حياة متحرّرة؟ أفكار عن المفارقات المترابطة عن اللّجوء الكويريّ

السيرة: 

هناء مصري طالبة دكتوراه في البلاغة واللغة في جامعة تكساس في أوستن. تركّز أبحاثها في المقام الأول على العلاقة بين القمامة والتّركيب البلاغي للدولة القومية في سياقات متنوّعة، من الهجرة عبر الحدود الأمريكية المكسيكية إلى الحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط.

اقتباس: 
هناء مصري. "حياة متحرّرة؟ أفكار عن المفارقات المترابطة عن اللّجوء الكويريّ". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 3 عدد 1 (2017): ص. 36-40. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 06 أبريل 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/a-liberated-life.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (468.68 كيلوبايت)

“ها أنا ذا، محامي مثلي جنسيّا وناجح يعيش حياة متحررة. عندما يأتي شخص ما ويقول أنّ هناك مثليّين جنسيّا في ورطة في بلدان أخرى، كيف يمكن أن أقول لا؟”1 هذه الكلمات – التّي قالها فريد هيرتز، وهو من سكّان سان فرانسيسكو الذّي، مع شريكه، استقبل صبحي نحاس، وهو لاجئ سوريّ مثليّ جنسيّا- مثالٌ على سرد إعلامي غربي مشترك حول العلاقة بين الكويريّة وضع اللاجئ. من بين انتشار القصص الشخصية المقنعة حول الرحلات التي قام بها العديد من السوريين في أعقاب الحرب الأهلية الوحشية، برزت شهادات الكوير الهاربين ليس فقط من العنف السياسي ولكن من الاضطهاد على أساس الميل الجنسي والأداء الجندريّ بشكل خاص.2 ومعظمهم، مثل هيرتز، يؤكدون على الحرية التي يتمتع بها السوريون بمجرد حصولهم على وضع اللاجئ القانوني وتتمّ إعادة توطينهم في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا. في هذه القصص، يتناقض انفتاح هذه الدول تجاه الكويريّة بشكل صارخ مع وصف الشرق الأوسط، حيث “يطارد المثليون جنسيا ويتعرضون للتعذيب الهمجي.”3 “بالنسبة لي، شعرت كأنها قفزة عشرين عاما إلى المستقبل،” قال داني رمضان، وهو لاجئ قاد موكب فخر فانكوفر عام 2016، عن وصوله إلى كندا.4 “أشكر الله أنّني هنا،” كانت أولى أفكار رجل سوريّ آخر مثلي جنسيّا عند نزوله في وينيبيغ. بالنسبة إلى باسل مكليش، الذي سار جنبا إلى جنب مع رئيس الوزراء الكندي جوستين ترودو في موكب فخر تورونتو، وُصفت تجاربه في كندا بأنها “تناقض شديد مع الحياة التي عاشها في سوريا، حيث يعاقب الشذوذ الجنسي بالقانون.”5

هذه القصص ترسم صورة متعاطفة عن مواضيعها، ويُفترض أنّهم يفعلون ذلك في محاولة لمساعدة الجماهير الغربية على فهم الصراعات الخاصة التي يواجهها الناس الكوير الهاربون من العنف السياسي، وبالتالي فهم يجعلون هؤلاء الجماهير أكثر قبولا لللاجئين. ومع ذلك، يبقى التصدي بقوة للانتهاكات الحقيقية المناهضة للكوير والموجودة بدرجات متفاوتة في بلدان الشرق الأوسط على كل المستويات، من العلاقات الشخصية إلى الهيكلية، على نحو كبير من الأهميّة. والواقع أن كثيرا من اللاجئين الذين أوردوا في المقالات التي ذكرتها أفعلوا هذا النوع من العمل مع منظمات في مجتمعاتهم المحلية. ومع ذلك، تكمن امكانيّة متناقضة – وشديدة الشّر – وراء الروايات التي تقدّم الدول الغربية على شكل الملاذات الآمنة والمحرّرة للاجئين الكويريين/ات؛ فعندما يتم رسم هذه القصص بفرشاة مغلفة في قوالب نمطية، فإنها لا تؤكد فقط المفاهيم العنيفة (وغير الدقيقة) تاريخيا عن العرب “المتخلفين” الذين لم يتقدموا بما فيه الكفاية لاحتضان الانفتاح الجنسي والتعبيرات الجندريّة المتنوعة،6 بل تضع أيضا جميع اللاجئين السوريين في موقع الخطر من خلال تعزيز نفس الروايات التي تبرر استبعادهم المتأصّل من الدول التي يُزعم أنها أكثر تقدما.

