كيف يخطّ القمع أجسادنا؟

السيرة: 

صدف جفداني كاتب/ة ومنظِّم/ة مجتمعي/ة. على مدى العقد الماضي، كانوا منخرطين بعمق في شبكات الحركات الاجتماعية والمساعدات المتبادلة، مستندين في عملهم إلى العدالة التغييرية والرعاية المجتمعية، والسعي نحو الإلغاء الكامل للمؤسسات العقابية. ينمّي صدف أسلوبًا في الوساطة يجمع بين الجرأة والحنان، جريء في مطالبه بالعدالة الاجتماعية، وناعم في انتباهه للرعاية وعمق العلاقات الإنسانية. 

حاصلون على دكتوراه في الأنثروبولوجيا، انصرفوا عمدًا عن المسار الأكاديمي ليغرسوا عملهم في الممارسات المجتمعية وتنظيم الحركات ورعاية الجماعة. ظهرت كتاباتهم في منصّات مختلفة من بينها "نيو سوشاليست" (New Socialist) و"جدليّة" و"ذي غارديان" (The Guardian).

اقتباس: 
صدف جفداني. "كيف يخطّ القمع أجسادنا؟". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 11 عدد 3 (16 كانون الأول/ديسمبر 2025): ص. 22-22. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 12 شباط/فبراير 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/carrying-what-we-fight-against.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

seed_website_ar.png

سارة السرّاج - بذور

 

التعامل مع الأذيّة في مجتمعاتنا

في اندفاعنا المحموم لإصلاح العالم، كثيرًا ما نُهمل الألم الذي نحمله في داخلنا. وقد نقنع أنفسنا بأن إنكاره كفيلٌ بإلغائه. نوجّه غضبنا إلى الخارج، منصرفين أساسًا إلى تغيير العالم من حولنا، وحين نعجز عن ذلك، يتعمّق الإحباط، ونجد أنفسنا في موقع العجز وردّ الفعل. غير أن الألم غير المُستوعَب لا يظل ساكنًا؛ بل يتردّد في أجسادنا، وعلاقاتنا، وحركاتنا، ويعيد تشكيل طرائق رؤيتنا للعالم واستجابتنا له. وحين لا نعتني به، يمكن لهذا الألم أن يحجب صفاءنا، ويضيّق خياراتنا، ويغذّي دوّامات من الأذى، حتى في الفضاءات التي يُفترض أن تكون مكرّسة للشفاء والتحرّر.

لقد أمضيتُ سنوات في تفكيك علاقات السلطة القهرية،1 أدرس وأحلّل الكيفية التي تُعيد بها الأنظمة القمعية تشكيل طرائق تواصلنا بعضنا مع بعض. وبما أنني كنت قادرةً على رسم خرائط الهيمنة والقهر وتسميتها، مهما بدا بُعدها عنّي، افترضتُ أنني لا يمكن أن أُسهم فيها. وغالبًا ما لجأتُ إلى عقلنة الألم هروبًا من الإحساس به، سعيًا إلى أن أُؤخذ على محمل الجدّ، وإثباتًا لاستحقاقي الأمان والرعاية والكرامة. لم يكن ذلك فقط لتجنّب اختزال مشاعري في جراحٍ شخصية، بل لإكسابها وزنًا يجعلها غير قابلة للتجاهل. ومن خلال تأطير ألمي بوصفه مجرّد نتيجة لظلمٍ بنيويّ، منفصلٍ عنّي، كنتُ أتوخّى صَونه من الإهمال، كما لو أنّ فهم آليّات الأذى وجذوره كفيلٌ بأن يحميني من وطأة الألم.

غير أنّ تقديم التحليل على العلاقة، والسيطرة على الثقة، جعلني أكثر تصلّبًا. ففي كتابهما Joyful Militancy، يكتب كارلا بيرغمان (carla bergman) ونيك مونتغمري (Nick Montgomery): "عندما يغدو التحليل صفة شخصية جامدة بدل أن يكون مسارًا جماعيًا قائمًا على الفضول، فإنه يصاب بالركود" (2017:179). وعلى نحوٍ مماثل، وجدتُ نفسي أسيرة سياساتي وتحليلاتي الخاصة، أُعيد – دون قصد – إنتاج الثنائية الكولونيالية التي تضع التفكير العقلاني في مرتبةٍ أسمى من حكمة الجسد وقوة الاتصال. وبالطبع، لم أصل إلى هذه الطريقة في التعامل مع الألم بمعزلٍ عن السياق؛ فثنائية العقل/الجسد إطارٌ مهيمن في الفكر الأنغلو-أوروبي، يتبدّى في الطبّ الغربي وعلم النفس والتعليم، وحتى في حركات العدالة الاجتماعية. وهي ثنائية تهمّش العمليات الداخلية والعواطف والمعرفة المتجسّدة، وتتعامل معها بوصفها ثانوية أو غير ذات صلة في معركة التغيير البنيوي، كما تنظر إلى الذات بوصفها فردًا معزولًا، لا كيانًا منسوجًا على نحو جوهري في رفاه الآخرين.

تذكّرنا كاميل سابارا بارتون (Camille Sapara Barton)، في كتابها Tending Grief، بأنّ هذا النهج، الذي تعيده إلى الثنائية الديكارتية، ينتج تصوّرًا مفاده أن "العقل هو جوهر إنسانيتنا، وأن الجسد لا يُعترَف له بحكمةٍ متأصّلة، إلا بوصفه أداة في خدمة العقل" (2024:58). ونتيجةً لذلك، نتعلّم عقلَنَة أشكال الظلم العميق، بينما نُسكت الإشارات المتجسّدة التي تحاول، بإلحاح، تنبيهنا إلى الأذى والاستغلال.

وفي سعيي الدؤوب لتتبّع جذور هذا الانقسام والانفصال، كنت أعود مرارًا إلى أعمق جروحي. فالصدمة، المشتقّة من الكلمة اليونانية التي تعني "الجرح"، ليست مجرّد تمزّقٍ جسديٍّ، بل شرخ عميق يمتدّ إلى علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم. يوضح غابور ماتي (Gabor Maté 2022) أن الصدمة ليست ما يحدث للمرء، بل ما يحدث في داخله. وكما يشقّ الجرح الجلد، تفكّك الصدمة خيوط الاتصال التي تُبقي ذواتنا متماسكة، مهيّئة بذلك الشروط التي تعتمد عليها الأنظمة القمعية في إحكام سيطرتها.

تتفاقم الصدمة على نحوٍ خاص داخل المجتمعات المهمّشة، حيث تجعل الأذيّة البنيوية والصراعات العابرة للأجيال من ترسيخ الثقة والاتصال أمرًا بالغ الصعوبة. وفي ظلّ غياب الدخل المستقرّ، والسكن، ودعم الصحة النفسية، والوقت، أو الحيّز اللازم لمعالجة الألم، يحمل كثيرون هذا العبء إلى فضاءات العلاقات والعمل الحركي، من دون وعيٍ كاملٍ بثقله. وحين لا تُعالَج الصدمة، تميل إلى التسرّب عبر شقوق اختلافاتنا، مُشكِّلةً طرائق إدراكنا لبعضنا البعض، وكيفية حملنا للألم والتعبير عنه. وقد تتجلّى في دوّاماتٍ من الاتهام والإسقاط، حيث تدفع الجراح المفتوحة إلى التمترس الدفاعي وانعدام الثقة، مُقوِّضةً التضامن والرفاقية، ومُفكِّكةً الروابط التي لا غنى عنها لبناء حركات متجذّرة في الرعاية.

وخلال السنوات التي انخرطتُ فيها في فضاءات الحراك المناهض للاستعمار في برلين، وعملتُ مع منظّمات قاعدية ألمانية، بما فيها شبكات دعم اللاجئين وتجمّعات مناهضة للعنصرية، كنت أشهد هذا التناقض المؤلم مرارًا. فكثيرون ممّن يمتلكون وعيًا عميقًا بالقمع البنيوي كانوا يعكسون أنماطه ذاتها، ويجدون صعوبةً في إدارة الصراع دون إعادة إنتاج الأذى. وقد رأيتُ – وشاركتُ – في نزاعات بين إخوتي وأخواتي الكويريين الموسومين عرقيًا، حيث كان شخصٌ ما يُصاب بالأذى، لكن بدل تسمية الجرح والتعبير عمّا ينبغي تغييره، كانت تُشيطَن الأفراد وتُلصَق بهم نعوت مثل العنصرية أو الترانسفوبيا أو الإعاقوية. لم تكن هذه الاتهامات دائمًا متجذّرة في ديناميات الأذى الفعلية، بل كانت أحيانًا تُسخَّر كسلاحٍ لاحتلال الموقع الأخلاقي الأعلى، وتثبيت الذات في موقع الضحية الأَولى بالرعاية والتعاطف. وكحال كثيرين، شعرتُ بأنني عالقة داخل هذه الدوّامة، أتساءل عمّا إذا كان بالإمكان تسمية الأذى وتحويله الى قوة، دون الوقوع في تصلّب سياسات الهوية أو معاملة بعضنا بعضًا كذوات قابلة للاستبدال.

 

الألم، القوّة والحماية: مَن لديه الحقّ في المقاومة؟

تعمل الشرطة والسجون وغيرها من المؤسسات العقابية، المتجذّرة بعمق في الرأسمالية العرقية والإرث الاستعماري، على إعادة إنتاج ثنائيةٍ صارمة بين الخير والشرّ بشكلٍ مستمرّ. وقد نشأ كثيرون منّا داخل أنظمةٍ يُعدّ فيها العقاب الوسيلة الافتراضية لفرض "النظام الأخلاقي". ويرى هذا الإطار أنّ السلوك المؤذي هو فشلٌ أخلاقي فردي، لا نتاج شروطٍ بنيوية، ما يؤدي إلى نزع إنسانية الشخص عبر تصويره بوصفه سيّئًا بطبيعته.

