(إعادة) مركزة فلسطين في النظريّة النسوية المناهضة للاستعمار

السيرة: 

د. نور أبو عصب هي المؤسسة الشريكة والمديرة الشريكة لمركز التنمية والتعاون عبر الوطنية (CTDC). نور هي عالمة اجتماع فلسطينية نسوية كويريّة، حصلت على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع سنة 2012 من جامعة وارويك. لدى نور عدد من المنشورات حول الهويات والجنسانيّات والهجرة وما بعد الاستعمار ومناهج البحث غير الاستعماريّة ولديها كتاب قادم سيصدره I.B. Tauris تحت عنوان الأقليات العرقية والقومية في الشرق الأوسط: أكراد سوريا وشركس الأردن.

د. نوف ناصر الدين هي المؤسسة الشريكة والمديرة الشريكة لمركز التنمية والتعاون عبر الوطنية.(CTDC) هي عالمة اجتماع فلسطينية نسويّة كويريّة، حصلت على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع سنة 2011 من جامعة وارويك. لدى نوف عدد من المنشورات في مجلات أكاديمية مختلفة تركز على قضايا اللاجئين/ات والتقاطعيّة والطبقة والجندر والذكوريات والجنسانيّات والوكالة على الذّات. تشمل اهتمامات نوف البحثية أيضًا منهجيات البحث النسوية الكويريّة والأنوثات ونزع الاستعماريّة والممارسات الجنسية والآداء الجندري.

اقتباس: 
نور أبو عصب، نوف ناصر الدين. "(إعادة) مركزة فلسطين في النظريّة النسوية المناهضة للاستعمار". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 5 عدد 1 (2019): ص. 5-10. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 03 مارس 2021). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/163.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (490.69 كيلوبايت)

Cover 5.1

Illustration by Ward Zaraa 2019 ©

في العام الماضي، عندما خطرت لنا فكرة مؤتمر "مناهضة استعمار المعرفة حول الجندر والجنسانية"، لم نفكر في منصّة أفضل من كحل – مجلة تهدف إلى "تغيّير الهيمنة المسيطرة على الإنتاج المعرفي" – للشراكة معها. نعتبر أن موقعية وسياسة مركز عبر الأوطان للتنمية والتعاون متأثرة بشكل كبير بموقعيّتنا وخبرتنا، بصفتنا أكاديميّتين نسويّتين فلسطينيّتين، ومؤسستيه الشريكتين ومديرتيه. في صميم عملنا التزام قوي بمناهضة الاستعمار – ليس فقط في شقّه المعرفيّ بل في الممارسة الواقعية أيضًا – كمشروع سياسي.وبما أن الشخصيّ هو السياسيّ، فإن مواقفنا متأثّرة بشكل كبير من خلال تجاربنا الحيّة وحقيقة واقعنا الملموس والمادي. ومع ذلك، فقد اعتبرنا أنّ مجرد تنظيم مؤتمر عن مناهضة الاستعمار لن يقوض أو يُعَتِم على القضية الفلسطينية، ولن يسكت أصوات الفلسطينيين/ات. وعلى الرغم من ذلك، لم يتم ذكر فلسطين إلا في نهاية المؤتمر كرد فعل ومن أجل تسليط الضوء على تهميش القضية الفلسطينية في إطار الحدث. بينما كان يهدف المؤتمر إلى مناهضة الاستعمار في جوهره، أدى إطار "الدعوة إلى تقديم الأوراق" والتمثيل داخل المؤتمر إلى تهميش فلسطين.

