الجندرة واللغة العربية

السيرة: 

رولا علاء الدين هي مترجمة تعيش في بيروت، وتملك ما يزيد عن 10 سنوات من الخبرة في مجال الترجمة والترجمة الفورية في اللغات العربية والإنكليزية والفرنسية. بالإضافة إلى حصولها على إجازة في علم اللغات والترجمة، تواصل رولا تعليمها الأكاديمي في مجال الوساطة، وتركز على الوساطة في النزاعات التي تشمل المهاجرين/ات واللاجئين/ات، مع اهتمام خاص على دور اللغة في الثقافة والنزاعات. قادها عملها مع اللاجئين/ات والمهاجرين/ات في لبنان للانخراط في الدراسات المرتبطة بالمهاجرين/ات، مع تركيز على الهجرة المتعلقة بالعمل بشكل عام، والعمّال/ العاملات المهاجرين/ات في لبنان تحديدًا. يستكشف بحثها الحالي دور المسارات العالمية والمحلية للهجرة المرتبطة بالعمل في تكوين القصص الفردية والحميمية للأفراد المهاجرين/ات.

اقتباس: 
رولا علاء الدين. "الجندرة واللغة العربية". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 1 (24 يناير 2022): ص. 98-103. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 21 فبراير 2024). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/346.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (455.37 كيلوبايت)
ترجمة: 

مترجمة واستاذة مدرسية تعلم اللغة الإنجليزية. ترجمت عددا من الافلام والمنشورات والمقابلات الصحافية السياسية.تؤمن رفقة بالتنظيم العمالي كالاسلوب الوحيد للتحرر الطبقي ضد الاستعمار.

second_design_fb_cover.jpg

سهير عاطف

الصحيحُ نحوياً هنا، غير صحيحٍ سياسياً... والصحيحُ سياسياً غيرُ صحيحٍ نحوياً... هل من طريقةٍ للتغلّب على هذه الإشكالية؟

هل اللغة العربية ذكورية وفي طيّات نحوها قمعٌ جندري؟ إنها دون شك غير شاملةٍ جندرياً وليس في طيّاتها مساحةٌ للحياد الجندري. هنالك لغات كثيرة أُخرى مثل: الألمانية والإسبانية والفرنسية والعبرية، مُثقلةٌ بالصيغ المجندرة بنحو كبير. بيد أن تعقيد التوافق الجندري في اللغة العربية يجعل من الصعب تجاوز هذه الإشكالية. ما الذي يمكننا فعله لنكون أكثر شمولاً/ حيادية جندرياً مع الحفاظ على أسلوب متقَن في اللغة العربية؟

يتمّ تذكير المتحدّثين والكتّاب ومتعلّمي اللغة العربية غير المطابقين جندرياً وغير الثنائيين جنسياً باستمرار بواقع غير مريح للغاية: اللغة العربية ليست ملائمة لهم. يُعَدّ عدد منتديات النقاش على الإنترنت لأفراد يتعلّمون اللغة العربية ويتطرّقون إلى هذا الموضوع أحد الأمثلة على هذه الإشكالية المستمرّة.

أنا أتعلّم اللغة العربية ولكن أستاذي يقول إنني بحاجة إلى اختيار جندر ثنائي (مُذكّر/ مؤنّث)، لأنه لا توجد ضمائر محايدة بين الجنسين في اللغة العربية. هل هناك ضمائر ما يمكنني استخدامها (رجاءً ساعدوني، من يتحدّث اللغة العربية بطلاقة منكم ربما تُبلغونني ما إذا كانت هنالك من صيغةٍ أكثر حياداً؟) أم أنّ أحد الجندرين يُعتبر بشكل عام أكثر "حيادية" أو "عمومية" من الآخر؟ ماذا أفعل؟ لا يمكنني ترك الفصل الآن والعربية تبدو جميلة جدًا، الرجاء المساعدة. إنني أعاني.1

من خلال قراءاتي عن مجتمع LGBT في الأماكن الناطقة باللغة العربية، تعلّمت مصطلحات أكثر حداثة وقبولًا تُعبّر عن "مثليي الجنس" و"ثنائيي الجنس". لكن هل يعرف أحد ما إذا كانت هناك جهود لابتداع ضمائر محايدة بين الجنسين في اللغة العربية؟ كما هو الحال في اللغة الإسبانية، حيث يُضيف الناس "x" بدلاً من "a" أو "o" في نهاية الكلمة؟2