في نظمٍٍ قائمة على العقاب، لا يُستغرَب أن نشعر بالقلق حين يُسمّى الأذى باسمه. بل قد نجد أنفسنا أحيانًا أكثر ارتياحًا في حضور إساءةٍ فاعلة ومباشرة، من وجود شخص يمتلك وعيًا حادًا بديناميات السلطة وبقدرةٍ دقيقة على التنبّه إلى الأذى. فالسلوك الأول قد يكون أسهل تبريرًا أو تسويغًا، في حين تشكّل "قاتلة البهجة"2 مصدر إزعاجٍ حقيقي، مُرغمةً على مواجهة ما يفضّل الناس تجاهله. تشير ميا مينغوس (Mia Mingus 2019) إلى أن هذا النمط يمتدّ أحيانًا إلى الداخل، إذ ينعكس على علاقاتنا مع ذواتنا، وقد يجعل السلوك المؤذي مألوفًا بدرجة تجعله يبدو آمنًا.

في مجموعات أصدقائي والدائرة النسوية التي أنتمي إليها، شهدت كيف يُبرَّر التواطؤ غالبًا بذريعة اللطف والاجتماعية، فالأشخاص الذين يتجنّبون الصراع يُنظَر إليهم على أنهم لطفاء، متوافقون، ولا يشكّلون تهديداً. في المقابل، يُصوَّر من ينبّه إلى الأذى بأنه صعب التعامل معه أو مثير للاضطراب، ويُهمَل أو يُعزَل في كثيرٍ من الأحيان.

حين تُطبع أعمال العنف المنهجي بالسلطوية الذكورية، والتفوّق الأبيض، والمعيارية الجنسية المغايرة، والتمييز ضد ذوي الاحتياجات الخاصة، يحصل الجناة غالبًا على تعاطف وتسهيلات أكثر من الناجين. ومع ذلك، عندما يعبّر ناجٍ من العنف الجنسي عن الغضب أو الحزن، يكون ردّ الفعل السائد غالبًا الإدانة، وإلقاء اللوم على الضحية، والتجاهل. هذا التفاوت ليس مصادفة؛ كما توضح إلسا دورلين (Elsa Dorlin 2022)، فالحقّ في الدفاع عن النفس وشرعية الردّ العنيف يُمنح تاريخيًا لأولئك الذين ينتمون إلى فئة "الفرد القابل للدفاع عنه"، بينما يُحرَم المهمّشون والعرقيون من السلاح، ويُشَكَّك فيهم، أو يُعاقَبون عند المطالبة بالبقاء على قيد الحياة. على سبيل المثال، قد يُقتل مراهقون سود لمجرّد اعتبارهم بأنهم "يشكّلون تهديداً"، بينما يُحمى القاتل من الدولة باعتباره في موقف الدفاع عن النفس.

ما تعلّمنا إيّاه دورلين هو أن إحدى أعمق صور الظلم تكمن في مَن يُسمَح له بالدفاع عن نفسه، ومَن يُعترَف بشرعيته في الدفاع عن الذات. لم أكن دائمًا أملك الكلمات لأسمّي ذلك، لكنني كنت أشعر به بعمقٍ في جسدي. رأيت كيف تمنح السلطة الشرعية والتعاطف، وكيف يسلب غيابها الإنسانية. لم أرغب في أن أكون جزءًا من ثقافةٍ تزدهر على غياب التوتّر الظاهر بينما تُخفي العنف الكامن. لم أعتبر نفسي معصوماً/ةً عن الأذى أو ارتكاب الأخطاء؛ أعلم أنني كنت عنصريًا/ةً، وكارهًا/ةً للمتحوّلين جنسيًا، وتمييزيًا/ةً ضد ذوي الاحتياجات، ومتواطئًا/ةً في السلطوية، رغم تأثّري المباشر بهذه الأنظمة. ومع ذلك، لم أدرك أن هذه الأنماط قد رسخت داخليًا إلى حدٍّ يمكن أن تظهر في سلوكيات قد لا أتعرّف عليها حتى. على سبيل المثال، كنت سريعًا/ةً في فضح مَن يعيد إنتاج التفوّق بأشكاله المتعددة، بينما فشلت أحيانًا في ملاحظة كيف أضع نفسي في موقع تفوّق أخلاقي خلال ذلك.

في محاولتي تجنّب التواطؤ وإعادة إنتاج الأنماط التي انتقدتها، صرت محقّقًا لا يكلّ، يترصّد دومًا ديناميات الهيمنة والاضطهاد، مشيرًا إليها في كلّ مكان، ما أكسبني لقب "الصعب/ة". هذا اللقب شكّل وسيلة للسيطرة الاجتماعية، آلية صامتة تقلّل من شأن مخاوفي وتحافظ على مراقبتي. بدا لي أن بعض الناس يجدون سهولةً أكبر في وصف ردود فعلي على أنها مرَضية نفسيًا، بدل مواجهة الانزعاج والألم الذي خلّفه العنف.

لم أجد طريقًا أتمكّن فيه من تجنّب النفاق، ومع ذلك كنت أعلم أنني لا أستطيع خوض كلّ معركة. إن اليقظة المستمرّة كانت مرهقة ومعزولة، تجعلني عالقًا/ةً في حالة رد فعل دائم. وفي الوقت ذاته، ما أوليته اهتمامًا، كما تقول أدريان ماري براون (adrienne maree brown 2017)، نما، ومن خلال تركيزي الشديد على الأذى والإساءة، منحتُها قوة أكبر في حياتي وفقدتُ صلتي بما أتوق إليه حقًا.

 

لا إكراه في تحمّل المسؤولية

بصفتي ناشطاً/ة سياسياً/ة يسعى إلى إنهاء المؤسسات العقابية، كنت أؤمن تمامًا أن ارتكاب الأخطاء جزء لا مفرّ منه من كوننا بشرًا، وأن المحاسبة والعناية المجتمعية هما السبيل الوحيد للمضي قدمًا. كنت أدرك أن هذه العملية يجب أن تركّز على تلبية احتياجات ورغبات المتضررين، وفي الوقت ذاته معالجة الأنماط النظامية التي سمحت بحدوث الضرر. بالنسبة إليّ، لم يكن هناك ما هو أكثر رحمةً أو تحوّلًا من منح أولئك الذين سبّبوا الضرر فرصةً للتفكير وإصلاح ما أفسدوه والنمو الشخصي. لكن، في غياب شبكات الرعاية والدعم، لم أكن أعرف كيفية المضيّ قدمًا إلا من خلال المطالبة بالمحاسبة من الآخرين – وهو نهج لم ينجح فحسب، بل عمّق شعوري باليأس وجعلني أشعر بالعجز المطلق.

كما تقول ماريام كابا (Mariame Kaba 2021)، فإن المحاسبة عملية ذاتية بطبيعتها ولا يمكن فرضها على الآخرين. وتؤكد أن العدالة التغييرية تهدف إلى خلق الظروف التي تمكّن الأفراد من إدراك الضرر الذي سببوه، والشعور بالندم الحقيقي، واتخاذ خطوات لإصلاح الضرر. وفي رؤية كابا، تُعدّ المحاسبة عملية مستمرة لفكّ تعلّم السلوكيات والأنماط الضارّة، وتنمية ممارسة الصراحة الجذرية والتواضع. ومن ثم، لا يمكن للمحاسبة أن "تُمنَح" من الآخرين.

ولكن، كيف يمكن أن نحتضن المحاسبة بينما غالبًا ما نراها بمثابة اعتراف بالذنب؟ وكيف يمكن أن ندرك دورنا في خلق بيئة خصبة للأذى بينما علاقتنا بالعار مشكّلة بالخوف والتجنّب؟ نحن بحاجة ماسّة إلى رعاية مجتمعية وأساليب تصالحية تتيح بيئات آمنة بما يكفي لتشجيع التأمل الذاتي. ولكن، على ما يبدو لي آنذاك، لم تكن هناك ثقافة رعاية، ولا مساحة لتحمّل الألم جماعيًا، وكنت أنا أيضًا مجروحة وعاجزة جدًا لأسمّي أو أتحدّى هذا الغياب.

بعد أن شاركت قصتي علنًا حول تعرّضي للاعتداء الجنسي من شخص داخل دائرتي النسوية المقرّبة، انهار المجتمع الذي كنت أؤمن به أمام عيني. الضرر بهذا الحجم لا ينتهي بمجرد الاعتداء؛ بل يستمرّ بالعيش في كل الطرق التي يُساء فيها فهمه أو إنكاره أو مشاركته من الآخرين كدليل على نقطة لم أوافق على طرحها. وجدت نفسي أعرض جروحي، على أمل التحقق والاعتراف بها. وعندما أدركت أن ذلك لم ينجح، بدأت أبذل جهدًا مفرطًا، على أمل أن يساعد ذلك في سماعي واحتوائي بالطريقة التي أحتاجها. توقّعت أنه بإظهار كيف أنّ كلمات الآخرين وتصرّفاتهم (أو عدمها) ألحقوا بي الضرر، سيتوقفون عن قول أيّ شيء مهين أو جارح. ومع ذلك، في كل مرّة لمس فيها صديق ذلك الجرح عن غير قصد، كان يفتح من جديد وينزف على تلك العلاقة. استمرّت صدمتي الناتجة عن الاعتداء بالعيش داخل نظامي العصبي وأنسجتي، وشكّلت تصوّراتي وردود أفعالي تجاه العالم من حولي.

في سعيي إلى البحث عن الاعتراف والدعم الذي كنت أحتاجه بشدة، وبدلًا من المطالبة بما أحتاجه مباشرةً، لجأت إلى التحليل النظري لأثبت أن ما وقع كان خطأً موضوعيًا. اليوم، أرى سبب شعوري حينها بأن هذا كان الطريق الوحيد المتاح. كنت قد فقدت الثقة، وكنت دائمًا في حالة تأهّب، بينما أصبح أصدقائي محبطين منّي لأنهم شعروا أن مجرد تصديق قصتي لم يكن كافيًا. أعتقد حقًا أنهم لم يعرفوا ما العمل بخلاف ذلك، رغم نواياهم الحسنة، لأننا جميعًا لم نفهم بعد ما يعنيه ممارسة المساءلة والرعاية دون الانغماس في دوامات العار واللوم المستبطنة.

 

نحن مقدّمة التحوّل

استغرق الأمر سنوات من الجلوس في ظلامٍ مرعب ومربك قبل أن أبدأ برؤية الأمور بشكل مختلف. أدركت أن المحاسبة ليست فرض تغيير عبر الإلحاح أو القوة، وليس عبر سياسات مفروضة من الأعلى إلى الأسفل. بل تعني استكشاف علاقتنا بالعار، والتثبّت من مدى توافق أفعالنا مع قيمنا، وتحمّل المسؤولية عن أثر أفعالنا (أو عدم أفعالنا). كما تتطلّب أن نظلّ منفتحين لتلقّي الاعتذارات بنفس الرحابة التي نمنحها للآخرين. إنها ممارسة تعزيز الالتزام المشترك بالإصلاح والنمو والشفاء، مع الاعتراف بالكرامة الجوهرية لكل فرد ورفض التعامل مع أي شخص على أنه قابل للاستغناء عنه. كما يذكّرنا إستيبان كيلي (Esteban Kelly 2019)، المحاسبة تعني الاتفاق على أننا في مجتمع واحد؛ إنها الحفاظ على ترابطنا والاعتراف بأن الضرر يمكن أن يحدث، وأننا جميعًا سنؤذي بعضنا البعض في مرحلة ما. إنها ممارسة مسؤولية متبادلة، حيث نحمل بعضنا البعض بعناية واحترام، خصوصًا حين تشتدّ الأمور صعوبة.

تذكّرنا أدريان ماري براون (2017) أنّ التحوّل يحدث من خلال تغيّرات صغيرة متعمّدة في العلاقات، فـ"تنشأ الأنظمة المعقّدة والأنماط الناشئة من تعدّد التفاعلات البسيطة التي تتراكب معًا" (2017:13). ولم أؤمن أبدًا أن التحرّر يمكن أن يُنَفَّذ من خلال سياساتٍ مفروضة من الأعلى أو تغييرات تشريعية فقط؛ بل فهمت أن التحول الحقيقي يُبنى من الأسفل، من خلال العمل الجماعي والممارسات المشتركة. ومع ذلك، أدركتُ أنّ مقاربتي كانت أحيانًا تعكس التسلسلات الهرمية التي كنتُ أعارضها، إذ كنت أعلّق أملي في التغيير الخارجي لشفاء الألم الداخلي الذي أحمله، متوقّعة أن يتحمّل الآخرون لوم الألم الذي أشعر به ليصبح حقيقيًا، ومتوقّعة أن يشفيهم الآخرون – وهو نمط تسمّيه لاما رود أوينز (Lama Rod Owens 2020) "إيلاء السلطة إلى الآخرين". ليس أن الضرر الذي وقع علينا غير حقيقي أو غير مهمّ، بل إن ربط رفاهيتنا العاطفية حصريًا بأفعال الآخرين يجعلنا نتخلّى عن قوتنا ووكالتنا الذاتية. والتفكّر في دوري بعد التعرّض للانتهاك لا يعني تبرير الأذى، بل يهدف إلى فكّ ارتباط إحساسي الذاتي بأفعال الآخرين.

بعبارةٍ أخرى، كان تحرّري بقدرٍ ما يتعلّق بالعناية بجروحي والاعتراف بالأنماط القهرية التي استبطنتها، بقدر ما يتعلق بتفكيك النظام القهري نفسه. وهذا الحساب الذاتي يتوافق مع ما يذكره ألوك مينون (Alok Menon) في إحدى مقابلاتهم: "هناك عقلية قهرية بداخلي يجب أن أتحرر منها، وليس ذلك لتبرير الجهات السيئة، ولا للدلالة على أن هناك مؤسسات وأفراد بحاجة إلى التحوّل. بل للإشارة إلى أننا مسؤولون جماعيًا عنها" (2024).

 

الرعاية من سياسات المقاومة

لا يظهر القهر الداخلي فقط في طريقة تعاملنا مع الآخرين، بل أيضًا في الأصوات الداخلية التي تعيد إنتاج التسلسلات الهرمية الخارجية: النقد الذاتي وفقًا للمعايير المجتمعية، والسعي للكمال الذي يردد معايير الرأسمالية المستحيلة، ومحو الذات وتصغيرها الذي يحاكي إسكات التاريخ. هذه الأنماط ليست مجرد تجريد؛ فهي تسكن الجسد. تتشنّج كتفيّ تحت وطأة العار، وتتقلّص معدتي عند التفكير في الرفض، ويضيق تنفّسي حين أشعر أنني لست كافية، محاكاة للقيود التي يفرضها القهر النظامي.

من جهة أخرى، تستفيد أنظمة السيطرة والقهر عندما ننفصل عن أجسادنا، عن قدرتنا على الإحساس والاستجابة لما يحدث داخلنا وحولنا. الأجساد المنفصلة أسهل في الاستغلال والسيطرة، وتُساهم بلا وعي في تعزيز الأنظمة التي تزدهر على الاستغلال والقهر والتلاعب، ممّا يسهّل عملها.

في عالمٍ استحوذت فيه الرأسمالية والاستعمار على حاجتنا للشفاء والراحة وجعلتهما سلعةً، انفصل كثيرٌ منّا عن مشاعرهم، حتى أننا لم نعد نعرف كيف نعتني بأنفسنا، فكيف بنا نعتني بالآخرين؟ كثير منّا اعتقد أن الراحة والشفاء من الكماليات الأنانية، خصوصًا في زمنٍ تُرتكَب فيه الإبادات الجماعية والفظائع في فلسطين، والكونغو، والسودان، وما بعدها، أمام أعيننا مباشرة. لكن الشفاء ليس سعيًا فرديًا للشعور بالتحسن في أوقات اليأس، بل هو عملية جماعية لاستعادة الوكالة والمرونة والرعاية. لا يمكننا أن نغلق أنفسنا خلف الأبواب ونلتئم بمفردنا. على العكس، تعلّمت من عمل عدد من قادة الحركات والموجهين أن الشفاء يحدث حيث يحدث الصراع، لأنه مرتبطٌ بالعلاقات نفسها. إنه الاعتراف بألمنا والأنظمة التي سبّبته، مع إيجاد طرق لإعادة بناء أنفسنا ومجتمعاتنا. الشفاء يمكّننا من الحضور بأقوى وأرسخ ذواتنا لمواجهة الظلم والقهر بجميع أشكاله وقدراته. ممارسة التجسيد هي فعل راديكالي في عالم يقول لك إن الإحساس خطأ، وأن التبلّد ضروري للبقاء. تقول أودري لورد: "الاعتناء بنفسي ليس تدليلًا، بل هو حفظ للذات، وهو فعل حرب سياسية" (Audre Lorde 1988:130).

إن جزءًا لا يتجزأ من اختبار الألم يكمن في إدراك الكيفية التي جرى بها استعمار أنماط التعافي والشفاء وتحويلها إلى سلع في ظل الرأسمالية. فقد أُعيدت صياغة الرعاية الذاتية والشفاء بوصفهما قطاعًا أو خدمة أو صناعة قائمة بذاتها، بحيث غدا الألم نفسه مجالًا للاستثمار. وحين يصبح الربح ممكنًا من المعاناة، نُغمر بخطابات توحي بأن الشعور بالتحسّن مشروط بالاستهلاك: ارتياد المنتجعات والمقاهي، المشاركة في الخلوات العلاجية، أو الالتزام بطقوس طويلة ومكلفة للعناية بالجسد. تكتب ياشنا مايا بادامسي (Yashna Maya Padamsee): "نمارس كل هذا باسم ’الرعاية الذاتية‘ لنعود في نهاية المطاف إلى ثقافات تنظيمية إنتاجية نعيد فيها إنتاج الأنظمة ذاتها التي نزعم أننا نسعى إلى تفكيكها" (2011). وانطلاقًا من ذلك، لا يمكن اختزال الرعاية الذاتية في شأنٍ فردي أو ممارسة انسحابية، بل ينبغي أن تؤدي وظيفة مزدوجة: أن تكون ملاذًا ومقاومة في آنٍ واحد، ممارسةً مستمرة تقوم على تداخل العناية بالذات مع رعاية النضال الجماعي. وكما توضّح أوموتايو جولاوشو (Omotayo Jolaosho)، "فالرعاية الذاتية ليست خلوةً عابرة بعد الانهيار أو استباقًا له، بل هي بناء مساحات ومجتمعات مقاومة – أنظمة مضادّة – قائمة على الأُلفة والسكينة والتوازن والراحة، حيث لا تنضب الأذرع الممتدّة لاحتضاننا بالاعتراف والدفء" (2019).

لقد انفصل كثيرٌ منّا عن مشاعرهم إلى حدٍّ لم يعودوا معه يعرفون كيف يعتنون بأنفسهم، فضلًا عن الآخرين. من هنا، ينبغي أن يُعاد تصوّر الرعاية الذاتية بوصفها تواصُلًا حيًّا بين البقاء والمقاومة—تفاعلًا دائمًا بين الانسجام الفردي والرعاية الجماعية. فالشفاء ليس غايةً نصل إليها، بل مسارٌ مستمرّ من التكوّن، يتّخذ أشكالًا متعدّدة تبعًا لاختلاف الشروط والسياقات.

في إحدى حلقات بودكاست Becoming the People، تقدّم فيفيان سنصور (Vivien Sansour)، مؤسسة "مكتبة البذور البلدية الفلسطينية"،3 وصفًا بالغ الجمال لكيفية المضي في الحياة تحت عنفٍ متواصل:

عندما أسير في الشارع (في الولايات المتحدة الأميركية)، وكلّما رأيت الناس وتفاعلت معهم، وهم ما زالوا يعيشون في أوهامهم، أفكّر: يا للعجب، ما زلت حيّة جدًا كما شعبي (في فلسطين) وهذا يطمئنني. لأنني أشعر أننا أحياء، وما زلنا نهتمّ حتى وسط كل هذا العناء، وما زلت أرى الناس يهتمّون بآخرين لا يعرفونهم في الشارع. وأعتقد أننا نمرّ بلحظة انتقالية عميقة. (2024)

الشفاء، في نهاية المطاف، لا يعني تعلّم التكيّف مع القهر بأناقة أكبر، بل استعادة قدرتنا على الإحساس، وحقّنا في المقاومة.

 

العدالة في الجسد

ونحن جزء من هذا العالم، ونصبح ما نعيشه ونتشكّل به، سواء أكان ذلك بوعي أم لا. انطلاقًا من هذا الوعي، أصبحت ممارسة التجسيد ودراسات اليقظة الجسدية (somatics) أسلوبًا متزايد الانتشار لإعادة الاتصال بالجسد كمصدر للمعرفة والقوة. كثير من الناشطات وقادة الحركات الذين لهم تاريخ طويل في التنظيم يتجهون الآن نحو العدالة التغييرية والشفاء الجماعي، مدركين أن الحفاظ على نضالاتنا من أجل التحرر الجماعي يتطلّب أيضًا الاهتمام بأوجاعنا وبناء علاقات مستدامة. ومن المهمّ أن نتذكّر أن التجسيد والدراسات الجسدية والعدالة التغييرية ليست اكتشافات حديثة، بل لها جذور طويلة تتجاوز أشكالها المصطلحية الشهيرة. ففي العديد من الثقافات الأصلية، كانت هذه الممارسات دائمًا جزءًا من العلاقة المتجسدة مع الأرض والروح والآخرين – ممارسات حاولت الأنظمة الاستعمارية مرضها أو محوها أو استحواذها.

ممارسة الرعاية الجماعية والمساءلة شكلان أساسيان من أشكال المقاومة السياسية: الطهي وتبادل الوجبات يذكّرنا بقوة العناية والتضامن، وسرد القصص يشكّل أداة مواجهةٍ للطمس النظامي وحفظ الذاكرة الجماعية، وخلق مساحات للطقوس الجماعية للحزن يسمح لنا بمعالجة الألم، وتكريم الخسارة، واستعادة قدرتنا على الإحساس. كلّما نمّينا قدرتنا على التواجد مع الحياة، أصبح بإمكاننا اتخاذ خيارات تدعم ما نحبّ ونعتني به.

بينما يشكّل الاتصال والانفتاح شرطًا أساسيًا للتحوّل الجماعي، فإن جذورهما لا يمكن أن تنمو إلا في ظلّ شعورٍ بالأمان واحترام الإرادة والموافقة المتبادلة. وهذا يعني أن الاتصال يشترط الحماية. في مجتمع رأسمالي، تصبح الراحة فعل مقاومة، لكن عندما يستمر العنف، لا يمكن أن يحدث الشفاء دائمًا من خلال الراحة أو التأمل الداخلي. أحيانًا قد يتطلّب البقاء، الشعور بالتبلّد أو الانفصال النفسي أو الغضب. في مثل هذه السياقات، يصبح البقاء والمقاومة أنفسهما أشكالًا حيوية للرعاية. كما تذكرنا الطبيبة النفسية والكاتبة الفلسطينية د. سماح جبر، في مواجهة العنف المستمر، بأن ما يمدّنا بالقوة هو "القدرة على التفكير النقدي والحفاظ على قدرتنا على التعاطف" (2022). رؤيتها تعيد تأطير الشفاء كفعل مقاومة مستمر – للحفاظ على قدرتنا على التفكير العميق، والشعور العميق، والبقاء إنسانيين وسط ظروفٍ تجرّدنا من إنسانيتنا.

علّمتني رحلتي أننا لسنا منفصلين عن الأنظمة التي نسعى للانقلاب عليها. يبدأ التحرّر الجماعي في المساحات التي نعتني فيها بجراحنا، ونعالج حزننا، ونتعلّم من جديد كيف نبني العلاقة الصحيحة – مع أنفسنا أولاً، ثم مع الآخرين ومع الأرض – برحمةٍ وحضور كامل. إنه الجلوس مع الانزعاج الناتج عن إدراك الطرق التي استوطنتنا فيها الأنظمة التي نحاربها، ومواجهة أنماط القهر التي تشكّل العالم وتعيش داخلنا.

 

  • 1. تصف علاقات السلطة القهرية الأنظمة والعلاقات التي يمارس فيها شخص أو مجموعة من الأشخاص سيطرةً أو سلطة أو قهرًا ما على الآخرين.
  • 2. يشير مصطلح "قاتلة البهجة" (killjoy)، كما صاغته سارة أحمد، إلى الشخص الذي يقطع انسجام المشهد الاجتماعي الظاهري عبر تسمية الظلم وفضح اللامساواة – كالتمييز العنصري أو الجندري – حتى عندما يُقابَل ذلك بالرفض أو النبذ الاجتماعي.
  • 3. https://viviensansour.com/Palestine-Heirloom
ملحوظات: 
المراجع: 

Barton, C. S. (2024). Tending Grief: Embodied Rituals for Holding Our Sorrow and Growing Cultures of Care in Community. North Atlantic Books.

bergman, c., and Montgomery, N. (2017). Joyful Militancy: Building Thriving Resistance in Toxic Times. AK Press.

brown, a. m. (2017). Emergent Strategy: Shaping Change, Changing Worlds. AK Press.

Dorlin, E. (2022). Self-Defense: A Philosophy of Violence. Verso Books.

Erotics of Liberation (2024, August) We can’t be abolitionist and conflict avoidant [zine]. Erotics of Liberation.

Haga, K. (2020). Healing Resistance: A Radically Different Response to Harm. Parallax Press.

Hemphill, P. (2024). What It Takes to Heal: How Transforming Ourselves Can Change the World. Penguin Random House.

Jolaosho, O. (2019, January 27). Why self-care is not enough. Medium. https://medium.com/@ojolao/why-self-care-is-not-enough-c3acf86e6add 

Jabr, S. in Goldhill, O. (2022, July 21) Palestine’s head of mental health services says PTSD is a western concept. Quartz. https://qz.com/1521806/palestines-head-of-mental-health-services-says-ptsd-is-a-western-concept

Kaba, M. (2021). We Do This ’Til We Free Us: Abolitionist Organizing and Transforming Justice. Haymarket Books.

Kelly, E. (2019, April 27). What is Accountability? Panel discussion with Shannon Perez-Darby, Esteban Kelly, RJ Maccani, Mia Mingus, Sonya Shah, and Leah Todd. Building Accountable Communities: A National Gathering on Transforming Harm. Barnard College. https://youtu.be/LjRbj57vBvA?si=eBxClqDPi-6XFi_S

Lorde, A, (1988). A Burst of Light, Essays. Sheba Feminist Publishers.

Maté, G. & Maté, D. (2022). The Myth of Normal: Trauma, Illness, and Healing in a Toxic Culture. Penguin Random House.

Menon, A. (2024). The politics of trauma 2.0 [online program]. Interview with S. K. Haines. Unpublished course material.

Mingus, M. (2019, April 27). What is Accountability? Panel discussion with Shannon Perez-Darby, Esteban Kelly, RJ Maccani, Mia Mingus, Sonya Shah, and Leah Todd. Building Accountable Communities: A National Gathering on Transforming Harm. Barnard College. https://www.youtube.com/watch?v=LjRbj57vBvA 

Owens, L.R (2020) Love and Rage: The Path of Liberation Through Anger. North Atlantic Books.

Padamsee, Y. M. (2011, June 19). Communities of Care, Organizations for Liberation. naya maya [blog]. https://nayamaya.wordpress.com/2011/06/19/communities-of-care-organizations-for-liberation/ 

Sansour, V. (2024, June 17) Tending the Seeds of Aliveness with Vivien Sansour. Becoming the People Podcast with Prentis Hemphillhttps://podcasts.apple.com/de/podcast/tending-the-seeds-of-aliveness-with-vivien-sansour/id1519965068?i=1000659252925&l=en-GB&r=68