كيف تنظر عاملات الجنس إلى هويّتهن العامِلة؟ دراسات حالاتٍ في مصر

السيرة: 

سارة عابد هي باحثة مصرية نسوية مهتمّة بحقوق الإنسان، مقرها القاهرة، وحاصلة على درجة الماجستير في حقوق الإنسان من كلية جامعة لندن، UCL. وهي عضوة عملية مكافحة التّحرّش والاعتداء الجنسي (OpAntiSH). وقد عملت عابد مع HarassMap ، وكانت في السّابق مساعدة تدريس في الجامعة البريطانية في مصر (BUE). وتشمل اهتماماتها البحثية ولكن لا تقتصر على: الجندر، الدولة والمقاومة والعنف القائم على الجندر، والحقوق الجنسية والإنجابية، عمّال المنازل والعمال المهاجرين، وحقوق العمل.

‫ ‫الملخص: 

تنظر هذه الدراسة في نظرة عاملات الجنس في مصر إلى هويّتهن العامِلة، معاينةً التجارب والسلوكيّات المختلفة لعاملات الجنس، من خلال إستكشاف الملامح الرّئيسة وأطر العمل المهيمِنة في الأدب، وكيف يمكنها أن تكون ذات صلةٍ بالنسبة إلى الحال في مصر. من خلال إجراء حواراتٍ مع عاملات الجنس وغيرهنّ من الأطراف المعنيّة، أجادل بأنّ عاملات الجنس يمِلن إلى النظر إلى أنفسهنّ كعاملاتٍ يحقّ لهنّ التمتّع بالحقوق العماليّة، باستثناء أولئك اللّواتي اعتبرن الذنب الدينيّ والخزي عائقًا يحول دون ظهورهنّ إلى العلن. إنّ إنهاء تجريم العمل الجنسيّ يضائل سيطرة الدولة والتمييز القائم في حيوات عاملات الجنس في مصر. وتبيّن النتائج التي توصّلت إليها وجود علاقةٍ بين سياسات الدولة لضبط عاملات الجنس من جهةٍ، والسيطرة على أجساد النساء من جهةٍ أخرى.

الكلمات المفتاحية: 
Labour Rights
Illegal Bodies
Religious Guilt
Shame
Stigma
State Discrimination
Unrapeable
اقتباس: 
سارة عابد. "كيف تنظر عاملات الجنس إلى هويّتهن العامِلة؟ دراسات حالاتٍ في مصر". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 2 عدد 2 (2016): ص. 245-261. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 14 August 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/sex-workers-working-identity.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (639.42 كيلوبايت)
ترجمة: 

لين هاشم كاتبة ومؤدّية نسوية تعيش في بيروت. حازت على شهادة الماجستير في علوم الجندر والجنسانية من جامعة لندن، وهي جزءٌ من مجموعاتٍ نسويةٍ عدّة في لبنان والمنطقة. نُشرت كتاباتها وترجماتها في عددٍ من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية من بينها ملحق "شباب السفير" ومجلة "كحل" لأبحاث الجسد والجندر. عملت كمدرّبة ومستشارة وباحثة في عددٍ من المؤسسات من بينها "فريدا: الصندوق النسوي الشاب" والجامعة الأميركية في بيروت. تشارك باستمرارٍ في أمسياتٍ شعريةٍ ومهرجاناتٍ فنيةٍ في لبنان والخارج. في أيار 2018، كتبت عرض "المسافة الأخيرة" وأدّته مع الفنان والراقص ألكسندر بوليكفتش في ختام معرض "رسائل حب إلى ميم" من تنظيم ديمة متى في بيروت، ثم في بلفاست وكتماندو. تعمل حاليًا على نشر مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان "حقد طبقي".

بينما تجولين في شوارع مصر الكبرى، تلاحظين مشهد العمل الجنسيّ الخارجيّ، بالترافق مع وجود عملٍ جنسيٍ داخل الأماكن المغلقة، كما خدمات المرافقة. 1 ونظرًا إلى تجريمهنّ وتهميشهنّ، تُحرَم عاملات الجنس من الحصول على الرعاية الصحيّة ومن الحماية القانونيّة والاجتماعيّة.

كان عمل الجنس قانونيًا في مصر حتى العام 1951، وكان مرسوم 1905 يُستخدَم لتنظيم الجوانب القانونيّة والطبيّة والإجتماعيّة للمهنة. كانت عاملات الجنس يحملن تراخيص ويخضعن للفحوص الطبيّة المنتظمة بغرض ضبط/ تنظيم الإلتهابات المتناقلة جنسيًا. في وقتٍ لاحقٍ، عُدّل قانون 68/ 1951 بتعديلٍ بسيطٍ لقانون 10/ 1961، حظرت فيه الدولة العمل الجنسيّ واعتبرته جريمة. بسبب هذا التجريم، لا توجد معلوماتٌ ديموغرافيّةٌ دقيقةٌ/ موثوقةٌ عن عدد عاملات الجنس في مصر، أو نوع العمل الجنسيّ الذي ينخرطن فيه (Kabbash, Abdul-Rahman, Shehata, and Omar 2012: 23-25). لكن، بأيّ حالٍ، لا يهتمّ هذا البحث بالإعداد، نظرًا لطبيعة المشروع النوعيّة. بدلًا من ذلك، أحاول فتح مجالٍ لمناقشة وتحليل سلوكيّات عاملات الجنس، وتجاربهنّ وهواجسهنّ، كما أستند إلى الأدب العالميّ الحاليّ لتقييم درجة صلته بالوضع في مصر.

يندر الأدب عن عاملات الجنس في مصر، وهو محدودٌ بالسّياق التاريخيّ للعمل الجنسيّ و/أو الالتهابات المتناقلة جنسيًا/ فيروس نقص المناعة البشريّة المكتسب (HIV)، كما يندر العمل المتوفّر عن إدراك عاملات الجنس لهويّتهن العامِلة. تجادل دراساتٌ كثيرةٌ في الأدب المتوفّر حاليًا بضرورة إعتبار عمل الجنس عملًا، وبضرورة إنهاء تجريمه بدلًا من قوننَته من أجل ضمان الحقوق الإجتماعيّة القانونيّة للعاملات، وفي الوقت عينه منع سيطرة الدولة عليهنّ (Gangoli 1998: 505; McClintock 1992: 89-90). من خلال هذا البحث، أودّ أن أضيف إلى الأدب الموجود، وأن أتعمّق في مسألة مدارك وسلوكيّات وتجارب عاملات الجنس، وأن أفهم حقوقهنّ من موقعهنّ. فيتضمّن البحث عمل الجنس لكنّه لا يحصره بالعمل الجنسي، ليشمل خدمات المرافقة، مزاحمة الشّارع، التعرّي والأداء الجنسيّ في الفيديوهات وعبر كاميرا الإنترنت (Grant 2014).

تميل عامِلات الجنس في مصر إلى إدراك ضرورة أن يتمتّعن بالحقوق العماليّة كأيّ مهنةٍ أخرى، بحسب نتائج البحث النوعيّ الذي أجريته. إنهاء تجريم عملهنّ قد يضمن هذه الحماية، بحيث تتضاءل سيطرة الدول على أجسادهنّ كما الوصمة التي تلاحق عمل الجنس. وعلى الرغم من أنّ بعضهنّ قد يتخلّين عن الظهور العلنيّ من أجل تفادي الذنب الدّيني والخزي، إلا أنّهن يعتقدن أن على عامِلات الجنس الأخريات المطالبة بحقوقهنّ. وأتفكّر هنا في فهم الدولة لـ”الأجساد القانونيّة” وللعمل الجنسيّ، بالمقارنة مع فهم عامِلات الجنس لأجسادهنّ ومهنتهنّ. وفي ضوء ذلك، يشكّل العمل الجنسيّ مثالًا عن شكلٍ من أشكال ضبط الأجساد الأنثويّة من خلال تجريم مهنتها.

 

لكن، تشير بعض الروايات البحثيّة إلى إحتمال وجود مصالح للسياسيّين ومديري الدولة وأصحاب العمل في طمس هواجس عامِلات الجنس، سواء كان مجرّمًا، غير مجرّمٍ، أو مقونَن. وتعتقد “بيرنشتاين” (Bernstein, 2007: 165) أنّ “تبسيط الديناميّات السياسيّة، بما فيها العجز عن الأخذ بالحسبان الدوافع المتعدّدة للأطراف السياسيّة” هو السّبب وراء النظرة المتفائلة إلى إنهاء التجريم.

منذ إظهار الجنسانيّة كمكوّنٍ هامٍ من مكوّنات السلطة/ الحوكَمة، يجادل “فوكو” (Foucault) بأنّ السّلطات تستخدم الوسائل الضبطيّة من أجل إدارة أجساد الأفراد، عبر نظريّته حول السياسة الحيويّة (biopolitics)، وما ينتج عنها على مستوى عنصريّة الدّولة و– أضيف هنا – ذكوريّتها. وتشمل الجنسانيّة الأفعال الفرديّة من خلال التناسل/ الإنجاب، التي تؤثّر في الجسم الجماعيّ للسكّان. في هذا الصّدد، يُنظر إلى تنظيم الجنسانيّة كأمرٍ ضروريٍ لإعتراض إنتشار التدهور العرقيّ. وتفيد هذه الحجّة بأنّ صعود عنصريّة الدولة أثّر على نحوٍ كبيرٍ في البنية الإجتماعيّة للخطر المَرَضيّ الذي تشكّله عاملات الجنس، ويظهر هذا في السياسات التنظيميّة التي تعمل على ضبطهنّ، و/أو في السياسات الإلغائيّة التي تنادي بالنقاء الإجتماعيّ والتحصين الأخلاقيّ (Biancani 2012: 38-40). وتنعكس عنصريّة الدولة أيضًا في الممارسات التي تدخل ضمن العمل الجنسيّ. في مدينة دبي مثلًا، عاملات الجنس ذوات البشرة فاتحة اللّون والأجر الأعلى يلتقين زبائنهنّ السياسيّين في أماكن شبه خاصّةٍ مثل الإنترنت أو عبر معارفهنّ، بينما تلتقي عاملات الجنس ذوات البشرة الداكنة والأجر الأقلّ زبالعوائقائنهنّ في الشّارع. تشرح “مهدوي” (Mahdavi, 2010: 946) أنّ العمل الجنسيّ في دبي هرميٌّ، بحيث ينتظم الطّلب وفقًا لـ”العرق الملحوظ” (والمتّصل بالوطن الأمّ للمرأة المهاجِرة). تعود “العرقنة” غير المقصودة هذه إلى “التشكيل المساحيّ” لعاملات الجنس أنفسهنّ، كما تؤدّي إليها في الوقت عينه. بالتالي، ديناميّات القوّة العرقيّة لا تظلّ محصورةً في مجال الإشراف الحكوميّ وحماية القيم الوطنيّة، بل تتجاوز ذلك لتصبح جزءًا أساسيًا من ديناميّات المهنة.

وفقًا لذلك، تجادل “بيانكاني” (Biancani, 2012: 40, 48)، من خلال معاينة نظريّة “فوكو،” بأنّه يمكن النظر إلى سياسات الدولة في ضبط عاملات الجنس كمصدرٍ للقوّة متجذّرٍ في الإشراف والسّطوة وإقصاء الأجساد الأنثويّة الفرديّة. ويتمثّل ذلك في الوسائل الإشرافيّة للسّلطة من خلال إنشاء مواخير مرخّصةٍ في مصر وغيرها من البلدان. هكذا، حُصرَت عاملات الجنس، وأُخضعن للفحص والمعاينة والمعالجة بغرض السّيطرة على التّبِعات البيولوجيّة المُجمّعة التي أقلقت “الجسم الجماعيّ للسكّان.” هنّ يقدّمن الترويح الجنسيّ للرجال من مشتري الجنس، وبالتالي يحمين النساء “الجيّدات” من الإغتصاب وفقًا للمخيّلة مزدوجة المعايير (Sultana, 2015: 780). في هذا الصّدد، كان الخطر على الصحّة العامّة يتمثّل في إنتشار الأمراض المتناقلة جنسيًا والناتجة عن الجنس الفوضويّ/ غير الأخلاقيّ.

تؤكّد “بيانكاني” (2012: 279, 287) أنّ على الرغم من كون بعض عاملات الجنس مُخضعاتٍ للقوّادين، فإنّ النساء المصريّات قادراتٌ على صنع القرارات الذاتيّة، كتفادي التسجيل من خلال العمل السرّي، أو إستخدام النظام القانونيّ لمقاضاة قواديهنّ وإدارة الإيرادات والتحكّم بها على نحوٍ مستقلّ. ما يعني أنّ العمل الجنسيّ لا يقوم على إخضاع/ تبعيّة النساء و/أو بُنى الإستغلال الجندريّ والطبقيّ، بل بإمكانه تزويد النساء بفرصة الإستقلال الإقتصاديّ وإعالة أسرهنّ. على نحوٍ مماثل، أهدف إلى معاينة مدركات عاملات الجنس وسلوكيّاتهنّ تجاه سياسات الدولة في سياق الضبط والتحكّم بالجسد الفرديّ.

وتبيّن “بيانكاني” (2012: 284 – 285) أنّه بغرض إحياء الأصالة الثقافيّة، فُرضَت تقاليد شرقيّةٌ وإسلاميّةٌ أخلاقيّةٌ من أجل منع الأفكار التدميريّة المستوردة من الغرب. كانت تلك الحجج والركائز التي دعمت المقاربة الإلغائيّة والتي ارتبطت بالثقافة والدّين، حتى لدى “أفنديّة” الطبقة الوسطى ذوي الميول العلمانيّة. واعتُمدَت مقاربةٌ مماثلةٌ في السّبعينيّات والثمانينيّات في بعض الدول الإفريقيّة – مثل زيمبابوي، والغابون، وزامبيا، وتانزانيا، والموزمبيق وبوركينا فاسو – فأخذت الشرطة تهاجم النساء العاملات المستقلّات تحت مظلّة تطهير المدن من العمل الجنسي (McClintock 1992: 82).

من جهةٍ أخرى، جادلت “وايت” (White، مقتبس في Gilfoyle 1999: 124-125) أنّ العمل الجنسي في نيروبي لم تكن إثباتًا على الباثولوجيا الإجتماعيّة والإنحلال الأخلاقيّ وهيمنة الذّكور، بل كانت وسيلةً لتأليف الأسر في المدينة، ولدعم الأقارب في القرية. كانت مهنةً تدعم من يعانين من المجاعة، أو أولئك المزارعات المديونات. كان العمل الجنسيّ في أثناء الحقبة الإستعماريّة في نيروبي مساندًا من خلال الأسر الانتقاليّة. هكذا، سمح غياب القوّادين للنساء بالتحكّم بزبائنهنّ وإيراداتهنّ. أما الآن، تجادل “وايت،” فقد ظهرت هيمنة الذّكور، ولاسيّما القوّادين، بعد تجريم الدولة للعمل الجنسيّ.

يبدي الماركسيّون/ات والنسويّات/ون إهتمامًا بما إذا كان العمل الجنسيّ يوفّر فعلاً فرصًة لتحسين حيوات المهمّشات/ غير الماهرات من نساء الطبقة العاملة، كما يستمرّ الإختلاف بين النسويّات/ين بشأن العمل الجنسيّ (Biancani, 2012: 30-31, 139). على سبيل المثال، تزعم “غرانت” أنّ من المضلّل النظر إلى كافّة أنواع بيع الجنس كنتيجةٍ للظاهرة ذاتها (العنف، الانحراف والبؤس)، مجادلةً بأنّ جهود الإنقاذ المناهضة لعاملات الجنس والهادفة إلى الإصلاح والضبط وتحويل عاملات الجنس إلى “نساءٍ جيّداتٍ،” تحافظ على العمالة الرّخيصة والأنظمة القائمة لتديرها المنقذات/ون. على نحوٍ مماثلٍ، تجادل كلٌّ من “إيما غولدمان” (نسويّة أناركيّة) و”سلمى جونز” (مناضلة نسويّة إشتراكيّة) (مقتبس في Grant, 2014) أنّ هذه الحملات أو الوظائف تقدّم القليل لعاملات الجنس، بل إنّها في الواقع تنتج المزيد من المهن السياسيّة كالمفتّشين/ات والمحقّقين/ات.

بالإضافة إلى ذلك، تجادل “غرانت” أنّه لا يجب إعتبار العمل الجنسيّ مهنةً فقط في حال كان عملًا “جيدًا” تستمتع المرأة بالقيام به. إنّ جعل حقوق عاملات الجنس مشروطةً بكيفيّة حبهنّ للعمل أو شعورهنّ بالتمكين من خلاله هو كلامٌ فارغٌ، إذ يمثّل نظرةً نافرة من المسألة. في هذا الصّدد، تتحدّث “بوليت” (Pollitt, 2014) عن ضرورة معاملة هؤلاء النساء كنساءٍ حرّاتٍ ذوات وكالةٍ ذاتيّة، بل حتّى كمتمكّناتٍ في الحالات التي يجنين فيها أرباحًا وافرة. لكنّها تضيف أنّه يتوجّب على النسويّات عدم المناداة بتطبيع العمل الجنسيّ لإدراكهنّ بأنّ الجنس هو شيءٌ “تمتلكه” النساء و”يحصل عليه” الرجال، وهو أمرٌ يتعلّق بثقافة الإغتصاب. وتجادل “بوليت” بضرورة معاينة العمل الجنسيّ من منظار المساواة وليس فقط الحريّة. بالإضافة إلى ذلك، تقدّم “ماكلينتوك” (McClintock, 1992: 95) تفريقًا بالغ الأهميّة ضدّ السرديّة التقليديّة التي تدّعي أنّ عاملات الجنس يبِعن أنفسهن، إذ تشير إلى أنهنّ يبادلن/ يتاجرن في خدمةٍ معيّنةٍ لقاء المال، ويفاوضن على الشّروط والأحكام كما في باقي المهن، مناديةً بضرورة تثقيف الرجال حول إحترام عاملات الجنس، وبالتالي إحترام جميع النساء.

وتجادل كلٌ من “غوش” (Ghosh, 2006: 1289) و”غانغولي” (Gangoli, 1998: 504-505) بأنّ الثورة الصّامتة في الهند بقيادة مشروع “سوناغاشي” (Sonagachi)، مكّنت عاملات الجنس من خلال معاملة الجنس كعمل، وتشدّدان على أنّ محو صورة عاملات الجنس كجسدٍ مريضٍ والتعامل معهنّ كعاملات شكّلا جانبَين جوهريَّين في ذلك. في هذا الصّدد، إنّ مطالبتهنّ بالحقوق المتساوية بأيّ عملٍ آخر يحتّم إزالة الوصمة الأخلاقيّة / الإجتماعيّة المرتبطة بوظيفتهنّ (Nag 2003: 4209-4210; 2005: 5151-5152). على نحوٍ مماثلٍ، عمدت “مارغو سانت جايمس” (Margot St. James)، وهي عاملة جنس ٍسابقة، إلى إنشاء منظّمة “كويوتي” (Coyote) غير الربحيّة الهادفة إلى التعامل مع العمل الجنسيّ كأيّ نوعٍ آخر من العمل. لسخرية الأمر، إنّ إفتراض غياب الوكالة الذاتيّة وموقع الضحيّة يجعلان عاملات الجنس “جديراتٍ” بالإغاثة على شكل مساعدة طبيّةٍ تقدّمها المنظّمات غير الحكوميّة، بينما تُصوّر النساء اللّواتي يخترن دخول المجال كمفترساتٍ وغير جديراتٍ بالمساعدة. الحركات النسويّة الأوروبيّة – الأميركيّة المناهضة للإتجار بالبشر، والمتّسمة إلى حدٍ بيرٍ بالسّذاجة والعيوب، والعاملة على إنقاذ و”تنوير” و”تمدين” النساء “السّاقطات” والمنحرفات، تستند في عملها إلى هذا النوع من التفكير (Mahdabi, 2010: 949).

تؤكّد “ماكلينتوك” (1992: 77, 82) أنّ المجتمعات البطريركيّة تخشى قدرات النساء على امتلاك وسائل إنتاج المدخول، لأنّ ذلك يعرّض الزواج وإحتكار الذّكور للموارد ووسائل الإنتاج للخطر. وبينما يهدف مفهوم الغرامة إلى إرجاع التجارة الإقتصاديّة التي قوّضها عاملات الجنس إلى تبادلٍ بين الذّكور، توضح الكاتبة المفاهيم الإشكاليّة التي تعتبر عاملات الجنس والزوجات “غير قابلاتٍ للإغتصاب.” وتجادل “ماكلينتوك” بأنّ ذلك لا يعني أنّ الرجال يمتلكون السّطوة على عاملات الجنس لأنّهم يمتلكون الوصول إلى خدماتهنّ. على نحوٍ موازٍ، تتناول “غانغولي” (1998: 504) مسألةً بالغة الأهميّة تطال إحتمال دفع القوانين المناهضة للعمل الجنسي باتّجاه تحرّي كافّة الأجساد الأنثويّة، ما يعني أنّ تعريف تلك القوانين للمرأة كعاملة جنسٍ يجعل جسدها مدرَكًا كجسدٍ متاحٍ/ متوفّرٍ للجميع. ويبيّن ذلك أنّ القوانين المناهضة للعمل الجنسي تعمل على السّيطرة على أجساد النساء كافّة.

يعارض البعض فكرة معاملة العمل الجنسي (أحد أشكال العمل الجنسيّ) كمهنةٍ، مثل “فارلي” (Farley, 1994: 14) و”هولدر” (Holder, 1994: 24 مقتبس في Holder, Goodson and Farley)، مجادلاً بأنّ المسألة تتعلّق بحقوق الإنسان/ة وبالتالي تجب مقاربتها من منظار العنف ضدّ النساء، على اعتبار أنّ النساء يُجبرن على العمل في العمل الجنسي لأسبابٍ اقتصاديّةٍ وجسديّة. لا يحيد هذا الخطاب عن الخطاب الشعبيّ بشأن العمل الجنسيّ، والقائم على ثنائيّة الضحيّة/ الوكيلة، والذي تغدو فيه عاملات الجنس إما ضحايا الظّروف الإقتصاديّة والإجتماعيّة، أو ]وكيلات[ يتحكّمن في حيواتهنّ (Sultana, 2015: 778). وتجادل نسويّاتٌ كثيراتٌ بأنّ العمل الجنسي هي مهنةٌ مهينةٌ وغير إنسانيّة (Liberto, 2009: 138- 139). على سبيل المثال، تجادل “بايتمان” (Pateman, 1992: 62) بأنّ الرجال في المجتمعات البطريركيّة يكرَّسون على نحوٍ مكشوفٍ كأسياد النساء الجنسيّين نظرًا إلى حقيقة أنّ أجساد النساء تُباع كسلعٍ في الأسواق الرأسماليّة. لكن “غودسون” (Goodson, 1994: 24-25 مقتبس في Holder, Goodson and Farley) تنتقد موقف “فارلي” وتجادل بأنّ مناصرات/و الإلغاء لا يحترمن حقّ النساء عبر حرمانهنّ من حقّ إختيار مهنتهنّ؛ بدلًا من ذلك، ظهرت درجةٌ هائلةٌ من العدائيّة/ العنف العلنيّ ضدّ عاملات الجنس، من خلال إظهارهنّ ككبش فداء. لهذا السّبب، أعتزم النظر في الإدراكات – الذاتيّة لعاملات الجنس المصريّات لمهنتهنّ، ما يطرح السّؤال التالي: ما أثر تجريم العمل الجنسيّ على عاملات الجنس؟ من خلال ذلك، لا أركّز ببساطةٍ على الحجّة القائلة بضرورة التعامل مع العمل الجنسيّ كعملٍ، بل أتناول في الواقع كيفيّة إدراكهنّ لتجريم مهنتهنّ، وكيف يؤثّر ذلك في حيواتهنّ على نحوٍ معيّن، كمعاملتهنّ بصفتهنّ “غير قابلاتٍ للإغتصاب” و/أو منبوذات.

بالنسبة إلى الإحتياطات الأخلاقيّة وتقييم المخاطر الخاصّ ببحثي، إستحصلت على موافقةٍ لفظيّةٍ غير رسميّةٍ من جميع عاملات الجنس اللّواتي حاورتهنّ قبل البدء بإجراء الحوارات، نظرًا إلى أميّة البعض منهن. تلوت على مسامعهنّ ورقة المعلومات والموافقة من أجل إطلاع جميع المشاركات على أهداف البحث، وطبيعته، وشروطه، وأحكامه، كما زوّدتهنّ بأوراق موافقةٍ رسميّةٍ وفقًا لطلبهنّ. بالإضافة إلى ذلك، يحافظ البحث على مجهوليّة أسماء المشاركات بغرض حفظ سلامتهنّ، بما في ذلك إسم المنظّمة غير الحكوميّة.

من الضّروري جدًا ذكر أنّ كلًا منهنّ مُنحت فرصةً ثانيةً للموافقة أو الإنسحاب من الحوار في أيّ لحظة، كما كان لهنّ الحقّ بعدم الإجابة على أيٍّ من الأسئلة المطروحة عليهنّ. لقد أوضحت للجميع أن مشاركتهنّ طوعيّةٌ تمامًا، وأنّها لا تؤثّر بأيّ شكلٍ من الأشكال على وضعهنّ في المنظّمة غير الحكوميّة التي قدّمت لي العون لمحاورتهنّ.

طلبت معظم المحاوَرات عدم إعطائهنّ أسماءً مستعارةً لأسبابٍ تتعلّق بسلامتهنّ وأمنهنّ. لذا، كان عليّ تمثيلهنّ باستخدام الأرقام حفاظًا على تجانس البحث. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإطار الزمنيّ الضيّق (شهران) المتاح لتسليم أطروحة الماجستير خاصّتي، بالإضافة إلى محدوديّة القدرة على الوصول إلى عاملات الجنس، دفع بي إلى القبول بهذه الشّروط بدلًا من البحث عن عاملات جنسٍ يرضين باستخدام الأسماء المستعارة. كذلك، ألزمني إجراءُ تقييم المخاطر في “جامعة كليّة لندن” (UCL) بالعثور على المشاركات في البحث عبر منظّمةٍ غير حكوميّةٍ، ما مثّل حدًّا آخر إذ قيّدني بأولئك اللّواتي يسعين للحصول على الخدمات من المنظّمة.

 

وصف العيّنة: العمل السّابق والحاليّ، مدى الأسعار والعوائق 2

تستند هذه الدراسة إلى الحوارات شبه المهيكلة التي أجريتها في القاهرة الكبرى في مصر، بين 15 حزيران/ يونيو و7 آب/ أغسطس من العام 2014، مع 20 محاوَرة. يمثّل العمل الجنسيّ مصدر الدخل الوحيد لـ15 مشاركة، جميعهنّ باستثناء اثنتَين هنّ المعيلات الأساسيّات في أسرهنّ. وتعمل إحدى المشاركات كخيّاطةٍ بدوامٍ حرّ، بينما تعمل الأخرى من وقتٍ لآخر في المطاعم. أما المشارِكة الثالثة فكانت تقوم بعملٍ آخر إلى جانب العمل الجنسيّ، لكنّها لم تعد تعمل في الجنس نظرًا لمعارضة شريكها الأمر. هي تعمل في المجال الإبداعيّ، كما كانت أيضًا مدرّسةً وباحثةً أدبيّةً ورئيسة تحرير. وتخلّت ثلاث مشارِكاتٍ عن هذه المهنة بعد العثور على فرص عملٍ أخرى تحاكي اهتماماتهنّ، كما أن زوج إحداهنّ اشترط عليها التوقّف عن العمل الجنسيّ قبل الزواج بها. وشدّدت بعض المشاركات على أنّ عملهنّ خارج الجنس هو أكثر إستغلالًا، وغير مرنٍ، ولا يحمل أيّ آمالٍ بالإستقرار المادّي.

17 من المشارِكات يعملن في العمل الجنسيّ داخل الأماكن المغلقة، وثلاثٌ منهنّ يعثرن على العمل أحيانًا عبر القوّادين/ات، وإثنتان تعملان كعاملتَي جنسٍ وكقوّادتَين. أما الأخريات فيعملن على نحوٍ مستقلٍ عبر قنواتٍ كالنوادي الليليّة أو وكالات المرافقة، بينما تستأجر الأخرى شقّةً تستخدمها كمكانٍ للعمل. في عيّنة البحث، تعمل ثلاثٌ من المشارِكات في العمل الجنسيّ الداخليّ والخارجيّ. وتشير العاملات في الخارج أنّ ذلك يعرّض سلامتهنّ للخطر، كما يجعلهنّ أكثر عرضةً للاستغلال الجنسيّ من قبل الشرطة والغرباء، وللعنف والخطف والإهانة. على سبيل المثال، واجهت إحدى المشاركات رجلًا غريبًا هدّدها بخلع حجابها بسبب مهنتها، مؤكّدة على حقّ الجميع بممارسة دينهم/ن ومعتقداتهم/ن الإجتماعيّة بغضّ النظر عن مهنتهم/ن. بالتالي، شعرت هذه المشارِكة بالإهانة إذ انتهك هذا الرجل حقوقها ومساحتها الخاصّة ببساطةٍ بسبب طبيعة عملها. ويبيّن ذلك الوصمة المرتبطة بالعمل الجنسيّ، في وقتٍ تمهّد فيه الدولة الطّريق أمام المجتمع للسيطرة على النساء وأجسادهنّ، ويستخدم عاملات الجنس ككبش فداء. لكن، على أيّ حالٍ، لا ينفي ذلك تعرّض عاملات الجنس داخل الأماكن المغلقة للخطر أيضًا.

تتراوح الأسعار بين 50 جنيهًا مصريًا و2000 جنيهًا مصريًا، أو 250 دولارًا أميركيًا للسّاعة. ويعتمد الأمر على عدّة عوامل كالوضع الصحّي (إحداهنّ كانت مصابةً بسرطان الثّدي، ما أثّر في سعر خدماتها)، ونوع الخدمة المقدّمة، وساعات العمل، والطبقة الإجتماعيّة التي ينتمي إليها الزبون. بالإضافة إلى البدل النقديّ، تقبل بعض العاملات الهدايا كالعطور لقاء خدماتهنّ. أولئك اللّواتي يرافقن زبونًا واحدًا لفترةٍ مطوّلةٍ من الزمن، يطلبن منه في العادة التكفّل بنفقاتهنّ كنفقات الأطفال وإيجار الشقّة والسّفر. كذلك، كانت أربعةٌ من المشاركات اللّواتي يستخدمن المخدّرات يقبلن بها كوسيلةٍ للدّفع لقاء خدماتهنّ. ويتنوّع الزبائن بين رجال الطبقتَين الوسطى والعليا من المصريّين والسعوديّين واليمنيّين والأميركيّين والأوروبيّين، كما لبعض المشاركات زبائن من الشرطة والجيش والقضاء. وكشفت إحداهنّ أنّها تتعامل فقط مع “أصحاب المليارات” كأصحاب البنوك والطيّارين ورجال الأعمال، أما الأخرى فذكرت أنّها تتعامل فقط مع الزبائن ذوي المراكز العليا في بلدانهم، وتحديدًا أولئك الآتين من الخليج. وتصف بعض المحاوَرات زبائنهنّ كـ”سادةٍ محترَمين” من مصر.

وذكرت معظم المحاوَرات حوادث تعرّضن فيها للتحرّش والإغتصاب والعنف على أيدي زبائنهنّ أو رجال الشّرطة أو غيرهم. إلى ذلك، تمثّل الوصمة مشكلةً أخرى يواجهنها إلى جانب مشاكل أخرى كرفض بعض الزبائن الدّفع، والتعرّض للسّرقة، والإجبار على تقديم الخدمة لعدّة أشخاصٍ في وقتٍ واحد.

 

أجسادٌ “غير قابلةٍ للاغتصاب”

عندما يعرف الناس العاديّون/ات أنّك عاملة جنسٍ، يعاملونك كشخصٍ سيّءٍ. بعضهم/ن قد يتوقّف عن التحدّث إليك، وقد يبدأون بتناقل الكلام عنك… لماذا لا يوافق الناس على كون هذا العمل كأيّ مهنةٍ أخرى؟ هذه المهنة موجودةٌ، ولا يمكن للمجتمع التخلّص منها.

تقول 17 محاوَرةً أنهنّ يقدّمن خدمةً كما في أيّ مهنةٍ أخرى، وأنه لا يجب النظر إليهنّ كمخزيّاتٍ أو كذوات أجسادٍ مريضة. وتضمّنت معظم إجابات المشاركات إشارةً إلى مسألة لوم النساء بشكلٍ عامٍ على أيّ أذًى يلحق بهنّ، ما يضع عاملات الجنس في موقعٍ صعبٍ، إذ يواجهن خطر التعيير العلنيّ. وتؤمن المشاركات بأنّه لا بدّ للمجتمع أن يقبلهنّ من دون قلقٍ أو صورٍ نمطيّةٍ خاطئةٍ عنهنّ. تشرح إحدى المحاوَرات مصدر هذا الحكم المجتمعيّ على عاملات الجنس:

إنّه مجتمعٌ بطريركيّ. سيقولون دومًا أنّه رجلٌ، بإمكانه أن يفعل ما يحلو له. أما الفتيات فعليهنّ القلق دومًا بشأن سمعتهنّ ونظرة الناس إليهنّ طوال الوقت. إنّه أمرٌ ظالم.

أكّدت كلّ المشارِكات أنهنّ معرّضاتٌ دومًا للمعاملة المهينة والتحقيريّة التي تتراوح بين توجيه الإهانات والتحرّش والإغتصاب. إنّ حقيقة أنهنّ يقدّمن الخدمات الجنسيّة لا تمنح الزبائن/ الناس حقّ التحكّم بأجسادهنّ، فهو حقٌّ يعود إليهنّ ليقرّرن متى وكيف ومَن يحصل على تلك الخدمة. لقد ثبت بوضوحٍ أنّ هذه النظرة ليست بأي شكلٍ من الأشكال مشكلة عاملات الجنس وحدهنّ، بل هي مشكلة النساء، إذ يتعرّضن إلى لوم المجتمع في تلك الحالات. ووفقًا لهذه السرديّة، يُنظر إلى أجساد عاملات الجنس على أنّها غير قابلةٍ للإغتصاب. وتكون إحدى طرق التعامل مع هذه الظاهرة عبر تثقيف الناس ليحترموا/ن العمل الجنسيّ.

تعرّضت للإغتصاب عدّة مرّاتٍ على أيدي زبائني ورفاقهم وتحت تهديد السّلاح. ظروف العمل في هذه المهنة تمهّد الطريق لمثل هذه الأفعال. أنا أعاني نفسيًا بسبب ما تعرَضت له. لقد سجنني عدّة زبائن ورفاقهم على نحوٍ غير قانونيٍ لمدّة أسبوعٍ كانوا خلاله يغتصبونني يوميًا. كان هؤلاء الزبائن إما رجال شرطةٍ أو أناسًا عاديّين… بعض الزبائن يضربونك ويجبرونك على أداء وضعيّاتٍ معيّنة. يريدون إثبات ذكورتهم وقوّتهم.

إنّ مفهوم النظر إلى عاملات الجنس بصفتهنّ غير قابلاتٍ للإغتصاب يعرّضهنّ للمعاناة بطرقٍ مختلفة:

بعض الزبائن أجبروني على أداء وضعيّاتٍ معيّنةٍ، أو تعاملوا معي بساديّة. إذا اعترضت على الأمر، يقولون لك: لقد دفعت لك المال لتفعلي كلّ ما أطلبه منك. إنّ دفع المال لقاء خدمةٍ ما لا يخوّلك فعل ما تشاء. أنا محظوظةٌ لكوني أدرك الحقوق التي يجب أن أتمتّع بها، لذا بدأت بتطبيق هذه الحقوق مع زبائني على نحوٍ غير رسميّ.

عند تناول ديناميّات القوّة، بدا واضحًا في نتائج البحث أنّ بعض أمناء الشرطة أساؤوا استخدام سلطتهم لفرض السّيطرة على عاملات الجنس من خلال التعذيب أو ابتزازهنّ لتقديم الخدمات مجانًا. وفي حال رفضن الإمتثال، يهددهنّ أمناء الشرطة برفع قضايا ضدّهن:

أحد زملائي في برنامج الماجستير شرطيّ، وكنت أطلب المساعدة منه للحصول على إيصالات الأقساط بسرعةٍ من أجل تلقّي التمويل من المنظّمة غير الحكوميّة التي تدعمني لإستكمال دراستي. عندما علم بأنّي عاملة جنسٍ، طلب منّي تقديم الخدمات الجنسيّة له من دون مقابل. لم أرد أن أقدّم له تلك الخدمات. كان يصيبني بالقرف، إذ كان يسيء استخدام منصبه، لكني اضطررت إلى تقديم تلك الخدمات له من أجل تفادي الأذى. في أيّ مهنةٍ، يكون الإتفاق متبادلًا بين شريكَي العمل. يقدّم الناس الخدمات لقاء شيءٍ ما. لكنه لم يجد نفسه مجبرًا على الإلتزام بجانبه من الصّفقة.

لا تشكّك المحاوَرات بأنّ خطر التعرّض للإغتصاب عالٍ جدًا، ليس بسبب المهنة نفسها، بل بسبب النظرة البطريركيّة إليها، والمفهوم القائل بأنّ النساء اللّواتي يبعن الجنس غير قابلاتٍ للإغتصاب:

لم أتعرّض أبدًا للإعتقال. لكن وفقًا للحكايات التي سمعتها من زميلاتٍ أخرياتٍ في المهنة، أنا متأكّدةٌ من أنّني سأتعرّض للإستغلال الجنسيّ. إذا رفضتُ معاشرته، سيقول لي: “أنت عاهرةٌ بكلّ الأحوال، لماذا إذًا لا تريدين ممارسة الجنس معي؟.”

تشير بعض المشارَكات إلى أنّ التمييز موجّهٌ ضدّ النساء بشكلٍ عام، فسياسات الدولة التمييزيّة تضع النساء في وضعٍ يجعلهنّ عرضةً للإستغلال الجنسيّ، والمعاملة كأغراضٍ جنسيّةٍ، وتلقّي طلبات الرّشى الجنسيّة. بالإضافة إلى ذلك، لا يجدر بهنّ المطالبة بحقوقهنّ بسبب العار، كما يتعرّضن للّوم عند وقوع أيّ حدثٍ:

كنت أنهي أوراق طّلاقي في مركز الشّرطة، وأراد أحدهم معاشرتي لقاء تسريع إجراءات وتدابير الطّلاق. حاجتي هي وظيفته، ويفترض بي أن أحصل على الخدمة من دون أيّ مقابل. بشكلٍ عامٍ، كلّما تعرّضت للتحرّش وتقدّمت بشكوى في مركز شرطة، يتركون المعتدي طليقًا… الحكومة والمجتمع خلقا هذه الوصمة على تحكّم النساء بخياراتهنّ. قرأت كتاب “قاسم أمين،” ما جعلني أدرك أنّني كنت غرضًا لدى زوجي السّابق. كان يضربني كي أطيع أوامره، لذا طلبت الطّلاق. إنّه حقٌّ جسديّ، ولا يجدر بأحدٍ أن يملي عليّ ما لا يجب فعله.

إنّ الوصمة الإجتماعيّة وتمييز الدولة ضدّ عمل الجنس يسمح لرجال الشرطة على نحوٍ مستمرٍّ بإساءة إستخدام سلطتهم من دون التعرّض للمساءلة، ما يرسّخ مفهوم الأجساد غير القابلة للإغتصاب، من خلال تقويض الوكالة الذاتيّة لعاملات الجنس بنظر الجمهور العام.

 

أجسادٌ غير قانونيّة/ محرّمة

عاملات الجنس اللّواتي ينظرن إلى أنفسهنّ كعاملاتٍ يشعرن بالقلق من وضعهنّ الحالي، فقد تعبن من الوصمة التي تلتصق بمهنتهنّ. ولهذه الوصمة جذورٌ دينيّةٌ وقانونيّة؛ فأجسادهنّ غير قانونيّةٍ وفقًا للقانون الشّائع، ومحرّمةٌ وفقًا للدّين. وتؤكّد بعضهنّ أنّ الوصمة هي إحدى المشاكل الأساسيّة التي يواجهنها في عملهنّ. ويعود ذلك إلى أنهنّ لا يستطعن الحصول على حياةٍ “عاديّة” كأيّ مواطناتٍ أخرياتٍ، إذ يُنطر إليهنّ دومًا كـ”سيّئاتٍ” و”شاذّات.” هنّ يؤمنّ بأنّهن، في حال تغيّرت نظرة المجتمع إلى العمل الجنسيّ، سيصبحن قادرات على إستعادة حقوقهنّ بسهولة. لو لم يكنّ موسوماتٍ كـ”مومسات” في عنوان وظيفتهنّ، لكان الأمر قد انعكس إيجابًا على إندماجهنّ في المجتمع. وتتنوّع بعض هواجسهنّ بشأن تأثير الوصمة في حيواتهنّ الشخصيّة. على سبيل المثال، كان شريك إحداهنّ على وشك إنهاء العلاقة بسبب مهنتها. وتزعم أخرباتٌ بأنه ليس بإمكانهنّ الزواج بسبب النظرة السّائدة إليهنّ كمرتكبات فعلٍ حرام. وتشدّد إحدى المشاركات على ضرورة إزالة الوصمة المرتبطة بالخدمة الجنسيّة المدفوعة، إذ لا تختلف بشيءٍ عن الجنس غير المدفوع.

وعبّرت أربع عاملات جنسٍ، من بينهنّ اثنتان متقاعدتان، عن نظراتهنّ إلى العلاقة القائمة بين الذنب ونوع العمل الذي يقمن به:

أشعر بالخزي. أريد عملًا آخر لي. أكره عملي بسبب معاملة الناس لي. أخشى أن أموت وأنا مازلت أزاول هذه المهنة. لكنّي مازلت أعتقد بأنّي جديرةٌ بالحماية، وأن ليس لرجال الشرطة الحقّ في اعتقالي كلما شاؤوا. أريد تغيير عملي كي أستطيع النظر في أعين الناس. سوف أقتل ابنتي إذا ما اتّخذت مسارًا مشابهًا. لا أريد لها أن تتعرّض للاغتصاب والسّجن أو القتل على يد الزبائن.

على الرغم من أنّ أربع مشارِكات ممّن حاورتهنّ يعتقدن بأنّ المهنة آثمةٌ، إلا أنهنّ يوافقن على ضرورة الحصول على نوعٍ من الرعاية الصحيّة وحقوق الإنسان/ة المختلفة عن حقّهنّ بعدم التعرّض للتعذيب والتحرّش.

تشير إحدى المشاركات إلى أنّ فهمها الخاصّ لمهنتها السّابقة كعاملة جنسٍ، معطوفًا على الضغط الذي تعرّضت له من صديقاتها وأصدقائها، جعلها تدرك كم كان عملها مهيناً وآثماً:

في البداية، كنت أختلق الأعذار لأستمرّ في عملي كعاملة جنسٍ، وكانت صديقاتي وأصدقائي ينصحونني بترك عملي لأنّه عملٌ سيّء. بعد فترةٍ، بدأت أدرك أنّني رخيصةٌ، ثمّ بدأت أفكّر بعملي من الجانب الدينيّ. صديقاتي وأصدقائي ساعدوني في العثور على عملٍ آخر. اليوم، أستطيع أن أنظر في أعين الناس. يجب أن يظلّ العمل الجنسيّ غير قانونيّ كي لا يدخل فيه أناسٌ كثيرون/ات.

قد تسلّط هذه الحالة الضّوء على دور ضغط الأتراب في تثبيت وصمة العمل الجنسيّ. وأكّدت مشارِكةٌ أخرى أنّها لطالما كانت تائهةً بين معتقداتها الدينيّة وحقّ عاملات الجنس الأخريات في اختبار مهنتهنّ، لكنّها شدّدت على أنّ الأمر خيارٌ شخصيّ بالنظر إلى مهنتها من منظورٍ دينيّ، وأنّه يجدر بعاملات الجنس الأخريات التمتّع بحقوقهنّ الكاملة، طالما لا تتعارض معتقداتهنّ مع مهنتهنّ كما في حالها هي.

وصمة العمل الجنسيّ تملأ حيواتهنّ بالخوف والقلق، إذ يبقين متوجّساتٍ من أن يتبع بهنّ أحدٌ بغرض إلحاق الأذى بهنّ. ويمنع غياب الحماية عاملات الجنس من التقدّم بشكاوًى عند التعرّض للسّرقة أو غيرها من أشكال العنف:

لا يمكنك الدخول في علاقةٍ رسميّةٍ لأنّك حرام (آثمة). عندما كنت حاملًا، أرسلت لي أمّه بلطجيّةً ليدوسوني بالسيّارة. خسرت طفلي/ طفلتي. كان قاضيًا، وكان بإمكانه التخلّص مني بسهولةٍ لأني غير محميّة بفعل مهنتي… كان عليّ الخضوع للإجهاض مرّاتٍ عدّةً لأنّ بعض الزبائن يرفضون وضع الواقي الجنسيّ. ذلك كلّه قلّل من فرصي في إنجاب طفل/ة. كذلك، أصبت بالكلاميديا 3 (إلتهاب منقول جنسيًا)، وعولجت لدى إحدى المنظّمات غير الحكوميّة. أخبرته بالأمر كي يخضع للعلاج أيضًا.

يرسّخ التجريم مفهوماً يفيد بأنّه لا يجدر بعاملات الجنس التحكّم بأجسادهنّ ورفاههنّ، كما لا يجدر بهنّ النظر إلى أنفسهنّ كعامِلات. ويقوّض ذلك موقع العاملات لجهة التعبير عن مواقعهنّ العاطفيّة في ما يخصّ هويّتهنّ المهنيّة.

إنّ تمييز الدولة ضدّ عاملات الجنس، ومن ضمنه عنف الشرطة واستغلالها لهنّ، يشكّل إحدى الثيمات الأساسيّة التي أظهرتها البيانات. وتبيّن هذه الممارسات ديناميّات القوّة والقوانين التمييزيّة التي تعمل على ضبط أجساد عاملات الجنس. ذكر الكثير من المشارِكات في البحث أنهنّ تعرّضن للإعتقال من قبل الشرطة. وتتنوّع التهم الموجّهة ضدّ عاملات الجنس، فتنسحب من التزوير إلى العمل الجنسي والحضّ على الفجور، وقد أشارت معظم المشارَكات إلى أنهنّ تعرّضن للتهديد والتحرّش على أيدي أمناء الشرطة، بما في ذلك الإكراه والإغتصاب.

في حوادث أخرى، لفّقت الشرطة تهمًا بغرض ملء الثغرات الفارغة في ملفّ العمل الجنسي، وقامت باعتقال الفتيات في الشّوارع أو المقاهي، حتى عندما لم يكنّ يعملن، فقط بسبب وجود قضايا مماثلةٍ ضدّهن في السّابق. ومن الممكن أن يطلب رجال الشرطة الرّشى الجنسيّة أو أن يستولوا على أموال النساء مقابل إطلاق سراحهنّ. في إحدى المرّات، استخدمت إحدى عاملات الجنس إسم زوجها السّابق الذي يعمل في الشرطة من أجل الخروج من موقفٍ مماثل.

تصوّر هذه الوقائع بإيجازٍ ممارسة الدولة للتمييز الجندريّ، بغضّ النظر عن طبيعة عمل النساء. ووفقًا لعاملي/ات المنظّمة غير الحكوميّة، فإنّ الشرطة تنتهك الإجراءات القانونيّة: القوانين المصريّة تنصّ على ضرورة الحصول على إذنٍ لتنفيذ الإعتقال، ولا بدّ من إعتقالهنّ في أثناء قيامهنّ بمعاشرة الزبون. لكن، في معظم الأحيان، تُعتقَل النساء في الشّارع على خلفية قضايا سابقة، أو طبقتهنّ الإجتماعيّة، أو مظهرهنّ. ومن الممكن المجادلة بأنّ عنف الدولة هو عاملٌ رئيسٌ في غياب حقوق عاملات الجنس. وإذا غيّرت الدولة سياساتها تجاه عاملات الجنس، وعاملتهنّ كعاملاتٍ لا مجرماتٍ، فإنّ الوصمة الإجتماعيّة ستخفّ. بالتالي، قد يمهّد ذلك الطريق أمام عاملات الجنس لتحقيق حقوقهنّ والتبليغ عن حوادث التحرّش:

أعيش خوفًا شديدًا طيلة الوقت من التعرّض للإعتقال أو الأذى. لا أستطيع المطالبة بحقوقي لأنّي أُعتبر دومًا مجرمة. لذا، قد يمنحني إنهاء التجريم بعضًا من الحماية. على الأقلّ، سأتوقّف عن الخوف من التقّدم بشكوى ضدّ المعتدي.

تأديب عاملات الجنس هي مقاربةٌ أخرى تستخدمها الدولة في مصر، وتعارضها تمامًا جميع المشارِكات في البحث، ناظراتٍ إليها كفعل إضطهاد. وفقًا لإجاباتهنّ، تتراوح مقاربة الدولة التأديبيّة بين إرسالهنّ إلى المؤسّسات العامّة، وإهانتهنّ وتعذيبهنّ:

صفعني أحد رجال الشرطة بينما كان يتفحّص بطاقة هويّتي خارج مكان عملي (النادي الليليّ). ظلّ يسألني عمّا إذا كنت عذراء أم لا.

وتشكّل التفتيشات العلنيّة في الشّوارع مقاربةً إضافيّةً ترفضها عاملات الجنس ويعتبرنها إنتهاكًا لحقوقهنّ:

لا يجب أن أتعرّض للتفتيش من دون موافقتي في الشّارع، ولا أن التعرّض للعقاب عندما يعثرون على واقٍ جنسيّ في شنطتي. بحسب القوانين الحاليّة، لا يحقّ لأحدٍ فعل ذلك، لكن فعليًا، تُستخدَم الواقيات الجنسيّة ضدّي.

القوانين الخاصّة بالعمل الجنسيّ تمييزيّةٌ في حدّ ذاتها، وهي تتيح للدولة ومؤسّساتها الإستمرار في الأفعال التمييزيّة المرفقة بحصانة:

القانون مجحف. إذا ضُبطت تمارسين الجنس، يُعتبر الرجل شاهدًا ضدّك. حتى عندما يضعون القوانين المجحفة، يحرصون على أن تكون أشدّ قسوةً على النساء. أين المساواة؟ لماذا تُصوّر النساء ككائناتٍ مغويةٍ وشيطانيّة؟ القانون يحفل بالصّور النمطيّة وبالتمييز.

ينظر القانون المصريّ إلى الشّريك الجنسيّ الذكر/ الرجل كشاهدٍ، على الرغم من أنّه الطرف الذي طلب برضاه الحصول على الخدمات الجنسيّة. حتّى ضمن القوانين التجريميّة، تسلّط المعاملة المجحفة لعاملات الجنس الضّوء على الأبعاد البطريركيّة المتجذّرة في سياسات الدولة وممارساتها.

إنّ سلوكيّات عملاء الدولة تجاه عاملات الجنس يبيّن كيف يُستخدَم التجريم كأداةٍ للسيطرة والتأديب وإستغلال أجساد النساء. وتنظر سياسات الدولة إلى العمل الجنسيّ على نحوٍ يتجاوز مفهوم الجريمة، إذ تُفهَم هذه الأجساد كأجسادٍ آثمةٍ وبالتالي غير قابلةٍ للإغتصاب. ويرسّخ إطار عمل “الشرعيّة” الخطابَ القائل بأنّ العمل الجنسيّ ليس عملًا، معزّزًا فكرة “الكائنات غير الشرعيّة” (عاملات الجنس غير مرغوبٍ بهنّ بيننا). بالإضافة إلى ذلك، يسيء عملاء الشرطة إستخدام سلطتهم – من خلال إستغلال تلك الأجساد لمآربهم الخاصّة – ما يعكس إستثمارهم في الحفاظ على ديناميّات القوّة التي تخدم هويّتهم الجندريّة التقليديّة.

بغرض الهروب من الحدود غير القانونيّة/ المحرّمة لمهنتهنّ، تلجأ بعض عاملات الجنس إلى العقود غير النظاميّة والطرق المتّفق عليها عادةً من أجل زيادة أمنهنّ. وتستخدم بعض النساء الزواج بمختلف أشكاله كطريقةٍ لتفادي الإعتقال:

في العادة أكتب ورقة عقدٍ عرفيٍّ كي أتمكّن من الخلاص في حال تعرّضت للإعتقال. لا أملك أيّ خياراتٍ أخرى.

إحدى المشارِكات عقدت صفقة زواجٍ مع قوّادها: في حال تعرّضت للإعتقال، يقول هو أنّه أجبرني على إمتهان هذه المهنة، على الرغم من أنّها في الواقع لم تُجبر على دخولها. بهذه الطريقة، تعتقد أنّها تحمي نفسها من الإعتقال، مجادلةً بأنّه لن يتعرّض للأذى بما أنّ الرجال، على عكس النساء، بإمكانهم التهرّب من القانون في مثل هذه الحالات.

أرى عملي كمهنةٍ، لكنّ أخي لا يراه كذلك. هو ينكر أنّ ما أقوم به هو شكلٌ من أشكال العمل الجنسيّ، نظرًا لكوني أقوم به تحت مسمّى الزواج. أعتقد أنّ الزواج هو عذرٌ كي لا يشعر أخي وزبوني بأنّهما يرتكبان فعلًا حرامًا.

مؤسّسة الزواج تقدّم أحد أنماط “الشرعيّة” التي تهمّ عاملات الجنس، إذ أنّها لا تساهم في تخفيف خطر التعرّض للإعتقال فقط، بل تُستخدَم أيضًا كذريعةٍ للتخفيف من الذنب المرتبط بالخزي الدينيّ بين أفراد الأسرة أو الزبائن. ويساهم الزواج أيضًا في فرض السيطرة على موقف عاملات الجنس من هويّتهن المهنيّة. ونظرًا إلى طبيعة العمل الجنسيّ، فإنّ التفاعل بين مفهوم الشرعيّة والذنب الدينيّ يؤثّر في الإدراك الذّاتي للهويّة المهنيّة لدى عاملات الجنس – يصبحن “أجسادًا غير شرعيّة.” هذه الثقافة المهيمِنة تعطي اليد العليا للدولة وأفراد المجتمع ليقرّروا المعايير التي تحكم كيف يجب على الجسد القانونيّ أن يبدو ويتصرّف.

 

الحاجة إلى التنظيم النقابيّ: الحقوق العماليّة

بطريقةٍ ما، تتمكّن عاملات الجنس من التحايل على القيود التي تفرضها عليهنّ المؤسّسات الدينيّة والقانونيّة، في محاولةٍ لحماية أجسادهنّ من معاملتها كأجسادٍ مُتاحة. تؤمن عاملات الجنس اللّواتي حاورتهنّ بضرورة أن يتمكنّ من الحصول على خدمات رعاية الصحّة الجنسيّة، والتمتّع بحقوقهنّ الجنسيّة، وحقّ التنظيم النقابيّ.

تؤكّد معظم المشارِكات أنّ صحتهنّ أمرٌ بالغ الأهميّة بالنسبة إليهنّ، ويطلبن من المنظّمة غير الحكوميّة إجراء الفحوص الدوريّة لهنّ، بينما تتابع بعضهنّ صحّتهنّ مع طبيباتهنّ وأطبائهنّ الخاصّات/ين. إثنتان فقط من النساء المحاوَرات لا يخضعن للفحوص الدوريّة، إذ تزعم إحداهما أنّها لا تثق بالأطبّاء، واصفةً إيّاهم/ن بـ”مبتغي/ات الرّبح.” وترفض بعضهنّ تقديم الخدمة الجنسيّة من دون الواقي الجنسيّ، بينما توفق الأخريات على عدم إستخدامه في حال رفض الزّبون.

معظم المشارِكات يخشين نتائج الفحوص، لكنهنّ لا يقلقن من أن يتمّ إستخدامها لأغراضٍ أخرى. ووفقًا لجميع عاملات الجنس اللّواتي حاورتهنّ، ولمدير “البرنامج الوطنيّ للسّيدا،” فإنّ الفحوص الطبيّة تتمّ بموافقة العاملات، وتبقى النتائج سريّة. وبما أنّ مهنتهنّ غير قانونيّةٍ، فإنّ الفحوص لا تُجرى في شكل الفحص الطبّي. اثنتان فقط من المحاوَرات عبّرتا عن القلق من أن تتسبّب نتائج الفحوص بوصمهنّ إجتماعيًا. وتجدر الإشارة إلى أنّ عاملي/ات المنظّمة غير الحكوميّة ينظّمون جلسات التوعية لعاملات الجنس عن الصحّة والممارسات الجنسيّة الأكثر أمنًا. وبفضل هذه الجلسات، باتت بعض عاملات الجنس أكثر تعبيرًا بشأن تلك المسائل، وبتن يتّخذن الإجراءات الإحترازيّة لحماية أنفسهنّ، مثل إستخدام الواقيات الجنسيّة أو حصر زبائنهنّ بأناسٍ معيّنين يثقن بهم:

أتفحّص دائمًا أعضاء زبائني لأتأكّد من أنّها خاليةً من الهربس. أستخدم الواقيات الجنسيّة، وأحصر زبائني بأناسٍ أثق بأنهم يهتمّون بأنفسهم. عندما أُصاب بإلتهابٍ ما، آخذ إستراحةً حتى أتعافى. أهتمّ كثيرًا بصحّتي، وكذلك الأخربات.

أستخدم الواقيات وأحصر زبائني ببضعة أشخاصٍ، كما أخضع للفحوص الدوريّة المنتظمة لدى المنظّمة غير الحكوميّة.

تجدر الإشارة إلى أنّه بسبب إستمرار تجريم العمل الجنسيّ، تبقى المسائل الصحيّة ماثلةً كتحدٍّ. على سبيل المثال، لا يمكن لعاملات الجنس الإصرار على إستخدام الواقي نظرًا لغياب حقوقهنّ.

أنظر إلى نفسي كعاملةٍ، ويجدر بي التمتّع بحقوق التقاعد والرعاية الصحيّة، وأن أكون قادرةً على تحديد شروطي لدى تقديم الخدمة الجنسيّة. أشعر دائمًا بأنّ العالم بأسره ضدّي… ما أفعله هو عملٌ… لماذا نُعامل كأنّنا شيءٌ وسخٌ وغير ذي فائدة؟ يجب أن نحظى بالإحترام وتكون لنا نقابة.

تُظهر إجابات عاملات الجنس معرفةً كبيرةً بحقوقهنّ وواجباتهنّ وكيفيّة ممارستها تحت ما يعتبرنه “قوانين غير قانونيّة.” في هذا الصّدد، تربط العاملات بين العمل الجنسيّ والحماية الإجتماعيّة والقانونيّة، كما تؤمن بعضهنّ بأنّ هذه الحقوق ستقلِّص من الأذى والوصمة. وعلى الرغم من أنّ معظم المحاوَرات لا يدركن الفرق بين التشريع وإنهاء التجريم، ويستخدمن المصطلحَين على نحوٍ متبادلٍ، فإنّهن يفرّقن على نحوٍ صحيحٍ بين الحصول على ترخيصٍ والحصول على الحقوق العماليّة. ويؤمن بعضهنّ أنّ الحصول على ترخيص عملٍ أو الخضوع للمراقبة/ التفتيش يساهم في زيادة الوصمة. ويبيّن ذلك وجود علاقةٍ قائمةٍ بين العمل كعاملة جنسٍ والحصول على الحقوق العماليّة، وكذلك بين تشريع المهنة والوصمة المرتبطة بالعمل الجنسيّ. وتؤمن بعض عاملات الجنس أنّ الحقّ بتشكيل نقابةٍ قد يقدّم الدعم لهنّ، لكنهنّ يفهمن أيضًا أنّ التسجيل في النقابة هو شرطٌ مسبقٌ للحصول على حقوقهنّ العماليّة.

لا أنظر إلى عملي كمهنةٍ لأنّي حظيت بتربية متديّنة (…) بالنسبة إلى من يعتبرنه عملًا، يجدر بهنّ الحصول على حقوقهنّ العماليّة. لكن علينا تغيير مصطلح مومس، إذ يحمل دلالاتٍ سلبيّة. إذا كنأ سنشكّل نقابةً، فيجب أن تكون ضمن إتّحادٍ عماليّ، أو يجب إطلاق إسمٍ آخر عليها.

تبحث عاملات الجنس في مصر عن طرقٍ أخرى لفرض أحكامهنّ وشروطهنّ، مؤكّداتٍ حاجتهنّ إلى إيجاد بدائل تتيح جعل عملهنّ أكثر أمنًا، وتخفّف من ديناميّات القوّة. في حوادث كثيرةٍ، تبنّت عاملات الجنس في مصر بعض الممارسات من أجل التغلّب على غياب الحقوق العماليّة. لكن، نظرًا إلى غياب الحماية، مازلن يواجهن مشكلاتٍ عدّةً قد تتهدّد حيواتهنّ، و/أو يعانين من مشكلاتٍ صحيّة. وبينما نجحت بعضهنّ في تأمين حقوقهنّ العماليّة على نحوٍ غير رسميٍّ مع زبائنهنّ، أو تمكنّ من اتّخاذ بعض الإجراءات الاحترازيّة لتفادي الإعتقال، لم تتمكّن الأخريات من التقدّم بشكاوى ضدّ الزبائن الذين يرفضون دفع المال لقاء الخدمات، بسبب غياب التغطية القانونيّة الداعمة لهنّ.

نظرًا لكوني أقدّم خدمةً ما، يجب عليّ أن أتمتّع بالحماية القانونيّة. وقد بدأت بممارسة حقوقي على نحوٍ غير رسميّ. مثلًا، أوقّع دائمًا العقود قبل تقديم أيّ خدمةٍ جنسيّة. خسرت الكثير من الزبائن لأنهم رفضوا إستخدام الواقي الجنسيّ. يجب أن نشكّل نقابة، فنقابتنا الحاليّة هي المنظّمة غير الحكوميّة. ما يهمّني على نحوٍ خاصٍ هو وجود جسمٍ حقيقيٍ يمثّلنا. هناك الكثير من النقابات في مصر، لكن هل تمثّل عمّالها وعاملاتها فعلًا؟

توافق كافّة المشارَكات تقريبًا على أنّهن لو قرّرن تشيكل نقابةٍ يومًا ما، فإنّ الدولة ستستخدم ضدّهن المقاربة الضبطيّة ذاتها للسّيطرة عليهنّ ومنعهنّ من تحقيق أهدافهنّ:

من الصّعب جدًا تحقيق تلك الحقوق، فالدولة ستواجه مطالبنا دائمًا بالشعارات الدينيّة، بينما بعض أهل الدولة هم زبائننا. هو حلالٌ عليهم وحرامٌ علينا. إنّهم منافقون يستخدمون الدّين كذريعةٍ للسّيطرة ولمنع كلّ ما يشاؤون منعه.

العاملات اللّواتي يطالبن بالحقوق العماليّة يشكّكن غالبًا في إمكانيّة ممارستها في المستقبل القريب، لاسيّما إذا استمرّ الوضع القائم. وعلى الرغم من تعبيرهنّ عن الحاجة إلى تشكيل نقابةٍ، فإنّ الوصمة المرتبطة بعملهنّ تتعزّز بفعل الإستغلال الحكوميّ للقوانين القائمة وغير القائمة، ما يجعل تشكيل نقابةٍ أمرًا مستبعداً، إلا في حال حدوث تغييرٍ جذريّ في الأنظمة الإجتماعيّة – القانونيّة المصريّة، يطال مباشرةً التمييز المُمأسس، والضبط، والمراقبة المفروضة على أجساد عاملات الجنس.

 

الخاتمة

تعتقد عاملات الجنس في مصر أنّ المعاملة السيّئة التي يتلقّينها هي نتيجة نظرة المجتمع إلى نوع العمل الذي يقمن به. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأفكار الخاطئة المرتبطة بمهنتهنّ، مثل إمتلاكهنّ أجسادًا معتلّةً، هي أفكارٌ متجذّرةٌ في البطريركيّة التي تحدّ من خيارات النساء. وينتج عن ذلك خوفٌ مستمرٌّ لدى عاملات الجنس من تدمير سمعتهنّ و/أو سمعة أيٍّ من أفراد أسرهنّ، ما يمنعهنّ بالتالي من المطالبة علنًا بأيٍّ من حقوقهنّ ليتفادَين الخزي واللّوم عند إنكشاف مهنتهنّ.

كذلك، تُنتهَك حقوقهنّ الجسديّة بسبب المفهوم الخاطئ الذي يعتبر أجسادهنّ غير قابلةٍ للإغتصاب. إنّ إنهاء تجريم العمل الجنسيّ من خلال وضعه تحت القانون التجاريّ سيساهم في تشجيع عاملات الجنس على المطالبة بحقوقهنّ، كالتبليغ عن حوادث الإعتداء الجنسيّ التي يتعرّضن لها، كما قد يتيح لهنّ الخضوع للفحوص الطبيّة برضاهنّ ومن دون الخوف من الوصمة.

تمارس بعض عاملات الجنس حقوقهنّ على نحوٍ غير نظاميٍ مع زبائنهنّ فارضاتٍ شروطهنّ وأحكامهنّ، مثل ساعات العمل، وأنواع الخدمة الجنسيّة، والأسعار وآليات إستخدام الواقي الجنسيّ. وقد تستخدم بعضهنّ ورقة الزواج العرفيّ لحماية أنفسهنّ في حال التعرّض للإعتقال. وتوفّر المنظّمة غير الحكوميّة التي يلجأن إليها خدمات الرعاية الصحيّة والقانونيّة، لكنّ غياب الحماية يضعهنّ في مواقف مؤذيةٍ تتراوح بين إنتهاك الزبون لتلك الأحكام والشّروط، والتعرّض في بعض الحالات للإعتداء الجنسيّ والإغتصاب والسّرقة. فمثلاً، يفرض بعض الزبائن شروطهم على العاملات نظرًا لمراكزهم السياسيّة الرفيعة.

يوجد توتّرٌ بين الذنب الدّيني وحقوق عاملات الجنس. وعلى الرغم من أنّ بعضهنّ يعتبرن أنفسهنّ عاملاتٍ، إلا أنهنّ يرين أنفسهنّ كآثماتٍ بسبب مهنتهنّ. وتجادل بعضهنّ بأنّهن، ربّما، لو لم ينشأن في ثقافةٍ مهيمِنةٍ يُعتبر فيها الدّين حجر أساسٍ، لما اختبرن الشّعور بالذّنب، لكنهنّ يؤمنّ بأنّه لا يجدر بهنّ التعرّض للتعذيب والعنف الجنسيّ، وأنّه يحقّ لهنّ تلقّي الخدمات اللإجتماعيّة والحصول على محاكماتٍ نزيهة وعادلة.

تستخدم الدولة الخزي الدّيني لتقويض حقوق عاملات الجنس، كما أنّ تمييزها ضدّ عاملات الجنس يحول دون تحقيقهنّ الحقوق العماليّة، ويزيد من وصمتهنّ عبر إستغلال الخزي الدينيّ. في حوادث عدّة، أساءت أجهزة الدولة الأمنيّة إستعمال سلطتها من خلال إبتزاز عاملات الجنس للحصول على الخدمات الجنسيّة مجانًا. وينظر هؤلاء إلى أجساد عاملات الجنس كأجسادٍ غير قابلةٍ للإغتصاب يجب ضبطها والسيطرة عليها. ويوظّف هؤلاء وسائل الإكراه كالإهانات والتعذيب ليثبتوا لعاملات الجنس أنهنّ مجرماتٌ آثمات. بشكلٍ عام، يتضمّن سلوك الدولة تجاه النساء لومًا لهنّ عند التعرّض للتحرّش، ومعاقبتهنّ لحملهنّ الواقيات الجنسيّة، وكذا دواليك. بالإضافة إلى ذلك، تُفاقم القوانين المجحفة صعوبة حيوات عاملات الجنس، كما أنّ إعتبار القانون الجزائيّ المصريّ للزبائن الذّكور كشهودٍ لا مجرمين يبيّن درجة تجذّر التمييز الجندريّ وإنعكاسه في سياسات الدولة.

 

  • 1. يدفع ثمن خدمات المرافقة عن كلّ ساعة تقضّيها العاملة مع الزّبون، ممّا يجعل هذه الخدمات أعلى سعرا من خدمات الجنس غير المنتظمة.
  • 2. لأغراض هذا البحث، استخدمت تحليل الترميز الثّيمي لمساعدتي في تفسير الأنماط (Guest, Bunce and Johnson 2006: 77-78). بدأت بالتعرّف إلى النتائج عبر النسخ وعبر تقنيّة القراءة المتواصلة من أجل إنتاج الرّموز الأوليّة. ويجدر بهذه الرموز مساعدتي في تحديد أوجه الشّبه بين مختلف جوانب المخطوطة. بعدها، بدأت أعمل على تحديد العلاقات بين السلوكيّات/ التصرّفات المتشابهة بين عاملات الجنس لجهة التعامل مع مسألةٍ معيّنةٍ ترتبط بعملهنّ أو الإستجابة لها. من ثمّ، بدأت بابتكار الرموز الأوليّة وتصنيفها من أجل ترتيبها ضمن الثيمات، مُقولبةً الرمز عند الحاجة إلى ذلك، من أجل إنتاج خريطةٍ ثيميّةٍ للنتائج. أخيرًا، ركّبت شبكاتٍ ثيميّةً شملت دمج الأنماط في دراستي وتفسيرها بهدف إختبار فرضيّتي (Robinson 2011: 475-476).
  • 3. المتدثّرة هو الاسم العربي للكلاميديا.
ملحوظات: 
المراجع: 

Bernstein, E. (2007) Temporarily Yours: Intimacy, Authenticity, and the Commerce of Sex. Chicago: University of Chicago Press.

Biancani, F. (2012) Sex Work in Colonial Cairo, 1882-1952London: London School of Economics and Political Science.

Brooks-Gordon, B. (2008) “State Violence Towards Sex Workers,” British Medical Journal 337 (7669) pp.527-528.

Farley, M. (1994) “Prostitution: The Oldest Use and Abuse of Women,” Off Our Backs, inc. 24 (5) pp.14-15, 22.

Gangoli, G. (1998) “Prostitution, Legalisation and Decriminalisation: Recent Debates,” Economic and Political Weekly 33 (10) pp.504-505.

Ghosh, S. (2006) “Empowerment of Sex Wokers: The Kolkata Experience,” Economic and Political Weekly 41 (13) pp.1289-1291.

Gilfoyle, T. J. (1999) “Prostitutes in History: From Parables of Pornography to Metaphors of Modernity,” The American Historical Review 104 (1) pp.117-141.

Global AIDS Response Progress Report (2012) National AIDS Program Egypt (Cairo: NAP).

Grant, M. G. (2014, March 5) “Let’s Call Sex Work What It Is: Work,” The Nation. (Online). Available at: http://www.thenation.com/article/178683/lets-call-sex-work-what-it-work (Accessed: 3rd May 2014).

Guest, G., Bunce, A. and Johnson, L. (2006) “How Many Interviews Are Enough?: An Experiment with Data saturation and Variability,” Field Methods 18 (1) pp.59-82

Holder, Z., Goodson, T., and Farley M. (1994) “Prostitution Debate Continues…,” Off Our Backs, inc. 24 (8) pp.24-25, 28.

Jenness, V. (1990) “From Sex as Sin to Sex as Work: COYOTE and the Reorganization of Prostitution as a Social Problem,” Society for the Study of Social Problems 37 (3) pp.403-420.

Kabbash, I.A., Abdul-Rahman, I., Shehata, Y.A., and Omar, A.A-R. (2012) “HIV Infection and Related Risk Behaviours among Female Sex Workers in Greater Cairo, Egypt,” Eastern Mediterranean Health Journal 8 (9) pp.920-927.

Liberto, H. R. (2009) “Normalizing Prostitution versus Normalizing the Alienability of Sexual Rights: A Response to Scott A. Andreson,” Ethics 120 (1) pp.138-145.

Mahdavi, P. (2010) “Race, space, place: notes on the racialisation and spatialisation of commercial sex work in Dubai, UAE,” Culture, Health & Sexuality 12 (8) pp.943-954.

McClintock, A. (1992) “Screwing the System: Sexwork, Race and the Law,” Feminism and Postmodernism 19 (2) pp.70-95.

Move Forward (2010) STI-Aids Netherlands (Netherlands: SOAIDS).

Nag, M. (2003) “Preventing AIDS among Sex Workers,” Economic and Political Weekly 38 (40) pp.4209-4210.

—. (2005) ‘Sex Workers in Sonagachi: Pioneer of a Revolution’, Economic and Political Weekly 40 (49) pp.5151-5156.

Oakley, A. (1982; 1990) “Interviewing Women: A contradiction in terms,” Roberts, H. (eds.) Doing Feminist Research (Routledge & Kegan Paul plc) pp.30-62.

Pateman, C. (1999) “What’s wrong with Prostitution?,” Women’s Studies Quarterly 27 (1/2) pp.53-64.

Pollitt, K. (2014, April 2) “Why Do So Many Leftists Want Sex Work to Be the New Normal?,” The Nation. (Online). Available at: http://www.thenation.com/article/179147/why-do-so-many-leftists-want-sex-work-be-new-normal# (Accessed: 3rd May 2014).

Robinson, C. (2011) Real World Research (John Wiley & Sons).

Sultana, H. (2015) “Sex worker activism, feminist discourse and HIV in Bangladesh,” Culture, Health & Sexuality 17 (6) pp.777-788.

Trappolin, L. (2005) “Gender Victims and Cultural Borders: The Globalization of Prostitution in Italy,” Dialectical Anthropology 29 (3/4) pp.335-348.

Werth, P. W. (1994) “Through the Prison of Prostitution: State, Society and Power,” Social History 19 (1) pp.1-15.