عن الصداقات الكويرية التي تفشل

السيرة: 
اقتباس: 
برسّيلا خبّازي. "عن الصداقات الكويرية التي تفشل". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 3 عدد 2 (2017): ص. 247-250. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 14 August 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/on-queer-friendships.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (189.13 كيلوبايت)
ترجمة: 

صفا حمزه حاصلة على منحة فولبرايت لشهادة الماجيستير. هي مديرة المجتمع والاتصالات في كحل. حاصلة على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أريزونا وشهادة البكالوريوس في فنون الاتصال من الجامعة اللبنانية الأمريكية. خلال  تحصيل دراساتها في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، عملت صفا من أجل القضايا النسوية والكويرية. وهي أيضًا المؤسس المشارك لنادي النسوية التقاطعية في الجامعة اللبنانية الأميركية وعضو سابق في جمعية حلم.

cover-issue-6-2.jpg

Artwork: Amy Chiniara

Sex, Desire, and Intimacy 2017 ©

ككويريين/ات، نحب التفكير في العائلات المختارة، في الصداقات الكويرية، في بناء مساحات حميمية غير خاضعة للمعيارية. في هذه المساحات الحميمية التي حاولنا بناء صداقة كويرية فيها، في مرحلة ما على طريق ذلك، أعتقد أنني وصديقتي فشلنا. ذلك أننا لم ندع أوجه التنافر بيننا تحجب المعاني والأشكال الفعلية للحميمية والاهتمام والحب. اعتقدت أني بذلت كل مجهودي العاطفي لهذه الصديقة. ما شعرت أني كنت أتلقاه لقاء ذلك كان أبعد ما يكون عن الاهتمام والانتباه الذي أريد منحه وتلقيه في علاقة كويرية. لعلها ستخبرك أن الأمور لم تكن كذلك، وهذا طبيعي. وجهات نظرنا كانت مختلفة إلى أبعد حد. لكني ما زلت على قناعة بأن هذه الصداقة كانت ستنجح رغم خلافاتنا، بسبب خلافاتنا.

فكأن خلافاتنا لم تسفر عن عقبات كافية للتغلب عليها. كنت أيضأً معجبة بهذه الصديقة؛ ذلك الإعجاب الذي يفيض سعادة في وجودها دون أي سبب واضح؛ ذلك الإعجاب الذي يجعل البوح بالمشاعر بالغ الصعوبة بسبب رعب الهشاشة وخشيتي ألا يكون الإعجاب متبادلاً؛ الإعجاب الذي يخلق عند صاحبته ديناميات سلطة معقدة وشعوراً بأنها غير مرغوب فيها.

هذا يعيدني إلى استنتاج آخر أدى بدوره إلى انفراط عقد الصداقة، حصل حين أدركت أنني كنت أسأل نفسي مراراً وتكراراً خلال هذه الصداقة: هل في طلب الاهتمام والحنان المتعمّدين مبالغة ما؟

أخبرتها أني معجبة بها. تخبطت أثناء عودتي إلى المنزل من نزهة الظهيرة، حيث حاولت تمالك نفسي بعد جوابها بالرفض بينما هي حاولت كسر الصمت الأخرق الذي كان يملأ المكان: “هل ما تزالين مهتمة بدروس اللغة معي؟” يلزم القول أني لم أطلب أخذ أي دروس لغة، بل هي التي داومت على اقتراح ذلك. أضافت: “في الحقيقة لست مرتاحة لطلب أجرة على كل ساعة لكن يمكننا تبادل التدريس.” تمتمت بما يشبه “حسناً، لم لا” في حين كنت في حيرة تامة من ردة فعلها.

ناقشنا بعد بضعة أيام حاجتي لبعض الوقت لإعادة التأقلم مع هذه الصداقة، حيث قالت إنها تريدني في حياتها وقلت إني أريد ذلك أيضاً.

مع مرور الوقت، تمكنت من تطهير الشهوة والإعجاب غير المتبادل من معادلة صداقتنا الناشئة والقائمة على أساس النمو تلقائي. لكني أخطأت بتأجيل الحديث حول ذلك التطهير حتى فوات الأوان. خطئي كان عدم التواصل بالشكل الصحيح.

بدأ انهيار هذه الصداقة الكويرية كقطار آخذ في التحطم بالتصوير البطيء. في نهاية المطاف، كان الكبرياء يعترض طريق الحنان والصبر والاهتمام.

يبدو ما أقوله غريباً، لكنني بالفعل في حالة حداد. لقد عشت حالات حداد كثيرة على أحباب/حبيبات فقدتهم/نّ نتيجة الموت، لكن هذا الحداد مختلف. بالتأكيد لم تكن علاقتنا هذه حميمة أو جسدية، لكن المصيبة أنها كانت حميمة بطريقتها الخاصة. كيف يمكن وضع حد لذاك المفهوم الخاطئ القائل أن العلاقات الرومانسية وحدها هي المهمة؟ الصداقات الكويرية مهمة أيضاً، وهي حين تقوم على الحب والاهتمام والحنان فهي تبث الحياة. شئنا أم لم نشأ، لقد حصل بيننا ألفة، ومن الصعب رؤية تلك الألفة تنهار أمام أعيننا.

كيف للمرء أن يرثي بالضبط صداقة كويرية في هذا الاضطراب العاطفي العاصف؟ متى، في طريقنا إلى تلك العواطف، سمحنا بانتزاع خصال إنسانية أساسية من من هذه الصداقة الكويرية؟

لدي الكثير من الأسئلة. هل من العدل أن نتوقع تلقي ما يشبه الاهتمام الحنون/الرقيق الذي نمنحه وبالطريقة نفسها؟ هل بالغت في تصديق هذا الاهتمام الحنون/الرقيق؟ هل أنا حقاً حنونة كما أظن؟ هل من الأنانية طلب صداقة كويرية حميمة بطريقة أفلاطونية، بعد تطهير معادلتها من بقايا الشهوة؟ ماذا عن بقايا “استشعار الشهوة؟” ماذا عن اللحظة التي جاهدت لإبقاء صداقتنا حين راحت صديقتي تطرح التساؤلات حول توجهاتي الجنسية؟

أنا أطرح الكثير من الأسئلة. كانت كلما طرحت عليها سلسلة من الأسئلة الاستقصائية تقول ممازحة “هل انتهيت من اسئلتك الصحافية؟” أنا أكره سراً كل التصنيفات الجنسانية الكويرية. ولم أستقر إلى الآن فيما يتعلق من موقعي من النقاش الدائر حول أي التوجهات أكثر شمولاً للجنوسات والتعابير الجنسية: الازدواجية أم الشمولية الجنسية؟

اجد نفسي مشوشة ومترنحة على محوري العاطفي الشخصي كلما جلست أفكر في تسكعاتنا – النزهات، العروض الموسيقية، الرقص في الحفلات الكويريّة، طلاء غرفتها مع شرب البيرة، تمشية كلبي سوية، أكل المثلجات الرخيصة لتخفيف وطأة إحباط أسبوع العمل، الجلوس في الحديقة والضحك والترامي بالعشب ببلاهة، الدردشة على شرفاتنا والتحديق في غروب الشمس مع خفوت أحاديثنا، مشاهدة مسلسلات الكارتون السخيفة سوية – وكيف تحولت فجأة إلى هذا التدافع البشع فيما بيننا نحو نقطة الإنهاك. هل هي نقطة اللاعودة؟

أم أن هناك أملاً بالعودة بعد انقشاع الغبار وجفاف الدموع؟ مثل تلك الدموع التي ذرفتها في حضورها من شدة الإرهاق والهلع بعد مغادرتها شقتي من دون مواساتي، فعلى ما يبدو “الصداقات/الحنانات باللمس قد تصبح شديدة التعقيد حين تنطوي على مشاعر/شهوة رومانسية.” بعد أسبوع من القطيعة، وصلتني رسالة نصية. لا تحية، لا اطمئنان، لا اعتذار على عدم التواصل، لا تذرع بالانشغال في وقت سابق. بدل ذلك، وصلني استففسار عما إذا كنت أشاهد “نتفلكس” لأنها لم تكن تستطيع الوصول إلى الحساب الذي شاركته معها. كأني أعمل في قسم الدعم التقني.

ربما أنا منافقة أيضاً. فرغم كل هذا الكلام عن الحنان أنا لدي تناقضاتي أيضاً. أليس من الرياء القول إني لا أؤمن بأن الناس قابلون للاستبدال، ثم الاستسلام ما إن يتم ضغط زر المقبولية؟ كتلك المرة التي أهانتني فيها بالقول إنها، كشخص لا يتكلم العربية، لطالما شعرت بفظاظة اللغة على مسمعها. وعندما سألتها بحيرة عن مصدر هذا الحكم المسبق على لغتي الأم التي أعتبرها لغة شاعرية وجميلة، أجابت بأنه ليس تحيزاً مسبقاً بل تعبير عن واقع.

أعلم اني لست مثالية، وغالباً ما أتعجل في رد الفعل تجاه الحالات المزعجة. لذا أعلم أن مخاوفي من سلوكها نحوي أخرجت لساني السليط أكثر من مرة، لكن ذلك لم يحصل إلا بعد نفاد صبر بالغ. لذا كيف للاهتمام والحنان والعلاقة الصحية للطرفين أن تستمر حين يتكلم أو يتصرف أحدهما بطريقة أعتبرها جارحة؟ كيف أحمي مشاعري وروحي من الجرح، وفي الوقت عيني أفي بأخلاقياتي وألبي رغباتي بإقامة صداقات كويرية لطيفة ومنفتحة؟ دون أن أخسر شعوري بذاتي؟ ومع محاولة فهم أننا جميعاً نظهر المودة بطرق مختلفة، وأن علينا ربما أن نبدي المزيد من الحذر في تعاملنا مع بعضنا البعض؟

انفصلت عن صديقتي اليوم، وخذلني الصبر والاهتمام الرؤوف في بناء صداقة كويرية.

ملحوظات: