عبور الحدود: إعادة التفكير في الفشل والمنفى في المسلسلات اللبنانيّة

السيرة: 

هيذر هي باحثة من بيروت. وهي حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية من الجامعة الأميركية في بيروت، حيث درست وضوح الشخصيات الناشئة المشفرة كشخصيات مثلية جنسيّا في المسلسلات اللبنانية. وتعمل حاليا منسقة الاتصالات لمشروع KIP، وهو مشروع الجندر والجنسانية في الجامعة الأميركية في بيروت. سابقا، عملت على بحوث تتناول التغير الاجتماعي في النظرية والممارسة في المنطقة العربية. عملت في مجال الصحافة والتحرير في لبنان، الولايات المتحدة، والنمسا، وكتبت في الصحف وللبرامج الدراسية وكانت رئيسة تحرير Outlook، صحيفة الجامعة الأميركية في بيروت، خلال سنواتها الجامعية. بعد تخرجها بشهادة الماجستير، حصلت على جائزة عبد الهادي الدبس للتميز الأكاديمي عن قدراتها البحثية. وتخطط هيذر إلى متابعة شهادة الدكتوراه في دراسات الجندر أو الإعلام، وتطوير أبحاثها عن الوظيفة الرمزية للانحراف في بناء مفهوم الوطن والإمكانات السياسية للتأثّر “السلبي” على تطوير نماذج وأطر بديلة.

‫ ‫الملخص: 

يتناول هذا البحث ثلاثة مسلسلاتٍ لبنانيّة هي: من كل قلبي (الجديد)، وأجيال (إم. تي. في. MTV) وعشق النساء (إل. بي. سي. الفضائيّة LBCI)، معاينًا طريقة تمثيلها الشخصيّات ذات الجنسانيّات غير المعياريّة التي تعيش في لبنان. ومن خلال الفشل وبالتالي النفي الذي تعيشه كلّ شخصيّةٍ، تمكن قراءة تعليقٍ عن الأمّة “وغربائها وغريباتها التكوينيّين/ات” (Mikdashi, 2014). في كلّ مرّةٍ تعبر فيها الشخصيّة الحدودَ اللبنانيّة، توفّر المشاعرُ السلبيّة كالخزي والخسارة والفشل مهربًا من “الآن والهُنا.” ومن خلال المنفى، تستطيع هذه الشخصيّات تقديم طرقٍ بديلةٍ للتفكير في البُنى الاجتماعيّة المهيمِنة التي نسكنها. وإذا ما فكّرنا في الفشل والخسارة لا كـ”رفضٍ للسّياسة” بل كـ”سياسة رفضٍ” (Love, 2009)، فإنّ هذه التمثيلات تجسّد إمكانيّةً ما لجهة قدرتها على إحداث صدعٍ في نُظُم المنطق المهيمِنة (Halberstam, 2011).

الكلمات المفتاحية: 
Failure
Queer
Melodrama
Nation
Exile
اقتباس: 
هيذر جابر. "عبور الحدود: إعادة التفكير في الفشل والمنفى في المسلسلات اللبنانيّة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 2 عدد 2 (2016): ص. 212-227. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 18 يناير 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/crossing-the-border.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon Download Article (PDF) (664.6 كيلوبايت)
ترجمة: 

لين هاشم كاتبة ومؤدّية نسوية تعيش في بيروت. حازت على شهادة الماجستير في علوم الجندر والجنسانية من جامعة لندن، وهي جزءٌ من مجموعاتٍ نسويةٍ عدّة في لبنان والمنطقة. نُشرت كتاباتها وترجماتها في عددٍ من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية من بينها ملحق "شباب السفير" ومجلة "كحل" لأبحاث الجسد والجندر. عملت كمدرّبة ومستشارة وباحثة في عددٍ من المؤسسات من بينها "فريدا: الصندوق النسوي الشاب" والجامعة الأميركية في بيروت. تشارك باستمرارٍ في أمسياتٍ شعريةٍ ومهرجاناتٍ فنيةٍ في لبنان والخارج. في أيار 2018، كتبت عرض "المسافة الأخيرة" وأدّته مع الفنان والراقص ألكسندر بوليكفتش في ختام معرض "رسائل حب إلى ميم" من تنظيم ديمة متى في بيروت، ثم في بلفاست وكتماندو. تعمل حاليًا على نشر مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان "حقد طبقي".

“إنّ معنى التجاوز الحداثيّ – أو تخطّي الحدود – يعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على الوجهة التي تختار/ين: فأن تهرع/ي نحو أرضٍ ما هو أمرٌ، وأن تعيش/ي فيها هو أمرٌ آخر”
— هيذر لوف، الشّعور العكسيّ: الخسارات وسياسات التّاريخ الكويريّ

في السّنوات الأخيرة، تزايدت ظهوريّة الشخصيّات الروائيّة ذات الجنسانيّات غير المعياريّة في برامج وقت الذّروة التلفزيونيّة في لبنان. في غالب الأحيان، تقع هذه التمثيلات في أحد خندقَي الاغتراب: إمّا الشخصيّة المُبهرَجة فائقة الجنسَنة، أو الشخصيّة المعذّبة التي تعيش في ظلمةٍ نمطيّة. وتُقدّم الصّورة الأولى كأداةٍ كوميديّةٍ في البرامج السّاخرة، مطلقةً النكات عن الاغتصاب، ومُصوّرةً المثليّين كتهديداتٍ فائقة الجنسَنة للرجال الآخرين وللأمّة، بينما تُقدّم الصّورة الأخرى من خلال السرديّات الميلودراميّة في المسلسلات التلفزيونيّة (Sakr, 2007). وإذ يوفّر نوعا التمثيل هذان أرضيّةً لتحليل الخطابات عن الأمّة، فإنّ قدرة الميلودراما على تصوير “واقع الأمور وكيف يمكن لها أو يجب عليها أن تكون” (William, 2014, p. 84) لها آثارٌ على مفهوم الجنسانيّة غير المعياريّة ومختلف أنواع “الآخرين/ الأخريات” في الوطن. ومن خلال الإشارة إلى الاستقطابات الطاحنة وضحايا الاضطهاد، تشير الأعراف الميلودراميّة إلى هويّة وماهيّة ما يستحقّ التعاطف، متفكّرةً ليس فقط في النُظم الاجتماعيّة المهيمِنة، بل في إمكانيّة إعداد الأسس لنقد هذه النُظم، والسّماح للجُموع بالانبثاق عن تلك المساحات المظلِمة من المخيّلة الوطنيّة.

البرامج التلفزيونيّة التي بُثَّت في وقت الذّروة بين عامَي 2010 و2014، تضمّنت ثلاث شخصيّاتٍ تتصارع مع جنسانيّاتها غير المعياريّة ضمن السّياق اللبنانيّ. المسلسل الأوّل، أجيال (MTV) يعرض قصّة “تمارا،” المرأة اللبنانيّة التي تقطن في مجمعٍ سكنيّ، و”أميليا،” المرأة الغامضة الآتية من كندا والتي تُبدي اهتمامًا “غير طبيعيّ” بـ”تمارا.” أما مسلسلمن كلّ قلبي (الجديد)، فيُعرّف المشاهدين/ات إلى “سميح،” وهو رجلٌ متزوّجٌ يتصارع مع تفضيله للرجال الذي يُعبّر عنه كأمرٍ “مخزٍ” و”مثيرٍ للقرف.” أما مسلسل عشق النساء (LBCI)، فيقدّم “نديم” الذي يقطن في فرنسا لكنّه يحاول عيش جنسانيّته في لبنان بين أفراد أسرته. في كلٍّ من هذه البرامج الدراميّة حديثة العهد والمعروضة في وقت الذّروة، نرى إحدى الشخصيّات المُعتبَرة “غير طبيعيّةٍ” أو “شاذّةٍ” بسبب تفضيلها الرومانسيّ المثليّ، وهي تحاول استكشاف جنسانيّتها ضمن الحدود اللبنانيّة، بينما تُلمِّح إلى سياقٍ أبعد من تلك الحدود يُفترض أنّه أكثر تقبّلًا. بشكلٍ ما، تبدو كلّ شخصيّةٍ من هذه الشخصيّات قاصرةً مقارنةً بالذكورة والوطنيّة المهيمِنة. وفي نهاية كلّ برنامجٍ من تلك البرامج الثلاثة، ينتهي الأمر بالشخصيّة التي تتصارع مع جنسانيّتها إلى اختيار مغادرة لبنان بغرض الحصول على نوعٍ مختلفٍ من الحياة في الخارج.

إنّ مناقشة الوجود الكويريّ في تلك البرامج وفي الإنتاجات الثقافيّة حول العالم ترتبط حتمًا بمفهوم الغريب/ة. في لبنان تحديدًا، يمثّل الغرباء/ الغريبات طريقةً لتعزيز الهويّة الوطنيّة المجزّأة بعمقٍ نتيجة الطائفيّة، والفَقد الجماعيّ لذاكرة الحرب الأهليّة وسرديّات الماضي المتنازِعة. وإذا كان أحد المكوّنات الرّئيسة للأمّة هو التاريخ والرموز المشتركة، فإنّ الهويّة الوطنيّة اللبنانيّة المُجزّأة تقوم على أساس هذه التوتّرات. لبنان هو وطنٌ لمختلف “الغرباء/ الغريبات التكوينيّين/ات” الذين واللّواتي يرسّخون “هندسةً مُجندرةً مع بعضهم/ن البعض كأمّةٍ” (Mikdashi, 2014, p. 3). أكثر من ذلك، تتراكب الهويّات التقاطعيّة لهؤلاء لـ”تغرّبهم/ن” بدرجاتٍ أكثر عمقًا؛ فكثيرون/ات هم/ن من يتركون منازلهم/ن سعيًا للحصول على العمل والأمان. بعض هؤلاء هم/ن من العمّال والعاملات الأجانب السّاعين/ات للعمل في أمّةٍ تُصادر جوازات السّفر خاصّتهم/ن، راسمةً ليس فقط الحدود الوطنيّة بل أيضًا الحدود ضمن مكان العمل أو المنزل. وبعض هؤلاء أيضًا هم/ن من اللاجئين/ات الفلسطينيّين/ات أو السوريّين/ات طالبي/ات اللّجوء ضمن الحدود اللبنانيّة، لينتهي الأمر بأجسادهم/ن محصورةً ضمن حدود المخيّمات المؤقّتة. أما البعض الآخر من هؤلاء الغرباء/ الغريبات، فينتمي إلى الأقليّات الجنسيّة. وعلى الرغم من مكانة بيروت الذّائعة كـ”ملاذٍ تحرّريٍ” في الشّرق الأوسط “الفوضويّ،” يشكّك كثيرٌ من المواطنين/ات في تلك التسمية (McCormick, 2011). حاليًا، تلتزم المنطقة إلى حدٍ كبيرٍ بتجريم المثليّة في القانون، وتتراوح العقوبة عبر البلدان المختلفة من التحرّش إلى الاعتقال أو حتى الموت. وينعكس الموقف القانونيّ من المثليّة الجنسيّة في لبنان بالمادّة 534 من قانون العقوبات اللبنانيّ التي تجرّم “المجامعة خلافًا للطّبيعة” (Makarem, 2011). وتشير التقارير إلى أنّ الرجال المُعتقلين لمثليّتهم الجنسيّة مازالوا يُعرّضون للاحتجاز والفحوص الشرجيّة، على الرغم من إصدار “نقابة الأطبّاء” في لبنان بيانًا تمنع فيه تلك الممارسات وتعتبرها ممارساتٍ تعذيبيّة 1 (Rainey, 2014).

ضمن هذا السّياق، تبرز تلك التمثيلات الظّاهرة الجديدة لتحتوي المعنى وتولّده. إذًا، وضع تلك التمثيلات ضمن السّياق الخاصّ بها يتيح نظرةً ثاقبةً إلى الخطابات المهيمِنة عن الجنسانيّة، كما إلى الطّرق الممكنة لقراءة تلك النّصوص مقارنةً بنفسها، ودفعها لتتجاوز معناها المهيمِن. إنّ مفهوم النظريّة الواطئة لـ”ستيورات هول” (Stuart Hall)، والذي استخدمته “جوديث هالبرستام” 2 في قراءتها الكويريّة للنّصوص الثقافيّة الشعبيّة، يسلّط الضّوء على بدائل الهيمَنات والخطابات الرسميّة، ويخرق “غير البديهيّ،” فاسحًا المجال أمام العواطف المنظور إليها كعواطف سلبيّة. بهذا المعنى، يمكن لـ”النظريّة الواطئة في الأماكن الشعبيّة” (Halberstam, 2011, p. 21) أن تقدّم أنماطًا بديلةً من المعرفة والكينونة.

بينما يمكن النظر إلى هذه التمثيلات كتمثيلاتٍ رجعيّةٍ أو “سلبيّةٍ” نظرًا لنفيها تلك الشخصيّات المرمّزة كمثليّةٍ، يمكنها أن تقدّم طرقًا خارج نُظُم المنطق المهيمِنة. في الواقع، تعرض هذه التمثيلات صعوبةَ التفريق بين أمرَين، فمن جهةٍ، تجد هذه الشخصيّات نفسها على هوامش دوائرها الاجتماعيّة، معزولةً ومُعانِيةً، طارحةً وجود أمرٍ ما منبوذٍ وشاذٍ جوهريًا في جنسانيّتها. ومن جهةٍ أخرى، إنّ الألم والفشل اللّذان تُبديهما تلك الشخصيّات يشيران في غالب الأحيان إلى واقع الوجود الكويريّ. على نحوٍ مماثلٍ، من المهمّ النظر في طبيعة تلك السرديّات وفي الطّرق التي تُجعل فيها مرئيّةً – فالواقع يختلف عبر الخطوط الطبقيّة والإثنيّة والدينيّة والجندريّة. وبينما تعكس تلك التمثيلات مفهوم “الآخريّة” (otherness) والتهميش، لا يجب أن تُفهَم كتمثيلٍ لواقع الوجود الكويريّ برمّته عبر تلك التقاطعات.

استنادًا إلى مناقشة “هيذر لوف” (Love, 2007) مسألة “العواطف عديمة الجدوى” التي باتت مربوطةً بالوجود الكويريّ، فإنّ قراءة تلك التمثيلات من خلال ظلمتها و”سلبيّتها” تتيح إمكانيّةً إيجابيّة. ويختلف هذا عن الخطابات التحرّريّة المرتبطة بالفخر والمنتشرة في الولايات المتحدة، ليسمح بدلًا من ذلك بنقد نُظم المنطق المهيمِنة. ولا يُقصد من هذا القول أنّ التمثيلات التي تتضمّن خفقاتٍ من الفرح أو الفخر أو غيرها من المشاعر “الإيجابيّة” هي مقيّدةٌ ومجسّدةٌ حصرًا في النموذج الليبراليّ، بل إنّ هذه التيّارات قد تمثّل إمكانيّةً تغييريّةً عندما تفترق عن تلك النُظم. إذًا، إنّ القراءات الجديدة التي تكشف نزعات التمكين العاطفيّة غير التقليديّة، سواء عن طريق الظّلمة أو النّور، يمكنها أن تقدّم نقدًا للنظام المهيمِن. إنّ دعوة “لوف” إلى تبنّي “سياساتٍ مصاغةٍ بصورة المنفى والرّفض وحتّى الفشل” (2007, p. 71) تعيد تأطير الخسارة بصفتها منتجةً بالقوّة، بدلًا من كونها نقيضة التقدّم. هكذا، يغدو الفشل طريقةً “لإحداث فجواتٍ في الإيجابيّة السّامّة للحياة المعاصِرة” (Halberstam, p. 3)، كما يساعدنا في “فهم أُطر الوضع السياسيّ المعاصِر” (Love, p. 13). إذًا، يمكن لقراءة هذه النّصوص من خلال الإمكانيّة المُنتِجة للفشل، أن تكون طريقةً أكثر نفعًا للخروج من هذه البُنى المهيمِنة.

وأجادل هنا أنّ تمثيل النّفي خارج لبنان يقدّم نموذجًا “للا كينونة” أو “اللا صيرورة” (Halberstam, p. 97). هو فشل الشخصيّات والنّفي الناتج عنه ما يسِم اختلافها عن الشخصيّات الأخرى في الأمّة. وبما أنّ هذه الشخصيّات لا تُمنح النهايات السّعيدة التي تُمنَح لنظيراتها، نسأل: ما تبِعات ذلك على ارتحالاتها السوداويّة؟ ماذا يمكن للفشل والمنفى أن يخبرانا عن نُظم التفكير المهيمِنة؟ إذا كان يمكن للفشل أن يزوّدنا بطريقةٍ لـ”تفكيك منطق النجاح” المهيمِن (Halberstam, 2009, p. 2)، ما الذي يمكن تعلّمه من حكايات المنفى هذه؟ بدلًا من الإشارة إلى “رفض السّياسة” لدى تلك الشخصيّات، تقترح “لوف” (2009) “سياسة الرّفض،” مبيّنةً الإمكانيّة التغييريّة للعواطف المُتعارَف عليها كعواطف سلبيّة. في قراءة تلك الحكايات العابرة للحدود عن الخزي والفشل والمنفى كمقاومةٍ أو صدعٍ للحاضر السياسيّ، يمكننا تعقيد ما يبدو بديهيًا وطبيعيًا، وتقديم “علاقةٍ مختلفةٍ بالمعرفة” (Halberstam, p. 19).

 

الظّلمة كاستراتيجيّةٍ

تُروى حكايات الفشل والخسارة والمنفى هذه من خلال سرديّاتٍ ميلودراميّةٍ في المسلسل اللّبنانيّ. وتُعدّ هذه البرامج من أكثر البرامج شعبيّةً في المنطقة، إذ يبقى التلفاز الوسيلة الترفيهيّة المفضّلة لدى الجمهور (Northwestern University of Qatar, 2013). وبينما يستبعد البعض الميلودراما المُتلفزة كنمطٍ من التحليل نظرًا لاستخدامها الكليشيهات الإثاريّة، فإنّ مكانتها كـ”محرّكٍ للثقافة الجماهيريّة” (Williams, 2014, p. 81) تعني أنّ بإمكانها تقديم رؤيةٍ ثاقبةٍ للحظةٍ تاريخيّةٍ وسياسيّةٍ واجتماعيّةٍ معيّنة. بصفتها نصوصًا اجتماعيّةً، تُغذّي هذه التمثيلات وتتغذّى بدورها من تداول القيم والمعتقدات في المجتمع، مقدّمةً مشهدًا لإمكانيّة حدوث ما لم يتشكّل تمامًا بعد. ومن خلال المسلسلات، قد يقيّم الجمهور المسلسلات على نحوٍ نقديٍّ “في سياق حيواتهم/ن اليوميّة” (Abu-Lughod, 2005, p. 12)، ما يشير إلى قدرة هذه البرامج على تزويد الجمهور بمواقع للمفاوضة.

تستمرّ علاقة الميلودراما بالحداثة في التمثيلات المعاصِرة، موفّرةً قنواتٍ للاستجابة للتغيير الاجتماعيّ الصّاعد (Hayward 1996 مقتبس في Mosquera, 2000, p. 66). إنّ علاقات الميلودراما بالثقافة الجماهيريّة تقارن بين واقع الأمور من جهةٍ، وكيف يمكن لها أو يجب عليها أن تكون من جهةٍ أخرى (Williams, 2014, p. 84). وإذا كانت الميلودراما “عرفًا دراميًا تُعالَج عبره المشكلات والإشكاليّات الاجتماعيّة الراهنة” (p. 114)، فإنّ حكايات المنفى وعبور الحدود هذه تُروى ضمن لحظةٍ تاريخيّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ غالبًا ما يُنظَر فيها إلى لبنان كـ”عاصمة الشّرق الأوسط المثليّ” (McCormick, 2011, p. 74)، في وقتٍ يستمرّ فيه تجريم المثليّة في القانون.

في نهاية كلّ مسلسلٍ من تلك المسلسلات، تكون الشخصيّات قد تركت موطنها وحيواتها في لبنان. في عشق النساء، يخطّط “نديم” للعودة إلى لبنان في وقتٍ ما من المستقبل، لكنّه في الوقت الرّاهن يعيش مع حبيبه الأميركيّ في فرنسا. وفي أجيال، تعود “أميليا” إلى كندا لتجتمع بحبيبتها عندما تفشل الأمور رومانسيًا مع جارتها “تمارا.” أما في من كل قلبي، فيترك “سميح” القرية والبلد في محاولةٍ لإعفاء عائلته من الخزي الذي ستتعرّض له حتمًا في حال انكشاف سرّه. من خلال العدسة الميلودراميّة، يمكننا قراءة الذّوات كمستحقّةٍ للتعاطف بفعل فشل العدالة. إنّ تقديم الأمور بصفتها أخلاقيّة أو عادلة، يستجدي التعاطف أو العطف بفعل “المعاناة الظّاهرة لبراءةٍ مقموعة” (Williams, p. 114). وتظهر هذه المعاناة عندما تحاول كلّ شخصيّةٍ عيش جنسانيّتها ضمن حدود لبنان.

يحاول “نديم” عيش جنسانيّته في أثناء سفره بين لبنان وفرنسا، معترفًا بسرّه في نهاية الأمر لصديق العائلة ومروّعًا أمّه. بعد أن تتبرّأ منه، مشيرةً إلى جنسانيّته كـ””شذوذ،” يحاول الدّخول في علاقةٍ غيريّةٍ من أجل إرضاء أمّه والمجتمع الأكبر. وعندما تفشل تلك العلاقة، ترى المشاهد/ة “نديم” مضطربًا بشدّةٍ في شقّته المظلمة في باريس ومترنّحًا في الظّلام. يتوجّه إلى الخزانة تحت المغسلة بينما تُعاد ومضاتٌ صوتيّة لأمّه وهي تردّد عبارتَي “أكرهك” و”شاذ.” باكيًا، يتناول “نديم” قارورتَين مليئتَين بموادّ غير معروفةٍ، مختارًا إحداهما ومبرزًا العبوة ليتّضح ملصقها – سمٌّ للفئران. يطبع الموتُ والإنتحار تمثيلَ “الشّاذ/ة جندريًا أو جنسيًا،” وبحسب “لوف:” “حتّى إذا ما تمكّن هؤلاء من البقاء، فإنّ ذلك يكون وفق شروطٍ بالغة السّوء إلى حدٍ يبدو معه الموت جذّابًا” (Love, 2007, p. 1). على نحوٍ مماثلٍ، يُساق “سميح” إلى التفكير في الإنتحار بعد أن تعلم زوجته بأمر علاقته السريّة بالسّائق. وبعد أن تعمد زوجته إلى الاستهزاء به وتهديده بفضحه في المجتمع الأكبر، يجلس “سميح” على حافّة السّرير وفي يده المسدّس. في نهاية الأمر، يختار ترك بيته وعائلته بدلًا من تعريضها للخزي بسبب سرّه.

الظّلمة كاستراتيجيّةٍ تأويليّةٍ، وفقًا لاقتباس “هالبرستام” من “دافني بروكس” (Brooks, 2006)، تنبع من الإقصاء الاجتماعيّ وتمهّد الطّريق لتعليقٍ يصدر عن أولئك الذين واللّواتي يختبرون الفشل (Halberstam, p. 98). وعلى الرغم من أنّ كلّ الشخصيّات المذكورة تترك في نهاية الأمر أسرها وأصدقاءها وبيوتها، فإنّ منفى “سميح” بالتحديد يمثّل صدعًا سوداويًا مألوفًا جدًا في التاريخ الكويريّ. بينما يوضّب “سميح” أغراضه في منتصف اللّيل، يلاحظ المشاهد/ة العلم اللّبنانيّ على حقيبته. يتحرّك ببطءٍ ويجول بنظره في غرفة المعيشة بينما ينزل السّلم باتجاه الباب الأماميّ. وفي أثناء استعداده للرّحيل، ينظر حول الغرفة تاركًا أصابعه تمرّ ببطءٍ على أجزاء من المنزل، في إشارةٍ إلى الصّعوبة التي يواجهها في الانفصال عن الآن والهُنا. وبينما تُعزف موسيقى حزينةٌ في خلفيّة المشهد، يفتح “سميح” الباب الأماميّ ممسكًا بيده الحقيبة، ويلقي نظرةً أخيرةً على منزله، ثمّ يغادر. يجلس في المقعد الخلفيّ المظلم في سيّارةٍ متحرّكةٍ باكيًا، بينما يقرأ تسجيلٌ صوتيٌّ رسالةً كان كتبها لوالده. تحوي الرسالة اعتذارًا ووداعًا، وتلميحًا إلى سرّه المظلم من دون تسميته. تلمّح نظرة “سميح” إلى الوراء إلى ما تسمّيه “لوف” “الاستدارة إلى الخلف” (p. 5). في حكاية سدوم وعمورة، تستدير زوجة “لوط،” عاصيةً أمر الله بالمضيّ قدمًا نحو المستقبل. “في الاستدارة إلى الخلف،” تكتب “لوف،” “نحو العالم المفقود، تُفقَد هي بذاتها: تغدو نصبًا تذكاريًا للدّمار، وشعارًا للنّدم الأبديّ” (p. 5). وإذا كان مفهوم الحداثة بذاته يعتمد على هذا الارتجاع، فهو يعتمد أيضًا على الشّخوص التي تمثّل هذا الارتجاع. هكذا، يمثّل الكويريّون/ات “الآخرين/ات التكوينيّين/ات” (Mikdashi, 2014)، “الآخرين/ات المقصيّين/ات، مشوّهي/ات السّمعة والملغيّين/ات” (Love, p. 5).

تمكن قراءة اختفاء “سميح،” أي انفصاله عن الآن والهُنا في اتّجاه الظّلمة، كصدعٍ ينقد البيئة السّامة وغير المتقبّلة. كذلك محاولة “نديم” الإنتحار في ظلمة مطبخه، بالإضافة إلى ظلمة غرفة نومه عندما يعجز عن إتمام الأداء الجنسيّ، تُظهر واقع الكثير من الكويريّين/ات عبر الزمان والمكان، وتمثّل مؤشّرًا على أثر الحياة في الآن والهُنا بالنسبة إلى الكثير منهم/ن. وإذ تدرك “هالبرستام” أن “لا شيء يربط جوهريًا المثليّين والمثليّات والمتحوّلين/ات بهذه الأشكال من اللّا كينونة واللّا صيرورة” (p. 98)، يمكن لمشاعر الإقصاء أن تحتضن قابليّةً للانتماء تعجز خطابات النجاح والتحرّر عن احتضانها. من خلال قراءة النّصوص بهذه الطريقة، نبتعد عن خطاب الفخر والنّور، الذي يخدم إهمال وطمس الظّلمة التي لطالما طَبعَت الوجود الكويريّ حكمًا. “أن نشعر عكسيًا،” تكتب “هالبرستام” مستخدمةً مصطلحات “لوف،” “هو أن نستطيع إدراك شيءٍ ما في هذه التصويرات المظلِمة للحياة الكويريّة، من دون الحاجة إلى استردادها.”

ما تجادل به “لوف” وغيرها هو الإمكانيّة المنتِجة والتغييريّة لهذه العواطف “عديمة الجدوى.” وتتتبّع “لوف” أثر الطّرق التي بموجبها صارت المثليّةُ تدلّ على “فشل واستحالات الرغبة في حدّ ذاتها” (p. 21). وبينما أثار فيلم “ملاحظاتٌ على فضيحة” (Notes on a Scandal) ردّ فعلٍ عنيفٍ لتمثيله “السلبيّ” للمثليّة، تقول “لوف” (2012) أنّ الفيلم مثّل تحدّيًا للنموذج المهيمِن للسّياسات التقدّمية، وللأنوثة الموجودة خارج أطر المعياريّة الغيريّة الإنجابيّة. إذًا، تقدّم هذه السرديّات إمكانيّةً منتِجةً في قدرتها على التفكير أبعد من الآن والهُنا. ويسلّط “خوسيه مونوز” (Muñoz, 2009) الضّوء على “التصيير الشّموليّ للواقع” بفعل الآن والهُنا، مشيرًا بدلًا من ذلك إلى إمكانيّة “رفض الآن والهُنا، والإصرار على الإمكانيّة والاحتمال الملموس لقيام عالمٍ آخر” من خلال الكويريّة (p. 1). وعلى نحوٍ مماثلٍ، تطرح هذه التصويراتُ الآن والهُنا “كسجنٍ،” وتقدّم نمطًا من التفكير يتجاوز “مستنقع الحاضر” (p. 1). بالتالي، تُعنى الكويريّة بالنظر خارج الحاضر وأبعد منه، إلى مشهدٍ جديدٍ من الإمكانيّة.

 

الوطنيّات المُعايِرة

يزوّدنا الانتباه إلى السّياق الذي تُحاكيه هذه البرامج بنظرةٍ ثاقبةٍ إلى التوتّر القائم بين “الخطاب المتّسم برهاب المثليّة من جهةٍ، والوجود المثليّ من جهةٍ أخرى” (Love, 2009). وتكشف العلاقة بين هذه الشخصيّات و”الغرب” ثيمةً هامّةً في التمثيلات الميلودراميّة لأمّةٍ لها تاريخٌ استعماريّ. في عشق النساء، يلمّح مشهدٌ دراميٌّ ومشوّقٌ إلى أنّ لـ”نديم” حبيبٌ في فرنسا، إذ نراه يحادثه في مكالمةٍ هاتفيّةٍ قائلًا بالإنكليزيّة: “إشتقتُ لك أيضًا. حبيبي، لا تنسَ أنّي أحبّك،” متبوعةً بموسيقى دراميّةٍ ومشاهد مطوّلةٍ للممثّلَين في ختام الحلقة. في ما بعد، تفهم المشاهد/ة أنّ حبيبه هو “جايسون،” أي أنّ حبّ “نديم” مُعبّرٌ عنه بالإنكليزيّة، بينما هو في فرنسا، يتحدّث إلى رجلٍ أميركيّ. وفي أجيال، يأتي اعتراف “أميليا” بحبّها لـ”تمارا” باللّغة الفرنسيّة: “تعرفين جيدًا أنّي أحبّكِ.” وعلى نحوٍ مماثلٍ، تتكشّف التعليقاتُ على الطبقة ضمن هذه السرديّات، حاصرةً تمثيلات الشّذوذ الجنسيّ بالطّبقات العليا والمتوسّطة، وهي مسألةٌ أناقشها أدناه.

وبينما تمكن قراءة هذه النّصوص على نحوٍ يشير إلى ارتباط المثليّة بالغرب، تمكن قراءتها أيضًا كإشارةٍ إلى “الضغوط التي تمارسها الوطنيّات المُعايِرة والعفيفة أخلاقيًا” (Georgis, 2013, p. 248)، كما هو واقع الوجود الكويريّ في لبنان. ويمثّل مفهوم “المثليّة العالميّة” (Gay International) لـ”جوزف مسعد” (Massad, 2007) مثالًا على الخطابات التي تتناول الجنسانيّة في المنطقة، والمتأثّرة بالإمبرياليّة وبالماضي الاستعماريّ. يجادل “مسعد” أنّ “المثليّة العالميّة” – أي الناشطون/ات المثليّون/ات الغربيّون/ات ذوي/ات “الدّور التعميميّ والتبشيريّ” (Amer, 2010) – في الواقع “تنتج مثليّي/ات الجنس حيث لا يوجدون،” وتقمع رغبات أولئك ممّن ينخرطون في العلاقات المثليّة من دون الرغبة بالامتثال للمعرفيّة الجنسيّة الغربيّة (Massad, 2007, p. 162- 3). ويقترح هذا أنّ المثليّة الجنسيّة كهويّةٍ تتشكّل أساسًا من خلال الخطابيّة الغربيّة. وإذ يقدّم “مسعد” نقدًا هامًا للتأثيرات القمعيّة لتعميم خطابات الجنسانيّة وحقوق الإنسان عالميًا، تشير “دينا جرجس” إلى التأثيرات القمعيّة لصيغة “المثليّة العالميّة” في حدّ ذاتها:

أيّ مستقبل غير متوقّعٍ وأيّ بصريّاتٍ جديدةٍ يحملها الخزيُ للكويريّين/ات العرب/يّات؟ أولئك المَخزيّون/ات محليًا (عندما تُنتهَك الأعراف الاجتماعيّة – الأخلاقيّة في العلن)، وعالميًا (إما لكونهم/ن شديدي/ات المثليّة أو مثليّين/ات على نحوٍ غير كافٍ)، الكويريّون/ات العرب مخطئون/ات في المثال سواء فعلوا أم لم يفعلوا. (p. 242).

إذًا، الأمر لا يتعلّق ببساطةٍ بالرفض أو بالقَبول. وبقدر ما اعتُبر موقف “مسعد” متبصّرًا ومبتكرًا، انتُقِد أيضًا على نحوٍ واسعٍ (Makarem, 2009; Amer, 2010; Georgis, 2013, Hamdan, 2015) لحجبه الوكالة الذاتيّة عن أشكال الرغبة المحليّة، بالإضافة إلى اقتراحه صيغة “المصدر – الطّرف” (Jacob, 2010) في تفسير الجنسانيّة. لكن على الرغم من ذلك، من المهمّ عدم طمس سياق تاريخ لبنان الاستعماريّ في أثناء تناول الخصوصيّات السياقيّة. تشير “آن ماري فورتييه” (Fortier, 2000) إلى نزعة الكثير من النظريّات الكويريّة التي تتناول الشّتات إلى النظر إليه كـ”حركاتٍ مضادّةٍ لأيّ مشروع تثبيتٍ، وأيّ توقٍ للانتماء، وبكونها متموضِعةً في غالب الأحيان خارج تواريخ الهيمنة والاستغلال والاستعمار” (مقتبس في Shakhsari, 2012). ويقترح “هيوغو بينافيدس” (Benavides, 2009) في قراءته للميلودراما في مسلسلات أميركا اللاتينيّة (telenovelas)، أنّها وعلى عكس المسلسلات الأميركيّة والبريطانيّة، تصوّر إرثًا ما بعد استعماريّ ورغبةً استعماريّة:

تعبّر عن نوعٍ معيّنٍ من التّوق، أو حتّى النوستالجيا، المُعرّفة بفشلها النوعيّ (أي عدم مضاهاتها جودة أمرٍ آخر بالمعنى العرقيّ و/أو الثقافيّ)، وبمقارنتها المستمرّة بـ”الآخر/ الأخرى” (أي من ليس/ت أنا/نحن، ومن أرغب/ نرغب في أن نكونه/ا) (p. 7).

هذه التمثيلات إذًا، تشير إلى الطبيعة المتناقضة للمواطَنة في لبنان. وإذا كان “الاختلاف الجنسيّ هو الاختلاف السياسيّ هو الاختلاف الطائفيّ هو الاختلاف الوطنيّ” في لبنان (Mikdashi, 2015)، فإنّ أيّ مناقشةٍ للجنسانيّة لا يمكن أن تكون معزولةً عن مجازات الأمّة وهويّتها التاريخيّة (Aghacy, 2009). وتشير “مايا مكداشي” (2013) إلى الطّريقة التي تترابط فيها الطائفة والجندر والجنس في السّياق اللبنانيّ، ملاحظةً وجود حوالي ثلاثين مظهرًا للـ”المواطَنة البنيويّة القائمة على أساس الجنس والمتمايزة في ما بينها” (p. 351) بحسب تقاطعات الجندر، والجنس، والإثنيّة والطبقة غيرها. بالتالي، بينما تقترح هذه التمثيلات وضعًا تناقضيًا لتلك الشخصيّات، فإنّها تمثّل إلى حدٍ كبيرٍ قسمًا من الطبقات المتوسّطة – العليا من المجتمع. إنّ قدرة هؤلاء على تخيّل الحياة زمانيًا ومكانيًا أبعد من وضعهم/ن الحاليّ هو امتيازٌ في حدّ ذاته، يتمتّع به من يمتلكون الإمكانات الاقتصاديّة لذلك. كذلك يطرح تركيب التجارب عبر هذه التقاطعات المختلفة وجودَ تجارب مختلفةٍ نوعًا ما عبر تلك الخطوط. في هذه البرامج، تمثيل الوطنيّات والذكورة المهيمِنة يقدّم شرحًا لمنطق النجاح والقطيعة مع تلك البُنى. ومن خلال جعل تلك التمثيلات كويريّةً، تطفو على السّطح هذه “التقاطعات والمآزق” (Mikdashi, 2013, p. 352).

إذا كانت الذكورة المثاليّة متعذّرة البلوغ دومًا (Halberstam, 2011)، فإنّ هذه النصوص تشير إلى هذا الفشل. كلّ شخصيّةٍ، بشكلٍ ما، تظهر ذكورةً فاشلةً من خلال فشلها الخاصّ ببلوغ تلك المُثُل. كان هذا حال “نديم” عندما عجز عن إتمام الأداء الجنسيّ بعد محاولته إقامة علاقةٍ مع امرأة. نراه يجلس على حافّة السّرير ويقول لصديقته المُصابة بخيبة الأمل: “لا أستطيع. أنا غير قادرٍ على ذلك”؛ ويلي فشله في الأداء الجنسيّ مباشرةً محاولته الإنتحار. وفي من كل قلبي، عندما تكتشف “لينا” زوجة “سميح” أنّه “يفضّل الرجال،” تهزأ منه، واضعةً رجولته موضع الشّك. هكذا، تمتلك نوعًا من السّلطة على زوجها، مقترحةً عليه أن يطيع زوجته من الآن فصاعدًا. “هكذا على الرجل أن يكون،” تقول قارصةً خدّه أمام والده، بينما تستمرّ في تقريعه سرًا.

في هذه المسلسلات، يتجلّى مفهوم أنّ “المثليّة هي نفيٌ للذّكورة” في لبنان (Merabet, 2014, p. 126)، مسلطًا الضّوء على الفشل في بلوغ مُثُلٍ معيّنة. من خلال هذه التمثيلات، يمكننا أن نسأل لماذا “تسيطر طرقٌ معيّنةٌ لكيف يكون المرء ذكرًا” (Donaldson, 1993). في الميلودراما، يغدو هذا التباين ملفوظًا، ما يشير إلى أنّ الشخصيّات والأيديولوجيّات الأكبر تستوجب الإقرار بـ”طوباويّةٍ جذريّة” (Williams, 2014, p. 84). تُجاوِر دراسات الذّكورة بين أنواع الذكورة المهيمِنة والذّكورة المُهدّدة غير المُستقرّة، مقترحةً “التهديد” و”الفشل” كمجازاتٍ أيديولوجيّةٍ تُستخدَم للحفاظ على الذّكورة المهيمِنة (Conway, 2008). إذًا، تظهر المثليّة في حوارٍ مع أنواع الذّكورة والوطنيّة المهيِمنة، متيحةً نظرةً ثاقبةً إلى أنماط التفكير. بحسب “ويلسون تشاكو جاكوب” (Wilson Jacob)، لطالما ارتبط الخطاب الوطنيّ في المنطقة تاريخيًا بما اصطلح على تسميته “القيم الذكريّة” مثل الشّرف (Jana, p. 220)، ويتباين هذا مع المشاعر “عديمة الجدوى” كالخزي الذي تبديه شخصيّاتٌ كثيرةٌ، لاسيّما في مواجهة هذه الوطنيّات المهيمِنة.

تمثّل هذه الوطنيّات المهيمِنة مجازاتٍ وطنيّةً من خلال شخصيّاتٍ عدّةٍ في تلك البرامج. إنّ السّبب الجوهريّ الذي دفع بـ”سميح” إلى الرّحيل كان تجنيب عائلته الخزي، لاسيّما والده، مختار القرية المحبوب. عندما يقرأ الوالد رسالة الوداع، يكاد ينهار تحت وطأة الصّدمة، مقترحًا اهتزاز الأمّة بذاتها. في نهاية الأمر يتمكّن من الاحتفاظ بثباته حتى إنهاء الرسالة، ثم يذرف الدّمع حزنًا على ابنه. “أحبّه كما هو،” يقول والد “سميح،” مختار القرية، على الرغم من أنّه يمنح شخصيّةً أخرى قابليّة التحرّك الطبقيّ عبر فرصة الحصول على التعليم، بينما يضطرّ ابنه إلى العيش منفيًا. تماثل هذه التمثيلات تلك التي يحويها الأدب العربيّ المعاصِر، حيث تُمثّل ثيمات الذّكورة عبر مجازاتٍ متنوّعة. في لبنان ما بعد الحرب، تتتبّع “سميرة أغاسي” (Aghacy, 2009) الطّرق التي تمثّلت فيها الذّكورة ليس فقط بما يعزّزها، بل أيضًا بما يزعزعها. إنّ الانهيار الوشيك لوالد “سميح” يستعيد مجازاتٍ في الأدب العربيّ تفضّل الاستقرار على الالتباس (Aghacy, 2004, p. 2). “عادل،” موضوع عواطف والدة “نديم” والذّكورة المهيمِنة المُطلَقة في البرنامج، يمنح “نديم” الطّريقة الوحيدة التي يمكنه من خلالها العيش في لبنان؛ فمكانة “عادل” كرجلٍ سياسيٍ يحارب الفساد في لبنان، واغتياله الوشيك ونجاته من الاستشهاد، كلّها تؤسّس لذكورةٍ مستقرّةٍ تناقِض التباس “نديم.” ومن خلال “عادل” نعلم بأمر جنسانيّة “نديم”؛ فذكورة “عادل” تضعها في الواجهة وتواجهه بخياراته بشأن الآن والهُنا. وكما أناقش لاحقًا، لا يختار “نديم” أيًا منها.

في أجيال، تُنسَب جنسانيّة “أميليا” أيضًا إلى فشل رجلٍ ما، وتُسنَد إلى مغايرةٍ جنسيّةٍ فاشلةٍ، ويبدو ذلك جليًا في قولها “بدأتُ أحبّ النساء عندما بدأتُ أكره كلّ الرجال.” عندما تصل “أميليا” إلى المجمَع في بداية الأمر، تكون متّسمةً بالغموض، فتثير اهتمام “تمارا” التي تحبّ كلّ الأمور “الغريبة.” تعليقات “أميليا” بشأن لبنان تسلّط الضّوء على التضاريس الاجتماعيّة والسياسيّة للأمّة، ويظهر ذلك في اعتبارها عدم معرفة مجموعةٍ من الأصدقاء الانتماءَ الدينيّ لبعضهم/ن البعض أمرًا “ظريفًا.” “كيف يقولون أنّ هناك طائفيّةٌ في هذا البلد؟،” تسأل “أميليا” مجموعةً من الناس الذين يتركون سؤالها غير مُجاب. “فرح،” وهي أمٌ أرملةٌ من سكّان المجمَع، تُقدّم في مقارنةٍ مع “أميليا،” لتعكس النظرة المثاليّة إلى النساء في المنطقة العربيّة “كحصونٍ للقيم التقليديّة” (Aghacy, p. 2) من خلال التزامها العفّة بعد موت زوجها، وصراعها مع رغباتها الخاصّة إزاء محاولات أحد الرجال استمالتها. وتُجعَل علاقة “فرح” بزوجها بعد وفاته أكثر أيقونيّةً بفعل مكانته كجنديّ، وبالتالي كشهيد. ومن خلال هذه المقارنة بين “فرح” و”أميليا،” أقترح قراءةً تنتقد المجازات التقليديّة للأمّة. وعلى غرار اقتراح “هالبرستام” أنّ الشخصيّات متحوّلة الجندر في فيلم “50 موعدًا أولًا” (50 First Dates) “تمثّل مخاطر الحياة خارج الأسرة النواتيّة،” هكذا تُقدّم “أميليا” ضمن القراءة المهيمِنة كضغطٍ تحذيريٍ على الأمّة نفسها. وإذا كانت الميلودراما “عرفًا دراميًا تُعالَج عبره المشكلات والإشكاليّات الاجتماعيّة الراهنة” (Williams, 2014, p. 114)، فإنّ “أميليا” و”فرح” تُقدّمان كرمزَين للأمّة المغمّسة بتقليدها البطريركيّ. وبينما تنتقل “أميليا” إلى ما بعد الآن والهُنا، تبقى “فرح” لتقاسي وفاة طفلها. يلمّح هذا إلى الأمّة كأمّةٍ مشحونةٍ، مشيرًا إلى سُمّية نُظُم المنطق فيها.

 

اللّا مقروئيّة كاستراتيجيّةٍ

على الرغم من تناول الأمّة وغربائها/ غريباتها، فإنّ النظرة إلى المسلسلات المُنتَجة محليًا لا تُظهر أيّ آثارٍ لمجتمعٍ عميق الانقسام. الشخصيّات في المسلسلات اللبنانيّة محليّة الإنتاج هي إلى حدٍ كبيرٍ شخصيّاتٌ لبنانيّةٌ بدلًا من كونها مسلمةً أو مسيحيّةً أو درزيّة؛ هي شخصيّاتٌ تمثّل الأمّة ككلّ بدلًا من طوائف لبنان الـ18، بينما في الواقع، يحمل المواطنون/ات اللبنانيّون/ات بطاقات هويّةٍ تشير إلى انتمائهم/ن الدينيّ والطائفيّ، ما يوفّر طريقةً تتمكّن الدّولة عبرها من قراءتهم/ن. تشير “هالبرستام” إلى عمل “جايمس س. سكوت” (James C. Scott) عن ممارسات الدولة الاجتماعيّة والسياسيّة التي تبدو طبيعيّةً، والتي تفرض “أساليب التجانس والتماثُل” على سكّانها (Halberstam, p. 9). هكذا، تغدو الدولة “عدوّةً للناس الذين واللّواتي يتنقّلون” (Scott, 1999 مقتبس في Halberstam, 2011, p. 9)، وتعمل على التلاعب بأناسٍ معيّنين/ات “عندما يصبحون مقروئين/ات ومرئيّين/ات للدولة (العمّال والعاملات غير النظاميّين/ات، الكويريّون/ات المرئيّون/ات، الأقليّات العرقيّة)” (p. 10).

هذا التناول للظهوريّة يبدو واضحًا على نحوٍ خاصٍ في المشهد الذي تكتشف فيه “لينا،” زوجة “سميح،” سرّه المظلم. تجول “لينا” حول الجهة الخلفيّة من المنزل باحثةً عن زوجها، حتى تصل إلى غرفة بركة السّباحة. هناك، ترى سائق الأسرة ممسكًا بيد زوجها قبل أن يسحبه إلى منطقةٍ مظلمةٍ من الغرفة التي تقع خارج إطار الكاميرا. وعلى الرغم من أن الكاميرا تُعاق عن التقاط لحظتهما الحميمة، فإنّ يد “سميح” المرخيّة على كتف السّائق والقرب الجسديّ بين الرجلَين يلمّحان إلى حدوث قبلةٍ بينهما. عندما يلاحظ “سميح” أنّه قد شوهد، يختفي السّائق في خلفيّة المشهد، وحرفيًا في الظّلمة. تبدو المضامين الطبقيّة في هذا المشهد صارخةً – فسائق الأسرة الثريّة لا يظهر على الإطلاق قبل أو بعد هذا المشهد، متلاشيًا من على الشّاشة ومن عالم الشخصيّات الأخرى. إنّ اللا مرئيّة شبه التامّة للمثليّين/ات غير المنتمين/ات إلى الطبقة العليا في هذا المسلسل كما في غيره، تسلّط الضّوء على الأسلوب الذي تُظهَّر فيه الجنسانيّة غير المعياريّة.

هذه هي حال الشخصيّات الأخرى المُرمّزة كمثليّةٍ. “أميليا” تقضي إجازتها الصيفيّة في مجمعٍ لبنانيّ فاخر؛ و”نديم” إبن مدير المشفى الثريّ يتنقّل بين لبنان وشقّته في باريس؛ و”سميح” الإبن الثريّ لمختار البلدة، يقود سيّارةً فارهةً ويتّهم زوجته بالزّواج منه طمعًا بثرائه. أين هي تمثيلات الـ52 مصريًا الذين اعتُقلوا في مداهمة “الكوين بوت” وحوكِموا كأشباه إرهابيّين وكتهديدٍ للأمن القوميّ؟ 3 أين الـ36 رجلًا الذين اعتُقلوا في صالتَي السينما في “برج حمّود” بعد دعوة برنامج “إنت حرّ” أجهزة الدّولة إلى التحرّك؟ 4 وماذا عن الرجال الـ28 المُعتقَلين في “حمام الآغا”؟ 5يسلّط “سليم حدّاد” (Haddad, 2016) الضّوء على معضلة الكويريّين/ات العرب/يّات الذين واللّواتي أصبحوا فائقي/ات الظهوريّة من خلال الدولة.

…الخصوصيّة هي ترفٌ يُمنح فقط لمن يستطيعون تسديد ثمنه. إذا كنت تمتلك المال، يمكنك شراء هويّةٍ مثليّةٍ في “ميكونوس.” وإن لم يكن لديك المال، فعليك بالتوجّه إلى صالة سينما متهالكةٍ آملًا حدوث الأفضل.

في مناقشته أنظمة الأمن في البرازيل ومصر، يشير “بول عمّار” (Amar, 2013) إلى أهميّة المجالات العامّة المُجَنسَنة في مصر بالنسبة إلى الجهود التحديثيّة للدولة من خلال سوق السّياحة والعولَمة الاقتصاديّة، لكن من جهةٍ أخرى، بصفتها “عناصر دنسٍ ثقافيّ واختراقٍ استعماريّ” (p. 70). هكذا، تؤدّي القوّة الاقتصاديّة دورًا هامًا في الدّرجة التي يُسمح فيها بالظهوريّة، وبالتالي في مقروئيّة الدولة. إنّ المواطَنة نفسها التي ترتبط بها هذه الشخصيّات هي تلك التي تدعم وتحافظ على النماذج الاقتصاديّة المُهيمِنة. وكما يُسمَح بتسليع الجسد الأنثويّ في لبنان برعاية الدولة من خلال الفيديوهات الترويجيّة للسّياحة (Mikdashi, 2014)، يُسمح للمثليّ/ة بالظّهور كمناصر/ةٍ للنموذج الاقتصاديّ المُهيمِن. عندما اعتُقِل الـ52 مصريًا في قضيّة “الكوين بوت،” رُبِطوا وقتذاك بانحرافات العولَمة، بينما جرى تجاهل الرجال “الأجانب” الذين كانوا على متن السّفينة والذين لم يتعرّضوا للاعتقال في نهاية الأمر. إنّ التمثيلات الواردة في البرامج الدراميّة، ولاسيّما اختفاء السّائق في الخواء المظلم، تسلّط الضّوء على مشهد الجنسانيّة غير المعياريّة للبنانيّين/ات. “من يمتلك الأجساد الكويريّة العربيّة؟” يسأل “حدّاد.” متى تصبح هذه الأجساد مرئيّةً ومقروءةً للدولة؟ في أجيال، تغدو جنسانيّة “أميليا” موضع شكٍ وخوفٍ فقط عندما يشير طبيبٌ في المنتجع إلى أنّ سلوكها “غير طبيعيّ.” استنادًا إلى “فوكو” (Foucault, 1973)، تغدو المعرفة الطبيّة نوعًا من أنواع التنظيم والضّبط، محمّلةً بسلطة “نظرة” الطّبيب/ة. وفي اللّحظة التي تغدو فيها طبيعة “أميليا” “غير الطبيعيّة” واضحةً، تتحوّل نظرة الطّبيب من نظرة مشاهدٍ إلى نظرة “طبيبٍ مدعومٍ ومُزكّى بواسطة المؤسّسة، وهو طبيبٌ ممنوحٌ قوّة صنع القرار والتدخّل” (p. 89). بعدها، يبدأ سكّان المجمَع بتناقل النميمة عن مخاطر أسلوبها غير الطبيعيّ. وإذا كانت “أميليا” قد حافظت على هالةٍ من الإثارة عندما كانت غير مقروءةٍ، فإنّ تشخيصها من قبل طبيبٍ جعلها ليس فقط مرئيّةً ومقروءةً، بل أيضًا شيئًا يستدعي الاحتواء.

 

الحركة واللّا فاعليّة

إذًا، تمكن رؤية حركة الشخصيّات في تلك البرامج كطريقةٍ لتحقيق اللّا مقروئيّة، قاطعةً مع أنظمة المعرفة والضّبط التي يمكنها بطريقةٍ أخرى إعادة إنتاج الأنماط المهيمِنة من الكينونة. مدركةً عدم جواز اختزال الأقليّات الجنسيّة والمُستعبدين/ات السّابقين/ات إلى تجارب مماثلةٍ، تقدّم “هالبرستام” تعليق “سياديّة هارتمان” (Saidiya Hartman) على الإمكانيّة المُنتِجة التي تتّسم بها الحركة:

كممارسةٍ، التنقّل لم يراكم شيئًا ولم ينجز أيّ عكسٍ للقوّة، لكنّه تمسّك بإصرارٍ بما هو متعذّر التحقيق – الكينونة الحرّة – مفلتًا على نحوٍ مؤقّتٍ من قيود النّظام… مثل التسلّل، كان التنقّل أكثر عبقًا على نحوٍ رمزيٍ منه تغييريًا على نحوٍ مادّي” (128).

الحركة إذًا، تختلف عن أشكال المقاومة الأخرى الأكثر صراحةً ورومانسية، طارحةً اللّا فاعليّة كنمطٍ من التمرّد على النظام المهيمِن. بدلًا من تقديم سرديّة نجاحٍ وفخرٍ وإنجازٍ، يمكن تحقيق الحريّة عن طريق اللّا فاعليّة واللّا مقروئيّة، مع إدراك وجود “نظامٍ اجتماعيٍ لم يتحقّق بعد” (Halberstam, p. 130). هكذا، إنّ تخيّل الحريّة خارج قيود منطق النجاح المُهيمِن قد يعني رمزيًا التحرّك أبعد من بُنى الهيمَنة. عبر هذه النصوص، يستند الانزعاج من الالتباس وعدم الاستقرار إلى مجازاتٍ من روايات ما بعد الحرب الأخرى؛ فدخول “أميليا” إلى حياة “تمارا” يجلب الأذى على المجمَع في شكل خيانةٍ ومرضٍ وحتى موت. وبعد مغادرتها المجمَع، يخيّم هدوءٌ نسبيّ، عاكسًا كيف أخلّت طبيعتُها الملتبسة بالنسيج الاجتماعيّ. على نحوٍ مماثلٍ، يكاد والد “سميح” ينهار لدى معرفته بسرّ ابنه، مصوّرًا اضطراب الأمّة في مواجهتها مع تلك التوتّرات.

إذًا، يُمثّل منطق النجاح في تلك البرامج من خلال سرديّاتٍ خطيّةٍ عن القرابة (Halberstam, 2011) تفضّل الاستقرار على الالتباس. في محادثةٍ يستمع إليها “نديم،” تقول أمّه لابنتها، “كلّ امرأةٍ تحتاج إلى رجلٍ، وكلّ رجلٍ يحتاج إلى امرأة. هذه هي الطبيعة البشريّة، إلا في ظروفٍ استثنائيّة.” تُعزَف موسيقى دراميّة في خلفيّة المشهد، بينما يظهر ردّ فعل “نديم” لدى إدراكه أنّه المقصود بكلامها. “لا أحد يستطيع أن يعيش وحده من دون الشّعور بالفراغ العاطفيّ أو بنقصٍ ما. لا شيء آخر يحقّق ذلك أو يستبدله.” المنطق المهيمِن إذًا يتطلّب أن يعثر رجلٌ وامرأةُ على بعضهما البعض سعيًا لتحقيق الاكتفاء، تاركَين الخاسرين/ات على هوامش النسيج الاجتماعيّ. إنّ موضع جلوس “نديم” بين أمّه وأخته يسلّط الضّوء على هذا المنطق المهيمِن المَحكيّ بين مروّجيه ومروّجاته، على حساب الخاسرين/ات ممّن يعزلهم/ن هذا المنطق. لهذا، تُهدي “هالبرستام” كتابها فنّ الفشل الكويريّ (The Queer Art of Failure) إلى “خاسري/ات التاريخ،” إذ هم/ن المتسلّحون/ات بالأدوات اللازمة لنقد هذا النظام السّام.

يمتلك منطق النجاح الوارد أعلاه القدرةَ على خلق التماسك من خلال الجماعيّة المُتخيّلة. مستندةً إلى “بينيدكت أندرسون” (Benedict Anderson)، تسلّط “دينا جرجس” الضّوء على كيفيّة تجلّي التقليد في مجتمعٍ متخيّلٍ وكيف “يُوظّف ]ذلك[ في المعركة ضدّ الإمبرياليّة والعولَمة” (p. 236). كذلك تستند “سفيتلانا بويم” (Boym, 2012) إلى “أندرسون” في عملها عن مفهوم الوطن والأمّة، مشيرةً إلى محدوديّة مفهومه الأنثروبولوجيّ لا الأيديولوجيّ للأمّة. من خلال مقاومة “السرديّة المتماسكة للهويّة” (p. 242)، تقترح “بويم” أنّ الكثير من الكتّاب والكاتبات الحداثيّين/ات يخبرون قصصًا هامًة عن المنفيّين/ات والمنبوذين/ات الذين واللّواتي يقدّمون سرديّاتٍ بديلةً تبتعد عن التاريخ المهيمِن:

بدلًا من شفاء التغرّب – وهو ما يقترحه المجتمع المُتخيّل للأمّة – يستخدمون التغرّب نفسه كمضادٍّ شخصيٍّ للالتهاب ضدّ مرض الوطن الموروث عن الأسلاف بهدف إعادة تخيّله، متيحين/ات لنا طرقًا جديدةً للتفكير في الوطن والسّياسة والثّقافة (p. 242).

من خلال هذه البرامج إذًا، تسمح إزالة الفرد من الجماعة بمقاومة الأنماط المهيمِنة من الكينونة. ومن خلال هذا الانفصال أو الصّدع، تشتغل “اللّا كينونة” كطريقةٍ للخروج من مروحة الخيارات المُتاحة، وابتكار مساراتٍ جديدةٍ ليكون الفرد لا مقروءًا/ لا مقروءة. وتقدّم سرديّة “نديم” بالتحديد نظرةً ثاقبةً إلى “سياسة رفض” نُظُم النجاح المهيمِنة. في أحد المشاهد، يناقش “نديم” و”عادل” احتمالات بقائه في لبنان.

عادل: عُد وعِش هنا، في بلدك. أنت تعرف جيدًا أنّ هناك كثيرون مثلك في هذا البلد، على كلّ المستويات وفي مختلف المهن. بعضهم مكشوفٌ والبعض الآخر مختبئ، ولا يصنع ذلك أيّ فرقٍ بالنسبة إليهم.
نديم: وأيّ نوعٍ من النوعَين يجب أن أكون؟
عادل: أريدك أن تكون أنت، أريدك أن تكون نفسك.
نديم: أفهم من كلامك أنّك تقول لي، بطريقةٍ أو بأخرى، أن عليّ الاختباء.
عادل: على الإطلاق، على الإطلاق يا نديم. أنا أطلب إليك ألا تكشف معلوماتٍ لا علاقة للآخرين بها. جميعنا نحيا هنا، وجميعنا لديه أسرار.

في لبنان، وكما هو بادٍ من خلال “عادل،” يُتاح لـ”نديم” خياران: إمّا الداخل أو الخارج. هنا، يُستدعى مجاز الخزانة، مستندًا إلى نقاشٍ بين الكاتبات والكتّاب ممّن يتّخذون موقفًا قائمًا على الهويّة مثل “إيف سيدجويك” (Sedgwick, 1990)، وأولئك ممّن يجادلون بالطبيعة الأدائيّة للجندر والجنسانيّة مثل “جوديث باتلر” (Butler, 2004). وإذا كان كون الفرد “خارج” الخزانة الرمزيّة يقترح وجود هويّةٍ ثنائيّةٍ قائمةٍ على علاقة الفرد بالخزانة، فإنّ هذه البرامج تقدّم نقدًا لخطاب “الداخل” و”الخارج.” بالنسبة إلى العرب/يّات ممّن يحتلّون مواضع الخزي عالميًا ومحليًا (Georgis, 2013)، يشير هذا إلى أهميّة القطيعة مع التصنيف الثنائيّ. هنا، نجد قطيعةً مع الآن والهُنا وتوجّهًا نحو مشهدٍ جديدٍ من الإمكانيّة الكويريّة. إذًا، اللّا مقروئيّة كاستراتيجيّةٍ تقدّم إمكانيّةً منتِجةً للكويريّ/ة العربيّ/ة. وتقترح “هالبرستام” أنّ النصوص الثقافيّة الشعبيّة قد تمثّل صدعًا بين “ماضٍ حتميّ” و”مستقبلٍ تقادميّ” (p. 82). رمزيًا، بينما تبتعد هذه الشخصيّات مساحيًا، هي تنتقل أيضًا إلى زمنٍ آخر. وترمز الحدود الوطنيّة إلى هذا الصّدع، موفّرةً مهربًا خياليًا من بُنى المعياريّة الغيريّة القائمة. وتركّز قراءاتٌ كويريّةٌ مختلفةٌ للنصوص الثقافيّة الشعبيّة على هذا التّوق إلى “مكانٍ آخر.” في قراءة “ألكساندر دوتي” (Alexander Doty, 2002) لـ”ساحر أوز” (The Wizard of Oz)، يقترح أنّ رحلة “دوروثي” إلى “أوز” هي رحلة استكشافٍ جنسيّ، وأنّ “الصّعود على قوس قزحٍ” يؤشّر على نحوٍ شبه حرفيٍ إلى استفاقتها الجنسيّة. في التوجّه إلى ما بعد قوس قزحٍ المجازيّ – أي الحدود الوطنيّة في هذه الحال – يقطع كلّ من “سميح” و”نديم” و”أميليا” مع الآن والهُنا.

 

الميلودراما والأمّة: منفًى ذاتيّ أم منفًى قسريّ؟

بينما تغادر كلّ الشخصيّات لبنان في نهاية البرنامج، فإنّ التفريق بين المنفى الاختياريّ والقسريّ له آثارٌ على قراءة رحيلهم/ن. إنّ تحليل “بينافيدس” (2008) للمسلسلات ودراما عصابات المخدّرات )المعروفة بالنّاركودراما) في أميركا اللاتينيّة، يسلّط الضوء على أهميّة التماهي الميلودراميّ وتقديم شرحٍ للأمّة، إذ يضرب مثلًا بشخصيّةٍ حقيقيّةٍ هي “خوان سولدادو،” جنديٌ مكسيكيٌ قُتل في أثناء محاولته الفرار عبر الحدود المكسيكيّة في العام 1938 بعد اتّهامه باغتصاب وقتل فتاةٍ صغيرةٍ، على الرغم من أنّ الكثير من الروايات تنفي التهمة عنه واصفةً “موته المُريع” قبل قليلٍ من وصوله إلى الحدود.

إنّ الإحالات الرمزيّة لفشل هذه الشخصيّة بعبور الحدود طلبًا للحريّة ولفرصة إثبات البراءة، تقدّم شكلًا من “التماهي الميلودراميّ” للمهاجرين/ات ممّن يسعون وراء “جاذبيّة الشّمال” (Benavides, p. 137) طلبًا للإمكانات الاجتماعيّة – الاقتصاديّة والسياسيّة. وعلى الرغم من أنّ محاولته عبور الحدود لم تكن إراديّةً، على عكس كثيرٍ من المهاجِرين/ات، يغدو “خوان سولدادو” مجازًا لأولئك ممّن اختبروا الفشل والاضطهاد المنهجيّ. إنّ التباين بين الحركة الإراديّة والحركة القسريّة يساعد إذًا في جذب انتباهٍ أكبر إلى “البُنية غير العادلة وغير المنصِفة التي تُجبر المكسيكيّين/ات وغيرهم/ن من الأميركيّين/ات اللاتينيّين/ات على هجر بلدانهم/ن وبيوتهم/ن سعيًا وراء مستقبلٍ أفضل في الولايات المتحدة المتباينة عرقيًا” (Benavides, p. 138). على نحوٍ مماثلٍ، إنّ نفي الشخصيّات في المسلسلات اللبنانيّة يسمح للمشاهدين/ات بالتماهي مع خسائرها، متيحًا المجال أمام الإمكانيّة المنتِجة لهذه الشخصيّات.

في مناقشة المنفى في النصوص الكويريّة الحداثيّة، تستند “هيذر لوف” إلى الالتباس بين المنفى الذاتيّ والمنفى القسريّ. المنفى الذاتيّ، بحسب “لوف،” قد يتّخذ شكل “التضحية البطوليّة” (p. 54) التي لا يوفّرها المنفى القسريّ. أما المنفى القسريّ، وعلى الرغم من صعوبة التفريق بينه وبين المنفى الذاتيّ، فغالبًا ما ينتج عن آلام التهميش والهجرة في العالم الحديث. في قراءتها مقال “النهضة” (The Renaissance) للروائيّ “والتر باتر” (Walter Pater) من القرن التاسع عشر، تقترح “لوف” أنّ ملائكة “بوتيشيلي” الحزانى يخبرون حكايةً سوداويّةً عن الكويريّة؛ فحكايتهم هي حكاية “تهجيرٍ مكانيٍّ وزمانيّ” (p. 64)، وهي سرديّة خسارةٍ ومنفًى يلي تغريبهم وإقصائهم من النماذج والبُنى المهيمِنة. في تضادٍّ بين “البيت” و”الخزانة،” يذكّر أسى الملائكة وحزنهم وسوداويّتهم القرّاءَ بأنّهم لا يسكنون هذا المكان بإرادتهم. وعلى نحوٍ مماثلٍ، إنّ شعور تلك الشخصيّات بالخزي وحتّى بالقرف، يذكّرنا بحقيقة الكثيرين/ات ممّن يُهمَلون ليصبحوا خاسري/ات التاريخ. إذًا، هي ليست عواطف عديمة الجدوى، بل هي بالأحرى عواطف تُنشئ الجُموع.

على الرغم من أنّ الشخصيّات في تلك المسلسلات تغادر عمليًا بإرادتها، من الممكن التفكير في ارتحالاتها كمنفًى قسريّ. “لا ينتهي الأمر بالمرء هناك بإرادته/ا،” تكتب “لوف،” “بل بالأحرى برفضه/ا الاختيار” (p. 64). هكذا، يهرب هؤلاء من السرديّات الخطيّة للقرابة، فيوجدون خارج المكان والزمان. بهذه الطريقة، يغدو المنفى القسريّ طريقًا لتجنّب الثنائيّات المُتاحة لهذه الشخصيّات. بدلًا من “الداخل” و”الخارج،” يقترح هؤلاء أمرًا مختلفًا تمامًا. ولا يبدو جليًا الشّكل المُحدّد لهذا الخيار، لكن لعلّ هذا الغموض هو المقصود. ويشير الخيار من خلال الرّفض إلى التباسٍ يتّسم بإمكانيّةٍ تغييريّة.

لعلّ المؤشّر الأبرز على الإمكانيّة التغييريّة لهذا المنفى يكمن في المشهد الذي يلي رحيل “أميليا.” تجلس “تمارا” مع “ماهر،” أحد سكّان المجمَع الذي يسألها عن علاقتها بـ”أميليا،” مستحثًا التفاصيل عن طبيعة تلك العلاقة. تخبره “تمارا” أنّ “أميليا” كانت “قصّةً مختلفةً” عن كلّ الشخصيّات الأخرى في حياتها. لم تكن نفسها، تقول – بل كانت معها شخصًا جديدًا. إنّ ترسيم “تمارا” الحدود بين ذاتها القديمة والشخص الذي صارته برفقة “أميليا” لهو أمرٌ بارز. مع “أميليا،” تقول أنّها اختبرَت “رابطًا جميلًا، رابطًا غريبًا.” لا تجيب “تمارا” على سؤال “ماهر” مباشرةً، لكنّها تطرح الالتباس في علاقتها بـ”أميليا.” ويساهم هذا في نوعٍ جديدٍ من الفُتحات التي توجد عندما يُتجاوَز الآن والهُنا.

 

الخاتمة

في كلّ برنامجٍ من تلك البرامج، تخرج هذه الشخصيّات بهدوءٍ من الأمّة، لكن على نحوٍ أكثر رمزيّةٍ، تخرج من منطق النجاح القائم في المكان والزمان الحاليَّين. يتّسم فشلها وبالتالي مقاومتها بالكُمون، لكن من الخطأ اعتبارها فارغة. تصف “هالبرستام” فنّ الفشل الكويريّ كفنٍ “تخسر فيه ]الكويريّة[ بهدوءٍ، وفي خسارتها تتخيّل أهدافًا أخرى للحياة، والحبّ، والفنّ والكينونة” (p. 88). إنّ الحدود الوطنيّة التي تعبرها هذه الشخصيّات رمزيًا، تمثّل إذًا قطيعةً مع الآن والهُنا، متيحةً انقطاعًا يغذّي سرديّات الكثير من النصوص الكويريّة.

إنّ خروج الشخصيّات لا يشير إلى خطابٍ طوباويٍّ عن القبول والاندماج، لكنّه يقدّم شيئًا أكثر فائدةً وصدقًا عبر تلك السّيرورة. من المهمّ التفكير لماذا، في هذا الزمان والمكان، تتصاعد ظهوريّة هذه الحبكات القصصيّة التي تصوغ بالاحتمال “حريّةً سلبيّةً” من خلال الخسارة (Halberstam, 2014). إذًا، تكتسب هذه التمثيلات أهميةً في إشارتها إلى بُنى الشّعور بدلًا من تبنّيها التغييرات الرسميّة في الخطاب الخاصّ بالجنسانيّة غير المعياريّة في لبنان، وهو نوع الخطاب الذي يحيط بهذا النقاش في العادة. من خلال هذا، يمكننا البدء بتتبّع اللّحظة التاريخيّة التي في طور التشكّل. إنّ ما تمنحه هذه التمثيلات هو ظهوريّة مواضع الخزي والألم، التي تشتغل كـ”مجازٍ للصّيرورة خارج الخزي والعاطفة الصّعبة، بين معرفيّتَين، مصيغةً ما يمتلك شكلًا عاطفيًا لكنّه يتطلّب إسمًا أو نظريةً لم تتحقّق بعد” (Georgis, 2013, p. 248).

لكن بينما تُصوَّر هذه الشخصيّات وهي تتجاوز الثنائيّات المهيمِنة، فإنّها لا تسائل على نحوٍ نقديٍ نُظم منطق المعياريّة الغيريّة التي تخترقها. وإذ تشير هذه التمثيلات إلى الخفقات العاطفيّة التي تجعل الجُموع ممكنةً، فإنّها تتيح سرديّاتٍ عن فئةٍ من المواطَنة متمثّلةٍ إلى حدٍ كبيرٍ بالطبقة العليا. إنّ اقتراح المنفى الجغرافيّ بصفته الطريقة الوحيدة للصّيرورة الكويريّة يتجاهل المفاوضات المحليّة التي تتيح طرقًا خارج ثنائيّات المعياريّة الغيريّة. وحتّى عندما تُمثّل طبقاتٌ أخرى من المجتمع، فإنّ شخصيّاتها كالسّائق مثلًا تتلاشى في الظّلمة، متيحةً أنواعًا أخرى من الاستراتيجيّات التفسيريّة. ضمن هذه اللّحظات، تحدث “التصدّعات والشّقوق” (Gopinath, 2005, p. 153) في السرديّات الخطيّة، مُظهرةً إلى السّطح التناقضات المتغلغِلة فيها.

إنّ كون هذه الشخصيّات تمثيلاتٍ حديثةً نسبيًا تتفاعل مع المعياريّة الغيريّة المهيمِنة والراسخة، معبّرةً عن الخسارة والفشل والرّفض، يعني أنّها تشكّل، وإن على نحوٍ جنينيّ، أنماطًا بديلةً للتفكير، أو بُنًى من المشاعر في طور الانبعاث. إنّ دعوة “هيذر لوف” إلى “سياساتٍ مُصاغةٍ بصورة المنفى والرّفض وحتّى الفشل” (2007, p. 71) تعيد تأطير الخسارة بصفتها منتِجةً بالاحتمال بدلًا من كونها نقيضةً للتقدّم. وبينما قد يرى البعض في الخروج النهائيّ لكافّة الشخصيّات من البرامج ومن الأمّة أمرًا إشكاليًا في الخطاب المهيمِن للتمثيل، فإنّ قراءة تلك النصوص على نحوٍ يتصدّى للسّائد بغرض إتاحة المجال للإمكانيّة الكامنة في السلبيّة، تتيح أنماطًا بديلةً من الكينونة أبعد من الخيارات المتوفّرة في نُظُم المنطق المهيمِنة.

 

  • 1. الحواشي
    في العادة، يتعرّض الرجال لا النساء لهذه الممارسات، إذ يُقصد بـ”المجامعة خلافًا للطّبيعة” ممارسة الجنس بين الرجال لا بين النساء.
  • 2. نُشر هذا الكتاب تحت اسم “جوديث” قبل أن يختار الكاتب اسم “جاك.”
  • 3. شهدت غارة مركب كوين في مصر اعتقال 52 رجلا مصريا من قارب مخصّص لسياحة المثليين جنسيّا. ذهب الرجال إلى السجن في وسط مراسيم مكافحة الإرهاب خلال حالة الطوارئ وتمّ تأطيرهم من قبل الشرطة الوطنية كأشباه إرهابيين.
  • 4. بثّ البرنامج لقطات فيديو سريّة لرجال منخرطين في أنشطة جنسية ومشاهدين لأشرطة إباحية في سينما مهجورة، وأذيع على قناة MTV في برنامج التابلويد “إنت حر.” دعا مقدّم البرنامج، جو معلوف، رجال الدين والشرطة لوضع حدّ لهذه الأنشطة، معربا عن اشمئزازه من تصرفات الرجال. داهمت الشرطة في وقت لاحق السينما، وألقي القبض على الرجال ل”ممارسة الجنس غير الطبيعي”، وفُرض “اختبار الشرج” لتحديد ذنبهم (مندور، 2013).
  • 5. في عام 2014، ألقي القبض على 28 شخصا في حمام تركي في بيروت، واتهموا بجرائم مختلفة، بما في ذلك المادة 534، وقانون “الجماع المخالف للطبيعة” (فرنجية، 2014).
ملحوظات: 
المراجع: 

Aghacy, S. (2009). Masculine identity in the fiction of the Arab East since 1967. Syracuse, N.Y.: Syracuse University Press.

Amer, S. (2010). Joseph Massad and the alleged violence of human rights. GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies, 16(4), 649-653.

Benavides, H. (2008). Drugs, thugs, and divas: Telenovelas and narco-dramas in Latin America. Austin: University of Texas Press.

Boym, S. (2012). Estrangement as a lifestyle: Shklovsky and Brodsky. In S. R. Suleiman (Ed.), Exile and creativity: Signposts, travelers, outsiders, backward glances (241-262). Duke University Press.

Butler, J. (2004). Undoing gender. Routledge: New York and London.

Conway, C. (2011). Behold the man: Jesus and Greco-Roman masculinity. New York: Oxford University Press.

Brooks, Daphne. 2006. Bodies in Dissent: Spectacular Performances of Race and Freedom, 1850–1910. Durham: Duke University Press.

Donaldson, M. (1993). “What is hegemonic masculinity?” Theory and Society, Special Issue, 22(5), 643-657.

Doty, A. (2002). “‘My beautiful wickedness:’ The Wizard of Oz as lesbian fantasy.” In H. Jenkins III, T McPherson, & J Shattuc (Eds.), Hop on pop: The politics and pleasures of popular culture. (138-157). Duke University Press.

Fortier, A. (2000). Coming home: Intersections of queer memories and diasporic spaces. Paper presented in the “Queer Theory” seminar series of the Institute of Women’s Studies, Lancaster University. Retrieved from: http://www.omnilogos.com/2011/05/24/queer-diaspora.

Frangieh, G. (2014). The Hammam al-Agha raid: Collective prosecution in violation of individual rights. The Legal Agenda.

Georgis, D. (2013). Thinking past pride: Queer Arab shame in Bareed Mista3Jil. International Journal of Middle East Studies45, 233-251.

Gopinath, G. (2005). Impossible Desires: Queer Diasporas and South Asian Public Cultures. Duke University Press Books.

Haddad, S. (2016). The myth of the queer Arab life. The Daily Beast. Retrieved from http://www.thedailybeast.com/articles/2016/04/02/the-myth-of-the-queer-arab-life.html

Halberstam, J. (2011). The queer art of failure. Durham and London: Duke University Press.

Hamdan, S. (2015). Re-Orienting desire from with/in queer Arab shame: Conceptualizing queer Arab subjectivities through sexual difference theory in a reading of Bareed Mista3jil. Kohl: a Journal for Gender and Body Research, 1(1), 55-69.

Hartman, S. 1997. Scenes of Subjection: Terror, Slavery, and Self-Making in Nineteenth Century America. Oxford: Oxford University Press.

Hayward, S. (1996). Key Concepts in Cinema Studies. New York: Routledge.

Jacob, W. C. (2011). Working Out Egypt: Effendi Masculinity and Subject Formation in Colonial Modernity, 1870-1940. Duke University Press Books.

Jana, K. (2015). Changing heads and hats: Nationalism and modern masculinities in the Ottoman Empire and the Republic of Turkey. In P. D. Andersen & S. Wendt (Eds.), Masculinities and the nation in the modern world. (217-242). Palgrave Macmillan.

Love, H. (2009). Feeling backwards: Loss and the politics of queer history. Cambridge: Harvard University Press.

Love, H. (2012). Gay marriage and its others . Retrieved from http://clarke.dickinson.edu/heather-love/

Makarem, G. (2011) “The story of HELEM.” Journal of Middle East Women’s Studies, 7(3) 98–112.

Massad, J. (2007). Desiring Arabs. Chicago: University of Chicago.

Mikdashi, M. (2013). Queering citizenship, queering Middle East studies, International Journal of Middle East Studies, 45, p. 250-52.

—. (2014). Moral panics, sex panics and the production of a Lebanese nation. Jadaliyya. Retrieved from http://www.jadaliyya.com/pages/index/16570/-moral-panics-sex-panics-and-the-production-of-a-l

—. (2015). Does The nation-state have a hymen? The state of sexual, national, and gendered regulation in Lebanon [Talk].

Mosquera, J. (2000). Democratic gays, modern gays: The construction of homosexual characters in Spanish films during the transition [Master’s thesis].

Muñoz, J. (2009). Cruising utopia: The then and there of a queer futurity. New York: New York University Press.

Najmabadi, A. (2008). “Transing and transpassing across sex-gender walls in Iran.” Women’s Studies Quarterly, 36(3 & 4), 23–42. doi:10.1353/wsq.0.0117

Northwestern University in Qatar. (2013). Media Use in the Middle East: An eight-nation survey.

Rainey, V. (2014). “Banned anal exam still being used as homosexuality test.” The Daily Star. Retrieved from http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2014/Jul-16/264004-banned-anal-exam-still-being-used-as-homosexuality-test.ashx

Sakr, N. (2007). Arab television today. London: I. B. Tauris & Co. Ltd.

Sedgwick, E. (1990). Epistemology of the closet. University of California Press.

Scott, J. C. (1987). Weapons of the weak: Everyday forms of peasant resistance. New Haven and London: Yale University Press.

Shakhsari, S. (2012). From homoerotics of exile to homopolitics of diaspora: Cyberspace, the War on Terror, and the hypervisible Iranian queer. Journal of Middle East Women’s Studies, 8(3), 14-40.

Williams, L. (2014). On the wire. USA: Duke University Press.