ماذا عنّا؟ الأصوات غير المسموعة لثورة لبنان

السيرة: 

غريس خوام هي باحثة دكتوراه ومتخصصة في الصحة العامة وناشطة في مجال الإعاقة. تجري حاليًا دراسات للدكتوراه في الإعاقة والتنمية في جامعة أكسفورد بروكس في المملكة المتحدة. وتطمح إلى تحدّي المفاهيم الخاطئة والشائعة حول الإعاقة الذهنية في لبنان والدفع باتجاه تحوّل في الخطاب يركّز على وكالة ومساهمة الشباب/ الشابّات ذوي/ات الإعاقة الذهنية في المجتمع. غريس هي أيضًا زميلة مشاركة في تدريس التعليم العالي ومحاضرة في جامعة القديس يوسف في بيروت، حيث تُدرّس مادتين للدراسات العليا في برنامج الماجستير في الصحة العامة في المعهد العالي للصحة العامة. حصلت غريس على دكتوراه في الصيدلة ودرجة الماجستير في الصحة العامة من الجامعة الأميركية في بيروت. لديها أيضًا شهادة في الصحة العقلية العالمية من جامعة هارفارد، يختصّ بحثها في ما يتعلّق بالصدمة التي يعيشها اللاجئون/ات. عملت غريس لأكثر من 12 عامًا في المجالات التنموية والإنسانية في لبنان، بشكل أساسي ضمن نطاق المراقبة والتقييم في المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية ومعاهد البحوث.

 
اقتباس: 
غريس خوام. "ماذا عنّا؟ الأصوات غير المسموعة لثورة لبنان". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 6 عدد 2 (23 نوفمبر 2020): ص. 257-266. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 19 أكتوبر 2021). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/256.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (836.24 كيلوبايت)
ترجمة: 

مدير الترجمة في مجلة "كحل". تمارس الترجمة المكتوبة والتعاقبيّة مع تخصص في مجال السياسة والإدارة العامة وموضوعات الهجرة / اللاجئين والعلوم التربوية.

عربية translation unavailable for what_about_us_sevy_marie_eicher.jpg.

بشريط أصفر في شعرها وحقيبة ظهر كبيرة الحجم على كتفيها، نظرت إليّ ولوّحت لي بيدها لتودّعني. ثم ابتعدت بابتسامة مفعمة بالإثارة وهي تصعد درج مدرستها بعد شهور من الحظر الصحّي العام. اعتقد بعض الناس أنها لن تكون قادرة على التعلّم أبدًا، وأنها لن تشعر بالانتماء لمدرسة أبدًا، ولكن ها هي ذا تحمل كتب القراءة ودفاتر الرسم ومسائل الرياضيات فخورةً ببدء عامٍ جديد. ابنتي واحدةٌ من آلاف الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية أو التعليمية في لبنان. نازعت المدرسة التي ترتادها، وهي مؤسسة تعليمية خاصة صغيرة ضمن بيروت الكبرى، للبقاء في وجه الأزمات المتعددة التي شهدتها البلاد خلال العام الماضي: جائحةٌ وأزمةٌ اجتماعيةٌ واقتصادية وطنية وانفجار هائل هزّ العاصمة موديًا بالأرواح ومدمّرًا البُنى التحتية. في ظلّ غياب مطلق للدعم والاعتراف من قبل الجهات الحكومية، تُترك المدرسة، شأنها شأن العديد من مؤسسات التعليم الخاص والتعليم الشامل1 في لبنان،2 بمفردها لخوض معاركها. بينما كنت أشاهد ابنتي تذهب إلى المدرسة، كنت أتشبّث بمظهر الحياة الطبيعية الذي يسوده واقعٌ من الفوضى واللااستقرار الذي نعيشه، بالوقت نفسه كنت أشعر بالعزلة العميقة في معركتي الموحشة ضد مستقبل غامض وغدّار. ماذا يُخبّئ لك لبنان يا صغيرتي؟ ما هي الحقوق التي قد تنالينها؟ ما هي الحماية الاجتماعية التي ستحظين بها؟ ما هي المنابر التي ستُوجِد مكانًا لمشاركتِك؟ إلى أي حدّ سيُعترف بمساهمتكِ في المجتمع؟ من سيدافع عن قيمة وجودك؟

في غياب دولة ترعى الأطفال والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، سيبقى الآباء والمنظمات في لبنان وحدهم في صدارة النضال من أجل تكافؤ الفرص، في التعليم والتوظيف والمشاركة الاجتماعية والإدماج. أُحرز تقدم تاريخي في أجندة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، لكن ليس من قبل الحكومة، بل بفضل جهود وأعمال المجتمعات المحلّية والمجتمع المدني. ومع ذلك، تبقى كافة الإنجازات في المضمار رهن اللااستقرار واللااستدامة، بسبب غياب الإدارة الوطنية وعدم ترسيخ تلك الإنجازات ضمن سياسات وقوانين فعالة ترعاها.