كانت دعوتنا إلى تقديم الأوراق، التي تتحدى إنتاج المعرفة الأكاديمية الغربية التي تعيد إنتاج "ثنائيات الأصالة/الزيف، الذات/الآخر، المركز/الهامش، والغرب/الشرق"، أداةً قد تبنيناها لمناهضة الاستعمار. وقد استهدف هذا التحدي أيضًا "تقويض الصور النمطية أحادية البعد للمرأة الملونة، والمسلمة، والمستضعفة، والمموضعة للخيالات الجنسية والمسكتة" – ونعتبر تحدي هذه الثنائيات موقفاً نتخذه أيضًا بسبب إيماننا بعدم امكانيّة تصنيف الأشخاص من خلال هويات ذات صلة بخلفياتهم/نّ وأنماط حياتهم/نّ وتراثهم/نّ الثقافي وما إلى ذلك، في الأزمنة المعاصرة. وفي عالم يتميز بالتعددية القومية والتشريد والهجرة والهويات المختلطة واللامعيارية، لا تصلح مثل هذه الثنائيات. على الرغم ممّا سبق، فهذا لا يعني أن الثنائيات غير موجودة فيما يتعلق بالواقع المادي والملموس للمستعمَرين/ات. في حين أننا نقف ضد الصور النمطية والمعرفة التي يتم إنتاجها لإرضاء نظرة المستعمِر من خلال البحث الوصفي الذي يعتبر بعض الشعوب خارجة ثقافيًا عما هو سائد، توجد ثنائيات فيما يتعلق بالوصول إلى الموارد. لذلك، يَعتبر مشروع مناهضة الاستعمار، بالنسبة لنا، كلّا من الاستعمار والاستعماريّة1 عدوّين لدودين له. نظرًا لأن الاستعمار ومناهضته مشروعان سياسيان، فنحن نقف عند طرفين متضادين: المستعمَر والمستعمِر، بأبسط أشكالهما.

تستمد هذه المقالة أهمّيتها في المقام الأول من أهمية فهم ما تصفه أنجيلا دايفس (2016) بأنه "العلاقات المتبادلة بين الأفكار والعمليات التي تبدو منفصلة وغير مرتبطة" (4). ومع ذلك، فهي مركزيّة ومهمة بالنسبة لنا من أجل تجاوز فئات الهوية الثنائية. تعتمد رؤيتنا ومشروعنا السياسي بشدة على "الإصرار على الروابط بين النضالات" لأنها "عملية نسوية" (المرجع نفسه: 4). لهذا السبب، من المهم (إعادة) مركزة فلسطين في النظرية النسوية لمناهضة الاستعمار، لأننا نرى الصراع الفلسطيني نسويّا ومناهضاً للاستعمار. هذا يتطلب منا فهماً أبعد للتقاطعية، يتجاوز "الهويات المتقاطعة" (كرينشو، 1991)، ويدعونا هذا أيضًا إلى تحويل التركيز من وصف تجربة حياة الناس إلى تحديد وتحدّي هياكل القمع العالمية والمؤدّية إلى التجارب المتباينة والتوزيع غير المتكافئ للموارد بين الأفراد والمجتمعات. ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن التقاطعيّة قد قُوِضت، كإطار نظريّ، لخدمة النظرة الاستعمارية. على سبيل المثال، إن الاهتمام البحثي من قبل النسويات البيضاوات2 بـ"الفئات المهمشة" أو المُسَكَتة هو وريث مواقف علم الإنسان التي تُعرِفنا، كنساء ملونات، وكأننا مختلفات عنهن (موهانتي، 1984). يعتبر هذا الاهتمام بحد ذاته استعمارياً بطبيعته ويتعارض مع الأخلاقيات النسوية التقاطعية المعنية بالإنتاج المعرفي، إذ يفشل في "تحديد وتفكيك" هياكل الاضطهاد، مثل الاستعمار، المستمرّة في "تغلغلها في العنصرية العرقية" (دايفس، 2005: 29). لذلك، فإن الاهتمام بوصف تجارب الناس، أو فهم ديناميات الجندر في المناطق التي لا ننتمي إليها من العالم، استعماري بطبيعته، كما أنه يتعارض مع أخلاقيات النسوية التقاطعيّة. الطريقة الوحيدة للمضي قدماً في مشروع نسويّ مناهض للاستعمار هو تبنّي تقاطعيّة تفكّك أنظمة القمع، بدلاً من العمل خلالها.

