أجساد الأمل والمقاومة

السيرة: 

جيليان متحصّلة على درجة البكالوريوس في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة يوتا وعلى درجة الماجستير في الصحة العامة من الجامعة الأميركية في بيروت. عملت جيليان مع فرق البحث الدولية والمحلية حول مواضيع تشمل صحة المراهقين، وحقوق السجناء، والصحة النّفسيّة لدى النّساء. وفي الوقت الحاضر، توسعت علاجاتها لتشمل المعتدين الذكور ذوي تاريخ إجرامي خاصّ بالعنف، وعلى الرغم من الجدل القائم حول هذه العلاجات، قدّمت جيليان أطرها في المؤتمر الوطني عن الاعتداء الجنسي كحلّ لقيود علاجات الحوار وتحويل الصدمة. تنتقل حاليا إلى جامعة نيو مكسيكو كطالبة دراسات عليا في برنامج الدراسات الأمريكية حيث ستتدرب في آن واحد لدى المعالجين/ات الأصليين/ات من مختلف التقاليد. تهدف جيليان إلى أن تصبح باحثة بارزة في الانتاج المعرفي الراديكالي وأن تُطوّر أطرها العلاجية كأدوات العدالة التصالحية لمعالجة الأضرار التي تحدث داخل مجتمعها.

‫ ‫الملخص: 

إن إحدى الطّرق التي تحافظ الأبوية والنيوليبرالية على السلطة من خلالها هي الهرميّات العرقية التي تشرعِن إبعاد الأجساد غير البيضاء إلى مواقع معدّةٍ للاستعمال. في هذا المقال، أهدف إلى إيضاح هذا العنف وكيفية تجلّيه من خلال العاملات المنزليات المهاجرات ضمن السّياق اللبناني، متتبّعةً مسارهنّ نحو الاحتجاز. وأحاول أيضًا تبديد الخرافات التي تطرح العاملات المنزليات المهاجرات كضحيّاتٍ في موقعهنّ المعدّ للتصرّف فيه، من خلال تجربتي في تيسير تدخّلات الصحّة النفسية في أحد السجون اللبنانية. وأبيّن هذا من خلال التفكّر في كيفية تعزيز الطبّ الغربي لقمع هؤلاء العاملات وفقًا لذاتيّتي الخاصة، وكيفية مقاومتهنّ من خلال أفعال الشعور وأعمال الرعاية.

شكر‬ ‫واعتراف‬: 

هذا النص مهدًى إلى الدكتورة “سوسن عبد الرحيم” التي يستمرّ التزامها بالعدالة الاجتماعية في دفعي إلى التأمّل الذاتي، وهو عملٌ صعبٌ يُفترض بأيّ باحثةٍ نسويةٍ القيام به. لقد منحتني نزاهتها الأخلاقية الشجاعة لكتابة هذا النص بصراحةٍ فجّة، مساهمةً في خلال ذلك بتحقيق جزءٍ كبيرٍ من شفائي الذاتي، وهو ما سأبقى ممتنّةً له دائمًا.

الكلمات المفتاحية: 
Migrant Domestic Workers
لبنان
Resistance Behind Bars
Female Incarceration
Neoliberalism;
Patriarchy
اقتباس: 
جيليان جريزل. "أجساد الأمل والمقاومة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 3 عدد 1 (2017): ص. 78-92. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 06 أبريل 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/bodies-of-hope-and-disruption.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (650.9 كيلوبايت)
ترجمة: 

لين هاشم كاتبة ومؤدّية نسوية تعيش في بيروت. حازت على شهادة الماجستير في علوم الجندر والجنسانية من جامعة لندن، وهي جزءٌ من مجموعاتٍ نسويةٍ عدّة في لبنان والمنطقة. نُشرت كتاباتها وترجماتها في عددٍ من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية من بينها ملحق "شباب السفير" ومجلة "كحل" لأبحاث الجسد والجندر. عملت كمدرّبة ومستشارة وباحثة في عددٍ من المؤسسات من بينها "فريدا: الصندوق النسوي الشاب" والجامعة الأميركية في بيروت. تشارك باستمرارٍ في أمسياتٍ شعريةٍ ومهرجاناتٍ فنيةٍ في لبنان والخارج. في أيار 2018، كتبت عرض "المسافة الأخيرة" وأدّته مع الفنان والراقص ألكسندر بوليكفتش في ختام معرض "رسائل حب إلى ميم" من تنظيم ديمة متى في بيروت، ثم في بلفاست وكتماندو. تعمل حاليًا على نشر مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان "حقد طبقي".

cover_issue_5_ar.png

هالة حسن

المقدّمة

جلدنا هو العضو الأكبر في أجسادنا – ثمانية عشر قدمًا مكعّبًا من الأنسجة التي تحتوي عقولنا وقلوبنا وأحشاءنا في مكانٍ واحد. الجلد هو الوسيط الحسّي الأول الذي يمنح المعنى للعالم الخارجي، وعادةً ما يكون الأخير أيضًا. بصفته مركّبًا يحتضن الشعور، المُعبّر عنه وغير المعبّر عنه، يمثّل الجلدُ النسيجَ الذي يحتوي ذاكرتنا الذاتيّة، واصلًا إيّانا بالمعلومات التي تتجاوز التجربة المباشرة. ولطالما رأت المعالِجات التقليديات في الجسد أداة تحريرٍ للمعرفة، ولفهم العالم وإيجاد مكاننا فيه. كانت هذه أفكاري ومحور قلبي عندما وقفتُ في غرفة الحبس الانفرادي في أحد سجون النساء في لبنان، وهي عبارةٌ عن مساحةٍ لا تتخطّى نصف مساحة جلدي الذي كان يحتويني. وعلى الرغم من أن مركز الاحتجاز هذا لا يبعد عن وسط بيروت أكثر من عشرين دقيقةٍ سيرًا على الأقدام، فإنّ أحدًا ممّن تحدّثتُ إليهن/م في الخارج لم تعلم/ يعلم بوجوده. أكثر من نصف المحتجزات في المركز هنّ من التابعية غير اللبنانية واللاجئات والعاملات المنزليات المهاجرات السابقات، جميعنّ مجرّمات وموجّهات إلى هذا المركز بعيدًا عن الأعين1. عدتُ إلى اللحظة الآنية عندما طلبَت مني الحارسة إنهاء جولتي في السجن، شارحةً تصميم السجن بينما كنت أستمع بانتباهٍ: أحيانًا تُوضع النساء في زنازين مختلطة، لكن بشكلٍ عامٍ يُفرَزن في زنازين مختلفة وفقًا لدرجات الميلانين المتباينة. كان الجلد هو المُنظِم النهائي.

كطالبةٍ في الدراسات العليا في “الجامعة الأميركية في بيروت،” مُنحتُ الإذن لدخول السجن من أجل تيسير أنشطةٍ تتعلّق بالصحة النفسية بتوجيهٍ من مستشارةٍ مختصّةٍ وقوى الأمن الداخلي. كان هذا المشروع بالغ الشخصية بالنسبة إليّ لكوني اختبرتُ في السابق احتجاز أحد والدَيّ، ونظرًا إلى صراعي مع مشكلات الصحّة النفسية المتعلّقة بالعنف على أساس الجندر والقمع الدّيني. وبما أنني عملتُ في السابق كمعالجةٍ بالتدليك، ارتأت طبيبة السجن والنساء المحتجزات أن من الأفضل لي استخدام اللّمس العلاجي كمكوّنٍ رئيسٍ في عملي في السجن. كنتُ هناك لتعليم السجينات العلاج بالتدليك باستخدام الوسائل التشاركيّة، وتضمّن ذلك السجّانات أيضًا، وإن كان الأمر إشكاليًا. وعلى الرغم من أن الأدب النقدي يشير إلى الدور المادّي الذي يؤدّيه الجلدُ في تنظيم العالم من حولنا، وليس فقط في تنظيم أحشائنا، فما زال هناك الكثير مما لا نفهمه عن عضونا الأكبر والدور الذي يؤدّيه في عملية الإدراك والشفاء. ومن خلال تصميم وتطبيق ذلك التدخّل مع السجينات، هدفنا إلى التشارك في بناء أداة تعافٍ يمكن لهنّ استخدامها في الحياة اليومية، وتفسير كيفية تأثير العلاج باللّمس في السجينات وفي مساحة السجن، والإضاءة من خلال ذلك على الطرق التي تقوم فيها المؤسّسات الغربية الحالية، ومن بينها الطبّ الغربي، بتعزيز قمع الإناث.

في هذا المقال، أتبع تقليد “النسويّات السوداء والأصليّة والعابرة للحدود” التي تنظر في طرق المعرفة غير العقلانية وغير الخطّية بصفتها مرتبطةً بالنفساني والعاطفي والروحي (Allen, 1996; Alexander, 2005; Lorde, 2012)، فهذه المكوّنات تعمّق التجربة، ومن دونها، لا يمكن لنا أبدًا أن نعرف ذواتنا حقًا، ما يتسبّب بنزاعٍ بين ما تعرفه أجسادُنا وما جرت برمجة عقولنا على نسيانه (Lorde, 2012; Alexander, 2005). وأفترض هنا أن اللحظة الآنية تحمل في طيّاتها ماضيًا يشكّل وقائع متعدّدة في العالم المادّي، وبالتالي تغدو الأجساد مساحاتٍ تحوي الذاكرة الجيليّة، وهو إطار عملٍ طوّرته النسويّة اللبنانية “ديما قائدبيه” واصطُلح على تسميته “نسويّة الظّل” (Kaedbey, 2015). وأثبتت أطر العمل هذه فعاليتها في فكّ ذاتيّتي الخاصة في ضوء نشأتي في منزلٍ مورمونيّ، وهي شكلٌ فريدٌ من المسيحيّة تمثّل الأبوية ركيزتها الثقافية والروحية الإرشادية. كبرتُ وأنا أدرك انتمائي إلى نسبٍ يتّسم بتعدّد الزوجات، وكذلك أشكال الهوَس المتعدّدة التي طوّرتها جدّاتي. في سنٍّ صغيرةٍ، نشأ لديّ انعدامٌ في الثقة في الطبّ الغربي بعدما رأيتُ كلّ امرأةٍ من نساء عائلتي تُطبّب أو تُرسل إلى المؤسّسات المختصّة بسبب الإدمان أو الاضطرابات النفسية. وإذ جعلتني هذه العوامل أكثر قدرةً على التواصل مع السجينات في لبنان، فإنّ السياقات والتجارب المحدّدة لا تُترجَم عبر المواطنية والعرق والتواريخ الجغرافية. بناءً عليه، أقر بهذه التحيّزات في هذا المقال من خلال تحديد موقعيّتي الخاصة في العلاقة بالنساء اللواتي عملتُ معهنّ، وبالتالي تلخيص كيفيّة قيام القوى الأكبر للأبوية والرأسمالية والتفوق العرقيّ الأبيض بتشكيل مسارات العاملات المنزليات المهاجرات نحو السجن. أخيرًا، من خلال تجربتي في تيسير تدخّل العلاج باللّمس، أتفكّر في فشل النموذج الخطّي للتشخيص في التقاط التعقيدات الصحية، وهو نموذجٌ متأثرٌ بالفكر الفرنسي والأميركي، كما أتطرّق إلى سبل المقاومة التي تبديها العاملات المنزليات المهاجرات المحتجزات من خلال أفعال الشعور وأعمال الرعاية.

 

مسار العاملات المنزليات المهاجِرات نحو السّجن

لطالما كانت الفضلات الاجتماعية عاملًا معرّفًا للرأسمالية. لقد بنى الغرب مجمع السجن الصناعي وصدّره عالميًا، بحيث باتت النساء الآتيات من إفريقيا، وآسيا، والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، أو ذوات الخلفيات الأصلية والسوداء واللاتينية يشكّلن الفئة السكانية السجينة الأسرع نموًا في العالم (Sudbury, 2005; Walia & Smith, 2013). وترتبط هذه المسارات بالعولمة والإمبريالية الغربية وتأنيث أعمال الرعاية (Walia & Smith, 2013; Sudbury, 2014). إن نموذج الفعالية الذي يهيمن على الجهود الإنسانية العالمية وتوليده المستمر للأدلة الكمّية ينتج خطاب الضعف والضحية الذي يسِم العاملات المنزليات المهاجرات: نساءٌ فقيراتٌ ذوات بشرةٍ ملوّنةٍ لديهن تاريخ من التروما (الصدمة) (Sudbury, 2005; Pande, 2012). في العقود الماضية، تدفّقت العاملات المنزليات المهاجرات إلى لبنان، وعلى الرغم من صعوبة تتبّع أرقام المحكومين/ات بالسجن في لبنان، فإنّ الثيمات المتعلقة بحيواتهنّ تركّز على الاستعباد ومكانة الضحية، مشكّلةً الخطابات التي تهيمن على محاولة إيجاد الحلول (Pande, 2012). ويُنظر إلى وجهات النظر هذه على أنها وقائع، ما يزيد من إقصاء هؤلاء النساء عن الحياة المدنية، ليس فقط من خلال إخفائهن، بل أيضًا من خلال تصويرهن كنساءٍ مضطرباتٍ يحتجن إلى العلاج. ويهدف هذا المقال إلى رفض هذا المفهوم من خلال تبديد خرافة الضحية والتركيز على العاملات المنزليات المهاجرات من إفريقيا وجنوب شرق آسيا والفيليبين اللواتي يمثّلن قوة عاملة عابرة للحدود تشكّل جلّ أعمال الرعاية في لبنان (Pande, 2012).

وتدرك أطر العمل النظرية التي ألتزم بها في هذا المقال أن المؤسّسات الغربية كالطب والأكاديميا تنتج الكثير من الأدلة التي تُشرعن قمع النساء. وبصفتها سلطاتٍ معرفيّة، تولّد هذه الصناعات معارف توجّه السياسات وتضع المعايير التي وفقًا لها تُصنّف بعض الأجساد كأجسادٍ قابلةٍ للتصريف. تاريخيًا، كلما انحرفت النساء عن المعايير الأبوية، كنّ يوضعن في مؤسّسات الطبّ النفسي ويُحتجزن بصفتهن مصاباتٍ بالهستيريا وبالأمراض النفسية (Davis, 2011; Brumberg, 2010). اليوم، استُبدِلت هذه المؤسّسات بالسجون، وباتت الدول تتّخذ تدابير مشدّدة بحقّ النساء المهاجرات غير البيضاوات اللواتي يجسّدن تدفّقات رأس المال العابرة للحدود2 (Chang, 2000; Sudbury, 2014).

من خلال الشهادات الشفوية، تقدّم العاملات المنزليات المهاجرات نظرةً شاملةً إلى البُنى البيئية مثل الأجر المنخفض، والتحرش، والعنصرية، والاحتجاز وغياب مساءلة ربّ العمل بشأن الانتهاكات، وكيفية تشكيل هذه البُنى لحيواتهنّ في لبنان (Gemma, 2016; Mala, 2016; Rose, 2016). بالتالي، فإن العاملات المنزليات المهاجرات عرضةً للضغوط النفسية المتعلّقة بالعوامل البيئية، مع الإشارة إلى أن الانتحار يمثّل مشكلةً أساسيةً من مشكلات الصحة النفسية في أوساطهنّ (Pande, 2012). وعلى الرغم من إقرار المنظمات الدولية بأن اضطرابات الصحة النفسية ترتبط بقوًى أكبر، إلا أن العلاج نادرًا ما يذهب أبعد من الفرد نظرًا إلى التكلفة السياسية لذلك. وتعترف “منظمة الصحة العالمية” (2016) بأن العوامل الاجتماعية المُحدِدة أساسيةٌ في توجيه النتائج الصحية، وهي تُعرّف بالظروف التي يولد فيها الناس ويكبرون ويعملون ويعيشون ويشيخون، بالإضافة إلى الوضع الأكبر الذي يشمل القوى والأنظمة التي تصوغ ظروف الحياة اليومية. وتتضمّن هذه القوى السياسات والأنظمة الاقتصادية، وأجندات التنمية، والمعايير والسياسات الاجتماعية والأنظمة السياسية (WHO, 2016). بالتالي، إن انتشار حالات الاضطراب النفسي بين العاملات المنزليات المهاجرات السجينات اللواتي عملت معهنّ كان أكثر تعقيدًا بكثيرٍ من التجلّي البيولوجي، وكما احتجازهن، يمكن اقتفاء أثره في السياسات والبُنى الاجتماعية للأيديولوجيات الأبوية والنيوليبرالية.

منذ ثمانينات القرن الماضي، مثّلت النيوليبرالية الأيديولوجيا الرئيسة للسياسات الاقتصادية العالمية، داعيةً إلى أسواقٍ حرّةٍ وإلى تدخّلٍ حكومي محدودٍ في تنظيم الاقتصاد (Harvey, 2005). وأُنشئت أسواقٌ ماليةٌ عالميةٌ في وقتٍ أخذت فيه الدول تعيد هيكلة حكوماتها من خلال خصخصة الخدمات العامة كالتعليم والرعاية الصحية، من أجل تلبية مطالب وكالات التنمية الغربية التي تمنح القروض المشروطة (Farmer & Sen, 2003). إن تدابير التقشّف التي تتطلّبها النيوليبرالية كنتيجةٍ للتعديلات البنيوية تترك فئاتٍ سكانيةً معيّنة عرضةً للحرمان وتحدّ في الوقت عينه من فرصها الاقتصادية. وما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى النساء، هو أن الاقتصاد العالمي مبنيٌ أيضًا على نحوٍ يعتمد على المفهوم الأبوي للعمالة المُجندرة الرخيصة، ما يحوّل اقتصادات بعض الدول إلى اقتصاداتٍ “مؤنّثة” بغرض السماح للنساء في الدول الأكثر ثراءً بإدارة حيواتهنّ المنزلية وفقًا للتوقعات الاجتماعية المطلوبة منهن، وفي الوقت عينه عدم الإخلال في النظام الأبوي الأكبر، وذلك بالدرجة الأولى من خلال توظيف العاملات المنزليات المهاجرات (Parreñas, 2008). وتعِدّ النيوليبرالية الأرضية لإنتاج الفضلات الاجتماعية من خلال تناقضها الكامن في زعمها تنظيم مجتمعٍ يتّسم بالفرص المتساوية، بينما تقضي على الخدمات الاجتماعية ذاتها التي تتيح تلك الفرص في الأساس. وتساهم الأبوية في إنتاج الفضلات الاجتماعية من خلال الحدّ من نوع العمل الذي يُسمح للنساء القيام به، والحطّ من قيمة أعمال الرعاية بجعلها عمالةً مسلّعةً رخيصةً أو مجانية (Parreñas, 2008).

في حال لبنان، يمثّل تدفّق العاملات المنزليات المهاجرات امتدادًا للسياسات النيولبيرالية، كما يشكّل مسارها المؤدّي إلى السجن جزءًا من المشروع ذاته الهادف إلى الحفاظ على الرأسمالية من خلال الهرميّات العرقية (Walia & Smith, 2013; Pande, 2012; Smith, 2015). وكما في بلدانٍ أخرى، استشعر لبنان ضغط المصالح المتنافسة في ظلّ التحول الاقتصادي العالمي، فأدخل تعديلاتٍ بنيويةً في خلال فترة الطفرة النفطية في السبعينات بهدف زيادة نمو الاقتصاد. في الوقت عينه، حدث تحولٌ في توظيف النساء الإفريقيات نظرًا إلى كون عمالتهنّ أرخص وتُعتبر أكثر خنوعًا (Pande, 2012). وبدوره، أدّى استمرار تدفّقهن إلى خفض المكانة الاجتماعية للعاملات المنزليات، وإضفاء صبغةٍ عرقيةٍ سلبيةٍ على العمل المنزلي، كاشفًا كيف يُنظر إلى الأجساد السمراء على أنها أجسادٌ قابلةٌ للتصريف على نحوٍ مبرّرٍ وكمرساةٍ للرأسمالية (Pande, 2012; Smith, 2015). في السجن الذي عملت فيه، كانت العاملات المنزليات المهاجرات متّهمات بجرائم عنيفة ارتكبنها في أثناء مقاومة أرباب عملهنّ بعد تعرّضهن للتعذيب أو الحرمان من الأجر. وكانت النساء المسجونات بتهم العمل الجنسي أو السرقة يقاومن أيضًا الحرمان من الأجر من خلال استراتيجيات البقاء هذه. لكن بعض هؤلاء لم يسرقن المال أبدًا، بل كانت التهمة مجرّد وسيلةٍ استخدمها أرباب العمل لتفادي تسديد أجر العاملة. بالتالي، كنت أعمل مع فئةٍ فريدةٍ تقاوم العنفَ الجندري والعرقي والاقتصادي من خلال التمرّد، وفي الوقت عينه تشكّل امتدادًا له في موقعٍ يُقصد منه إبقاءهنّ غير مرئيّات.

 

تطبيب الشّقاء

وفقًا لطبيبة السجن، كانت كلّ امرأةٍ تدخل السجن لجرمٍ ما تخضع لتقييم الطبيب/ة النفسي/ة وغالبًا ما تُشخّص باضطرابٍ نفسي ما. أما في الحالات النادرة التي لا تُشخّص فيها النساء باضطرابٍ نفسي، تشير الطبيبة إلى أن الأمر سينتهي بهنّ إلى تطوير اضطرابٍ ما بسبب الضغط الناتج عن بيئة السجن. أما السبب الذي دفع بالطبيبة إلى مناصرة العلاج باللّمس، فهو ببساطةٍ التحقّق من مصداقية التجربة، بالإضافة إلى النقص في الموارد. كان موقف الطبيبة واضحًا لجهة اعتقادها بأن النساء لسن مريضاتٍ، بل مجرّد ضحايا لظروف الحياة قائلةً: “هذا الألم ينبع من عدم وجود مَن يساندهن.” بديهيًا، كانت الطبيبة تشهد عملية “تطبيب البؤس،” وهي ظاهرةٌ كنت شهدتُها مع نساء عائلتي. ومن خلال إضفاء الطابع المرضيّ على القمع والمقاومة، رأيتُ كيف يستبعد الحقل الطبّي الأشكال المتقاطِعة من القمع الأبوي والديني والطبقي، وبعد دراسةٍ طويلة، أدركت الدور الجوهري للطبّ النفسي في الدفع بالرأسمالية قدمًا من خلال ممارستها التشخيص العيادي الذكوري (Metzl, 2003; Ussher 2010). هكذا، تمكّنتُ من إعادة تأطير “هوس” جدّاتي ليغدو استراتيجية مقاومةٍ غذّت افتراضاتي المتعلّقة بالنساء اللواتي عملتُ معهنّ في السجن. وعلى الرغم من أن ذاتيّتي لا تستبدل تجارب هؤلاء النساء، فإني أفترض أنهن واجهن قمعًا مماثلًا متعلقًا بالترابط بين الأيديولوجيات المهيمِنة والرأسمالية والطب الغربي.

قابلتُ “ناتالي” – إحدى السجينات – للمرة الأولى في صفوف اللغة الإنكليزية التي علّمتُها في السجن بالتزامن مع صفوف التدليك. وكانت صفوف اللغة الإنكليزية افتُتِحت من أجل المقارنة بين ديناميات المجموعات التي تشكّلت في خلال الجلسات القليلة الأولى من كلّ صف3. ولم تشأ النساء اللبنانيات تعلّم الإنكليزية في صفٍ واحدٍ مع نساءٍ غير لبنانيات، كما كانت لديهنّ بعض التحفّظات على تعلّم التدليك بشكلٍ عام. وشكّلت “ناتالي،” وهي امرأةٌ سريلانكية، استثناءً في تعلّمها الإنكليزية مع المجموعتَين، وكانت قد نُقلَت للتوّ من سجنٍ آخر. وعلى الرغم من الهرميات العرقية المهيمِنة في لبنان، تمكنت “ناتالي” من نسج علاقاتٍ مع جميع السجينات والسجّانات. حضرَت “ناتالي” إلى الصف متأخرةً وقاطعَت المقدّمة، فقلت مبتسمةً “يبدو أن هناك مشاغبةً بيننا،” فابتسمَت لي. كانت قد قضت أكثر من عقدٍ في السجن، هي التي أتت إلى لبنان من فقرٍ مدقعٍ آملةً في جني المال لمساعدة أسرتها كحال الكثير من النساء اللواتي يدخلن مجال العمل المنزلي. لدى وصولها، واجهت “ناتالي” قيود نظام الكفالة، وعملت لدى ربّة عملٍ أساءت إليها من دون أيّ محاسبة. كانت “ناتالي” تُسجن في غرفٍ صغيرةٍ، وتتعرّض للضرب، والتجويع، والتعذيب الجسدي والحرمان من النوم. بعد سنةٍ، واجهت “ناتالي” ربّة البيت التي كانت تنام بسكينةٍ تحت وسادتها، ونشبت بينهما مشادّةٌ أقدمت في خلالها “ناتالي” على طعن السيدة وزوجها، متسبّبةً في مقتل المرأة على الفور. اعترفت “ناتالي” بالجريمة، وكان تمثيلها القانوني ضعيفًا، وبما أنها ارتكبت جريمةً، تخلّت عنها سفارة بلادها.

لم تكن “ناتالي” تحضر صفوف التدليك، ولم أضغط عليها لتحضر. كانت تطلّ برأسها خلسةً لتلقي نظرةً على الصف، وكانت باقي السجينات والعاملات الاجتماعيات يهمسن لي قصّتها. كانت السجينات يتوقّعن مني أن أحكم عليها أو أن أتخذ موقف التعاطف/ الشفقة الذي يتخذه المرء عادةً عند سماع قصةٍ مأساوية. قالت لي إحدى النساء وقتذاك: “لا بدّ أن يطلقوا سراحها، لقد تغيّرت كثيرًا،” كأنما في محاولةٍ لتلطيف الخبر. عادت “ناتالي” إلى الغرفة مدركةً أننا كنا نتكلّم عنها. نظرت إليّ لتقصّي ما إذا كنت سأتراجع، محاولةً معرفة ما إذا كنت أخشاها. توقفنا عن الكلام لبرهةٍ، ثم قلتُ لـ”ناتالي:” “لقد دافعتِ عن نفسكِ، ولو لم تفعلي ذلك لكان انتهى الأمر بك ميتة.” لم تجب بشيءٍ سوى بابتسامةٍ دافئة. بعد ذلك اليوم، صارت “ناتالي” تحضر صفوفي وتلمس ذراعي بدفءٍ كلما مرّت بجانبي.