أنا لا أنتمي إلى الثنائية الجندرية، في اللغة الإنجليزية أستخدم ضمائر الجمع (هم/ لهم). العربية أصعب قليلا، لقد تواصلت مع أستاذة اللغة العربية التي ستُعلّمني السنة المقبلة (أنا في فصلي الدراسي الثالث) وسألتها عن خيارات لغوية يُمكنني استخدامها، فذكرت لي الضمير (هم). بصرف النظر عن عدم قبول المفهوم اجتماعيًا بشكل عام، هل من سبب يمنع استخدام الضمير (هم)؟ عندما بحثت في المسألة عبر الإنترنت، رأيت اقتراحات لاستخدام ضمائر (هما) و (انتما)، لكنني لم أتمكن من استخدام أيهما حتى الآن، كما أنني لست أدري لماذا قد يكونان أفضل من استخدام ضمير(هم).3

للجندر (للنوع الجنسي) بُعدٌ أساسي لمعظم الكلمات العربية ولهجاتها العامّية. هناك وصفٌ جندري مُخصص لكلّ اسم، والغالبية العظمى من الكلمات العربية هي أسماء (إدريس، 1999). هناك أسماء ذات "وصف جندري عاقل" حيث تعتمد الصيغة الجندرية على الجنس ببعده التشريحي لما تمثّله الكلمة (مثل كلمة (طالب) لتعبّر عن الطالب الذكَر، وكلمة (طبيبة) لتعبّر عن الطبيبة الأنثى)، مقابل الأسماء ذات "الجندر غير العاقل" (مثل كلمة (يدّ) أي اليد التي تم تخصيصها عشوائيًا لتعبر عن صيغة المؤنث، وكلمة (كتاب) أي الكتاب الذي تم تخصيصه عشوائيًا ليعبّر عن صيغة المذكّر).

عدا عن ذلك، يتمّ تمثيل الجنس والعدد في اللغة العربية من خلال ما يلي: صيغة المذكّر المفرد، صيغة المؤنّث المفرد، صيغة المذكّر المثنّى، صيغة المؤنّث المثنّى، صيغة المذكّر الجمع، صيغة المؤنّث الجمع، الاستثناء الوحيد الذي لا يكون الجندر فيه مرئيًا بوضوح هو ضمائر صيغة المثنى (هما/ أنتما). ومع ذلك، فإن المكوّنات المتبقّية من الجملة تعرض الجندر، سواء كان ذلك من خلال إظهار الشكل المؤنث إذا كان كلا الموضوعين من الإناث أو من خلال تفوّق صيغة المذكّر إذا كان أحدهما مذكّرًا.

نحويًا، تتأثّر مكوّنات الجملة بأكملها بجندر الكلمات وأدائها فيها. تخصص اللغة العربية جندراً للأسماء والصفات والضمائر، وتمتد الصفات الجندرية لتحدّد التصريفات النحويّة المتعلقة بالأفعال التي في الجملة. بمعنى آخر، يتمّ استخدام صيغة مختلفة من الفعل اعتمادًا على ما إذا كان المُتكلّم مذكّرًا أو مؤنّثًا من جهة وما إذا كان يخاطب أو يتكلم عن أنثى أو ذكر.

تأمّل كلمة (طبيب) و (طبيبة)، بصيغتها المذكّر وصيغتها المؤنّثة على التوالي. اعتمادًا على أي منها سنستخدم، سيتغيّر الفعل (الأفعال) والضمير (الضمائر) والصفة (الصفات) وحرف الجر (حروف الجر) وما إلى ذلك بشكل أساسي: هذا هو الطبيب الذي كلّمني / هذه هي الطبيبة التي كلّمتني.

ما هي الخيارات المتاحة حاليًا لتقديم لغة محايدة جندرياً؟

 

1. التحيّز الجنسي المتأصّل في هم/ أنتم

يبدو أن إحدى الطرق الأكثر شيوعًا للالتفاف حول ثنائية اللغة العربية هي استخدام صيغة المذكّر الجمع (هم-أنتم) والتي يستخدمها بعض الناس كصيغة معادلة للإنجليزية "they-them-you". ومع ذلك، فإن هذه الصيغة تعزز التحيّز الجنسي الذي تُنتقد بسببه اللغة العربية بشدّة. جادل العديد من العلماء بأن قواعد اللغة العربية هي في جوهرها ذكورية (متمحورة حول الرجال). هذا يرجع إلى حقيقة أن رجلًا واحدًا سيتفوق دائمًا على عدد لا حصر له من النساء، وبالتالي عند الإشارة إلى مجموعة من الأفراد من جنس غير محدّد، يتمّ استخدام التصريف المذكّر للكلام عنهم. تعزز هذه الممارسة ما يُعرف باسم "فرضية الاشتقاق" التي طرحها النحويون باعتبار أن صيغة المؤنّث تتضمن دائمًا حرفًا واحدًا أكثر من صيغة المذكّر. لذلك يُنظر إلى المذكّر على أنه المعيار، الأصل (أصل الكلمة)، بينما يتمّ تمييز المؤنّث بحيث تتغيّر الكلمة (ذات الأصل المذكّر) لإظهار صيغتها المؤنّثة (كلمة معدّلة)  بشكل أساسي من خلال إضافة تاء التأنيث إلى الاسم. صيغة المذكّر هي شكل مفهوميّ مستقلّ بينما صيغة المؤنّث هي اشتقاق.

من وجهة نظر نسوية، فإن استخدام صيغة المذكّر على أنها الصيغة شاملة لا يعني إلا أن المذكّر له قيمة رمزية اجتماعية أعلى. (شور، 2021)

 

2. مستنقع الإقران الثنائي (هو/ هي)

هناك توجّه شائع لدى الكتّاب/ الكاتبات والمترجمين/ات وهو إقران كلا الصيغتين الجندريتين هو/ هي - أنتَ/ أنتِ. لكن الإقران لا يؤثّر فقط على الضمائر، ولكن كما تمليه أحكام القواعد والاتفاق الجندري، فإنه يمتدّ إلى جميع المكوّنات الأخرى للجملة مثل الأسماء والصفات والأفعال، إلخ.

لذلك فإن وجوب الوفاق النحوي في التصاريف والصياغات بين الضمير/ الفعل/ الصفة يحوّل النص العربي عند تبنّي نهج الإقران إلى فوضى من العلامات المائلة: ين/ات و ت/ي و م/نّ. إن التداعيات على قابلية الفهم وسهولة القراءة وطول النصوص كبيرة على أقلّ تقدير. سواء كنّا نكتبها أو نترجمها أو نقرأها، فإن أسلوب الإقران متعب.

 

3. عدم صحة الصيغة المزدوجة هما/ أنتما

إحدى التوجّهات المعاصرة عند محاولة استخدام لغة محايدة بين الجنسين، هي استخدام ضمائر الصيغ المزدوجة (أنتما وهما) والتي تُستخدم لكلّ من المذكّر والمؤنّث. لكن مرة أخرى، ماذا عن الوفاق التصريفي للمكوّنات الأخرى؟ فما الذي يجب أن نستخدمه إذن للفعل أو الصفة؟ إذا تبنّينا الوفاق على أساس التصريف المذكّر، فسنمنح الأولوية للجندر المذكّر وإذا استخدمنا المؤنّث، فسنعطي الأولوية للجندر الأنثوي.

علاوة على ذلك، كما لاحظ شخص غير ثنائيّ جندريًا في تعليقه على هذه المسألة، فإن استخدام النموذج المثنّى لتحقيق الحياد الجندري اللغوي هو نقيض مفهوم الجندر غير الثنائي وغير المطابق.

ناهيك عن أن استخدام صيغة المثنّى للإشارة إلى الأفراد هو خطأ نحوي، وسيُسمع نشازاً من قبل معظم المتحدّثين باللغة العربية وسيؤدي إلى ارتباك. علاوة على ذلك، لا يمكن اعتماده في اللغة العربية المحكيّة حيث لا يستخدم أحد صيغة المثنّى في اللهجات العربية المختلفة.

 

4. الضمائر الجديدة: He،She ،They ،Xe ، Ze

تتبنّى اللغة الإنجليزية الضمائر الجديدة Ze و Xe للأفراد غير الثنائيين و/ أو المطابقين جندريًا. إن مجرد ترجمة هذه الضمائر إلى اللغة العربية سيكون خطأً نحويًا وثقافيًا وسياسيًا. من الناحية النظرية، سيكون إنتاج ضمائر جديدة في العربية هو الحلّ الأمثل. لكن محاولة تكوين هذه الضمائر عضوياً - أي في "بيئتها الطبيعية"، يستوجب غربلة الاستخدامات المختلفة من قبل الناطقين الأصليين داخل المجتمعات المختلفة الناطقة باللغة العربية، دون إسقاطات فكريّة، ليس بالمهمة السهلة. هذا لا يعني أننا يجب ألا نحاول ونستمر في المحاولة حتى تتبلور الضمائر والصياغات المواتية، تباعًا ومع الوقت. الممارسة هي الفيصل ومن داخل هذه الممارسة يتبلور الاعتراف الرسمي بالصياغات الجديدة.4 إذا لم نتّخذ إجراءً سريعًا في هذا الصدد، فسنعلق بضمائر غير صحيحة مترجَمة حرفياً من لغة أجنبية.

الصعوبة المتوقّعة في إنشاء ضمائر عربية جديدة تلامس جانبًا إشكاليًا رئيسيًا في اللغة العربية الحديثة. لم تعد اللغة العربية لغة تنتج بل هي لغة تترجم. هذا صحيح بشكل خاص في المجالات العلمية والطبّية والتقنية، ويمتدّ أيضًا إلى مجالات العلوم الانسانية والاجتماعية. اللغة كائن عضوي ونادرًا ما تكون ثابتة على الإطلاق، لكن اللغة العربية ظلّت كامنة لعدة عقود. ستجعل الضمائر الجديدة في اللغة العربية حياتنا كمترجمين وكتّاب أسهل، ولكن حتى تصبح هذه الضمائر متاحة، يمكننا اتباع إرشادات عامة للكتابة بلغة أكثر شمولاً / مُحايَدةً جندرياً.

 

ماذا يمكننا أن نفعل الآن؟

أحد المبادئ التوجيهية الرئيسية التي يجب اتباعها هو عدم إظهار الجندر عندما لا يكون ذا صلة بالتواصل واستخدام الاقتران عندما يكون من المهم تحديد الجندر. فيما يلي قائمة باقتراحات مفيدة موجودة في دليل "الأمم المتحدة" حول استخدام لغة شاملة للجندر باللغة العربية.5

 

ما وراء الشمول الجندري أو الحياد الجندري

إلى جانب الشمول أو الحياد الجندري، فإن موضوعات مجتمع الميم في اللغة العربية تحمل وصمة الترجمة الحرفية وما يُنظر إليه على أنه إسقاط غربي للهوية الجندرية والحراك المتعلّق بمجتمع الميم. غالبًا ما يتمّ ترجمة كلمات مثل queer و drag و trans، من بين كلمات أخرى، حرفياً مما يؤدي إلى النفور، وتحديداً من قبل أولئك الذين يعارضون فرض الثقافة الغربية بشكل عام. بعض الكلمات ليس لها أي نظير في اللغة العربية. فخارج حركة المناصرة والحقوق، يصبح الغياب هذا مسألة حرجة جدًا من منظور الخدمات الصحية والطبية والمرضى المثليين في النظام الطبي. على سبيل المثال، لا يمكن "تجميل" الكلمات التي تمثّل أفعالًا جنسية مثل "تقميم" و "تقعير" و "تحفيف"6 في اللغة العربية.

ملحوظات: 
المراجع: 

Idriss, Mohamed (1999). The Cell and the Umbrella - Gender in the Arabic Language. Zeitschrift für Arabische Linguistik, no. 37, pp. 32-53. https://www.jstor.org/stable/43525714

Schor, Lisa (2021). Is Arabic a gender-inclusive language? Arabic for Nerds. Available at: https://arabic-for-nerds.com/is-arabic-a-gender-inclusive-language/