انطلق حراكٌ في لبنان منذ سنة – انتفاضة شعبية أعلت الصوت ضد عجز الحكومة وفسادها، وضد فشل الدولة المستمر عن توفير الحقوق الأساسية لمواطنيها وسكّانها ومجتمعاتها. ولدت الثورة،3 وما زالت موجودة بأشكال وشعارات متنوعة وسط جدل وانتقاد وشكوك حول أهميتها الوجودية. إضافةً إلى شكوك في أجندات خفيّة وتلاعبات وانتقادات لفعاليتها. بينما لا يزال الكثيرون يشككون في الثورة، إلا أن أحدًا لا يستطيع إنكار اللهيب الذي أشعلته في حياة الناس. اضطراب في النظام وزعزعة في الأداء اليومي، مثّلا وميض أمل في أن نظام الحكم الفاسد و"المرن/ المتكيّف" (جيها، 2019) يمكن قلقلته بطريقة أو بأخرى، وأن احترام الحقوق المدنية قد يتحقق يومًا، وأن التغيير قد يرى النور.

 

الثوار/الثائرات الأبطال/البطلات وتمثيل ذوي/ات الإعاقة

في طليعة خطوط المعركة تجد أبطال/ بطلات الثورة. هؤلاء المقاتلون/ات المجهولون/ات المثابرون/ات رغمًا عن عنف قوى الأمن، وشراسة شرطة مكافحة الشغب والذخيرة الحيّة التي تحاول إسكاتهم/ن، إنهم/ن يحملون شعلة حقوق الإنسان رافعين/ات أصواتهم/ن، يصرخون منادين/ات بالحقوق والحريّات المدنيّة التي يستحقّونها على مسامع من خانتهم/ن العزيمة. أما مجتمع ذوي/ات الإعاقة فقد مُثّل بفخر من قبل بعض من أبطاله/ بطلاته كذلك.

يتجوّل العديد من النشطاء/ الناشطات القدماء/ القديمات في مجال الإعاقة في الشوارع مرّة أخرى لإثبات وجودهم/ن والمطالبة بحقوقهم/ن، مثل أعضاء "الاتحاد اللبناني للأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية" وغيرهم. أظهر الناس أيضًا تضامنهم/ن مع زملائهم/ن المتظاهرين/ات من ذوي/ات الإعاقة. يتذكّر الجميع القصة المفعمة بالأمل لشاب من طرابلس رجله مبتورة، كان ينظف الشوارع بعد الاحتجاجات، غُرضت عليه ساق صناعية.

رأينا جميعا فيديو الشاب الذي يعاني من ضعف في السمع وهو يغنّي لأقرانه شعارات الثورة باستخدام لغة الإشارة. نشر الكثيرون صورًا لأنفسهم تضامنًا مع الشابيّن اللذين فقدا بصرهما بسبب العنف غير المبرّر الذي استخدمته شرطة مكافحة الشغب. "الثورة بعيونكن" و"سوف نقاوم"، هذا ما كانوا يقولونه.

 

"الصوت العالي ما بموت، والثورة بوسط بيروت"

يهتف الثوار/الثائرات بلا هوادة "الصوت العالي ما بموت". ماذا عن الأصوات غير المسموعة؟ وماذا عمّن يهمس بأفكاره/ا، ماذا عن الغارقين/ات في الصمت من الذين أُسكتوا وأولئك المنسيين/ات؟ ماذا عن الـ 5000 طفل وشاب الذين يعانون من إعاقة ذهنية أو تعليمية في لبنان؟ كانوا غائبين/ات تقريبًا عن ساحات معركة الثورة، فيما عدا جهود خجولة من بعض المنظمات المحلّية، ومسرحية موسيقية قُدّمت في ساحة الشهداء من قبل مجموعة من الفنانين/ات ذوي/ات الاحتياجات الخاصة (حمادي، 2019). السؤال الذي سأطرحه سؤال بلاغي. نحن لا نتحدث عن مجرد غياب مادي في شوارع الثورة، بل عن غياب للخطاب. بعبارة أخرى، لماذا لم تجد قضيتهم آذانًا صاغية؟ لماذا لم يتم التأكيد عليها بصوت عالٍ، إلى جانب العديد من القضايا الاجتماعية الأخرى التي أثارتها وما زالت تثيرها الثورة بلا كلل؟

 

القضية

لقد اقتربتُ بشكل شخصيّ من النضالات اليومية من أجل الإدماج (inclusion) والمشاركة، التي يخوضها الأشخاص ذوو الإعاقة في لبنان، وذلك لكوني والدة لطفلة صغيرة مرحة جميلة، ومصابة بمتلازمة داون. كما أنني عضوة قيادية في منظمتين تركّزان على الإعاقة في لبنان، وحاليا أعمل على بحث الدكتوراه في مجال دراسات الإعاقة. تنبع المقاربة التي أقدّم فيها مشهدية الوضع القائم من قراءة الحقائق المختلفة والخطابات السياسية، إضافة إلى نضاليَ الشخصيّ.

تظهر التقارير البحثية في لبنان العديد من أوجه عدم المساواة الهيكلية الممارَسة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة. كما تظهر أن الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية، هم بشكل خاص الأكثر تعرّضاً للتمييز والتهميش في قطاعات مثل التعليم والتوظيف (كومباز، 2018). لم يتبنَّ لبنان بعد نموذجًا للتعليم الشامل،4 تاركًا بذلك الأطفال ذوي الصعوبات التعليمية أمام خيارات محدودة في مجال التعليم. يمكنهم إمّا الالتحاق في التعليم العام الذي سيفشل في توفير بيئة مناسبة لاحتياجاتهم التعليمية، وإمّا الالتحاق في عدد قليل من المدارس الخاصة ذات برامج التعليم الشامل أو المتخصص، والتي تستوجب دفع رسوم تمييزية5 باهظة الثمن. يلتحق ما لا يزيد عن 1 ٪ فقط من الأطفال ذوي الإعاقة في لبنان بالتعليم العام (كومباز، 2018) . تقدّم بعض المنظمات غير الحكومية أشكال تعليم غير رسمية أو شبه رسمية لسد هذه الفجوة، ومع ذلك لا تزال الموارد والجودة دون المستوى.

تشير التقديرات إلى أن حوالي 80٪ من الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان لا يعملون و/أو لم يدخلوا سوق العمل قط (كومباز، 2018). تصبح تلك النسبة أعلى بكثير للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية. أخفقت الدولة في تعزيز أماكن العمل الشاملة، التي من المفترض أن تضمن تكافؤ فرص العمل وحماية الأفراد في مكان العمل من التمييز. القانون اللبناني 220/2000 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يُلغي التمييز في عملية التوظيف ضمن مكان العمل ويخصص حصة بنسبة 3٪ لهذه الفئة، كما ويفرض غرامات مالية على عدم الالتزام بأحكام القانون. لكن عملية فرض هذا القانون تنفيذيًا تظل منقوصة بشدّة. تحاول بعض المبادرات غير الحكومية النادرة وذات الطبيعة العضوية، استكشاف نماذج مختلفة للتدريب على المهارات والتوظيف الشامل. المساعي الجديرة بالثناء التي حققتها شركات مثل مقهى "آجونيست" مثلاً، وهو أول مقهى في لبنان يوظف بشكل حصري تقريبًا أشخاصًا يعانون من صعوبات في التعلّم. إلّا أنّ هذا غير كافٍ. نحن بحاجة إلى دفع هذا الأمر إلى أبعد من ذلك، بمعنى أن يصبح التعليم والتوظيف المنصف والشامل للجميع هو القاعدة، عوضًا عن أن يقتصر على ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو مراوغات رمزية.

 

التمييز المُضمَر ضدّ ذوي/ات الإعاقة

يعرّف توماس (2010) التمييز ضدّ ذوي الإعاقة، على أنه "عمليةُ فرض اجتماعية للقيود التي يمكن تجنّبها على الأنشطة الحياتيّة والتطلّعات والرفاهية النفسيّة والعاطفيّة، للأشخاص المصنّفين على أنهم "عاجزون"6 من قبل أشخاص يُعتبرون "أصحّاء"" (ص. 37). أودّ أن أحاجج أن تقاعس الدولة عن العمل الذي بدأ في الماضي ويستمرّ في الحاضر، يشكّل وجهًا من أوجه التمييز المُضمَر ضدّ ذوي الإعاقة. نرى نمط التمييز هذا في نظرة الحكومة7 إلى الإعاقة: القانون 220/2000 هو التشريع الوحيد الموجود حاليًا والذي يتطرّق إلى حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان. ومع ذلك، فإنه يتبنّى نموذجًا طبّيًا نمطيًا لتعريف الإعاقة، وبالتالي لا يلحظ المحدّدات الاجتماعية والبيئية التي تشكّل تجربة الإعاقة، وفي ذلك فشل في النظر إلى الإعاقة من منظور بيئيّ. بالإضافة إلى ذلك فإن صانعي السياسات والسياسيين يستخدمون مقاربة خيريّة عند الكلام عن الإعاقة. "نحن نقوم بالأفعال الخيّرة من أجلكم/ن لأنّنا أناسٌ أخيار"، هذه هي الفكرة التي يلمحون إليها – عوضًا من أن يقرّوا أنّ ذاك حقٌّ واجبٌ عليهم صونه. كما شهدت وسائل الإعلام تمثيلات سلبية للأشخاص ذوي الإعاقة.

القانون 220 كما يُعرض في السياق الحالي، لا يمثّل إلا ما يسمّيه رانويك – كول وجودلي (2015) "حفنة من الوعود" (ص. 168): فرص عمل متساوية وتعليم شامل ورعاية صحية مجانية، على سبيل المثال لا الحصر – والتي تنعكس للأسف فقط بكونها حبرًا على ورق. بين الحين والآخر، يدلي المسؤولون بتصريحات حول دعم احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، من دون أي التزام حكوميّ رسميّ بتنفيذ بنودها أو إصدار قرارات تنفيذية لها. كما لم يصادق لبنان بعد على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تضع إطارًا قانونيًا لضمان تلبية حقوق الإنسان والحريات الأساسية للأشخاص من جميع القدرات.8 قدّمت الروايات السابقة والحالية على نحو مستمر "تفاؤلًا قاسيًا" (بيرلانت، 2011) ، حيث يُدفع الأشخاص ذوي الإعاقة نحو الاعتقاد بأن التغيير سيحدث، فقط ليواجهوا الإحباطات وخيبات الأمل.

 

الإعاقة والأزمة الإجتماعية الإقتصادية

سأقدّم للقراء/القارئات غير المطّلعين/ات على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحالية في لبنان، لمحة سريعة عن الوضع الحالي وتأثيراته على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، إلى جانب بعض السيناريوهات التنبّؤية.

بينما تتشاجر الغربان الفاحشة التي في السلطة وتتقاتل من أجل ما تبقّى من مصالحها في هذا الجسد المحتضر، يستمر اقتصاد البلاد بالتدهور مُقتربًا من الانهيار الكبير. يرتعش الجسد المحتضر في محاولة واهية لإنقاذ الحياة التي فيه، هذا ما تفعله قرابة 100 منظمة عاملة مع الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، والتي تواجه خطر الإغلاق في نهاية كل شهر. تفاقم الوضع بعد انفجار بيروت، حيث تكبّدت بعض المنظمات تكاليف إضافية لإعادة الإعمار والتعافي من آثار الانفجار. تقدّم هذه المنظمات الخدمات لحوالي 12000 شخص من ذوي الإعاقة، تشمل تلك الخدمات الرعاية الصحّية والتعليم والحماية والتوظيف. لقد كانوا يقومون بمهامٍ كان يجب أن تتحمّل الحكومة مسؤولية القيام بها. والآن، لم تعد هذه المنظمات قادرة على مزاولة أعمالها بسبب تقاعس الحكومة عن التزاماتها. وزارة الشؤون الاجتماعية التي تعاقدت مع هذه المنظمات لتقدّم خدمات لذوي/ات الإعاقة، لم تفرج عن الأموال المستحقّة لهم منذ أكثر من عام. وقد أدّى هذا إلى اتخاذ هذه المنظمات إجراءات طارئة للاستمرار في عملها مثل تسريح العمّال والعاملات وتقليص الحجم والإغلاق المتقطع، مما يؤثر في النهاية على المستفيدين/ات. كما اضطرت بعض المراكز إلى الإغلاق.

تؤثر الأزمة السياسية الاقتصادية الحالية التي تفاقمت بسبب الوباء على جميع القطاعات، وجميع الشرائح المجتمعية في لبنان والبلدان المجاورة. الجميع في دائرة الخطر، لكن حجم الأثر يتباين بين المجموعات. يتمّ توزيع تأثيرات الأزمة بشكل متفاوت، وكما هو متوقّع فإن الأفراد الأكثر تهميشًا هم أكثر من يعاني، كما لوحظ في المنظمات التي تركز على الإعاقة. ومع الأزمة الحالية والتدخّل المتوقّع من صندوق النقد الدولي، ماذا سيعني هذا بالنسبة لمجتمع ذوي/ات الإعاقة؟ كيف سيؤثر ذلك على الاحتياجات الأساسية ونوعية الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية؟

بدون الخوض في تحليل اقتصادي معمّق ومناقشة حول الرأسمالية والنيوليبرالية، ستكون الإجابة السريعة واضحة ألا وهي ما يحدث غالبًا عندما يتدخّل صندوق النقد الدولي: التقشّف. لن تؤثر الأزمة المالية وتدابير التقشّف اللاحقة على الأفراد ذوي الإعاقة الذهنية فحسب، بل ستؤثر أيضًا على أسرهم/ن وعلى مقدّمي/ات الرعاية وشبكات الدعم الأخرى التي يعتمدون عليها. إذا كان مقدِّمو/ات الخدمة الوحيدون للأفراد ذوي الإعاقة الذهنية، قد تعرّضوا لتخفيضات كبيرة في دخلهم أو فقدوا وظائفهم/ن أو لم يتمكنوا من الوصول إلى أموالهم/ن في البنك، فلن تتأثر حياتهم سلبًا فحسب، بل ستتأثر أيضًا حياة الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعتمدون على خدماتهم، ما سيزيد من هشاشة العيش لأولئك الذين ما انفكّوا يعيشون حياة محفوفة بالصعوبات.

 

لن يتغيّر شيء ما لم نباشر بعملية التغيير

بتتبّع هذه السيناريوهات المُقلقة، ما الذي بالإمكان فعله للأشخاص ذوي الإعاقة بمن فيهم ذوي/ات الإعاقة الذهنية، لضمان عدم نبذ أو إهمال حقوقهم/ن وكرامتهم/ن بشكل مُتعمّد في خضم فوضى الأزمة الحالية؟ بتلاشي الآمال والوعود كما في أُغنية الراحل كريس كورنيل، أي تغيير علينا أن نسعى وراءه، أي تقدّم مُفاجئ علينا إحداثه، لحماية الإنسانية وإحقاق العدالة للجميع؟

لن يتغيّر شيء ما لم نُباشر بعملية التغيير. أي تغيير اجتماعي رئيسي يعني بحد ذاته تغييرًا في الديناميات وتحوّلًا في النموذج واختلافًا في العمل المُعتاد. دفعةٌ وركلةٌ في النظام، الأمر الذي قد يُشعل تغييرًا آخر، إمّا تباعًا وباضطراد أو عبر الأثر المُتتالي أو من خلال التمدد. إنّي مؤمنةٌ بقوة بالتغييرات الصغيرة، وبسحر البدايات الجديدة وبالدوافع الحركية وبمُشعلي التحوّل. قد يُجادل البعض بأن فرض مثل هذه الأجندة في بيئة عملٍ محدودة مع تزايد نسب البطالة أسبوعيًا، لهو سخيف إن لم يكُن مُنافيًا للعقل. بيد أني أُجادل بالعكس تمامًا، وأعتقد أن الآن أكثر من أي وقت مضى لهو الوقت المُناسب للحديث عن هذه المسألة. أستشهد هنا ببعض الأسباب والاقتراحات لهذا التغيير.

أولًا، أرفض رواية القمع والاضطهاد وأؤمن بالقدرة التقريرية9 للأشخاص ذوي الإعاقة. في الواقع، إنّ معظم أفعال التمييز البنيوية والاستتباعية عبر التاريخ، قد قادت إلى ظهور حركات مقاومة في مجتمع ذوي/ات الإعاقة. تاريخيًا، خاصة في العصر الرومانيّ، اعتُبر الجسد ذو الإعاقة أمرًا طبيعياً. فقط نحو العصور الوسطى، مع التطوّر العلميّ، وتطوّر الطب المُعاصر، وتقديم نماذج طبية وعلمية لشرح الظاهرة، صُنّفت الإعاقة وجُزّئت بكونها شاذّةً عن القاعدة (برادوك وباريش، 2011). ومع هذا التصنيف تصاعدت عملية التمييز معززة بذلك الإحساس بنزعة هوياتية، الأمر الذي كان حينها باكورة لحركات المناصرة والمناصرة الذاتية (برادوك وباريش، 2011). تجسد هذا النضال في ردود أفعال على القرارات البنيوية والسياسية مثل "حركة ذوي الإعاقة ضد تقليصات الخدمات الاجتماعية" في بريطانيا، والحركة العالمية باسم "الناس أولًا"، حراكات "لا شيء عنّا دوننا" (برادوك وباريش، 2011). على النقاشات العامة أن تتحدى المفاهيم الخاطئة والقوالب النمطية التقليدية حول الأشخاص الذين يعانون صعوبات في التعلّم مثل الافتقار للكفاءة والتواصل والقدرة على التعبير عن حاجاتهم. على مرّ العقود المُنصرمة جرى التركيز على نحو مُتزايد على نقاط القوة والقدرات ومسألة تقرير المصير (شوغرين المصدر السابق 2006) والدور الفعّال (ليفيت، 2017) والقدرات على اتخاذ القرارات للناس ذوي الإعاقات الذهنية، خاصة فيما يتعلق بالتوظيف (تيمونز المصدر السابق 2011: بوش وتاسيه، 2017). بيّنت الأبحاث أن معظم البالغين/ات الذين يعانون من إعاقات ذهنية يسعون وراء الاستقلالية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي من خلال التوظيف (مايغلايور المصدر السابق 2007: نورد المصدر السابق 2013)، وتعود النماذج الناجحة للتوظيف المدعوم في عدة بلدان في العالم، بنتائج إيجابية على الأفراد والمجتمع.

ثانيًا، إني مؤمنةٌ بقوة التضامن من خلال "الروابط المشتركة" (باتس المصدر السابق، 2017). شهدنا الآن أكثر من أي وقت مضى كُلًّا من الأفعال التضامنية العشوائية والمنظمة عبر كافة المناطق اللبنانية. أكثر من أي وقت مضى ومرةً أُخرى، أظهر الناس الذين يعيشون في لبنان أنهم جمعٌ ذو عزم يعمل بتعاضد كما النحل بغضّ النظر عن الجنس أو العرق أو الجنسية أوالمكانة الاقتصادية الاجتماعية، لمساعدة بعضهم الآخر في مسعى إلى سدّ الفجوات الكثيرة التي خلّفتها الحكومة. الآن أكثر من أي وقت مضى فإن ّالناس واعون للقضايا الاجتماعية وحساسون تجاه مُعاناة الآخرين، ويتشاركون أحزانهم/ن ويبادرون بالدعم. سيكون من الاستراتيجي الآن أكثر من أي وقت مضى رفع علم حقوق الإنسان وتوجيه الانتباه نحو حاجات الأفراد ذوي الإعاقات، خاصة أولئك الذين يعانون إعاقات ذهنية. ستكون اللحظة المثلى للتأثير في الرأي العام حول كيفية مقاربتهم وتفاعلهم مع مسألة الإعاقة، والمبادرة في إقامة الحوارات والإجراءات الملموسة فيما يتعلق بسياسات الإدماج. أظهرت تلك "الروابط المشتركة" وبالرغم من طبيعتها الهشّة، عن كونها قوارب نجاة للأفراد ذوي الإعاقات التعليمية، والتي ساعدتهم في الحفاظ على أنفسهم في سياقات نقاط الضعف (باتس المصدر السابق 2017). الآن هو الوقت المناسب للتضامن ما بين النضالات المختلفة على أساس المطالب المتقاربة والأفعال المرجوّة (زاياك، جانسون، بلايرز، ولينز، 2020).

ثالثًا، إني أؤمن بالمنظمات وبالمجتمع المدني والناشطين/ات المستقلّين/ات. أؤمن بأن المنظمات غير الحكومية، خاصة المنظمات غير الحكومية الدولية والأمم المتحدة لأنها هيئات لا تتأثر بشكل مباشر بالأزمة الاقتصادية، لأن مصادرها التمويلية خارجية، لذا فإن بإمكانها لعب دور حاسم في دفع قضايا الإعاقة قُدمًا في خلال الأزمة. المنظمات المحلية في لبنان بما يضم من مجموعات الدعوة الذاتية، غالبًا ما قد تشعر بمحدوديتها بسبب قدراتها التشغيلية والتنظيمية، وقد لا تنجح في تنظيم أنفسها نحو تغيير اجتماعي ممنهج. ومن ثم فإنني أؤمن بمساهمة المنظمات الدولية والمؤسسات الاجتماعية، وكذلك الجهات الفاعلة في القطاع الخاص بمساعدة المنظمات المحلية والمناصرين الذاتيين، في التخفيف من بعض هذه القيود وخلق شراكات من أجل التغيير. حان الوقت لمبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات المستثمرة اجتماعيًا، الآن هو الوقت للتغير البرامجي نحو المنظمات الدولية والانتقال بالأهداف الفنية نحو الحاجات المُجتمعية الحالية العاجلة، إعادة توجيه للتمويل نحو التنمية الاجتماعية الاقتصادية، مع وضع حقوق احتياجات الإعاقة في مقدّمة عملية صنع القرار، بحيث لا يجري التخلّي عن أحد. يُمكن للأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية أن يشكّلوا مجموعات استشارية مستقلّة، أو في أن يكونوا مُضمَّنين/ات في المجالس التنفيذية أو ضمن فِرق الخبراء لطرح النقاشات والقرارات، بما أنهم على دراية أفضل بالقضايا التي تمسّهم.

يُمكن لهذه المنظمات الخاصة والعامة، بما فيها المؤسسات الأكاديمية أيضًا تقديم الدعم لوضع البيانات عبر البحوث والتقييمات ذات الصلة، ويُعدّ الافتقار للبيانات الكافية ذات الصلة والتي بالإمكان الاعتماد عليها حول الإعاقة في لبنان، والتي من شأنها توجيه السياسات والمُمارسات، معضلةً جوهرية.

رابعًا، إني مؤمنة بالتغيير المُمنهج، الأمر الذي يقتضي التغيير على مستوى السياسة. وسندفع دومًا بصانعي القرار وكلّ من يتبوّأ مكانةً ذات سلطة في أن يصادقوا على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. كما سندفعهم على مراجعة وتحديث وتغيير وتنفيذ محتوى القانون 220 . دائماً يعدّ التغيير في الحكومة، وبغضّ النظر عن المعارضة الشعبية أو انعدام الثقة، وقتا مؤاتيًا للدعوة إلى تغيير في السياسات والدفع بأجندة الإعاقة على طاولة أي حكومة جديدة، ووضع قضية الإعاقة كملف ذي أولوية.

تتألف المساعي التغييرية هذه من تغييرات جزئية ومتوسطة وكلية يمكن تحفيزها في معترك النضال من أجل الكرامة والإنصاف للأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، وخاصة أولئك الذين يعانون من صعوبات التعلم.

 

الأمل كبيان سياسي

وسط أزمات متعدّدة وصدمةٍ جماعية ويأس، أود طرح فكرة الأمل كبيان سياسي. بعيدًا عن الخطابات العقيمة والفارغة الحالية التي تشيد بـ "تكيّف" الناس الذين يعيشون في لبنان، وبعيدًا عن الخطابات المتلاعبة المعتادة من الأحزاب السياسية التي تحرّض أتباعها على التفاؤل الساذج والأعمى، أقترح إعادة صياغة مفهوم الأمل بكونه شكل من أشكال البُنية الاجتماعية للمقاومة الشعبية. يعرّف هيج (2003، كما هو مذكور في كلييست آند جانسن، 2016، ص. 382) "الأمل المجتمعي" بأنه "رؤى جماعية لـ" حياة ذات معنى وحياة اجتماعية كريمة "داخل مجتمع معيّن". في مواجهة استباحة السلطة وعدم الكفاءة السياسية من قبل الدولة، يبقى الأمل الذي في خيار مجتمع الإعاقة للاستمرار بالمقاومة الكريمة، بيان قويّ في حدّ ذاته. إلا أنه مختلف عن صورة الرومانسية التي يطرحها الاعلام عن الأشخاص ذوي الإعاقة بكونهم (ذوي الإرادة الصلبة)، والتمثيل الأبويّ للأطفال والشباب ذوي الإعاقات الذهنية بكونهم "ملائكة على الأرض". مما لا شك فيه أن الأشخاص ذوو الإعاقة مواطنون/ات ولديهم/ن حقوق يجب الوفاء بها، ولا جدال في ذلك. لقد طال الانتظار لتحوّل جذريّ في الخطاب.

 

  • 1. special education and inclusive education: الترجمة مأخوذة من نصوص الأمم المتحدة والكتابات ذات الصلة. (المترجمة)
  • 2. في هذه المقالة سيُستخدم المصطلحين "الإعاقة الذهنية" و"صعوبات التعلم" على أنهما مترادفين، على الرغم من اعتراف المؤلف بالاختلافات الموجودة بين المصطلحين في الأدبيات ذات الشأن، وذلك لجهة التعريف والتصنيف.
  • 3. دأبت على ترجمة Lebanese revolution على أنها ثورة لبنان وليس الثورة اللبنانية لأن مكوناتها كانت عابرة للجنسية اللبنانية ولأن في ذلك التصنيف الجغرافي (لا القومي) تعبير أصدق في سياق مجتمع ذوي الإعاقة والذي ينحصر بحاملي الجنسية اللبنانية وهذا ينطبق على طبيعة المنظمات المحلية المعنية بالشأن. (المترجمة)
  • 4. نموذج تعليم جامع أو شامل، وهنا الجمع والشمول يكون بين الأفراد في المجتمع على إختلاف وضعيّاتهم/ن البدنيّة والذهنيّة. (المترجمة)
  • 5. وهنا نعني بالتمييزية أي نسبة لما يدفعه الطلاب/الطالبات الذين لا يعانون من الإعاقة الجسدية أو/و الذهنية وبذلك يكونون غير مجبرين/ات على تحمّل تكاليف الخدمات الإضافية المقدمة للطلاب/للطالبات ذوي/ات الإعاقة. (المترجمة)
  • 6. العاجزين/ات أو المعتلين/ات أو الشاذين/ات بدنيًا أو/و عقليًا، والذين يقفون على تباين مع الحالة المعيارية السائدة والمتمثلة بعالم الـ "طبيعيين/ات" وفي هذا السياق الـ "أصحاء/صحيحيات". فانتقاء اللفظة الأولى أتى ليبرز التناقض مع الثانية. (المترجمة)
  • 7. "الحكومة" هي ترجمة مباشرة لكلمة "government" في النص الأصلي، إلا أن اللفظة الأكثر ملاءمةً للسياق هي الـ "نظام" وبالإنجليزية "regime or system" وذلك لأن حجّة الكاتبة فيما خص التمييز المضمر والذي ينعكس قانونًا، لا ينطبق على تشكيلة حكومية دون سواها، بل هو كان ولا يزال مواكبا للمعيارية البدنية والذهنية الإنتاجية التي تُفرض عبر رأسمالية النظام اللبناني الحالي بحكوماته المتعاقبة. (المترجمة)
  • 8. Of all abilities.
  • 9. ترجمة كلمة (agency) وقد تترجم أيضا "الوكالة". (المترجمة)
ملحوظات: 
المراجع: 

Bates, K., D. Goodley, and K. Runswick-Cole, Precarious lives and resistant possibilities: the labour of people with learning disabilities in times of austerity. Disability & Society, 2017. 32(2): p. 160-175.

Berlant, L.G., Cruel optimism. 2011: Duke University Press.

Braddock, D.L. and S.L. Parish, An Institutional History of Disability, in Handbook of Disability Studies. 2001. p. 11.

Bush, K.L. and M.J. Tassé, Employment and choice-making for adults with intellectual disability, autism, and down syndrome. Research in Developmental Disabilities, 2017. 65: p. 23-34.

Combaz, E., Situation of persons with disabilities in Lebanon, K.D. Report, Editor. 2018.

Geha, C., Resilience through Learning and Adaptation: Lebanon’s Power-Sharing System and the Syrian Refugee Crisis. Middle East Law and Governance, 2019. 11(1): p. 65-90.

Hamadi, G., People with special needs highlight 46th day of the revolution, in Annahar English. 2019, Annahar: Beirut.

Kleist, N., & Jansen, S. Introduction: Hope over Time—Crisis, Immobility and Future-Making. History and Anthropology, 2016. 27(4): p. 373-392. doi:10.1080/02757206.2016.1207636

Levitt, J.M., Developing a model of disability that focuses on the actions of disabled people. Disability & Society, 2017. 32(5): p. 735-747.

Migliore, A., et al., Integrated employment or sheltered workshops: Preferences of adults with intellectual disabilities, their families, and staff. Journal of Vocational Rehabilitation, 2007. 26(1): p. 5-19.

Nord, D., et al., The state of the science of employment and economic self-sufficiency for people with intellectual and developmental disabilities. Intellect Dev Disabil, 2013. 51(5): p. 376-84.

Runswick-Cole, K. and D. Goodley, Disability, austerity and cruel optimism in big society: Resistance and “the disability commons”. Canadian Journal of Disability Studies, 2015. 4(2): p. 162-186.

Shogren, K.A., et al., The Application of Positive Psychology and Self-Determination to Research in Intellectual Disability: A Content Analysis of 30 Years of Literature. Research and Practice for Persons with Severe Disabilities (RPSD), 2006. 31(4): p. 338-345.

Timmons, J.C., et al., Choosing Employment: Factors That Impact Employment Decisions for Individuals With Intellectual Disability. Intellectual and Developmental Disabilities, 2011. 49(4): p. 285-299.

Thomas, C., Medical sociology and disability theory, in New directions in the sociology of chronic and disabling conditions. 2010, Springer. p. 37-56. 

Zajak, S., Janson, J., Pleyers, G., & Lenz, I., Cross-movement mobilization and new modes of solidarity in times of crisis in the global north and south. Moving the social. Journal for Social History and the History of Social Movements, 2020. 63: p. 5-12.