّ الأزمات؟ أو كيف نجد مساحتنا الكويرية؟ أفكّر طويلاً في هذا السؤال، وأتساءل: هل الأزمات مؤقتة؟ ماذا يحلّ بعد أن تنتهي "الأزمة" إذا افترضنا أنها ستنتهي، وصفحة جديدة ستُفتح.. ما هي مساحتي الآمنة؟ هل يوجد مساحة آمنة في المطلق؟ افتراضياً وواقعياً؟ في الخاص أو في العام؟

أدركت مؤخراً، بأنّه عليّ التبحّر والمناورة في المكان الخاص، مكاني، أي بيتي، أي "الدوميستك" في محاولة للانتماء إلى الأشياء، وأنا الشيء الذي يُحرّك في هذا الواقع، الواقع الذي يسند نفسه على قمة سائل شفاف لزج يكاد أن ينهار في أي لحظة. 

أتذكّر قصيدة شيري موراغا من كتاب: "هــذا الجســر يُدعـى ظهــري"2

تقول إنّي أفتقدُ إلى الخيال
لا. أنا أفتقد إلى اللغة.
اللغة لأبلورَ
مقاومتي في الأدب.
الكلمات حربٌ بالنسبة لي.
فهي تهدّد عائلتي،
لاكتساب الكلمة
لوصفِ الفقدان
أواجه خطر خسارة كل شيء
ربما أخلق وحشاً،
مدى الكلمة وهيكلها
يتورّم ملوّناً ومثيراً
يخيّم على والدتي، متشكّلاً.
صوتها في البعيد
غموضٌ أمي.
هذه هي كلمات الوحش

*شيري موراغا

 

تفكيك الميديوم

أخاف من الحشو، والركاكة، وفقدان الكلمات، ويصعب عليّ تذكّر لغتي الأم. أنا أسجّل على هاتفي المحمول ما أريد أن أكتب، وسأفرغه بالكتابة لاحقاً وإذا تمّ نشر هذا النصّ فإنّي نجحت في المهمّة، وإن لم يُنشر فسوف أمحيه. ولا أحد سيقرأه سواي.

لا أستطيع تقييم ما كتبت/ قلت حتى الآن، أمشي في الغرفة، مايكروفون هاتفي موجّه نحو فمي وأنا أروي/ أقول ما أريد كتابته، على صوت نباح كلب جارتنا المزعج.

نسيتُ ما الذي أردت أن أكتب عنه… أو ما كان الدافع، سوف أحاول التذكّر. أشعر أنّ هذا النصّ هو الفيلم الذي لم أستطع صنعه، إنّما هو تفكيكه. تفكيك النصّ والصورة والحبكة والدراما والزمن.

منذ بضعة أشهر، قرأتُ لأوّل مرّة رسالة ليلى رافين التي كتبتها منذ عامين على منصّة "ميديوم"، بعنوان: رسالة مفتوحة إلى محرّر مجلة Commune السابق الذي اغتصبني.

تفتتح ليلى رسالتها بما يلي:

 

“You asked me many times: “Why me? Why do you keep coming back?” I told you that I was listening to my body, and my body was hooked. I didn’t know then, but I know now, that when post-traumatic stress disorder is activated, it can feel a lot like being turned on. When the body is convinced danger is present, it won’t stop searching until it locates the source of the threat. Subconsciously, we repeat the events of the past in an attempt to rewrite the scripts of our lives, to master our trauma, to create a new ending.

For most of my life, I’ve been trapped in an old script.”

 

سألتني مرارًا: "لماذا أنا؟ لماذا تعود إليّ باستمرار؟ " أخبرتك أنّني كنت أستمع إلى جسدي، وأن جسدي كان في حالة من الإدمان. لم أكن مدركة لذلك حينها، لكنني أدركه الآن - أدرك أن اللحظة التي يُعاد فيها استنهاض اضطراب ما بعد الصدمة، يمكن أن تستثير مشاعر مشابهة للحظة الإهتياج. عندما يقتنع الجسد بوجود خطرٍ ما، فإنّه لن يتوقف عن البحث حتى يحدّد مصدر التهديد. لا شعوريًا، نكرّر أحداث الماضي في أذهاننا في محاولة لإعادة كتابة نصوصِ حياتنا في مسعى لنصبح أسيادَ صدماتنا، نحو خلق نهاية جديدة.

طوال حياتي وأنا محاصرةٌ في طيّ نص قديم ".

 

أجد نفسي مجدداً في مساحة هذا النصّ- اللا نصّ وبين صور الفيديو الثابتة، عالقةً هنا متجاهلةً المساحات خارج إطار شاشتي، أناور وألعب وأتساءل هل سيكون الفيديو هو التابع للكلمات أو المكمّل لها، أم العكس.

نصٌّ مشذّرٌ وصورٌ مملّة وغارقة في الملل متعبة وفي تغيّر مستمرّ وفقاً للمحيط الخارجي، أو ربما متغيّرة بطبيعتها. ولا دور لي سوى التحديق.

الإشكالية في استخدام لغة الثورة بمعزل عن الممارسة السياسيّة، تكمن في أنها تَعِد بتغيير كلّ شيء بينما يبقى الواقع في ظلّها على ما هو عليه.

(الصورة نُشرت مع مقال ليلى رافين)

 

(التحديق في ضجيجٍ ثابت٬ 2022)


  • 1. أرادت الكاتبة ترك المقطع المختار من نصّ إسلام الخطيب باللغة الإنكليزية عمداً من دون ترجمة (المحرّرة).
  • 2. From This Bridge Called My Back: Writings by Radical Women of Color, anthology edited by Cherríe Moraga & Gloria Anzaldúa, 1981. Translated version and more on: Wiki Gender.
ملحوظات: