تعرية طبقات الآخر: تجربة أرمنيّة كويريّة

السيرة: 

هجين ترتكز أغلب أعماله حول قضايا الهجرة والهوية والجندر والصراع.

اقتباس: 
شانط. "تعرية طبقات الآخر: تجربة أرمنيّة كويريّة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 2 عدد 2 (2016): ص. 159-162. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 24 يناير 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/unlayering-the-other.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon Download Article (PDF) (358.69 كيلوبايت)
ترجمة: 

رولى الصغير كاتبة وروائية ومترجمة نسويّة كويريّة. وهي مديرة تحرير كحل، ومؤسسة شريكة لمنشورات المعرفة التقاطعيّة. رولى عضوة في تعاونيّة نسويّة موجودة في بيروت. وهي شغوفة بمسائل الجندر والأداء، الاقتصادات السياسية والمعنوية للتنظيم المجتمعي، والنظرية النقدية، زنظريّة المعرفة والممارسة النسويّة. وهي متأثّرة بأعمال آنجيلا دايفيس وتشاندرا موهانتي.

أول مرة سمعت فيها كلمة أودار كانت عندما تمّ استخدامها لتعريف والدتي. أودار، كلمة أرمنية تعني الغريب، الأجنبي، الكويريّ، من ليس من داخل المجتمع أو من المجموعة العرقية. أي، غير الأرمن. لا تعتبر الآثار المعياريّة للكلمة عنصرية. يُنظر إليها فقط على أنها الكلمة التي تعرف ب “نحن” في مقابل “هم/هنّ” – ما هو داخل الدائرة وما هو خارج عنها. أشياء نقوم بها “نحن،” وأشياء يقوم بها الآخرون.

كلما فكرت في هذا، كلما أدركت تقاطعه مع كويريّتي وكيف يُنظر إليها أيضا على أنها شيء خارج المجتمع الأرمني. كلما حاولت أن أفهم هذا، كلّما بدا أنّ العديد من المتغيرات والظروف المعقدة انضمّت إلى المعادلة. ومع ذلك، كان هناك شيء ملفت للغاية عند نظري إلى القرن الماضي، في محاولة لفهم المجتمع الأرمني ككيان متجانس: لقد حملت أجسادنا الكثير من العار، ولم تغب النساء الأرمنيّات فقط من أدبيّات الإبادة الجماعية، ولكن أيضا من تحاليل ما بعد الإبادة الجماعيّة. اتضح لي ببطء أنّ الأرمن ليسوا قريبين من الكيان المتجانس الذّي يرغبون الاعتقاد أنّهم على شاكلته.

عندما يتجذّر الكثير من هويتنا الأرمنية في مأساة الإبادة الجماعية، يصبح عبئا يقيّدنا حمله بفظاعة. عندما تعرّفك سياسات الهوية من خلال عزل فترة تاريخية واحدة تخصّ شعبا بأكمله، عندما يكون هذا الترسيم هو الانقسام بين الجاليات الأرمنيّة – الأرمن الغربيون من كيليكيا ومرتفعات الأناضول، مع بعضهم الذّين تحصّلوا على مأوى في الجمهورية – والأرمن من الجمهورية ذاتها- أرمينيا اليوم / أرمينيا الشّرقيّة، تجد/ين نفسك أمام عدم القدرة على توحيد هذه التجارب لأنها لا يمكن أن تكون موحّدة أساسا على أي حال. 1

ليس شرطا واضحا أن يفهم ما قبل وما بعد الاتحاد السوفياتي ما قبل وما بعد العثمانيين ماهيّة أن يكون الشخص أرمنيّا، أمّا الاندماج أو التشابه بين التجارب لن يكون عاليا بما يكفي ليشمل أو يتجاوز كل من مفاهيمنا الدّاخليّة للدول القومية والأرض أو الاسترجاع، والتأهيل والاستيعاب، وغيرها. ومع ذلك، ينظر إلى مجتمعنا على أنّه واحد. ويُنظر إليه على أنه يملك قيم ومطالب سياسية أساسيّة، بينما الحقيقة بعيدة عن ذلك. كما تقول تمار كيفونيان 2: “واقع الشتات الأرمني النائي هو أننا نعيش في ثقافات مختلفة عن تلك التّي حاولنا الحفاظ عليها خلال رحلاتنا. وغالبا يكون أصدقاؤنا وجيراننا وزملاؤنا وأزواجنا من ثقافة بلدنا المضيف.” لكن أرمن الشتات في معظم الأحيان يشعرون أنهم بحاجة للاختيار، لأنّ مجتمعاتنا مبنيّة بمثل هذه الطريقة: من أجل أن يتمكّن أحد من الانتماء، يجب أن يكرن نفسه في صندوق ويحدّ من هويّته قدر الامكان لتجنب الارتباك والتفسيرات المعقدة. تصير معضلة إمّا/أو الخاصّة ب”الهوية” سؤالا يوميّا.