يزخر التاريخ بقصصٍ كقصّة “ناتالي” لنساءٍ لم ينجين أبدًا من إهانات الصّمت المكتسَب، ذلك العنف البطيء الذي يسرق الحيوات من جيلٍ بكامله ويجعل من شبه المستحيل للمرأة أن تثق في نفسها من خلال إنكار تجاربها. تغدو اللمسة تعبيرًا ضمنيًا بين النساء المحتجزات، كتناقل طاقةٍ مطلوبةٍ لإحلال الصوت في الصمت. كانت اللمسة طريقتنا لنشهد ونصدّق بعضنا البعض، ولنبني احترامًا متبادلًا في ما بيننا على الرغم من اختلافاتنا.

وتدعم “لمياء مغنية” – عالمةٌ لبنانيةٌ في الأنثروبولوجيا والعمل الاجتماعي – اعتقادي بأن العلم الغربي يفشل في التعامل مع العاملات المنزليات المهاجرات، محذّرةً الأطباء والطبيبات والمعالجين/ات النفسيين/ات اللبنانيين/ات والجمعيات الإنسانية من بروتوكولات العلاج التي يستخدمونها مع النساء، ولاسيما المحرومات منهن. وتجادل “مغنية” بأنه نظرًا لتأثر هؤلاء بفكر علم النفس الأميركي والفرنسي، فإنهم/ن يبالغون في تشخيص “اضطراب التحويل” لدى النساء، وهو شكلٌ معاصرٌ من أشكال الهستيريا. وتدعو “مغنية” مقدّمي/ات الرعاية الصحية النفسية اللبنانيين/ات إلى الحذر في ميلهم/ن إلى “التشخيص على نحوٍ غير نقدي” (Moghnieh, 2014). وإذ تسلّط الضوء نقديًا على مسألة معالجة النساء، تشير “مغنية” أيضًا إلى تمكّن الحركة النسوية من إحداث تغييرٍ جزئي في هذا الفكر. ويُعدّ العلاج باللمس مفيدًا نظرًا إلى قدرته على تجاوز النطاق الذي يتناوله الطب الغربي، ومناهضته لمفهوم الزمن الخطّي – على الرغم من كون الأمر إشكاليًا – من خلال ولوج مخزوناتٍ روحيةٍ ذاتيةٍ مرتبطةٍ بالتروما التاريخية لدى التعامل مع القمع المرتبط بالصحة وبحلّ المشكلات.

 

العلاج باللّمس كمعالجةٍ للتروما

في الصفّ الأول الذي علّمته في السجن، عرّفتُ بنفسي كمعالجةٍ بالتدليك وأعلمتُ النساء بأننا سنستخدم العلاجات القائمة على اللّمس من أجل الوصول إلى أحوالٍ عاطفيةٍ أفضل. كنت قضيتُ وقتًا في تايلاند أتعلّم التدليك التايلاندي ونظرياته، بالإضافة إلى الأنظمة الصحية الأصلية الأخرى التي تعمل من خلال الطاقة بدلًا من التشخيص الغربي، ولاسيما أنظمة جزر هاواي التي ترى في الجسد نقطةً مرجعيةً للمعرفة، وتعتقد بأن المرء من خلال النشاط الجسماني والانخراط في المشاعر، يستطيع/ تستطيع ولوج المخزونات الروحية التي تربط بين حكمة الأسلاف والماضي والحاضر والمستقبل، والتي هي المصدر الحقيقي الوحيد لإنتاج المعرفة (Jim, K. H. U., & Arledge, 2007). وكما تشير النسويات السوداء والعابرة للحدود، أرى في هذه المساحة مساحةً مقدّسةً مرتبطةً بطاقة الخلق الأنثوية (Lorde, 2012; Alexander, 2005). وهذه المساحة أكثر من مفهومٍ مجرّدٍ، وولوجها يتطلّب جهدًا عاطفيًا وروحيًا يحتاج إلى التزامٍ بنوعيّةٍ معينةٍ من الحضور تؤثّر بدورها في ما نقوم به. وفي هذه المساحة يمكن تعطيل القمع الممنهج، إذ عندما ندمج ميراثنا الذاتي بطريقةٍ تساهم في يقظتنا الخاصّة، فإننا نربط النضال الفردي بالمقاومة الجماعية من خلال المقدّس الذي يصِل كلّ شيء ببعضه البعض (Van Dernoot Lipsky, 2010). وعلى الرغم من أن الكثيرين/ات لا يأخذون هذه المقاربة على محمل الجد، فإن إيماني بالنشاط الجسماني يأتي من تعاملي مع التروما الخاصّة بي، وهو عاملٌ رئيسٌ سمح لي بالتواصل مع النساء اللواتي عملتُ معهنّ في السجن، إذ كنت أرى فيهنّ أبعد من التشخيص والسلوك الإجرامي.

في صراعي الذاتي مع اضطراباتي النفسية، قاومتُ من خلال البحث عن وسائل صحيةٍ بديلة، وتعلّم العلاج بالتدليك والمباشرة بممارسة عملي الخاص فور تخرّجي من الجامعة. كنتُ صغيرةً في السنّ ومحدودة الخبرة، وكان عليّ أن أواجه سريعًا واقع التمييز ضدّ النساء، والاعتداء والجنس التبادلي القسري المستفحل في مجال التدليك. وكما هو حال الكثيرات، لم أتنبّه إلى أنني كنتُ أُدفَع نحو الدخول في اقتصاد الظل للعمل الجنسي، ما تسبّب لي بتروما ما زلت أعمل على استكشافها. لكن تأملاتي هذه أضاءت على وجهات نظرٍ مختلفةٍ أعمل على تفكيكها وأناهض – في خضم تعقيداتها – سردية الضحية التي تهيمن على العمل الجنسي4.

فمن جهةٍ، وبسبب نشأتي الدينية التي علّمتني أن أرى الرجال قوةً مطلقة، لم أمتلك الوعي أو المهارات الكافية لاستكشاف الحدود الآمنة الخاصة بي. ومن جهةٍ أخرى، وعلى الرغم من مخاطر العمل الجنسي، كنت أرى في العلاقات الحميمة مع الرجال كمدخلٍ للزواج قمعًا أشدّ بكثيرٍ، نظرًا إلى اختباري الطبيعة المخصخصة للأسرة النووية التي تحمي المعتَدين. كان العمل الجنسي بالنسبة إلي فعل مقاومةٍ ومساحةً أكثر أمانًا، لأنه أمّن لي استقلاليةً أكبر ضمن ظروفي في ذلك الوقت. لن أقول أنه كان عملًا تحرّريًا لأنه لم يكن كذلك، لكنه منحني المزيد من الحرية كي لا أضطر إلى تحمل المسؤوليات المتوقّعة من الزوجة المرمونية، وإلى أداء قسَم الطاعة لزوجٍ ما في إطار نظامٍ أبوي أبدي وفقًا لطقوس احتفال المعبد. بعد ذلك، اختبرتُ احتفال المعبد في محاولةٍ للاندماج مجددًا في مجتمعي، لكنني عدتُ ونكثتُ العهد بعد قراءة التواريخ الضائعة للنساء المرمونيات التي استردّتها النسويات المرمونيات اليوم. في تلك السرديات، اكتشفتُ أن النساء والبُنى الجندرية الأبوية كانت محوريةً في بناء الاقتصاد المرموني في ولاية “يوتاه،” وعلى الرغم من النزاع الأخلاقي بينهما، كان تعدّد الزوجات والعمل الجنسي ممارسَين ومنظّمَين علنًا في الأراضي المرمونية حتى إلغاء الزواج المتعدّد (Nichols, 2002). وكإدراكٍ متأخرٍ، أقول أن الأمر تضمّن ألفةً متأتيةً عن البرمَجة الجيليّة: فعلى الرغم من أنني كنت أناهض معايير مجتمعي وقتذاك، إلا أنني كنت ما زلت أستجيب للسلطة الذكرية وأعيد تشريع ديناميات تعدّد الزوجات، وثقافة السرّية المحيطة بها وسمسرة تبادل النساء كممتلكاتٍ بشرية (FMH, 2012; FMH, 2014).

أدرك مخاطر إفصاحي عن موقعيّتي، لكني أقوم بذلك كفعل تضامنٍ نسويٍ تقاطعي وعابرٍ للحدود، في محاولةٍ لإزالة الوصمة عن العمل الجنسي، مع إدراكي بأن امتيازاتي كامرأةٍ أميركيةٍ بيضاء كانت أساسيةً في عدم تعرّضي للاحتجاز والسماح لي بإكمال تعليمي العالي. وكما في تجربتي الخاصة، تحرم هذه الأيديولوجياتُ النساءَ من المشاعر، ويبدأ القمع بسبب حرمانهنّ من كمٍ كبيرٍ من التجارب، ما يخلق تنافرًا باطنيًا يفتح المجال أمام المصادر الخارجية لتثبيت نفسها كعوامل استقرارٍ وسيطرة (Lorde, 2012). ويلقي هذا الأمر الضوء على فوائد النشاط الجسماني الذي يقدّم وسيطًا غير عدواني، يمكّن مَن يختبرنه من استعادة عقلهنّ من خلال وصلِه بالمشاعر التي تسري في الجسد (Fogel, 2009). بالإضافة إلى ذلك، يسمح النشاط الجسماني بالمعالجة العاطفية كطريقةٍ لا تتطلّب من المرأة عيش الذكريات الأليمة من جديدٍ، أو المجازفة بالتعرّض لتبِعاتٍ ثقافيةٍ معيّنةٍ نتيجة إعادة سرد الأحداث (Fogel, 2009). وتزداد أهمية النشاط الجسماني اليوم مع بروز حقولٍ علميةٍ جديدة تقرّ بالتروما الجيليّة تُسمّى “علم التخلّق” (Epigenetics)، وتستخدِم الجسد كوسيطٍ للعلاج. وتفيد هذه الوسيلة على نحوٍ خاصٍ مَن يختبرن/ يختبرون خزيًا دينيًا أو ثقافيًا متصلًا بتجاربهن/م وحيث تحضر عوائق اللغة، وهي عوامل تنطبق على النساء اللواتي عملتُ معهن في السجن. ولعلّ الاستخدام الأهم لعلاجات اللّمس هذه يكمن في تمكين المرأة من استعادة جسدها كمساحةٍ من خلال وصلِ المرأة بذاتها ومحيطها عبر ذلك الجسد، وهو عاملٌ جوهري لتحقيق رفاه النساء في بيئةٍ كبيئة السجن، قد يتعرّضن فيها في أيّ لحظةٍ للتفتيش العاري أو تكبيل اليدَين أو الحبس الانفرادي.

كان الحبس الانفرادي التكتيك الأكثر شيوعًا لفرض السيطرة على النساء في السجن. وفي التقييم المجتمعي الذي أجريتُه، أشارت السجينات والسجّانات على حدٍ سواء إلى هذا التكتيك، إذ كانت النساء المُحتجزات في خوفٍ دائمٍ من التهديد المستمرّ بالحبس الانفرادي. ويمثّل الحبس الانفرادي ممارسةً شائعةً في أنظمة العدالة العقابية، ويُعدّ اليوم أحد أكثر الطرق بطشًا لإحداث التروما النفسية على الصعيد العالمي، ويُصطلح على تسميته “التعذيب بالحرمان الحسّي” (AI, 2014).

وفقًا لطبيبة السجن اللبنانية التي قابلتُها، والتي كانت سجينةً سياسيةً سابقةً وتعرّضت للتعذيب بالحرمان الحسّي لأربع عشرة سنةٍ، فإنّ الأثر الأسوأ يطال السجين/ة أكثر من أي شيء آخر. وسبق لمنظمات حقوق الإنسان مثل “منظمة العفو الدولية” ومختصّي/ات التعذيب في الأمم المتحدة أن أدانوا بشكلٍ خاصٍ استخدام التعذيب بالحرمان الحسّي ضد الأشخاص المضطربين/ات نفسيًا (CCI, 2012, Heiss, 2015). ويتسبّب التعذيب بالحرمان الحسّي بإرباك السجناء والسجينات من خلال إفقادهم/ن أجزاء من هويّاتهم/ن الشخصية، ما يحدث عوارض مماثلةً لعوارض الاضطرابات النفسية التي سبق لهم/ن أن شُخصوا بها في الأساس (CCI, 2012). ودائمًا ما يُستخدم التعذيب بالحرمان الحسّي من أجل الكبت والقمع، وقد شهدتُ استخدامه للمرة الأولى في السجن نتيجة صراع قوةٍ على المياه. كانت المياه مقطوعةً لثلاثة أيامٍ لم تتمكّن السجينات في خلالها من الاغتسال. وقتذاك، قيل لإحدى السجينات أنه لن يُسمح لها بالاغتسال، ثم سُمح بذلك لسجينةٍ أخرى، ذات مكانةٍ اقتصاديةٍ أرفع، ما أثار غضب الأولى. نتيجةً لذلك، زُجّت المرأة في الحبس الانفرادي، وقد أبلغتني الممرضة أن لها تاريخًا من نوبات الغضب المرتبطة باضطراباتها النفسية.

يناهض النشاط الجسماني الإرباك الناتج عن التعذيب بالحرمان الحسّي، وهو بالتالي سياسي بامتياز. هذا النوع من العلاج هو ترياقٌ للقمع، وهذا يعني أن نعرف أنفسنا من خلال المقدّس، ما يتطلّب إعادة كتابة حواسنا (Alexander, 2005). جلدنا هو الوسيط لهذا النوع من العمل، ويجب أن يكون مركز العمل العلاجي برمّته، في عالمٍ تُسلّع فيه الأجساد خدمةً للرأسمالية (Alexander, 2005). ويعدّ التدليك والعمل الجنسي من أعمال الرعاية، ومن خلال اختباري كليهما، خضت ذلك الصراع وفاوضتُ أجزاء من نفسي على معنى تسليع هذا الحسّ والرابط الأكثر اجتماعيّةً الذي يربطنا بمخزوناتنا الروحية التي تتيح لنا تذكّر الغاية، وتمنح الحياة المعنى من خلال الترابط (Alexander, 2005).

وبما أنّ هرميّات القوة مغروسةً في الطبّ الغربي وفي النظام السجني، حاولتُ والسجينات التخفيف من الميول السلطوية التي قد تتدخّل في عملية استكشاف الذات. هكذا، نسجنا علاقة أخذٍ وعطاء. كانت الفكرة بسيطةً؛ الجسد المتلقّي يعرف ما عليه فعله، والجسد المانح يقوم فقط بتيسير العملية من خلال الحضور الذهني وأداء دور الشاهد على ما يذلّله الجسد المتلقّي بنفسه. إن التصديق على الاكتشافات الذاتية هذه يعزّز الثقة بالنفس لدى المتلقّية، ما يسمح لها باسترداد جسدها وعقلها. كان العرض الأول الذي قدّمتُ لـ”مايبل،” وهي امرأةٌ فيليبينية دمعت عيناها بعد عيش التجربة قائلةً “أشعر بأنني حرّة.” كانت لحظةً عاطفيةً لجميع الحاضرات في الصف. بالنسبة إلى معظم النساء، بمن فيهنّ أنا، يمثّل التعرّف إلى اللمس المتّسم بالاحترام بعد سنين من الانتهاك والإهمال تذكيرًا بالغ التأثير.

لا يزال اللمس العلاجي وغيره من الطرق البديلة لإدارة الصحة النفسية في طريقه إلى إثبات ذاته جديًا كعلاجٍ “آمنٍ” و”مبنيّ على الأدلّة” في الطب النفسي. لكن قدرة هذا العلاج على تيسير عملية الشفاء هو الأساس لكثيرٍ من الأنظمة الصحية غير الغربية عبر العالم، وقد مورس لآلاف السنين ليس فقط لمعالجة الآلام المزمنة والحادة، بل أيضًا لبناء الثقة وزرع تصوّرات المساواة التي تؤسّس فعلًا للمشاركة الديموقراطية الكاملة (Field, 2014). بناءً عليه، تعدّ اقتراحات “مغنية” ذات قيمةٍ كبيرةٍ في تقديم خدمات الصحة النفسية الشاملة في لبنان، كما تصف بدقةٍ ردّ الفعل الذي تلقّيتُ في أثناء استخدامي العلاجات باللّمس كمكوّنٍ رئيسٍ في عملي مع السجينات. كان الشخص الأكثر انتقادًا لعملي معالجًا نفسيًا متأثرًا بالمدارس الفرنسية والأميركية، إذ ادّعى أن لمس ضحايا التروما، ولاسيما إذا تمّ بين السجينات والسجّانات، سيؤدّي إلى المزيد من الإساءة. وقال المعالج، استنادًا إلى خبرته، أن عملية معالجة ضحايا أيّ نوعٍ من أنواع الإساءة الجسدية تتطلّب الانعدام التام لأي ملامسة. وتمكن إعادة هذه المقاربة إلى “مينينغر،” أحد أبرز منظّري الطب النفسي الأميركي الذي اعتبر كلّ أنواع اللّمس “علامة إجرامٍ وحشيّ،” جاعلًا من هذا الرابط بين اللّمس والإجرام عرفًا ثقافيًا في المجتمع الأميركي.

وتشير مقاربات الأكاديميين/ات الغربيين/ات إلى تأمّلاتٍ عنصريةٍ واستعماريةٍ مغروسةٍ في المنهجيات المعتمدة لدراسة الارتباط الحسّي وإنتاج المعرفة. على سبيل المثال، نظّر المؤرّخ الطبيعي “لورنز أوكِن” في القرن التاسع عشر لكون بعض الأعراق أقلّ تحضّرًا وفقًا لطريقة تفاعلها مع العالم، مقترحًا أن الأوروبي هو “رجل العين” إذ يعتمد على العالم المرئي لبناء المعرفة، وهو بالتالي متفوّقٌ على “رجل الجلد” الإفريقي الذي يعتمد على المشاعر التي تسري في الجسد (Classen, 2012). وادّعى “أوكِن” أن تحقيق الاحترام يتطلّب من المرء الارتقاء عن مملكة الحيوان وبالتالي نبذ الجسد كسبيلٍ للذكاء، ولاسيما في عرض الأعمال العلميّة (Classen, 2012). اليوم، تواجه المجتمعات الغربية ما اصطلح الطبيب “هيلينغز” على تسميته “وباء عدم اللّمس” الذي تتضمّن عوارضه الشعور بالعزلة، والشّك في نوايا الآخرين والأخريات، والشعور بانعدام الأمان، والكبت العاطفي وعدم القدرة على التواصل مع الأشخاص المحيطين/ات بالفرد (Heylings, 1991). وتشكّل هذه المشاعر كلّها عمادَ المصالح النيوليبرالية المتنافسة على السلطة وانعدام الأمان، وعلى نحوٍ خاصٍ، التجزؤ.

كما هو مبيّنٌ أعلاه، العزلة هي دعامة القمع، ولطالما مثّلت تكتيكًا رئيسًا للتحكّم بالسجينات والسجناء ولإحداث التروما النفسية لديهم/ن. خارج السجن، وثّقت العاملات المنزليات المهاجرات من خلال الشهادات الشفوية استخدام قوى الأمن الداخلي تكتيك العزلة كأول تجربةٍ لهنّ لدى هجرتهنّ إلى لبنان (Gemma, Rose, Mala, Meriam, & Julia, 2016). بالإضافة إلى ذلك، نجد أيضًا محاولات ربّ/ة العمل عزل العاملات، لكنهنّ على الرغم من ذلك يقاومن. ولاحظتُ أن الأمر ينطبق على السجن أيضًا، وكما في مختلف أشكال المقاومة، يبدأ الأمر بالنضال من خلال التجاور والتصديق، واحتفاء العاملات بالمشاعر التي تسري في الجسد والتعبير عنها على الرغم من تبِعات ذلك.

 

العلاج باللّمس ضمن بيئة السجن

في الصف، أرادت بعض السجينات الاكتفاء بالمشاهدة من دون المشاركة، بمن فيهنّ “ناتالي” وبعض السجينات اللبنانيات. وبينما كنت أستعرض إحدى تقنيات التدليك، انحنيتُ فانكشف ظهري قليلًا وبانت الوشوم عليه. رأت إحدى النساء اللبنانيات الوشوم وبدأت بتوجيه الأسئلة لي. سوّيتُ قميصي لكن المرأة رفعت القميص بيدها بإلحاح. أبعدتُ يدها وطلبت إليها عدم التحدث عن الأمر كي لا يثير عدم تركيزنا على الصف استياء السجّانات. كانت السجّانات يجلن بحريةٍ في مساحة صفّنا، وما زالت الوشوم تُعدّ من المحرّمات الثقافية لدى بعض الجماعات في لبنان. وبحسب خلفيّة السجّانات، خشيتُ أن تُساء معاملتي إذا ما انتشر خبر وشومي. ألحّت المرأة عليّ فتدخّلت “ناتالي” طالبةً إليها الكفّ عن ذلك. كانت “ناتالي” لطيفةً إنما حازمةً، فجلست المرأة اللبنانية والتزمت الصمت. وفي خضم جهدها لرسم الحدود بيني وبين السجينة اللبنانية، لاحظتُ أن “ناتالي” كانت تزداد رعايةً لي. نظرَت إليّ وأومأت برأسها. نشأ تواصلٌ صامتٌ بيننا، لكنني أدركت ما عنته؛ لقد أرست أفضلية قوةٍ مع النساء اللبنانيات.

إن وضع “ناتالي” وغيرها من العاملات المنزليات المهاجرات في السجن بدلًا من إرسالهنّ إلى مراكز الاحتجاز، يشير إلى درجةٍ من المقاومة والروحية التي نادرًا ما تُلتقط لكونهنّ غير مرئيات. أكثر من ذلك، وعلى الرغم من الهرميّات العرقية التي تساهم في جعلهنّ قابلاتٍ للتصريف، تمكّنت “ناتالي” وغيرها من العاملات المنزليات من تثبيت قوّتهن. والمثير للاهتمام أنه على الرغم من إعادة تشريعهنّ الهرميّات العرقية القائمة في المجتمع الأكبر، فإن أعمال الرعاية التي يقمن بها لا تُسلّع، بل تشتغل كعملةٍ اجتماعيةٍ تمنحهنّ فوائد قضاء المزيد من الوقت معًا وبناء العلاقات التي تُكسبهنّ الثقة. وأدّى هذا الوضع إلى قضائهن وقتًا أكبر خارج غرفهنّ، والتجوّل خارج السجن برفقة السجّانات لإدخال الطعام، ومعاونة الممرضات في استقبال السجينات الجديدات. وكانت “مايبل” تتمتّع بقوةٍ لا تصدّق في علاقاتها بالسجّانات والممرضات، إلى حد أنها كانت تُترك وحدها من وقتٍ لآخر لتستقبل السجينات الجديدات في غرفةٍ بابها نصف مفتوح. وفي ضوء هذا، كانت “مايبل” ترسي فورًا علاقة قوةٍ مع السجينات الجديدات نظرًا لكونها أوّل من يستقبلهن.

بالإضافة إلى ذلك، قضت النساء الوقت في تدليك السجّانات مولّداتٍ لحظاتٍ هامة من الارتياح شعر بها السجن برمّته. وساهمت لحظات الاهتمام الصغيرة هذه في التخفيف من توترات الحياة اليومية التي كانت تثقل كاهل السجّانات، جاعلةً إياهنّ أكثر صبرًا بشكلٍ عام. وكان التدخّل في الأساس يشمل السجينات فقط، لكن نظرًا لامتعاض السجّانات، اقترحت السجينات والمستشارة شملهنّ في التدخل. إذًا، كان دافع السجينات للمشاركة في الصف التخفيف من الضغط النفسي المرتبط بالبيئة السجنية مباشرةً، وإدارة صراعات القوة التي تولّد الأزمات في مجتمع السجن، بدلًا من التعامل مع الأمراض البيولوجية كالاضطرابات النفسية فحسب. وبما أن التدخل أتاح المجال أمام المزيد من أفعال اللّمس المتّسمة بالاهتمام، سمحت استراتيجيات الارتباط الحسّي للعاملات المنزليات السابقات ببناء علاقاتٍ رأسيةٍ وأفقية، ما جعل منهنّ قوةً مؤثرةً في إدارة السجن5.

لعلّ المثال الأهم على مقاومة العاملات المنزليات المحتجزات هو التعبير الخارجي عن العواطف والمشاعر. من البداية، اتسمت علاقتي بالسجّانات بالتوتر، لاسيما أنهن كنّ يفتّشنني على نحوٍ روتيني، واستمرّ التوتر بالازدياد. بالنسبة إلي، لم أكن صريحةً لجهة ما يمكنني تحمّله من الأعباء العاطفية لعملي. لسذاجتي، عبرتُ صراحةً عن تعاطفي مع إحدى السجينات في أحد الصفوف بعد أن علمَت بأن سفارتها تخلّت عنها. كانت السجينة امرأةً كينيةً تعيش أمها وابنها على التحويلات المالية التي كانت ترسلها لهما. وكانت المرأة متهمةً بسرقة مئات آلاف الدولارات من ربّ عملها، وأبلغتها سفارتها أنها لن تتلقى أي مساعدة. يومها، هرعَت المرأة إلى داخل الصف وانهارت باكيةً بين ذراعيّ وهي تصيح “لو كنت أملك المال لما كان ابني جائعًا!” قررتُ عن وعيٍ بأن أشاركها البكاء، ما دفع بباقي النساء في الصف إلى البكاء أيضًا. رأتنا إحدى العاملات الاجتماعيات، ومنذ ذلك الحين اشتدّت الرقابة على صفوفي.

قرّعتني “مايبل” على فعلتي، مظهرةً ثقتها في نفسها كقائدة. قالت لي أنني قد “أؤكل حيةً” وأن مشاركة السجينات البكاء علنًا يُعدّ أمرًا بالغ الخطورة. قالت لي “إذا كنت تشعرين بشيءٍ ما، إذهبي إلى منزلك، لا تأتي إلى هنا. استلزمني الأمر ثلاثة أشهرٍ لأتمكّن من البكاء هنا.” كانت “مايبل” حازمةً، ما دفعني إلى إعادة النظر في التزاماتي الأخلاقية كميسّرة، وفي تبِعات تصرّفي على نحوٍ قد يعرّض الجميع للخطر. أدركتُ كم كان تدخّلي خطيرًا، وأن مجرّد الإحساس كوسيلةٍ للتعامل مع التروما وتحويلها، كان في تضادٍ تامٍ مع مساحة السجن نفسها. في الواقع، كانت تلك تحديدًا وظيفة الإحساس. منذ ذلك الحين، أدركتُ أن الأيديولوجيات الأبوية والنيوليبرالية ليست حكرًا على مجال الحكومات والاقتصادات، وإنما هي ركيزةٌ لطرق التفكير التي تنتج الأعمال الأكاديمية والبحوث والطب.

في نهاية عملي الذي امتدّ على فترة ثلاثة أشهر، دخل السجن في أزمةٍ نتيجة احتجاز سجينةٍ سياسيةٍ فيه. كانت المرأة متهمةً بمحاولة تنفيذ تفجيرٍ انتحاري، وبدلًا من أن توضع في غرفةٍ مع نساءٍ من عرقها وجنسيتها، وضعتها السجّانات في غرفةٍ مع نساءٍ إفريقيات. لم يبدُ الأمر منطقيًا، لكن السجّانات زعمن أن الهدف كان حماية المرأة، فقد تُقتل إذا ما وُضعت في أيّ غرفةٍ أخرى. بعد بضعة أيامٍ، طلبت مني “مايبل” عدم العودة إلى السجن لفترةٍ لأن أمورًا رهيبة كانت تحدث فيه. استجبتُ لطلبها وتغيّبتُ لمدة أسبوعٍ، ولدى عودتي، لاحظتُ أن إحدى النساء اللواتي كنّ يشاركن السجينة السياسية الغرفة باتت خارج زنزانتها. كانت المرأة أثيوبيةً اسمها “تانا،” وأسرّت لي أنها ترغب بحضور صف اللغة الإنكليزية إذا ما وافقتُ على تعليمها وحدها. قالت لي “سيسمحون لي بالحضور إذا طلبتِني أنتِ.” وبينما توجّهَت عائدةً إلى غرفتها، أخذت السجينات والسجّانات ينعتنها بالجنون.

ناديتُ على “تانا” من غرفتها وجلسنا معًا، فصارحتني بأنها لم ترِد تعلّم الإنكليزية بل أرادت إعلامي بما يحدث في السجن. أخبرتني أن لدى وصول السجينة السياسية، كان جسدها يحمل علامات تعذيبٍ وحروق. كانت مريضةً تتألّم وتئنّ طيلة الليل. قالت “تانا” بصوتٍ خافتٍ “المرأة تحتاج إلى رعايةٍ طبيةٍ وطعامٍ وصابونٍ لتنظيف نفسها. أبلغتنا السجّانات أنه يُمنع علينا تقديم الطعام أو الصابون لها. رفض جميع من في الغرفة تقديم الطعام والرعاية لها باستثنائي. لا أستطيع مشاهدتها تموت، فليذهبوا إلى الجحيم!”، ثم نظرت في عينيّ وقالت “الناس هنا لا يحبّونني لأنني قدمتُ لها الطعام والصابون. لن أتوقف عن ذلك. فليقتلوني. يقولون أنني مجنونة، لكن إن كان هذا يجعلني مجنونةً فليكن.” بالإضافة إلى ذلك، أخبرتني “تانا” أن بعد انكشاف أمرها، ثبّتتها إحدى السجّانات فوق السرير وبرّحَتها ضربًا بينما أجبرَت باقي النساء في الغرفة على المشاهدة. وعلى الرغم من تورّم أجزاءٍ من وجهها وعدم قدرتها على تحريك رأسها أو رفع ذراعها، لم تكن “تانا” خائفة. قبل انتهاء جلستنا، بدت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، ثم احتضنتني وقالت “أنا مجنونة. تبًا لهذا المكان”6.

إن استعداد “تانا” القبول بـ”الجنون” كهويةٍ مقاوِمةٍ لشرح تعاطفها، يمثّل نظرة تحدٍ ثاقبةً في عينَي النظام الذي يستمدّ قوته من تحريض الناس على بعضهم/ن البعض. وقتذاك، شاهدتُ العاملات الاجتماعيات والسجّانات والممرضات يصارعن لفهم “تانا” من خلال وسمٍ ما، وعندما عجزن عن ذلك، بتن يقلن “لا أعرف، هي مجنونة.” عند النظر إلى القوى الأكبر، نرى كيف تعمد النيوليبرالية إلى تحطيم العلاقات من خلال المنافسة والأسواق المعولَمة ووهم المسؤولية الفردية التي تنتج العزلة. وبصفتها ظاهرةً عالمية، تستهدف النيوليبرالية على وجه الخصوص النساء ذوات البشرة الملوّنة، منتجةً الفضلات الاجتماعية وواضعةً إياها خارج مجال النظر. أكثر من ذلك، ومن خلال أطر العمل النسوية، يمكننا أن نرى كيف تستخدم الأبوية الهيمنة وسلطة الأبوة من أجل تحقيق السيطرة، شاطرةً نفسها من خلال وضع العقل في مواجهة الشعور. وفي نهاية المطاف، يغدو العقل والشعور غير مرئيّين عن طريق الطب النفسي الغربي وطبيعته التي تركّز على الفرد وترفض المقدّس، جاعلةً إيانا ننسى أنفسنا وكيفية ارتباطنا بالماضي والحاضر. بالتالي، تغدو قدرتنا على الشفاء مستحيلةً فعليًا من دون الوصول إلى هذه المخزونات الروحية والعاطفية الداعمة لنا. أكثر من ذلك، ومن خلال ادعائه موقع التحليل الموضوعي المغذّي للأحكام، يعمل الطب النفسي بالترادف مع النظام القضائي على تحطيم السياق عن طريق التقاط نقطةٍ واحدةٍ من الزمن حصرًا. إنه فوضويٌ وعنيفٌ ومنهِك، لكن لا يجب أن يطغى على منظور “تانا” التي على الرغم من التبِعات اختارت أن تقول “تبًا لهذا المكان،” مبجّلةً بذلك مشاعرها.

خارج السجن في لبنان، تقطع العاملات المنزليات المهاجرات أشواطًا كبيرةً ببطءٍ إنما بثقةٍ من خلال التنظيم والعمل على تشكيل النقابات. ويمكن اقتفاء أثر هذه المقاومة المتراكمة في الأفعال الاستراتيجية التي تقوم بها العاملات متحدّياتٍ الإقصاء المساحي الذي يختبرنه، من خلال استخدام المساحات كمواقع للمقاومة، فيتحادثن ويكتسبن المعلومات من بعضهن البعض ويفعلن معًا. ويؤكد هذا أن العاملات المنزليات المهاجرات لسن عناصر سالبةً في بلدٍ يحظر عليهن تشكيل نقابةٍ وتقرير مصيرهنّ من خلال التفاوض على حقوقهن، على الرغم من اعتقال ناشطتَين بارزتَين منهنّ وترحيل إحداهما مؤخرًا (Khawaja, 2016). وينطبق هذا على السجن أيضًا لدى رؤية هؤلاء اللواتي تُسلّع أجسادهن وأعمالهن. لقد قاومت “تانا” مستخدمةً أفعال الرعاية، وكذلك فعلت نساءٌ أخرياتٌ في السجن. ومن الممكن لأفعال المقاومة بما فيها اللّمس وبناء العلاقات أن تبدو فرديةً أو هزيلة، لكنها في الواقع أفعالٌ مؤثرةٌ نظرًا لما تمثّله لجهة تبجيل الحقيقة العاطفية للفرد، وكيفية ارتباطها بالنضال الجماعي من خلال المقدّس. ويشير هذا إلى أملٍ أكبر بتقرير المصير، في وقتٍ تُوثّق فيه المزيد من قصص المقاومة عبر العالم. ومن خلال مراقبتي النساء في السجن، رأيتُ كيف تلجأ بعضهنّ إلى الانفصال عن مشاعرهنّ كنوعٍ من مهارات البقاء، أما اللواتي لم يلجأن لذلك، فجازفن بالكثير حين اخترن ألا ينكرن ذواتهنّ. لقد أحلّ اللّمسُ الصوتَ في الصمت وأظهر علاقةً تبادليةً مع الشفاء، عاثرًا على الصوت في غير الملفوظ، ودافعًا بي إلى أن أكثر من الاستماع. الآن بينما أجول في العالم، تعيش كلٌ من “تانا” و”ناتالي” و”مايبل” في داخلي، وقد توصّلتُ إلى أن الجلد الذي يُستخدَم لتنظيمنا يمكن له إعادة تنظيمنا أيضًا، ما يدفعني إلى طرح المزيد من الأسئلة من خلال المخيّلة الجماعية لغير المُقال.

  • 1. “توجيه الناس إلى السجن” هي عبارةٌ يشيع استخدامها لوصف السّيرورات البنيوية التي تؤثّر في مسارات الحياة وتؤدّي بها إلى السجن. صادفتُ هذه العبارة في السياق الغربي عند وصف المسارات التي تؤدّي إلى السجن كهجرةٍ قسريةٍ بسبب بنية “مجمع السجن الصناعي.” وبما أنّ بعض الفئات السكانية أكثر عرضةً للاحتجاز على المستوى العالمي، ولاسيما النساء ذوات البشرة الملوّنة، تهدف هذه العبارة إلى التشديد على أنّ احتجاز هذه الفئات لا ينتج عن الفشل الفردي بل عن الأسباب البنيوية.
  • 2. أستخدم عبارة “الأجساد الأنثوية غير البيضاء” بشكلٍ مرادفٍ لعبارة “النساء ذوات البشرة الملوّنة” وأقصد بها النساء من الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية والمجتمعات الأصلية. وبحسب “جوليا سودبوري،” الباحثة والناشطة القيادية في حركة إلغاء السجون، تمثّل هؤلاء النساء الفئات السجينة الأسرع نموًا في العالم.
  • 3. كنا نتعلّم الإنكليزية باستخدام كتبٍ للقصص المصوّرة صنعتها سجيناتٌ في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من كون هذه القصص المصوّرة ذات منظورٍ غربي، إلا أن قصص النساء فيها تركت وقعًا نظرًا إلى الدور الذي يؤدّيه الجندر والعرق في المسارات المعتادة نحو السجن. أتوجّه بشكرٍ خاصٍ إلى الدكتورة “ليزا آرمسترونغ” لتعريفي بهذه الموارد وبـ”مشروع الأكلاف الفعلية للسجون:” http://www.realcostofprisons.org/comics.html
  • 4. تزيد قصّتي مفهوم العمل الجنسي تعقيدًا، إذ كانت تجربتي كعاملة جنسٍ محدودةً بالجنس الفموي. وبما أنني لم أكن قد اختبرت المجامعة بعد، كان قوّادي يراني ذات قيمةٍ أكبر، لذا أراد أن يبقيني “نقية” من خلال تحديد الأفعال الجنسية التي كنت أقدم عليها.
  • 5. على الرغم من كون المنازل والسجون مساحاتٍ مقيّدة وقمعية للعاملات المنزليات المهاجرات، اتفقت العاملات على كون السجن أكثر تحريرًا نظرًا لقدرتهن على التعارف والتواصل مع نساءٍ أخرياتٍ بانتظامٍ، بما في ذلك الأوقات المخصّصة للاستراحة والنوم. أفترض أن وجهة النظر هذه لا تُعمّم على جميع العاملات نظرًا إلى كون السجينات دخلن السجن نتيجة أعمال مقاومةٍ مجرّمةٍ ضدّ أرباب العمل ممّن أساؤوا إليهن على نحوٍ استثنائي. لكن هذا يضيف إلى تحدّي العاملات لمساحات الإقصاء من خلال استردادها عبر بناء العلاقات بالتجاور، كما يستدعي المزيد من التحرّي لجهة تأثيره في مقاومة العاملات المنزليات المهاجرات عمومًا.
  • 6. أبلغتُ إحدى الوكالات الدولية عن هذا الانتهاك بعد استشارة أحد النشطاء والتوصّل إلى أن معالجة الوضع قد يتسبّب بالضرر للسجينات المعنيّات على المدى البعيد.
ملحوظات: 
المراجع: 

Alexander, M. J. (2005). Pedagogies of Crossing: Meditations on Feminism, Sexual Politics, Memory, and the Sacred. Duke University Press.

Allen, P. G. (1996). “The Sacred Hoop.” The Ecocriticism Reader: Landmarks in Literary Ecology. University of Georgia Press, 241-263.

Amnesty International, AI. (2014). “Entombed: Isolation in the U.S. Federal Prison System.” Retrieved from http://www.amnestyusa.org/research/reports/entombed-isolation-in-the-us-federal-prison-system?page=2

Brumberg, J. J. (2010). The Body Project: An Intimate History of American Girls. Vintage Books.

Center for Constitutional Rights, CCI. (2012). “The use of solitary confinement in the U.S prison system.” Retrieved from https://ccrjustice.org/home/get-involved/tools-resources/fact-sheets-and-faqs/torture-use-solitary-confinement-us-prisons

Chang, G. (2000). Disposable Domestics: Immigrant Women Workers in the Global Economy. South End Press.

Classen, C. (2012). The Deepest Sense: A Cultural History of Touch. University of Illinois Press.

Davis, A. Y. (2011). Are prisons obsolete? Seven Stories Press.

De Regt, M. (2010). “Ways to Come, Ways to Leave Gender, Mobility, and Il/legality among Ethiopian Domestic Workers in Yemen.” Gender & Society, 24(2): 237-260.

Feminist Mormon Housewives (FMH), (2012). “Helen Mar Kimball: Remembering the Forgotten Women of Joseph Smith.” Retrieved from: http://www.feministmormonhousewives.org/2012/02/helen-mar-kimball-remembering-the-forgotten-women-of-joseph-smith/

—. (2014). “Emma Speaks.” Retrieved from http://www.feministmormonhousewives.org/2014/11/emma-speaks/

Farmer, P., & Sen, A. (2003). Pathologies of Power: Health, Human Rights, and the New War on the Poor. Berkeley: University of California Press.

Field, T. (2014). Touch. MIT press.

Fogel, A. (2009). The psychophysiology of Self-Awareness: Rediscovering the Lost Art of Body Sense. WW Norton.

Gemma. (2016). “The Road to Dissent.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, 2(2): 135-139.

Gemma, Rose, Mala, Meriam, & Julia. (2016). “Resisting Borders: a Conversation on the Daily Struggles of Migrant Domestic Workers in Lebanon.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, 2(2): 140-153.

Harvey, D. (2005). A Brief History of Neoliberalism. Oxford University Press.

Heiss, J. (2015). “Solitary confinement isn’t punishment. It’s torture.” The Guardian. Retrieved from https://www.theguardian.com/commentisfree/2015/jul/02/solitary-confinement-isnt-punishment-its-torture

Heylings, D. A. (1991). “The no touching epidemic–an English disease.” British Medical Journal, 25(4): 653-660.

Kaedbey, D. (2015). “Shadow Feminism in Lebanon, Part Two.” Retrieved from http://www.sawtalniswa.org/article/481

Khawaja, B. (2016). “Lebanon Deports Domestic Worker Rights Organizer.” Human Rights Watch. Retrieved from https://www.hrw.org/news/2016/12/13/lebanon-deports-domestic-worker-rights-organizer

Leo, K. (Producer), (2016). “Hui Mauli Ola: Empowering a People Through Healing,” Episode 1 and 7. Kapono Souza & Pōmaikaʻi Freed. Podcast retrieved from http://www.huimauliola.org/projects/leo-kupa-podcast/

Lorde, A. (2012). Sister Outsider: Essays and Speeches. Crossing Press.

Mala. (2016). “Migrating to the Lebanese Civil War.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, 2(2): 132-134.

Moghnieh, L. (2014). “Diagnosing Hysteria in Lebanon: Psychologizing Women and Gender.” Sawt Al Niswa. Retrieved from http://sawtalniswa.org/article/464#_ftn2

Metzl, J. (2003). Prozac on the Couch: Prescribing Gender in the Era of Wonder Drugs. Duke University Press.

Nichols, J. D. (2002). Prostitution, Polygamy, and Power: Salt Lake City, 1847-1918. University of Illinois Press.

Parreñas, R. S. (2008). The Force of Domesticity: Filipina Migrants and Globalization. NYU Press.

Pande, A. (2012). “From ‘Balcony Talk’ and ‘Practical Prayers’ to Illegal Collectives Migrant Domestic Workers and Meso-Level Resistances in Lebanon.” Gender & Society, 26(3): 382-405.

Rose. (2016). “Beirut’s Welcome.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research, 2(2): 125-131.

Ussher, J. M. (2010). “Are We Medicalizing Women’s Misery? A Critical Review of Women’s Higher Rates of Reported Depression.” Feminism & Psychology, 20(1): 9-35.

Smith, A. (2015). “Heteropatriarchy and the Three Pillars of White Supremacy: Rethinking Women of Color Organizing.” Transformations: Feminist Pathways to Global Change. Routledge, 264.

Sudbury, J. (2005). “Celling Black Bodies: Black Women in the Global Prison Industrial Complex.” Feminist Review, 80(1): 162-179.

Sudbury, J. (2014). Global Lockdown: Race, Gender, and the Prison-Industrial Complex. Routledge.

Walia, H., & Smith, A. (2013). Undoing border imperialism (Vol. 6). AK Press.

World Health Organization (WHO), (2016). “Social determinants of health.” Retrieved from http://www.who.int/social_determinants/en/

Van Dernoot Lipsky, L., & Burk, C. (2010). Trauma Stewardship: An Everyday Guide to Caring for Self While Caring for Others. Berrett-Koehler Publishers.