تدفعنا مناهضة الاستعمار، كعملية، إلى النظر في معارف السكان الأصليين/ات، والخبرات المحددة في السياق، والذاتيّات – وهو منظور اعتمدته عالمات المنهجيات النسوية (ستانلي ووايز، 1983). على الرغم من الاعتراف بهذه الحقيقة منذ عقود من قبل عالمات المنهجيات النسوية ومنظرات مناهضة الاستعمار على حد سواء، نجد أنفسنا كفلسطينيات، في كثير من الأحيان، نبرّر تجاربنا الذاتية والمعرفة التّي ننتجها، لكل من النسويات واللواتي يدّعين العمل على مناهضة الاستعمار المعرفيّ. نجد أنفسنا أيضًا في مواقف عديدة، مشابهة لكتابة هذه المقالة، نوطّن ونخفف من وطأة ظاهرة عالمية. بمعنى آخر، يتم تثبيطنا وإقصائنا من المشاركة في بناء السرديات الكبرى أو النظريّات عن الاستعمار باستخدام صوتنا وحده كمصدر صالح لإنتاج المعرفة. بدلاً من ذلك، تتمّ دائمًا إعادتنا إلى نقطة الصفر، حيث نحتاج إلى تقديم وصف لحياتنا لجعل هذا الصوت صالحًا للنشر. إن موقعيّاتنا وخلفياتنا الأكاديمية وتواريخنا البحثيّة لا تكفي لوحدها. نحتاج دائمًا، كما نفعل هنا، إلى تكرار نفس القصص التي شاركتها آلاف النساء الأخريات قبلنا. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما نجد أنفسنا في مواقف نضطر فيها إلى اختصار ذواتنا في هوياتنا الوطنية من أجل التثبّت من شرعيّة أصواتنا لدى التنظير عن مناهضة الاستعمار، بطرق تعزلنا وتزيد من تسكيتنا.

غالبًا ما يتم تصنيف النبرة التي نستخدمها على أنها "غاضبة" و"موجِهة بشكل فوقي"، على الرغم من أن معظم ما نقوله يتردّد مع أعمال النسويات ومناهضات الاستعمار البارزات. في إحدى المرات، نشرت أكاديميّة بجامعة في المملكة المتحدة، تدّعي أنها ناشطة نسوية تقاطعية ومساندة لفلسطين، تعليقًا على الفايسبوك ينعتنا بالفلسطينيتين الغاضبتين. تبع نشرها لذلك التعليق مؤتمرا تحدثنا فيه عن فيلم وصفناه "مثيرا للاشمئزاز"، بحقّ، وشرحنا تواطئه مع خطاب الغسيل الوردي الصهيوني. ذكرت في تعليقها أننا خرّبنا تجربتها في مشاهدة فيلم جميل عن المثليين الفلسطينيين. ومع ذلك، يبدو أن تقاطعية القضية الفلسطينية تبعث على القلق بشكل خاص، إذ يتم رفض الذاتيات الفلسطينية المعبّرة عن أنفسها غالبًا على أساس الافتقار إلى الموضوعية والانفصال عن الواقع والغضب. وغالبًا ما تُعتبر معرفتنا غير شرعيّة وإشكالية وتعميميّة. يتم إسكات وحجب نظريات المعرفة النابعة من المستعمَر، وذلك بسبب عمليات الاستعمار (مينيولو، 2009)، بينما يهدف مشروع مناهضة الاستعمار إلى مركزتها. تستند منهجياتنا وأطرنا النظرية على تقاطعيّة كفاحنا في الموطن. تتركز نظرية المعرفة لدينا، أو الطريقة التي نعرف بها ما نعرفه، على تجاربنا وحقائقنا المادية الملموسة. ومع ذلك عندما نحاول إنتاج المعرفة على المستوى النظري، يتم إسكاتنا. في الواقع، لقد عوملنا في كثير من الأحيان داخل المؤسسات الأكاديمية كمُخبِرات، لا كمنتجات للمعرفة. نحن نتعاطف مع إيليا (2017) التي تقول "هناك عدد قليل من النسويات الفلسطينيات اللائي لم يختبرن درجة من التشكيك أو سوء الفهم أو العداوة الصريحة، داخل المجتمعات الملونة، حتّى النسويّة منها" (46). إن النسوية التقاطعية المناهضة للاستعمار لا تسكِّت قضيّة، ولا تسكت ذاتيّة.

إن معالجة ذاتيّاتنا المستعمَرة على نفس القدر من الأهمية. على غرار استعمار الأرض وسرقة الموارد والقمع، أنتج الاستعمار مجموعة واسعة من الذاتيات المستعمَرة غير الفلسطينية – بعضها يهدف إلى مواجهة آثارها والبعض الآخر يعتبرها مثالية وينسخ أطرها لإسكات الآخرين والأخريات. تُعرّف سبيفاك (1995) العنف المعرفي بأنه إخضاع المستعمَرين لهيمنة الأطر الغربية الامبريالية والمتمركزة في المنطقة الأوروبية، وتعتبره "عنف الاقتباسات الامبريالية الإبستمولوجية والاجتماعية والتأديبية" (27). ولكنّنا نشعر في أغلب الأحيان أنّ العنف الابستمولوجي يمارسه غير الغربيين/ات، بمن فيهم/ن الأشخاص في ومن البلدان الناطقة بالعربية، ويعيدون في ممارستهم/ن اعتبار الاستعمار مثاليّا، سواء كان ذلك بوعي أو بغير وعي. لهذا السبب، على حد تعبير دايفس، "يجب أن نتحدث عن تحرير العقول وكذلك تحرير المجتمع" (المذكورة لدى برايس وبرونر، 2013: 9).على سبيل المثال، واحدة من أحدث الاتهامات التي واجهناها عندما تحدثنا عن الاستعمار هو دعمنا لنظام الأسد في سوريا، على الرغم من حقيقة أننا نعتبر الصراع ضدّ الدولة والحدود أحد نضالاتنا الرئيسية. لقد استند هذا الاتهام واستمدّ شرعيّته من تصوير نظام الأسد نفسه كحامي لحقوق الفلسطينيين/ات من أجل تبييض جرائمه. ومرّ أولئك الذين يناضلون ضده عبر عمليات الاستقطاب الثنائي – مما دفعهم إلى ربط الأشخاص المتحدثين/ات ضدّ الاستعمار، والمساندين/ات لفلسطين بشكل خاص، مع النظام الاستبدادي. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو ظهور خطاب معادي للفلسطينيين/ات داخل بعض الدوائر المناهضة للأسد، بسبب ذلك الاستقطاب ذاته. نعتبر هذه الأحداث مظاهر للذاتيات المستعَمرة، حيث نعتقد أن السبب الرئيسي لعدم الاستقرار في الدول الناطقة بالعربية هو فلسطين، وأنّ غالبية الأنظمة في المنطقة موجودة فقط لحماية الكيان الصهيوني.

وبالمثل، فإن الأشكال الليبرالية من النسوية(ات) الناشئة في البلدان الناطقة بالعربية تتواطأ أيضًا مع الصهيونية، ولا يمكننا أن نؤكّد بما فيه الكفاية كون الليبرالية استعمارية في جوهرها. تقوم الأشكال الليبرالية من الحركة النسوية، التي تدفع باتجاه صراعات أحادية البعد مثل تلك الهادفة إلى "تحرير" المرأة "العربية" أو تشجيع الخطابات المتعلقة بالحقوق الجندريّة والجنسيّة بطرق تُعمِم تجارب النساء دون وضعهنّ في المجال الاجتماعي والسياسي والسياقات الاقتصادية، بالمساهمة في المشروع الصهيوني بطريقتين متميزتين رئيسيتين. أولاً، في اعتمادها على الترويج لهوية الضحية التي تلقي باللوم على الثقافة بدلاً من عمليات الاستعمار التاريخية. ثانيا، تعزّز هذه الأشكال من النسوية تجزؤ النضالات. تقدم إيليا (2017) مثالاً رائعًا عن هذا الأمر والذي نراه يحدث بشكل متكرر أيضًا. تشرح كيف أخبرت بيتي فريدان نسوية من دولة ناطقة بالعربية قبل خطابها في مؤتمر الأمم المتحدة الدولي المعني بالمرأة في نيروبي عام 1985: "من فضلك لا تذكري فلسطين في خطابك ... إنه مؤتمر نسائي، وليس مؤتمرًا سياسيًا" (كما ورد في إيليا، 48). تبدو التقاطعية أكثر تهديداً من أي وجهة نظر سياسية أخرى في حالة فلسطين. في معظم ورش العمل التي ننظمها، لاحظنا أن الأشخاص في البلدان الناطقة بالعربية لا يدركون أن الكثير من القوانين والمدونات الجزائية التي تفرض قيودًا على الأجساد والجنسانيات تم نسخها من قوانين العقوبات الفرنسية والبريطانية خلال أوقات الاستعمار الكلاسيكي. على مدار السنوات الست الماضية، عقدنا ورش عمل حول تسييس الجندر والجنسانية في منطقتنا لما يقارب الألف شخص. ومن بين هؤلاء، كان خمسة في المائة فقط على علم بأن قوانين العقوبات في بلدانهم/ن فرضت من قبل الاستعمار. تفشل النسويات الليبرالية في معالجة أنظمة الاضطهاد وتعزّز بذلك الخطابات المهيمنة "المصفوفة الاستعمارية للسلطة" (مينيولو، 2011: xxvii). فالحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق بالذاتيات المستعمرة وعدم تحدّيها هما في الواقع أدوات المستعمِر التي لا تحرر العقول. جمهورهم/ن ليس المستعمَر ولن يغير نشاطهم/ن الحقائق المادية الملموسة لأن لغتهم/ن نخبوية لا يمكن النفاذ إليها، ولأنّها تعيد تشكيل هيمنة المستعمِرين على الخطابات.

تهدف هذه المقالة إلى تحدّي جمهورها المستهدف من خلال اقتراح مشروع سياسي ووجهة نظر سياسية تهدف إلى مناهضة الاستعمار في طرق تفكيرنا وعلاقاتنا الشخصية وذاتيّاتنا وأنظمتنا القيميّة ومعتقداتنا ووجودنا وصيرورتنا. هذا المقال دعوة للنظر في الذات ولتقييم الطرق التي أثر بها الاستعمار فينا على المستويين الجزئي والكلي. تسمح النظرة الداخلية إلى الذات بكشف "الصمت المعرفي". بفحصه الذات داخليًا، يسمح التبصّر الذاتي للناس بالتعبير عن مواقفهم/نّ الخاصة والاعتراف بسلطتهم/نّ وفهم علاقتهم/نّ بالآخرين والأخريات، سواء كانوا مستعمَرين أو مستعمِرين. هذه المقالة منبثقة من قناعتنا بأن جمهورنا بحاجة إلى أن يكون أكثر وعياً وحساسية تجاه مواقفه داخل الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتقاطعة والمختلفة، من أجل تمهيد الطريق أمام إنتاج "معارف متموقعة" (هارواي، 1988). نؤمن بأن مفتاح النضالات النسوية عبر الأوطان هو تبني عدسة نسوية تقاطعيّة – عدسة لا تستنقص من ثنائية المستعمَر/المستعمِر، ولا تتجاهل خصوصية السياق، ومع ذلك لا تعزز الصور النمطية والتقسيم أحادي البعد للصراعات. على الرغم من أننا فشلنا بشكل جماعي في التصدي لقضية فلسطين خلال المؤتمر، فإننا في هذا المقال ندعو إلى (إعادة) مركزة القضية الفلسطينية في النظرية النسوية المناهضة للاستعمار. لكون هذا المشروع تحديًا كبيرًا، نعتبر حججنا هنا في قيد التطور على الدوام وباستمرار إلى أن تتحقّق رؤيتنا السياسية نظرياً وعملياً.

 

  • 1. نرفض تمييز كيخانو (1991, 1993, 1998) بين الاستعمار والاستعماريّة، ونستخدم كلا المصطلحين بالتبادل. يفترض هذا التمييز عادةً أن الاستعمار يشير إلى الإدارة الاستعمارية أو الاستعمار الاستيطاني بمعناه المادي، في حين تشير الاستعماريّة إلى الهيمنة الثقافية والعنصرية والجنسية والاجتماعية والسياسية التي تتمثل بهيمنة شعوب معينة على شعوب أخرى، دون استعمار فعلي. ينبع رفضنا من إيماننا بأنه طالما استمر الاستعمار في شكله الكلاسيكي في أي مكان في العالم، فإن التمييز بين هاتين الظاهرتين يؤدي إلى تجزئة الصراعات، وإضفاء الطابع اللامركزي على مشروع الاستعمار الاستيطاني الرئيسي في فلسطين، والأهم من ذلك أنه يسمح بتشكيل نظريات مناهضة للاستعمار لا تأخذ الحقائق المادية للناس في عين الاعتبار.
  • 2. نقصد بالبيضاوات النساء المنتميات للعرق الأبيض ولدول عالم الشمال.
ملحوظات: 
المراجع: 

Crenshaw, K. (1991). “Mapping the Margins: Intersectionality, Identity Politics, and Violence against Women of Colour.” Stanford Law Review, 43(6): 1241-1299. doi:10.2307/1229039.

Davis, A. (2005). Abolition Democracy: Beyond Empire, Prisons and Torture. New York: Seven Stories Press.

Davis, A. (2016). Freedom is a constant struggle: Ferguson, Palestine, and the foundations of a movement. Chicago, IL: Haymarket Books.

Elia, N. (2017). “Justice is indivisible: Palestine as a feminist issue.” Decolonization: Indigeneity, Education & Society, 6(1): 45-63.

Haraway, D. (1988). “Situated Knowledges: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective.” Feminist Studies, 14: 575-99.

Mignolo, W. (2009). “Epistemic Disobedience, Independent Thought and De-Colonial Freedom.” Theory, Culture and Society, 26(7-8): 1-23.

Mignolo, W. (2011). The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options. Duke University Press: USA.

Mohanty, C. (1984). “Under Western Eyes: Feminist Scholarship and Colonial Discourses.” Boundary, 2, 12/13: 333-358. doi:10.2307/302821

Quijano, A. (1991). “Colonialidad y Modernidad/Racionalidad.” Perú Indígena, 29: 11−21.

Quijano, A. (1993). “‘Raza’, ’Etnia’ y ’Nación’ en Mariátegui: Cuestiones Abiertas.” In José Carlos Mariátgui y Europa: El Otro Aspecto del Descubrimiento. Ed. Forgues, R. Lima, Perú: Empresa Editora Amauta S.A. 167−187.

Quijano, A. (1998). “La colonialidad del poder y la experiencia cultural latinoamericana.” In Pueblo, época y desarrollo: la sociología de América Latina. Eds. Briceño-León, R. and Sonntag, H. R. Caracas: Nueva Sociedad. 139−155.

Spivak, G. 1994. “Can the Subaltern Speak?” In Colonial Discourse and Post-Colonial Theory: A Reader. Eds. Williams, P. and Chrisman, L. Columbia University Press: New York.

Stanley, L., and Wise, S. (1983). Breaking Out: Feminist Consciousness and Feminist Research. London: Routledge.