وظهر مثال مدمّر عن هذا التناقض في السياق الأمريكي مع أمر دونالد ترامب الصادر في 27 كانون الثاني/ يناير 2017 بعنوان “حماية الأمة من دخول الإرهابيين الأجانب إلى الولايات المتحدة.” في تبريره لمنع دخول جميع السوريين إلى أجل غير مسمى وتعليقه مؤقتا دخول الناس من العراق وإيران والسودان وليبيا والصومال واليمن، يقول الأمر:

ولا ينبغي على الولايات المتحدة أن تقبل أولئك الذين ينخرطون في أعمال التعصب أو الكراهية (بما في ذلك القتل بدافع “الشرف” أو غيره من أشكال العنف ضد المرأة أو اضطهاد أولئك الذين يمارسون الديانات المختلفة عن دياناتهم) أو أولئك الذين قد يضطهدون الأميركيين من أي عرق أو جندر أو ميول جنسيّة.7

وبصرف النظر عن سخرية استخدام التعصب كأساس منطقي لإقامة تشريعات متعصّبة، ففي ظل منطق هذا الأمر الرّئاسيّ يصبح جميع اللاجئين/ات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – وخاصة السوريين – مشتبهين بهم. حتى أولئك الذين هم أنفسهم من النساء أو الكوير فقد اكتسحوا/ن في طمس لكلّ شخص من البلدان السبعة المدرجة في الأمر على أنهم حاقدون ومتعصّبون، وبالتالي يجب إبعادهم بشكل بارز من الدّولة. وهكذا، في حين أنها تخرج من توجهات سياسية مختلفة، فإن القصص السردية عن اللاجئين السوريين الكوير هي إلى حد كبير نفس أمر ترامب التنفيذي: الشرق الأوسط (دون تمييز كبير بين الدول) هو مكان “بربريّ،” يفترض أن المسلمين لم يطوّروا نفس التسامح مع الاختلاف كما هو الحال في الولايات المتحدة وبهذه الطريقة، حتى ما يبدو أنه تمثيل داعم للاجئين يمكن أن يقوّضهم في نهاية المطاف عندما يلتمسون اللّجوء دوليّا. ومن ثم، فإن الشهادات مثل تلك المعروضة في وسائل الإعلام الشعبية، تساعد على دعم نفس المفاهيم حول الشرق الأوسط التي تؤدي إلى تشريع تمييزي ضد جميع اللاجئين. وبدلا من فتح المجال لقبول الناس الفارّين من العنف، فإن الروايات عن اللاجئين الكويريين تعزّز بعض الأسس المنطقية نفسها لإقامة الحدود القومية وضبطها بدقة.

إن الفكرة القائلة بأن المؤسسات يمكنها استخدام الجنسانيّة لتحديد الدخول إلى الدّولة بطرق استثنائية وعنفيّة ليست بطبيعة الحال شيئا جديدا. وقد دأب الباحثون/ات عن الهجرة الكويرية، الدّارسون/ات لعلاقة التأسيسية المشتركة بين تنظيم الهجرة وتنظيم الجنسانيّة والجندر، على تقديم هذه الحجّة نفسها لسنوات عديدة. فعلى سبيل المثال، رأى ليونيل كانتو الابن، في مطلع عام 2000 أن “الحصول على اللجوء يتطلب رسم بلد المرء بمصطلحات عنصرية واستعمارية، مع التّنصل في الوقت نفسه من دور الولايات المتحدة في المساهمة في الظروف القمعية التي فرّوا منها.”8 في حين أن عمل كانتو يتعامل مع الهجرة في المقام الأول في سياق الحدود والعلاقة الأمريكية المكسيكية، فإنّ حُجّته مناسبة بشكل تامّ تقريبا للوضع المعاصر للسوريين/ات الكوير. لا يدعم تركيز قصصهم على العنف المناهض للكوير في الشرق الأوسط فكرة الدول الغربية باعتبارها التناقض المستنير مع البربرية السورية فقط – مما يعزّز نفس الرّوايات التي تمّ نشرها لإبقاء السوريين في الخارج، بل يمحو كذلك دور الدّول الزّاعمة أنّها أكثر تقدّما (وخاصة الولايات المتحدة) في زعزعة الاستقرار السّياسي في المناطق التي يفرّ منها الناس. وبعبارة أخرى، فإن تبني الكويريّة كأساس للجوء يتطلب التنصل من الهوية العرقية أو القومية بطرق تدعم الكويرين كاستثناء لأنظمة العنف القومي التّي يتمّ اعتبارها صالحة وفعليّة، بدلا من إدانة تلك الانتهاكات برمّتها.

وفي الآونة الأخيرة، كتبت جين هاريتاورن حول الطرق التي يصبح بها الأشخاص الكوير مرغوبين للدّولة فقط في معارضة للآخرين المليئين بالكراهيّة، والذّين يفهون غالبا على أنّهم مسلمون. تكتب هاريتاورن أن “الأجساد والشّعوب الذين شيدوا على أنهم” مسلمون” يصبحون مستودعات للتّفرقة على أساس الجندر ورهاب المثلية ومعاداة السامية بطرق تعفي المواطنين البيض من المسؤولية عن عنفهم وتمهد لهم الطريق لمزيد من العنف، الذّي يُطبَّعُ الآن كصالح عامّ.”9 في الواقع، أصبح الأشخاص الكوير أداة للدّولة التّي توسّع انتهاكاتها ضد أولئك الذين تعتبرهم آخرين، تحت ستار حماية الكويريّة الضّعيفة. ما يُسمّى ب”حظر المسلمين” الخاصذ بترامب، بعمل تماما كما تصف هاريتاورن؛ في المطالبة بحماية “الأميركيين من أي عرق أو جندر أو ميول جنسية”، فإن الأمر التنفيذي يسلّح الرعب ضد العرب والمسلمين، مع تجاهل تامّ للمواقف المناهضة للكوير التّي يتّبعها أعضاء إدارة ترامب. عندما يتم استخدام الكويريّة كجزء من مشروع قومي، فإن تجربة التقاطع بين كل من الكوير ومفهوم “الآخر” – مثل اللاجئين السوريين المثليين الذين تم تصويرهم في وسائل الإعلام الغربية – تصبح مجرّد استثناءات يتم حلّها على ظهور المجتمعات نفسها التي يشكل هؤلاء اللاجئون جزءا منها. ويتطلب تأكيد الكويريّة من أجل الدخول إلى الدّولة تمديد المنطق الذي يستثني شعوبا بأسرها على أساس الكراهية المزعومة. ويصبح الأشخاص الكوير استثناء من القاعدة، وعلى الرغم من وضعهم كلاجئين، يعزّزون الافتراض الأساسيّ بأن اللاجئين، بل والمهاجرين عموما، يستحقّون الاستغناء عنهم.

صيرورة الأشخاص الكوير استثناءات مقبولة للسّماح بدخول الدّولة واضحة في عملية إعادة توطين اللاجئين عن طريق الأمم المتحدة. ومن المتوقع أن يثبت الأشخاص الذين يطلبون إعادة التوطين من خلال الأمم المتحدة “خوفا له ما يبرره من الاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الرأي السياسي أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة.”10وبالتالي، فإن شرط الخوف الذي يستند إلى أسس سليمة يعطي امتيازات للسّمات الفردية على حساب الظروف السياسية العامة التي تخلق اللاجئين. ولهذا السبب، فإن العديد من اللاجئين الكوير، مثل صبحي نحاس، الرجل الذي أعيد توطينه في سان فرانسيسكو، يقدّمون طلباتهم على أساس أنهم ينتمون إل مجتمع الميم، وبالتالي يشكلون جزءا من فئة اجتماعية مضطهدة معينة تعترف بها الأمم المتحدة على هذا النحو.11 لا شيء من كلّ هذا لقول أنّ الناس لا ينبغي أن يلتمسوا اللّجوء بأي وسيلة ضرورية، ولا لإنكار أن أولئك الذين ينشرون هذه الروايات من أجل سلامتهم يهربون من تهديدات حقيقية. ومع ذلك، فإنه من الأهمية بمكان أن نقوم بالتّدقيق في الآثار الأوسع نطاقا على توجيه المؤسساتِ الناسَ بهذه الطريقة: إعادة توطين اللاجئين في المقام الأوّل على أساس الكويريّة، وليس لأنهم يفرّون من الحرب التي قتلت مئات الآلاف، يسمح لدول مثل الولايات المتحدة التّجاهل بمهارة لأي اعتراف بالسياق الأوسع الذي يهرب منه الناس، وبدلا من ذلك يُقيمون أنفسهم كحامين للكوير، على عكس أولئك “الآخرين” النّاضحين بالكراهية ورهاب المثليّة الجنسيّة، والذين يستحقّون بالتّالي الاستبعاد العنيف.

هكذا تصبح مفارقة اللّجوء الكويريّ واضحة: فالروايات التي يجد اللاجئون السوريون الكويريون فيها تحررا في الغرب تؤيد المفهوم الأسطوري لبلدان مثل الولايات المتحدة وكندا كملاذات آمنة، وتعيد في الوقت نفسه تأكيد الحدود القومية على أساس تخيّل تخلّف جميع اللاجئين الآخرين. عندما يتمّ إعتماد طلبات الكوير في الاندماج نحو رؤية قومية، يأتي ذلك مع سعر باهظ لاستبعاد أكثر سكّان العالم ضعفا. وعلى عكس الادعاءات التي تمنح الامتيازات للكثيرين على حساب القلة، فإن التأكيد على اضطهاد اللاجئين/ات السوريين/ات على أساس الجندر والجنسانيّة يحجب السياقات السياسية الأوسع نطاقا التي تخلق اللاجئين في المقام الأول، مفضّلا السّرديّات مفرطة الفردية والتّي تصوّر الغرب كمنقذ كريم للاستثناءات القليلة من القاعدة المتخلفة. وبهذه الطريقة، فإن رواية وسائل الإعلام الشعبية لا تتجاهل المشاركة الغربيّة في الصراعات التي تُنتج اللّاجئين في المقام الأوّل، بل تحلّ أيضا مفارقة الملجأ الكويري بالدعوة إلى قبول الأشخاص الكوير ضمن الدّولة باستخدام نفس المنطق الدّاعي إلى الرقابة الصارمة على الحدود ضدّ جميع الآخرين. تختفي بذلك إمكانية أن يكون شخص ما كويريّا وآخرا، حيث إن التنصل من الوطن والثقافة يصبح شرطا للحصول على مركز اللاجئ القانوني. نحن – وخاصة أولئك منا الموجودون/ات في تقاطع من الكويريّة ومفهوم “الآخر” – لا يمكننا إذًا أن نسمح أن يأتي عناق الدّولة السّطحيّ للكويريّة على حساب حياة البقيّة. يجب علينا أن نتخيّل خلاف ذلك، خارج الروايات التي تُسلّح استثنائية الكوير على حساب الكثيرين/ات لآخرين/ات. وربما لا توجد لحظة تاريخية أفضل من الآن لمواصلة هذا العمل الخيالي الحيوي.

 

ملحوظات: