ترابط الأذرع، ترابط الألسن – كيف نحتجّ وسط حالة التشرذم العالمية؟

السيرة: 

طالبة دراسات عليا في الفلسفة في جامعة ، بلجيكا. حائزة على درجة الماجستير في البحث في الفلسفة القارية. درست النظرية الإجتماعية الديكولونيالية والأنثروبولوجيا في جامعة أوتريخت، كما حصلت على درجة الماجستير في الفلسفة القارية،. أركز على تقاطع نظرية الإعلام / فلسفة التكنولوجيا ودراسات الذاكرة والصدمات العابرة للأجيال من منظور ديكلونيالي ونسوي.اعتمدت في دراستها لتلك الموضوعات المقاربة التكنولوجية و سياق العيش في ثقافة رقمية. ألينا أيضاً ناشطة ضد الحدود ومؤيدة لحق اللجوء، تعمل ضد سياسات الاتحاد الأوروبي في إنشاء المخيمات والممارسات البيروقراطية التعجيزية. تتنقل ألينا بين لبنان وبلجيكا وبلدها الأم ألمانيا، لكنها مقيمة حاليا في بيروت.

اقتباس: 
ألينا آخنباخ. "ترابط الأذرع، ترابط الألسن – كيف نحتجّ وسط حالة التشرذم العالمية؟". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 1 (24 يناير 2022): ص. 19-30. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 29 مايو 2023). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/334.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (682.51 كيلوبايت)
ترجمة: 

مترجم يساريّ ثوري منذ سنوات طوال واستاذ في اللغة العربية، يعمل لأجل الطبقة العاملة التي ينتمي عن وعي وإصرار إلى صفوفها.

transgressive_translations_6

سهير عاطف

"في لغتي، يسمى/يدعى/يعني اللسان (Sprache). لا يوجد عظام في اللسان، وأينما تديره يستدير".
أمينة سيفغي أوزدامار (1990)1

 

ترابط الأذرع، ترابط الألسن – كيف نحتجّ وسط حالة التشرذم العالمية؟

هذا هو السؤال الذي قدّمتُه إلى دائرة الكتابة: العصبة المتآمرة في مجلة "كحل"، في وقت سابق من هذه السنة [في مجلّد 7، عدد 1 (صيف 2021) الأرشيف المُضادّ]. وهو كذلك سؤالٌ لي، لأنّ أنفاسي ضاقت وأنا بحاجة ماسة للتعبير عمّا يحصل، وما هو الخطأ الذي يجري حولنا. كانت الغيمة السوداء الرابضة فوق بيروت ما زالت تهبط على الأرض ببطء، وقد أثقلت ألسنتنا حتى الآن، في بداية ربيع العام 2021. في الواقع كان "الصمت قد أغلقنا"، in Schweigen gehüllt، وبشكل ما، كان رفض الحديث مريحاً كذلك. محشورون/ات وسط استقطابات ذلك الرفض – في الواقع إنه تعبير نشط وفعّال وتقريباً مواجِه للإرهاق – وبين أننا مسكونون بشظايا الهبّات والاحتجاجات الشعبية التي هزت العالم، بالإضافة إلى الممارسات المقاوِمة التي تجاوزت القضايا والدول واللغات، دخلتُ إلى دائرة الكتابة متسائلة عن ألسنتنا: في حركتها، وجمودها، وتحرّكها. أصبح سؤالي على الشكل التالي: كيف يمكننا التعلّم من ألسنتنا طرقها/ طرقنا في المقاومة؟

--- ذاكرة الحركة: ذلك الاعتصام الاحتجاجي في طرابلس، قبل
حوالي عام تقريباً، حيث حاولت لفّ لساني حول تلك الكلمات، إلى
جانب مئات الكلمات الأخرى، الكلمات التي رسمت الآمال والإحباطات
الخالقة لفكرة التغيير عند جيل بأكمله: الشعب يريد إسقاط النظام!
هل يمكنني المشاركة في هذا العرض الراقص؟ مئات الألسن
المنسجمة، مئات الألسن المترابطة في تلك اللحظة – المرتبطة كذلك
بكل أولئك الذي تكلّموا وكتبوا هذه الكلمات من قبل وفي أماكن
أخرى، وسيفعلون ذلك مجدداً ---

اللسان هو رابط، تقاطع حيث قواعد التواصل والانسحاب والتلقي والعبور والعطاء والفتح والإغلاق: عبره نتحدّث ونختبر ونتذوّق ونغنّي ونحتفل ونقبّل ونحبّ ونلفظ. أكثر من أي عضو حسّي آخر، يتضمن اللسان التعددية؛ كموقع للمس، والذوق والصوت كما يقع في مكان خطير في الجسم: فتحة هشّة وحسّية، مكان التنفّس والابتلاع، وفي الوقت عينه لإصدار الصوت والبكاء والخطابة والتسليح. هنا، يتلاقى الداخل والخارج مع بعضهما البعض، كما يتلاقى العالمان الاجتماعي والداخلي. يمكن أن أعيد صياغة سؤالي التوجيهي على الشكل التالي: كيف يرتبط اللسان بالأجساد الأخرى، وكيف يكون اللسان علائقياً؟ في تأملاتها حول اللمس، جمعت أورتانس ج. سبيلرز (2018) الازدواجية الصعبة في العلاقة الحميمة بين الأجسام المتلامسة:

يمكن اعتبار مسألة اللمس، التي يجب أن تكون مباشرة دون وساطة أو تدخل، العنصر الجوهري لغياب الملكية الذاتية. إنها تحدد في وقت واحد أكثر المظاهر الشخصية والأنطولوجية رعباً لأنظمة الاستعباد عبر العصور؛ مع ذلك، إن اللمس، بحسب النقاد في القرن العشرين، خاصة الشاعرة أودري لورد، يرتبط بالعالم الأيروتيكي. [أريد] محاولة الولوج في هذا التناقض باعتباره استدلالاً لإرث مضطرب، ربما يكون مضطرباً إلى درجة يجعل أحد أشكال اللمس غير معزول عن الآخر، ولكنه يطارده ويحطمه، باعتباره توأمه المحتمل.

حصول العنف والانتهاك وشيك خلال اللقاء التلامسي، مع ذلك، إن هذا الوشوك الذي يعمل كخلفية لصفات اللمس "الرعاية، العناية، الإثارة والتعافي" (سبيلرز 2018) – والعكس صحيح. يخضع اللسان لذات القواعد كما تراها ترين تي مين ها في مكان آخر:

يجب قطع اللسان المزيّف وتعديله. مرحَلَتُه بانتقائية. إعادته تكتيكياً. إظهاره بصوت مرتفع، المنقطع دوماً بالتنفس. مكان للحبّ، والدمع والصمت. صوت يثير الاغتصاب، لا يمكن لمسه، يثير الرغبات الجنسية. هل يكذب؟ لا، فالهوية واللاهوية تتلاقى في السؤال المطروح؛ تتفاعلان ضمن ذات مساحة الصوت. (2011، ص. 11؛ التشديد من الكاتبة)

تشير ترين إلى تزامن الهوية واللاهوية إلى تحديد موقع اللسان كنوع إضافي من الانفتاح: الذات على الآخر، والذات على الآخر-الداخل، اللسان علاقة، وبكونه كذلك، يمكن أن يخضع للرقابة وحتى التشويه. اللسان بكونه رابطاً اجتماعياً، كما إنّ "نزع اللسان يشير إلى إزالة مجازية للّغة من الذات، هو نوع من نفي لضحية التعذيب ورقابة على مجتمع الكلام المفضّل لديه/ا" (أريندوندو 2007، ص. 61).2

في ما يلي، أريد تتبع علاقات اللسان وربطه مع (ضمن) قواعد مختلفة وبنى قوة، بدءاً من التجاهل المنطقي للجسد واللسان بشكل خاص في الفلسفة الغربية. تثير الألسن المقيّدة والمدجّنة والمجندرة، في أغلب الأوقات، تاريخاً عنيفاً يمكنني أن ألمّح إليه في هذا النص، متذكرة أن تسميتها مستحيلة ولكنها ضرورية، لأنها تُشكّل الأرشي الجسدي والحسّي الذي يكسر التمركز الكلامي. في الجزء الثاني، أعود إلى دائرة الكتابة: "العصبةُ المتآمرة"، متخيّلة أنها بيان ضد التمركز الكلامي، وبالفعل رقصة الألسن. أريد أن أعكس كيفية ارتباط هذا الفعل بممارسات المقاومة، الذي يمكن أن يظهر كنوع من المشاركة/ التنظيم كذلك الرفض/ الغموض بحسب غليسان.

 

1. اللسان الذي لا يتكلّم، اللسان الذي لا يلمس

في مقابلة سيّئة السمعة مع راوول مورتلي، أشار الفيلسوف الصهيوني إيمانويل ليفيناس إلى "القدس وأثينا" كمرادفين يدلّان على الدين والفلسفة على التوالي، كأدلة جوهرية للإنسانية: "غالباً ما أقول، رغم خطورة قوله علناً، إن البشرية تتكوّن من الكتاب المقدّس واليونانيين. كلّ ما تبقّى يمكن ترجمته: كلّ ما تبقّى – كل ما هو غريب – هو رقص" (كما ورد في زلوعة 2017، ص. 144، التشديد من الكاتبة). الانطباع الأول، يبدو غريباً أن ليفيناس، باعتباره فيلسوف المفهوم الراديكالي، وحتى الما-قبل-أنطولوجي المتضمّن الذات مع الآخر، يمكنه أن يذكر إمكانية راديكالية مماثلة لأي تعبير ثقافي أو اجتماعي حتى يكون قابلاً للترجمة، أن يكون الفارق بينهما من دون أساس بحيث يساوي بين الإنجيل واليونانيين، حيث يسمّي ذلك في مكان آخر: "المسألة الجادّة الوحيدة في تاريخ البشرية". ويضيف بعد ذلك: "لا يوجد عنصرية مقصودة" (المرجع نفسه، ص. 136) وكأنه يقول إنها ليست مسألة ذات قيمة، أو ذات أهمية أو الحق بوجود هذه "الرقصة"، بغض النظر عن اختزاليتها إلى حقل أكثر أصالة وتأسيسية في القدس وأثينا. في لهجته التي تظهر صريحة على نحو خاص، تبدو ملاحظة ليفيناس غريبة بما يكفي لتلخيص القواعد الفلسفية الغربية كما يتم تدريسها ونشرها اليوم على نطاق واسع، بحيث يعيد إحياء قصة أورومركزية مترافقة مع سلسلة من أنواع التعبيرات الثقافية "الغريبة" – أي الأجنبية والخارجية، التي تعوم بلا قيود زمنية ومكانية.3 خياره لـ"الرقص" بشكل خاص كتعارض مفاهيمي مع المحاولات اليونانية الفلسفية واليهودية المسيحية اللاهوتية "الجادّة"، مذهل، لأن ذلك يلخّص فلسفة إنكار الجسد، كمكان للمعارف، ولإقرارها، وكذلك كمكان لأرشفتها. الرقص، هنا، ليس رقصاً بالتحديد، أي أنه مصطلح جامد يظلل أي أثر للحركات الفعلية، للقاء الجسديّ، والإيقاع أو التزامن أو النشوة الشديدة. والعكس بالعكس، إن الخطاب واللغة والكلمات هي التي تكون عِدَّة الفلاسفة. إذا ربطنا نفي إيمانويل ليفيناس بالتفكير المجسّد خارج التفكير "الجاد" باللسان، يصبح منطقاً داخلياً-خارجياً مشابهاً واضحاً: في وقت غالباً ما تستحضر اللغة كعلامة تأسيسية للإنسانية، إن اللسان نفسه لا ينتمي إلى هذا العالم الكوني. بالتالي، لا يوجد مكان لعمل/ صياغة الكلمات في الفم ضمن سمات التمركز الكلامي للمعنى. رمزياً، ضمن العديد من اللغات الأوروبية، الاستعارة المستمرة للسان (اللغة الأمّ، الألسن المنقسمة، والألسن الحادة…) أدّت إلى نظام خاص، أنثوي، أدنى ومتعارض تماماً مع نظام اليد المذكّر، المكتوب والموجه والُمحَضِّر. اللسان هو قطعة لحم يجب السيطرة عليه – وضع اللجام عليه، هو ليس مجرّدَ مثلٍ إنما له خلفية مكوّنة من تاريخ ملموس من التعذيب والعقاب والرقابة.

العنف الجسدي ضد اللسان – خاصة ألسن النساء – هو أمر معروف وشائع بعض الشيء، ليس بسبب المعنى الرمزي للسان المشوّه المستحوذ على صوت المرأة، من خلال تخريسها لأنها تجاوزت الحدود الاجتماعية: مع لسان مشوّه أو مجمّد وبالتالي "مدجّن"، لم يعد بإمكانها التعبير عن اللغة، وبالتالي تصبح مستبعدة من الفضاء الذكوري المتمركز كلامياً للوجود الاجتماعي الفعلي/ المرئي/ التعبيري. في الوقت عينه، كان الجهاز السيّء السمعة على نحو خاص المسمّى "لجام التوبيخ" (Scold’s Bridle) – جهاز تعذيب من القرن السابع عشر استُعمل بداية في إنكلترا واسكتلندا، ويتكوّن من غطاء للرأس مزوّد بكمامة فولاذية تضغط على اللسان وتمنعه من الحركة وتسبّب له الجروح في حال حاول التحدّث بسبب المسامير وسطح الكمّامة الخشن، في بعض الأوقات كان يربط اللجام بحبل بهدف جرّ الضحية في الشوارع – اللجام صُمِّم بهدف الإذلال العلني. صُمِّم اللجام خاصة للنساء اللواتي لم يستطعن احتواء ما سمته ليندا إي بووز (1991) "عضو المرأة الصعب المراس" – النساء الثرثارات والمتَّهِمات، والصاخبات والهامشيات. كما كتبت ليندسي لانزيسيرو: "غالباً ما كان الإفراط في استعمال اللسان مرتبطاً بالسوائل والوظائف الجسدية المفرطة […] أصبح الكلام سهلاً قياساً للإفراط بالحيض والتبوّل والرغبة الجنسية" (2006، ص. 8). إن العار والأذى الحاصل من هذا الشكل المعيّن من العقاب يقللان من الكلمات النسائية المحكية المتجاوزة إلى وظيفة جسدية، وأخرى معيبة من ذلك. يصبح قمع رقصة اللسان وإغراقه بالصمت والعجز بذلك من أعراض نظام التمركز الكلامي نفسه، حيث تقسم الكلمات إلى أفعال وكلمات صحيحة وأخرى غير لائقة وغير قابلة للاستحواذ حتى لا تشكّل أساساً لغوياً على الإطلاق.

أدّت الطبيعة العلنية لـ "لجام التوبيخ" إلى بعض الروايات المثيرة لشهود عيان والرسوم التي حوّلت اللجام إلى مشهد وعنصر مشهورَين بشكل نسبي (على الرغم من عدم شرعية التقنية، الأمر الذي يعني عدم وجود أثر لها في الوثائق الرسمية لذلك الوقت). في الوقت عينه، لا يمكن فصل التاريخ عن تصدير التقنية إلى القارة الأميركية – ألمح طوني موريسون إلى استخدام تقنية التعذيب هذه في رواية المحبوبة (Beloved). كان الإفراط في "تدجين" المستعبدين تشدداً في استخدام العقاب بغض النظر عن الجندر،4 وهو واحد ممّا تسميها سبيلرز "الجرائم الجسيمة ضد الجسد"، حيث وثّق حصول الجراح عند الرجال والنساء الأفارقة (1987، ص. 67). على العكس من ذلك، ضمن سياق الاستعباد كوظيفة للإسكات ورفض إنسانية المستعبدين، باعتبار اللسان بمثابة جسد، يصبح الموقف المتناقض للسان جليّاً أكثر. فكما كتبت زكية إيمان جاكسون (2020، ص. 189):

ضمن سياق غربيّ، تؤدي الأفواه والألسن نوعاً من الكلام المزدوج لناحية المعنى. من جهة، تزوّد الكلام، الذي يفهم أنه يقدّم دليلاً لا يقبل النقاش عن لغة السُلطة المُبَرّرة، هو إنجاز يوفر دليلاً على الهرمية "الطبيعية" بين الأجناس والأعراق (أو الأعراق كأصناف) حيث يسعى الكلام "اللائق" إلى كفالة السيادة والسلطة المبررة على "الطبيعة". من جهة أخرى، الأفواه هي أيضاً أشكال غير مستقرّة من المسامات والهشاشة والمتعة والتلوث التي تستحضر أشباحاً مُعَنْصَرة ومُجَنْدَرة مع مراعاة للجنسانية – "الوضع الأنثوي"، موضع الرحم الشهواني والمفترس – كما كتب سيغموند فرويد بشكل سيء: "القارة المظلمة للجنسانية النسائية".

سأبقى مع فرويد لبرهة من الوقت، أريد إثارة موضوع قمع مختلف للّسان الأنثوي على الرغم من اللغة ومن النطق. عند نشوء "العلم" بما خص "الهيستيريا" (تماماً كالعديد من مشاريع أبحاث أمراض النساء اللاحقة) كان الخضوع لتجارب علمية مصيبة للنساء المهمشات؛ على سبيل المثال ما حصل مع العديد من عاملات الجنس في باريس، اللواتي عرضن وشُخِّصت أمراضهن في غرف الأطباء مثل مستشفى دو لا سالبيترير (Hôpital de la Salpêtrière)، حيث تعلّم فرويد منذ عام 1885 كطالب عند طبيب الأعصاب جان-مارتين شاركو، الذي أسس أيضاً وترأس أول قسم لطب الأعصاب في أوروبا. وكما تخبرنا جوديث هيرمان في كتاب "التروما والتعافي"، إن مواضيع تجارب قسم الأعصاب كانت تتضمن "المتسوّلين والعاهرات والمجانين" (1997، ص. 10) في باريس، وكان ذلك أداة العرض الحيّ للعديد من محاضراته، كما يمكننا أن نقرأ التالي:

سرد حرفي لإحدى المحاضرات التي كانت تجرى أيام الثلاثاء هنا شابّة منوَّمة مغناطيسياً استُخدمت لإثبات تعرّضها لهيستيريا تشنّجية:

شاركو: دعونا نضغط مرة جديدة على النقطة المسبِّبة للهسترة. (يلمس أحد المتدربين المريضة عند منطقة المبيض). سنعيد الكرة من جديد. في بعض الأحيان، يعضّ الخاضعون/ات للتجارب ألسنتَهم/ن، لكن ذلك قليل الحصول. أنظروا إلى الظهر المقوس، الموصوف بدقة في الكتب الجامعية.

المريضة: يا أمي، أنا خائفة.

شاركو: لاحظوا الفوران العاطفي. إذا تركنا الأمور تجري من دون انقطاع، سنصل قريباً إلى سلوك الصرع… (تصرخ المريضة من جديد: "آه! يا أمي")

شاركو: من جديد، لاحظوا هذه الصرخات، يمكنكم قول إنه صراخ شديد من أجل لا شيء. (ص. 11)5

إن تعبيرات الشابّة هنا تُصنَّف مجرّد "فوران" و"ضجة" ويعمل بها خلال استخدامها كمؤشر تشخيصي – اللسان، هنا، لا يحتاج حتى إلى التقييد بهدف إخضاعه للرقابة، وكمية الصوت هي ضجة حيوانية تتطلب تفسيراً وتشخيصاً خارجياً – وحتى ترجمة – حتى يكون لها معنى بالنسبة للأطباء وطلابهم. في ذات الوقت، يحصل انعكاس معروف هنا؛ لأن صرخات عاملات الجنس يجعل من الممكن أيضاً التشخيص عبر الأذن للمستمع لنوع آخر من المرضى. من خلال الإنصات (أحياناً أكثر وأخرى أقل سلطوية، حتى نكون متأكدين) للنساء من الطبقات العليا والبرجوازية في أوروبا، واجه فرويد فعلياً مأزقاً بنيوياً مع النساء؛ وهي الاعتداء الجنسي على نطاق واسع وسفاح القربى المنتشر ضمن عائلات أغلب مرضاه.6 كان فرويد على التوالي غير قادر على الاعتراف كما يجب بحصول حقيقي لمثل هذا المستوى من أنواع العنف الجنسي المتجذر بعمق، الأمر الذي منح مريضاته الثريّات درجة محدودة من الاعتراف. يسمح لنا النظر بشكل تقاطعي إلى تواريخ العنف، رؤية كيف أن الدلالات المتمركزة كلامياً تدعم المفهمة الغربية للذات بلورة المفاهيم الغربية للذات والسياسي والعام وما هو سياسي وعام إلخ، تتطلّب دوماً تجاوراً "لما يعتبر فكراً" وما هو "مجرد رقص" – العمل الجنسي هو بكاء حيواني مقابل خطاب الطبيب التحليلي، وعلى التوالي أيضاً انعكاسات المرأة البرجوازية على كنبة المحلل، التي تواجه بطريقتها الخاصة حدود الاعتراف – كل هذه القواعد تعمل على مستوى صوتي/ كلامي، أي محاولة التمييز بين اللغة البشرية ومجرد تفوّهاتٍ:

أساس البناء هو الحرف، "صوت لا يتجزّأ (…) يمكن به تشكيل صوت واضح. تنطق الحيوانات أصواتاً لا تتجزّأ ولكن لا شيء يجب أن أسمّيه حرفاً" (فن الشعر، 1456b22). [في مناقشته لهذه الجملة، لاحظ دريدا] أنه لا يوجد ما يميّز الصوت غير القابل للتجزئة للحيوان والإنسان إلى جانب الغائية الاستيعادية لقدرة الإنسان على الكلام والفكر. (كما ورد في هورديك 2017)7

إن إنزال اللسان إلى عالم غريب مؤنث وحيواني من الضجّة يحصل بنفس الطريقة الاستيعادية – بكونه غير قابل للترجمة.

منغمسةً بهذا النوع من التمركز الكلامي، بدأت العديد من الدراسات النظرية السياسية المعاصرة، وخاصة تلك التيارات الليبرالية التي بدأت فقط بالتعاطي مع أسسها ومقدماتها الأوروبية الحديثة، والمناهضة للسود والعنصرية والكارهة للنساء والطبقية، تستثمر كثيراً في التنظير لاحتمالات وحدود الحيوات المتعددة للحياة الاجتماعية والسياسية: الكلام، المشاركة السياسية، مسائل المرئية وفي كثير من الأحيان التحقيقات النقدية في النضال من أجل الاعتراف – هذه كلّها سمات لنظرة إصلاحية للحياة السياسية؛ الحقل الذي كان دوماً حقل النشاط والانكشاف والتمركز الكلامي الذكوري، الذي اتسعت دائرة احتوائه ببطء ولكن بثبات. هذه الآلية المتدرجة من الحرية المزعومة، تتعارض باستمرار مع السجلات المناهضة للاستعمار والنسوية للفعل والتفكير السياسي، الذي ينعتق من الاستبعاد من هذا الحقل – استبعاد إلى جانب الوظيفة الأساسية لإتاحة الحرّية وتكييفها للمشمولين بها. من هذا الموقع يظهر رفض الإدماج أو الاعتراف بهذه التمركزات الكلامية الهرمية المنتشرة، لأنها تتضمن دوماً جانباً استغلالياً ضمنياً. من خلال إثارة هذه الحالات من العنف المجندر المتقاطع ضمن اختلافات غير قابلة للاختزال، يذكّرنا اللسان بإعادة صياغة المشروع النسوي "للتعبير عن الرأي" وليس بمشروع "المرأة المتحدّة"، ولكن تحديداً من خلال تفسير الوصول إلى الصوت بهذه الطريقة الحسّية لرقصة الألسن، باعتبارها رقصة، وأرشيف حسيّ، وممارسة مقاوِمة.

 

2. من الأرشيف الجسدي إلى الترجمات المتجاوزة

اللسان هو أرشيف. اللسان هو ذاكرة، ذاكرة الحركة، وتنسيق متقن. قوة غير نهائية، على ما يظهر، لإحداث حركات دقيقة كضربة الفرشاة، بدقة زمنية، ومحدّدة في الوقت عينه مرحة. نعم اللسان يرقص، يتمرجح دوماً بين النعومة والتوتر والضغط والإطلاق. عندما نتعلّم اللغة المنطوقة، إنه اللسان، من خلال تفاعله مع الشفاه والأسنان والبلعوم وحركة الهواء، هو الذي يحرز ببطء أرشيفاً كاملاً من الحركات البهلوانية (بعض اللغات تتطلب وقتاً أطول للفظها بشكل صحيح من قبل المتحدثين الأطفال المحليين). إن ذاكرة اللسان المتحركة محددة بشكل دائم وهي التي تؤمّن أدنى الفروقات في اللهجة وتكون الرقصات التي تحكي قصصاً أكثر من مجرد نطق الكلمات. يفيض اللسان باللغة، ويصبح أرشيفاً جسدياً علائقياً للإرث والعبور:

ذكريات النساء هي أقدم المكتبات والأرشيف في العالم. تنتقل بطول أناة من الفم إلى الإذن، من جسد إلى آخر، من يد إلى أخرى. في هذه السيرورة لسرد القصص، والحديث والاستماع التي تشير إلى وقائع لا ترتبط بالخيال فقط. يمكن رؤية الكلام وسماعه وشمّه وتذوّقه ولمسه. (تي مين ها 1989، ص. 121)

في البداية طرحت سؤالاً حول علاقاتنا باللسان، وما الذي يجعل من اللسان علاقة. إذا أخذنا مسألة "رقصة الألسن" "جدياً" (كما لم يفعل ليفيناس)، فإنها تثير مسألة الترجمة كعلاقة. في السنوات الأخيرة، مع اكتساب الخطابات المناهضة للاستعمار والأقلوية موطئ قدم داخل الأكاديميا (التي ما تزال تثير مسألة الاستحواذ – أو على الأقل سوء الترجمة – للنظريات فيها وتطبيقاتها)، واجهت في الكثير من الأحيان، في المؤتمرات أو في عناوين الأوراق، بالإضافة إلى المخطوطات، الصيغة (الصياغة): "ما الذي يمكن تعلّمه [أضيفوا/ أضفن اسم مجموعة سكان أصليين/ أو تسمية غير صحيحة/ أو في بعض الأوقات، مجرّد، سكان أصليون/ وإبستيمولوجيات/…] عن [×]؟" في مثل هذه المحاولات، إن الموقف المدعي التواضع والاستجابة والامتنان للمستمع يتحوّل إلى مجرد حفلة تنكرية: "التعلّم من" ليس سوى الصيغة الأنتروبولوجية لـ"التحدث عن"، إذا كان المؤلف الأكاديمي يخطب بنفس الشيء لجمهوره من الكتّاب الأكاديميين – من دون التساؤل عن كيف تعيد الأكاديميا إنتاج الاستعباد المتمركز كلامياً "مواضيع البحث" المهمّشة. عند الأخذ بعين الاعتبار الأرشيف الجسدي، يصبح الأرشيف اللغوي، وتعلّم "التحدث عن قرب" كما تسميه ترين، تحدياً للعلائقية مع الحياد الأكاديمي المزعوم. في كثير من الأوقات، يمكن لهذا التعلم أن يكون كذلك إقراراً للأشياء التي نفعلها كل يوم: الاستعداد للتناغم، وتذوق كلمات وأغنية بعضنا البعض، والتجاوب والبقاء كذلك. تكتب يوكو تاوادا عن التلوث الوشيك لمثل هذه العلاقات اللغوية في هذا السرد لتسلسل حلمٍ:

كنت لساناً. غادرت المنزل على هذا الشكل، عارية، زهرية اللون، ورطبة بشكل غير معقول. كان أمراً سهلاً جذَبَ الناس في الشارع، لكن لم يُرِد أي شخص لمسي. خلف نوافذ المحلات انتصبت تماثيل بلاستيكية لنساء من دون أعضاء جنسية. شُطبت الأسعار عن البطاقات بحبر أحمر اللون. كان المواطنون حذرين يلمسون فقط الألسن الملفوفة بالبلاستيك (2002، ص. 9-10)

هنا إنه الحذر والعقم والبلاستيكية اللاجندرية من يمنع التلوث والمواجهة الخطيرة مع اللسان. اللسان يحتوي ويلوث: رطوبة قبلة اللسان، واللعق اللزج – اللسان يلتقي بلسان، يلتقي اللسان بالجلد، ويمر عبره شيء. كموقع للحب الكويري، يجول اللسان ضمن فضاء إيروتيكي من الأحاسيس (ولا يكتفي بـ"الاستكشاف"!) والحركات.

--- ذاكرة الحركة: لعبة الثانوية تلك  حيث يستثير
التودد الإحساس بالدغدغة. تنطوي اللعبة على تبادل
 مكعبات الثلج من فم إلى آخر، ومن لسان إلى آخر،
 حتى تذوب – الشعور المؤلم بتلويث شخص آخر؛ إن
 استمتاعي غير المعترف به هو الذي يشوّه المتعة،
 ويلوّث القبلة، ويخلق الفحش – والأخير، كما أعلم
 اليوم، بيني وبين نفسي، ليس قادراً على تأكيد
 كويرية اللذة، وبذلك، إلى نفسي ---

أريد استرجاع هذا الخطر/ الانفتاح مرة جديدة حتى أعيد النظر في ذاكرتي الحركية من طرابلس في بداية عام 2020. الرقص الجماعي لإعادة ترداد الجملة وتاريخها هي ممارسة مقاوِمة، والتي، بالنسبة للمشاركين بتردادها، تلعب كذلك دوراً في رغبتها الخاصة بـ "الهتاف بانسجام" والتحكّم باللسان مع الآخرين، وهو تحكّم جماعي تربطه الثقة والاعتماد المتبادلين بين مجموعة من الراقصين. مع ذلك، يبقى السؤال حول من يفترض هذا الانسجام مفتوحاً بالنسبة لي: فموقعي كان في تلك اللحظة مختلفاً تماماً عن معظم الأشخاص في الساحة تلك الليلة، بسبب نوع جواز السفر الذي أحمله في جيبي. مأخوذة برغبة شخصية للتضامن والمشاركة – في حين يمثل اللسان تقنيات المقاومة المشتركة كما غرائبيتي الجزئية – في محاولة لترابط الأذرع، وترابط الألسن، إذاً، ليست سوى البداية، اللمسة الأولى، والتي ستتكرر، يعاد تسميتها، وترجمتها وإعادة شرحها، وغير الخالية من المخاطر ومن العنف.

كما حاولنا في "دائرة الكتابة: العصبة المتآمرة" تحقيق ترابط الأذرع والألسن. الألسن التي تنمو في أنواع مختلفة من التربة، والألسن التي انتزعت من جذورها، والألسن المزروعة في أماكن مختلفة – تعلمنا جميعاً ما يعني الاعتناء بالألسن، وأن ننمّيها إلى أشكال جديدة، ونشجعها على الرقص من جديد. ضحكنا عدة مرات حول حقيقة أن تواصلنا كان باللغة الانكليزية، وهي ليست اللغة الأولى لأغلب المتحدثين/ات في لقاءاتنا الالكترونية، إنما لغة عقدت الأربطة في الألسن، وهي لغة فُرضت علينا لتصميم الرقصات. ما يسمّى لهجة هو رفض لتلك الأربطة، بلغتي الألمانية، التي قد تكون قوية للغاية، نسميها Zungenschlag – نغمة لسان، تتحرر من التوقعات الصارمة بشدة حول كيفية الرقص بشكل صحيح. إنكليزية بعدة لغات، إنكليزية عدة ألسن. إن وجود لغة عمل مشتركة، والتي هي لغة مهيمنة ومفروضة من فوق، هي في الوقت نفسه دلالة على مخاطر محو الذاكرة اللسانية الأرشيفية المتعددة كذلك شرط إمكانية إعادة بناء العالم وإعادة خلق الروابط مع بعضنا البعض. أيضاً، خلال التفكير في مسألة هيمنة التحدّث باللغة الإنكليزية الأميركية النموذجية، يؤكد ساشي سيكيموتو وكريستوفر براون على "ظواهرية اللسان المعنصَر" باعتباره "شيئاً شاقاً جسدياً بما خص "التعبير" و"القدرة على الفهم" في التواصل مع الغير" (2016، ص. 104). في الدائرة، حاولنا تغيير هذا الأمر، وجعل اللغة الانكليزية موضوعاً لطُرُق الحديث والقراءة، كما هو الأمر في الجهد الذي بذلته الكاتبة المولودة في تركيا، أمينة سيفغي أوزدامار، التي افتتحتُ هذه الورقة باقتباس من كتابها. تصبح الترجمة باعتبارها خلق عوالم جديدة للتعبير، مهمة ضرورية في ظل واقع يطلب منك في كثير من الأحيان الترجمة للآخرين. كما كتب/ت واحد/ة من المتآمرين/ات (والغريب أنني لا أعرف من! بكل الأحوال المرجع ما زال موجوداً…) (2021):

حين نجد أنفسنا في مساحات حيث يُنظر إلينا دائمًا على أننا مرتبطون بالأذن المهيمنة التي لا تنصت، وحين نجد أنفسنا في وضع حيث يتمّ التعامل معنا بطرق لا نوافق عليها، أو يتمّ وضعنا في موقع الـ"آخر"، أو حين نضطرّ لتحمّل وزر عمل "الترجمة" (ترجمة العوالم والمعاني والمفاهيم ودائمًا فيما يتواءم وتطلّعات "المركز" ذي الصلة)، علينا تجسيد الرفض في مجالات متعددة: رفض معرفي ورفض سياسي ورفض سلوكي. علينا أن نتبنّى هذا الانزعاج ونترك للشعور أن ينتشر.

الترجمة أو عدمها، يمكن للعمليتين أن تساعدا على التمكين والمقاومة – دعونا نتذكر ممارسات ترك الكلمات دون ترجمة – ترك العمل حتى ت/يتولى القارئ/ة المهمة في أعمال ماريا لوغونيز أو غلوريا أنزالدوا…

--- ذاكرة من دون حركة: مجموعة من الأطفال
 يشكلون دائرة، يركضون حولي، يلهون ضمن دائرة
 مغلقة، تندلع ألسنتهم الحادة، يخرجون ألسنتهم،
 ويكشفونها. عندما كنت طفلة، تخيلت اللسان
 ضمن الجزء الأكثر حماية من الجسم، مغلقاً
 بإحكام في تابوت من الأسنان، وهيكل عظمي،
 محتوى عليه ومبطّن – هنا أستطيع الانسحاب ---

يمكن للسان أن يقطع بحدة – من خلال إنكار العلاقة التي تمكّن اللسان من الكلام. يمكن له المهاجمة، كذلك، خرق الحدود، عبر الدندنة، والثرثرة. كما يعتبر التلوث باللسان خطراً. إلى جانب محاولة التواصل، يصبح الحفاظ على الحدود مسألة حاسمة بذات المستوى، لذلك إن الانسحاب والرفض يبقيان مساري عمل حيويين بمقدار ما هما استعادة للكلمة.

نستعمل العديد من اللغات للتحدّث بشكل متزامن عبر الميكرفون في حين تتدفق الدردشة بالأفكار والإلهامات. بذلك، أصبح لقاء الدائرة نقطة التقاء للترجمة من أماكن، ومناطق زمنية، وألسن متعددة. التكنولوجيا التي نستعملها، والمساحة الرقمية التي نعيش فيها – في الدرجة الأولى غوغل دوكس ويوبادس، حيث نكتب، ونعلّق، ونترجم بشكل مباشر، ونقرأ لبعضنا البعض، ونقرأ بصوت مرتفع تواصلنا الذي بات "تمثيلاً" حيّاً – من جديد، كما هي اللغة الإنكليزية، نعمل وفقاً لقواعدها المهيمنة. علينا أن نذكّر أنفسنا دوماً أن الأجهزة التكنولوجية التي نستعملها تفرض قيوداً محددة – لحماية المعلومات، وإخفاء الهوية… رغم ذلك، هذه المساحات بالتحديد، حيث ينبغي كسر الأشكال وتجاوزها، حيث ينبغي تكوير الاتصال: عبر تعاون متعدد المستويات، ومتزامن وفوضوي، حيث تُخلق الأفكار، وتترجم، في بعض الأحيان تبقى غير مكتملة أو منسية، وفي بعض الأوقات تتكرر ويعاد تحريرها المرة تلو الأخرى. تطرح دائرة الكتابة الافتراضية السؤال حول إذا ما يمكن تحويل ترجمة المقاومة إلى عالم رقمي، وماذا تفعل هذه الترجمة بأجسادنا وأصواتنا وألسنتنا المشتركة في ذات الوقت بمواقع مادية مختلفة للمقاومة. قد تستمر لغتنا المتعددة والفوضوية على مستوى من الطفو، رغم أن هذا بالضبط ما يكون ضرورياً لبناء قوة تعاون عابرة للقوميات مترجمة ومتجاوزة.

بذلك، في ظل الاحتجاج المفتت، كان تصورنا "لحالة الطوارئ الكونية" متوقعاً فعلياً قبل وصول جائحة الكوفيد-19 خلال الاحتجاجات العابرة للقوميات في نهاية العام 2019. من خلال استكشاف تنوّع الألسن، وكذلك التقييد والإضعاف، نحن بحاجة إلى إظهار منظور نسوي مناهض للاستعمار، ومنظار للشفوية لا يعالج سؤال التحكّم بالقول اللساني وإنما مسألة سمة اللاتحكم المقرونة بهذا الفعل، والإصرار على أن "اللسان والكلام واللغة ليسوا ملكاً لنا" (شارب 2011، ص. 44). إن الاعتراف بعدم القدرة على التحكّم، يعني الاعتراف بالذكريات العديدة التي لا يمكن السيطرة عليها وتأثيرات العالم الآتي للمصادر الموجودة في الداخل والخارج، والتي تشكل مصدر قوة مقاوِمة:

عندها فقط يمكن الكلام، وجهاً لوجه ومن جسد لآخر، أن يولد الظروف العاطفية لامتلاك الذات الجماعية المؤهِّلة والهشة. ما يعنيه هذا الأمر هو التفكير خارج سياسة الحقوق والتمثيل والانتقال نحو فن تجريبي من التركيب والتعاون (المرجع نفسه).

بدافع من الرغبة برقصة الألسن المشتركة، وهي رغبة لا تتحقق ولكن في حركتها ورقصتها وترجمتها، يصبح هناك عوالم جديدة في طريقها إلى الوجود. دعونا نتواصل، وندندن ونلعن ونفرح ونبكي معاً، فألسنتنا مترابطة ولكن لا يمكن اختزالها.

 

  • 1. الترجمة للكاتبة. اللسان كلمة من جندر أنثوي بالألمانية.
  • 2. أرغب في إضافة محتوى تحذير إلى هذا المرجع ، حيث أنه يحتوي على رسم انطباعي – وإن كان خياليا – لوصف التعذيب.
  • 3. فلسفة ليفيناس عن وجه الآخر، من ثم إن التشابه يقتصر في إنكار الوجه الآخر الفلسطيني، كما أوضح زاهي زلوعة في الفصل الأول من الفلسفة القارية والمسألة الفلسطينية.
  • 4. في الواقع كما يظهر هايس وهاندلر (2009)، صورة الشهيدة المستعبدة مستمدة من صور الرجل المستعبد المرتدي قناع الوجه الحديدي الذي ربطت إيسكرافا أناستاسيا به.
  • 5. أود أن أشكر روبين هورديك على لفت نظري إلى هذه الإشارة، التي تلخّص بشكل جيد ما يمكن تصنيفه كلاماً أو "مجرد صوت" أو "صراخ" خلال وضعية معينة.
  • 6. كما تشير جوديث هيرمان، إن فرضية فرويد الأولية بعد أن واجه العديد من العنف الجنسي، أي أن مرضاه عانوا فعلياً من تروما جنسية حقيقية، كان فاضحاً وغير مقبول علمياً لزملائه أنه غيّر مساره واعتبر أن معاناة مرضاه ناجمة من تروما متخيلة.
  • 7. يمكن الإطلاع على ملخص لهذه الأطروحة: روبن هورديك، "عندما تتكلم الحيوانات: كانط، فلسفة التنوير وصمت الحيوانات". مجلة الدراسات الإنسانية-الحيوانية، المجلد 5 (2019).
ملحوظات: 
المراجع: 

Boose, Lynda E. 1991. “Scolding Brides and Bridling Scolds: Taming the Woman's Unruly Member.” Shakespeare Quarterly 42 (2): 179-213. doi:10.2307/2870547.

Britt-Arredondo, Christopher. 2007. “Torture, Tongues, and Treason.” South Central Review 24 (1): 56-72. doi:10.1353/scr.2007.0000.

Hayes, Kelly, and Jerome Handler. 2009. “Escrava Anastácia: The Iconographic History of a Brazilian Popular Saint.” African Diaspora 2 (1): 25-51. doi:10.1163/187254609x430768.

Herman, Judith Lewis. 1997. Trauma and Recovery: The Aftermath of Violence – From Domestic Abuse to Political Terror. New York: Basic Books.

Hordijk, Ruben. 2017. “When Animals Speak: Undoing the Silence of the Animal.” Unpublished MA Thesis, University of Warwick.

Jackson, Zakiyyah Iman. 2020. Becoming Human: Matter and Meaning in an Antiblack World. New York: NYU Press.

Lanzisero, Lindsey. 2006. “Hold Your Tongue: Female Speech and Male Anxieties in Early Modern England.” MA Dissertation, University of Texas at Arlington.

Minh Hà, Trịnh Thị. 1989. Woman, Native, Other: Writing Postcoloniality and Feminism. Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press.

Minh Hà, Trịnh Thị. 2011. Elsewhere, Within Here: Immigration, Refugeeism and The Boundary Event. London: Routledge.

Özdamar, Emine Sevgi. 2013. Mutterzunge. Berlin: Rotbuch Verlag.

Sekimoto, Sachi, and Christopher Brown. 2016. “A Phenomenology of the Racialized Tongue: Embodiment, Language, and The Bodies That Speak.” Departures in Critical Qualitative Research 5 (2): 101-122.

Sharp, Hasana. 2011. Spinoza and the Politics of Renaturalization. Chicago: Chicago University Press.

Spillers, Hortense J. 2018. “To the Bone: Some Speculations on Touch.” Talk Given In Amsterdam At The Rietveld Academie. Video. https://www.youtube.com/watch?v=AvL4wUKIfpo.

Spillers, Hortense J. 1987. “Mama's Baby, Papa's Maybe: An American Grammar Book.” Diacritics 17 (2): 65-81. doi:10.2307/464747.

Tawada, Yoko. 2002. Überseezungen. Tübingen: Konkursbuchverlag.

The Circle’s Conspiracy of Writers. 2021. “The Writing Circle’s Guide to Hijacking Spaces: A Queer Feminist Conspiracy.” Kohl: A Journal for Body and Gender Research 7 (1): 207-214. https://kohljournal.press/guide-hijacking-spaces

Zalloua, Zahi Anbra. 2017. Continental Philosophy and The Palestinian Question: Beyond the Jew and the Greek. London: Bloomsbury Publishing.