لمدّة عقود بعد الإبادة الجماعية وقبل أن أن تصبخ النسويات الأرمنيات (داخل أرمينيا وخارجها) أكثر وضوحا وأعلى صوتا، كان الإقليم الجماعي والهوية، والاستنساخ الثقافي للمجتمع مرتبطين في الغالب بالنساء – النساء اللّواتي وصلن إلى الدول الأجنبية مع أطفال وفتيان وفتيات في سن المراهقة، و مع كبار السنّ. وكان معظم الرجال إما مسجونين، مقتولين، أو مجبورين على الانضمام إلى الجيش العثماني. عندما وصل هؤلاء النساء والأطفال إلى المخيمات، نادرا ما نجد ذكرا لكيفية نجاتهم، ازدهارهم، وإعادة بنائهم. يقع تهميشهنّ أو تحديد انتصاراتهنّ بتمرير/تعليم ثقافتهنّ وتاريخهنّ للأجيال الشابة. نادرا ما تعتبر أعمالهنّ اليدوية ذات قيمة خارج الحرفية اليدويّة أو الوكالة الاقتصادية. فمن النادر أن نتحدث عن هذه الأمور، ناهيك عن النساء اللواتي أعدن بناء المجتمعات أو التجارب التي أثّرت على حياتهنّ وكذلك على أطفالهنّ. وكانت النساء والفتيات لا تتعرضن إلى الاغتصاب فحسب، ولكن أيضا إلى الزواج القسري، والتعذيب، والعمل الجنسيّ القسري، الذّي عرّضهنّ للبيع إلى العبوديّة، فضلا عن تشويه أعضائهنّ الجنسية. كما تقول سناساريان: “رغم ثروة الأدبيّات عن الإبادة الجماعية للأرمن، تناول القليل من الأبحاث موضوع النساء اللّواتي شكّلن كتلة المبعدين. لم يتمّ تصوّر أهمية الجندر في عملية الإبادة الجماعية تجريبيا ولا تحليله منهجيّا.” حتى بضعة عقود مضت، لم يقم الكثير من العلماء والكتّاب والباحثين بدراسة ضحايا الإبادة الجماعية من منظور جندريّ. بدلا عن ذلك، فإنهم قد تحدثوا عن ضحايا الإبادة الجماعية ككيان واحد و متقاطع ك”ضحايا.” الحقيقة هي أن الإبادة الجماعية ليست عمياء عن الجندر، بل هي مبلّغة حسب الجندرالمعياري المفترض للسكان. وهذا واضح من خلال الجرائم القائمة على الجندر، سواء كان ذلك ضد النساء أو الرجال. 3

تقول سينثيا إنلو أن “الوطنيّة انتشرت غالبا من ذاكرة مذكّرة وإذلال مذكّر، وأمل مذكّر.” 4 وهكذا، في هذه الذاكرة “الجماعية،” ليس هناك مجال للنساء أولعارهنّ. كانت النساء المعنفات يُعتبرن نجسات، مشوبات، ومحتقرات، على الرغم من أنهنّ قد عانين أكثر من غيرهنّ. لكن الشّعوب، والحدود، والانتصارات تزايد على نزاهة الأجساد. ففي النّهاية، في الحرب، نزاهة الأجساد هي أول شيء يتوقّع وضعه على الخطّ. في الإبادة الجماعية يقوم الرجال بالاغتصاب الجماعي لأنهم يؤمرون بذلك، لأنّه يتمّ تسليع الاغتصاب، أو لأنّ السماح المنهجي خوّل لهم القيام بذلك. لقد ضمّنت الممارسة في التسلسل الهرمي. الرجال يغتصبون لا كرجال فرادى، إنّما كأعضاء من عرقهم أو إثنيتهم أو دينهم، أو جنسيّتهم. عندما يتم اغتصاب امرأة والاعتداء عليها، وأخذها ضد إرادتها، فهي لا تعود تنتمي إلى نفسها أو ثقافتها. بل تعتبر كأنّها وضعت أرضا أو دعست. فهي تصبح ملك مغتصبها حتى بعد فترة طويلة من خروجه عن الصورة. كما لو أنه قد ترك بصماته عليها أو أنّها وصمت مثل الماشية. وهي تصبح أيضا سلعة ذلك الشّعب الأمّة، وسلعة هيكله العسكري. تصبح سرديّتها واحدة سرديّات العدد الكبير من النساء الأخريات. وتؤرّخ الصدمة كفعل عنيف ضد الشّعب الأمة وسلفه وليس على شخصها. تصبح الوشوم على وجهها ويديها 5 برموز العدو أو بمرتبتها الجديدة داخل “العرق” الجديد دلالة على امتلاكها، يجعلها حملها القسري شريان عار، وخلقها لأطفال ملوّثين، ممرّرا الانتهاك والتشويه الذّي قام به العدوّ ودولته.

نحن لا نأخذ بعين الاعتبار أن صدمات من هاته النساء تبقى غير معالجة، وغير معترف بها، خوفا من أن تؤثر على نظام اجتماعي معيّن. نحن نعتبرهنّ ماسكات لشرف العائلة المحدّد بالعار. نحن نجعل الأجساد غريبة، منفصلة، متميزة عن النفس المثاليّة، والنفس المجتمعيّة. في كثير من الأحيان، نقوم بلوم الناجيات وإقصائهنّ. في عزلتهنّ، يرون أنفسهنّ على أنهنّ مخطئات. وفي أكثر الأحيان، نختار الصمت والعمى بسبب أمور أكثر أهمية على المحكّ، فكيف لنا أن نبني الحلم الوطنيّ على أجساد مكسورة ومعتدى عليها؟ على أجساد غير نمطيّة وأجنبية؟ فمن الأفضل أن نكون صامتين/ات لا معزولين/ات.

هذا هو نفس الخوف من أن نصبح منبوذين/ات في مثل هذا المجتمع الصغير الذي يطارد “الأرمن” 6 الكويريّين حتى اليوم. يصعب على العديد من الأسر الأرمنية قبول أعضاء من غير الأرمن، أو من مجتمع الميم. وهم يعتبرونهم/هنّ أودار وأشباهه من الذين/اللّواتي لا يرقون/ين إلى المثالية الأرمنية، وبالتالي يقومون بعزلهم/هنّ. ما هي المثالية الأرمنيّة؟ لا أحد يعرف، حقا، ولكن المعظم على استعداد ليقول لكم/نّ ما ليس كذلك. 7 شيء واحد يبدو انهم جميعا يتّفقون عليه، ألا وهو مفهوم العار) آموط في الأرمنية(، عملة نفسية كاملة في المجتمع/الأسرة. كلما لم ينل شيء ما الموافقة من قبل أحد الوالدين/المجتمع، فهو آموط، وهناك إجماع عام على أنّه إذا لم يتحدث النّاس عن ماهيّةآموط، فسوف يختفي.

المثلية الجنسيّة، كما قد يقول لكم/نّ العديد من الأرمن، تقتصر على الغرب. وهي غريبة، أودار. مثل والدتي، غير أرمنية. مثلي أنا “نصف من كليهما،” ومثل جنسانيّتي، غير مطابقة. لكن الحدود ليست ثابتة، كما مفاهيم الغربة. الهوامش تتّسع، وتتراجع، ويُعاد رسمها، تماما مثل أجسادنا. هي في موقعنا من تجاوز الخجل من كل أولئك الذين يقولون لنا ما لسنا عليه. فقط في تجاوز آموط (المخزي، الباعث على العار) يمكننا أن نقرر أن نكون ما نريد أن نكون، لا أن نكون حاملين/ات لمثل الآخرين العليا – تلك المثل المتجذرة في النظام الأبوي والممجّد للدّول الوطنيّة. نحن نربّى على أساس توقّع أن نبني بلدنا، أن نعود الى الوطن الأم. عن أيّ وطن أمّ نتحدّث؟ انتشرالشتات عبر مئات من البلدان؛ وهو الآن يتحرك عبر الحدود الحرفية والمجازية، بينما يخرج أطفال جمهورية اليوم سنة بعد سنة، وينتقلون. هل يفترض بنا أن نعتقد أنّ لدينا طبيعة أرمنيّة متأصلة مكّنتنا جميعا من الوصول إلى اتفاق على ماهيّة جوهرها؟ جنود وحماة الشّعب؟ لا تقتصر هذه المفاهيم الأساسيّة على جعل سياسات الهوية غير مرنة، بل تفصل أيضا تقاطعات ما هو مقبول وغير مقبول. عند استكشاف تقاطعات الهجرة، والعرق، والجنسانيّة، يصبح أودار بناء مجمتعيّا يحافظ على أرمن الشتات والمهاجرين والنّاس غير المعياريّين خارج دائرة القبول. يحاول أن يضع أجزاء مختلفة منك في صندوق يحدّدها كمستبعدة لبعضها البعض أو متعارضة، ويتركك دون وكالة على نفسك. يصبح بناءً محليًّا أو مجتمعيًّا يحدّد ما هو منه وما هوأودار عنه، ما ينسب إليه وما هو خارجه، ما هو مألوف وما هو مبنيّ اجتماعيّا، ملخبطًا حدوده وتعاريفه، ومفاهيم ال”نّقاء” المجرّدة التّي يحملها.

 

  • 1. حصلت هذه الإبادة الجماعية في منطقة الأناضول، وكذلك ما يعرف تاريخيا باسم كيليكيا. أولئك الموجودون/ات في جمهورية أرمينيا (كما تعرّف اليوم) لم يكونوا تحت الحكم العثماني واختبروا/ن هذه الفترة بشكل مختلف. هذا لا يعني أن بعض الأرمن الغربيين لم يفرّوا الى أرمينيا الشرقية (الوطن الأمّ). في وقت لاحق سقطت جمهورية أرمينيا (أرمينيا الشّرقية) تحت كتلة الاتحاد السوفياتي، بينما في الوقت نفسه، بدأ الناجون/النّاجيات من الإبادة الجماعية في خلق مجتمعات الشتات في جميع أنحاء العالم
  • 2. http://asbarez.com/79459/racist-who-me/
  • 3. في حالة الرجال، فهي تعمل على تأنيث أجساد الذكور الأعداء، وجعلها تخضع لمنظومات أبوية، عسكرية، قهرية، ومؤسساتية. بعيدا عن كونها أفعالا مثليّة، فهي تسلب شيئا أساسيا من الهوية الجنسيّة، وتجعلهم ضعفاء ومؤنثّين ضد إرادتهم، من خلال جعلهم موضوعات دونيّة.
  • 4. Enloe, Cynthia. Bananas, Beaches and Bases: Making Feminist Sense of International Politics. Berkeley: University of California Press, 1989. 44.
  • 5. تمّت أسلمة النساء والفتيات الأرمنيات اللّواتي تم اختطافهنّ من قبل/ أو بيعها لعائلات بدوية، من خلال وشمهنّ برموز سحرية، ورموز دينية، أو تلك الدّالة على الملكية.
  • 6. استخدم الكلمة هنا لكلّ من ي/ترغب في التعريف عن نفسه/ها على هذا النحو وليس على شكل دائرة محدودة لهويّة منقوشة في الحجر وغير قابلة للتغيير.
  • 7. نزهة صغيرة حول المنتديات على الانترنت تسلّط الضوء على بعض الأمور التي تعتبر أرمينية. السلالة / “الأرمينية الكاملة،” والكنيسة /أن تكون/ي مسيحيا، الجنود والوطنية، والإبادة الجماعية، وتربية أطفال أرمنيّين (في الكنيسة طبعا) وهلم جرا.
ملحوظات: