السيرة: 

غوى صايغ كاتبة وناشرة ومدوّنة أرشيف نسوية كويريّة. وهي رئيسة تحرير كحل، مجلّة من تصوّرها، ومؤسسة شريكة لمنشورات المعرفة التقاطعيّة. وهي عضوة في مجموعة تحقيق العدالة الجنسية والإنجابية، RESURJ. وهي شغوفة بتقاطعات الجنس والجنسانية، الهجرة، الاقتصادات العالميّة، والتواريخ النسوية. وهي متأثّرة بأعمال أودري لورد وسارة أحمد.

صبيحة علوش محاضرة في سياسات الشرق الأوسط بجامعة إكستر. يهتمّ بحث صبيحة، عموما، بسدّ الفجوة بين الكتابة الأنثروبولوجية والتحليل السياسي. تتموقع صبيحة، بطريقة أساسية، في الدراسات النسوية والكويرية. يتناول عملها المناهج النسوية للعنف والصراع والهجرة والحراك الاجتماعي. تكرّس صبيحة نفسها لإنتاج المعرفة المنهية للاستعمار ولإعادة النظر في الأنظمة الجندرية والجنسانية في منطقة الشرق الأوسط فيما يتجاوز الإطار النظري الأوروبي. لها منشورات في مجلة دراسات النساء في الشرق الأوسط والمجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط.

 

آية هي كاتبة، متخصصة في الأنتروبولوجيا، شاعرة، ناشطة، وباحثة تعيش في القاهرة. تخرجت في العام ٢٠١٩ من الجامعة الأميركية في القاهرة حيث درست الأنتروبولوجيا والفيلم. مؤخرًا عملت في التجميع والتقديم لمشروع مستقبلي حول المعلومات التخمينية، وهو سلسلة من قصص لنساء من مصر وسوريا وفلسطين عن الخيال العلمي، المستقبلية العربية، الجندر. يشمل بحثها أيضًا اهتمامًا مستجدًا يتركز حول اكتشاف التقاطعات بين السياقات الثقافية والبصرية. كامرأة عربية، يشكل كل من تعليمها ولغتها تفاصيل ويؤثران بشكل دائم على التصنيفات التي تنتسب وتخضع إليها.

أنا كاتب وفنان يعيش في القاهرة. أركز اهتمامي على التداخل بين الجنس، الذاتيات، والدولة، وتحديدًا بما يتعلق بالسياق المصري السلطوي لما بعد الاستعمار. أكتشف عبر كتاباتي وأعمالي البصرية التوترات التي تعزز الخطابات المرتبطة بالطبيعة والانتماء والجسد من أجل الكشف عن التناقضات الجوهرية التي تلازم تلك الاصطلاحات.

نور المزيدي كاتبة وباحثة ومرشحة لنيل درجة الدكتوراه في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، قسم دراسات الجندر. تركز أبحاثها لنيل درجة الدكتوراه على انعدام الجنسية والجندر والجنسانية والطبقة في الكويت. تركز من خلال دراستها على منهجية التاريخ الشفوي لمركزة الصراعات السياسية والذاتية وحياة البدون عديمي الجنسية. حصلت نور على درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية والعلوم السياسية من جامعة برمنغهام، وماجستير في الجندر من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. عملت سابقًا كباحثة في مركز الشرق الأوسط التابع لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، مع التركيز على المشاركة السياسية للمرأة في الكويت. نور عضو في مجموعة التحرير Engenderings (تعميم منظور الجندرة).

سارة باحثة وكاتبة نسوية مستقلة. يرتكز عملها على طرق اختبار ومواجهة القوى ضمن المؤسسات وفي الحياة اليومية. سيصدر كتابها ”شكوى“ [Complaint] مع دار جامعة ديوك في أيلول/سبتمبر 2021. تشمل كتبها السابقة ”ما الفائدة؟ عن استخدامات الفائدة“ [What’s the Use? On the Uses of Use](2019)، ”الحياة النسوية“ [Living a Feminist Life] (2017) ”مواضيع متعمّدة“ [Willful Subjects](2014) ”عن أن تكون مشمولًا : العنصرية والتنوع في الحياة المؤسساتية“ [On Being Included: Racism and Diversity in Institutional Life](2012)، ”وعد السعادة“ [Promise of Happiness](2010)، و ”تمظهرات كويرية: توجهات، أشياء، آخرون“ [Queer Phenomenology: Orientations, Objects, Others](2006). تدون على feministkilljoys.com.

اقتباس: 
غوى صايغ، صبيحة علوش، سارونا أبوعكر بدوان، آية الشرقاوي، أحمد ابراهيم، نور المزيدي، سارة أحمد. "أرشيف النسوية الكويرية مع سارة أحمد". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 6 عدد 3 (21 أبريل 2021): ص. 478-494. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 03 أغسطس 2021). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.

theod1_copy.jpg

تيو لوك

نجمة تنثر جلدها

صوفي شمص: أهلًا بكن/م، فعلًا الإقبال مدهش اليوم. يسعدنا وجودكن/م معنا اليوم للاحتفال بإطلاق العدد الملهم الذي أصدرته "كحل": "النسوية الكويرية".

إسمي صوفي شمص، سأدير هذه الجلسة. أنا زميلة مدرّسة في قسم دراسات الجندر في جامعة سوواس (SOAS). قبل البدء بعرض مجريات الجلسة والمتحدّثات/ين، أريد قول بعض الأشياء عن "كحل" وأهمية عدد "النسوية الكويرية". هذا العدد هو نتاج ورشة عمل في الكتابة، أقيمت في ذروة الثورة في بيروت. وهو نتاج لحظات أكثر تفاؤلًا وأتمنّى أن يكون الأثر المأرشف لتلك اللحظة في صفحات "كحل" كفيلًا بإحيائنا وإلهامنا، بينما نحاول شقّ طريقنا للخروج من هذا الوضع المؤلم والمنهك على مستويات متعددة.

بصفتي شخص يدرّس النظرية الكويرية والسياسات الكويرية، أسأل تلميذاتي/ تلاميذي دومًا: من هن/ هم المعنيّات/ين بالنظرية الكويرية وأين نجد النظرية الكويرية؟ أفكّر في كثير من الأحيان أننا لا ننسب النظرية الكويرية إلى الغرب وحسب، بل تحديدًا إلى الأكاديميا في شمال أميركا. ونتعامل في أغلب الأحيان مع الجندر والجنسانية في الجنوب العالمي كمعلومات، معلومات لا تكتسب معنى إلا من خلال عدسة ونظرية من مكان آخر. السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا، هل بمقدور الجنوب العالمي بلورة النظرية وهل بإمكان غيرالأكادميات/ين أيضًا التنظير؟

تلك الفرضيات هي بالتحديد ما تعمل مساحة مثل "كحل" على الابتعاد عنه. تطلب منا "كحل" أن ننظر إلى الجنوب العالمي كأكثر من مصدر معلومات، وأكثر من مجرّد معرفة بديلة، بل بمثابة دعوة لإعادة التفكير بالبديهيات، وإعادة التفكير بكيفية تكوّن حقائق معينة، وما الذي يعدّ معرفة في الأصل. وأعتقد ايضًا أن "كحل" لا تلهمنا وحسب من أجل مساءلة المعارف بل أيضًا الأنطولوجيا. وتدعونا لإعادة التفكير بما يعنيه أن نكون شريكات/ شركاء، نتحرّك حول العالم ككتلة واحدة، وليس كقطعة منه، كما تدعونا إلى الاعتماد على الكويرية والنسوية الهامشية من أجل تفكيك المركز. لذا، أظن أن عددًا كعدد "النسوية الكويرية" لا يسعى إلى دعوتنا إلى وضع المنسيّ والمتروك في نقاش مع ما هو مقبول ومعياري نظريًا، بل إنه يدعو إلى زعرعة ونزع مركزية المحتفى به كمعرفة متفوّقة، ويريدنا أن نتصالح مع ما يُعتبر مستحيلًا. برأيي، لا تريدنا "كحل" أن نفكّر إذا كان بإمكان التابع القول، بل هل بإمكانه التنظير، والجواب، بالتأكيد، هو نعم، كما سنرى اليوم.

أجد أعمال المؤلّفات/ين والمحرّرات المجتمعة الموجودات/ين اليوم هنا تدخّلًا معرفيًا حاسمًا ذي مصلحة سياسية ملحّة، وأتطلّع للتفكير معهن/م اليوم حول ماهية النسوية الكويرية، ليس فقط ما تبدو عليه في الجنوب العالمي. لا يمكنني التفكير بمحاورة لمناقشة هذا العدد أفضل من سارة أحمد، نحن في غاية الحماس لوجودها معنا اليوم، لمناقشة إمكانيات النسوية الكويرية لـ "كحل".

 

غوى صايغ: سأبدأ بامتنان لا متناهي لا يمكنه أن يستنفد نفسه. أنا مدينة لصانعات هذا العدد، لورشة عمل "النسوية الكويرية" في بيروت التي استُلهمت من الثورة، لسارة التي منحتنا لغة للتفكير والشعور حينما كنّا نصطدم بالجدران. لن أقول جديدًا اليوم؛ إنها معرفة وهبتني إياها عقول ورؤى وأذرع وظهور أولئك الذين كوّنوا "كحل"، مجتمعاتنا التي أتاحت الحلم رغم، أو بسبب قسوة المجتمع، حركتنا العابرة للحدود والنازعة للاستعمار في كويريتها، أولئك اللواتي/ الذين فكّروا وغضبوا معنا، سواء كانوا يعرفون بذلك أم يشعرون به.

غادرتُ بيروت في 24 آب 2020، قبل 3 أيام من عيد ميلادي ال 31، وبعد 20 يوم من انفجار 4 آب. في بيروت، في منطقتي من العالم، عبر الجنوب، عشنا بصحبة دوّامات من الكوارث الصناعية، السيارات المفخخة، الصواريخ، عنف الشرطة، قمع الدولة، والانهيار الاقتصادي. معرفتنا بالدمار معرفة حميمية، وأجسادنا تعرفه بحميمية. لكن، بسبب 4 آب بتّ قادرة على عبور الحدود الأوروبية. كات الحدود قبل ذلك مغلقة بسبب الجائحة، لكن سياسات الاستثناء قررت في تلك اللحظة، أن بعضنا يستحق العبور كسرديات بؤس، سرديات عُمّمت ونشرت عبر صور لن أعيد إنتاجها. ركيزة "كحل" منسوجة من الذاكرة والمقاومة: نرفض مجاراة سرديات البؤس. في المقابل، نعود إلى أرشيفنا النسوي الكويري. لذا أسأل اليوم. متى نصبح جديرات بالتنظير؟ ليس باعتبارنا مواضيع يتم التنظير بشأنها (المعلومات الخام التي تحدثت عنها مايا مكداشي وجاسبر بوار)، إنما أرشيفًا حيّاً نحن وأولئك الذين يلهموننا ويتواطؤون معنا.

في أثناء كتابة هذه الأسطر، توقّعت أن ترتعش يداي. فالنظرية الكويرية هي أن تكتشف ما الذي يجعلك ترتعش، ما الذي يجعل العالم يهتزّ. أرتعش لأنه شخصي. والشخصي بالنسبة إليّ هو النظري، كما قد تقول سارة. في "كحل"، كتبنا "النسوية الكويرية" كلّما نفخت "نحن" الجماعة الحياة في العدد. نوعًا ما، طاردنا هذا العدد قبل أن يصبح لغة. نشر عدد "النسوية الكويرية" خارج بيروت يشبه شعور الأسى. لكننا نستحضر المساحات والجغرافيا التي تشكّل تخيّلاتنا السياسية في كلّ مرّة أصبح أنا النحن ونصبح نحن النظرية. نظرياتنا كويرية لأننا نحملها على ظهرنا كما الموطن، لأننا نتركها تجول في عروقنا وتحفر جلدنا. كويريتنا عابرة للحدود وليست عالمية؛ إنها جنوبية، ليس بمعنى الموقع الجغرافي الذي نجده على الخريطة، بل كخرائط للذاكرة التي صارت مقاومة. تفصلنا حدود الدولة القومية، ثم يعزلنا الإغلاق وحظر التجوّل والحركة المقيدة. ما يجعلني أفكر بتجوال النظرية وارتحالها، وكيف نظن أنها تسافر. لقد نظّرنا بغزارة، مستعينات بمشاهداتنا المتموقعة والمعارف التي نحملها على ظهورنا وداخل جلدنا. لكن نقول "النظرية تتجوّل" لان النظريات التي نعرفها وننتجها لطالما اصطدمت تاريخيًا بالصمت والجدران. النظرية هي الممارسة بالنسبة إلينا، لكن النظرية (المفردة) باعتبارها ما وراء السردية هي بالتحديد ما له قوة دفعنا إلى الخارج، حتى لو وجدنا في إطارها. الأكاديميا موقع واحد؛ لكن هناك أيضًا مؤسسات، حكومات قومية، إعلام، وسياسات تطبّق عبر ضبط الحدود، المساعدات الدولية، عنف الدولة، الأعراف الإجتماعية. أصبحت النظرية نقاط ارتكاز ليس لنا حق امتلاكها، تنظّمها معايير نشر لا نملك أدوات التعامل معها، من خلال لغات ورموز ننطق بها ولكن لا نجيدها، من خلال رسوم دفع وشهادات ومسارات بيروقراطية وجهد عاطفي يحبطنا. لذا نكتب ذواتنا من جديد داخل سردياتنا حتى ولو كتبها الآخرون؛ نساوم ونصحح وننسجم بالشكل مع الأطر والبنى. أنا/ نحن ننسى أننا لم نكن "متحضّرات/ون" من الأنظمة الدولية للقوة، ولا من قبل دولنا القومية، ولا المؤسسات؛ كنا منضبطات/ون أنا/ نحن ننسى أن هذه الأنظمة، العالمية والـ"قومية" تضعنا في مواقع للاستخراج. وهكذا، كتمظرهات كويرية للنظرية، عندما نلتفت إلى نقطة الارتكاز، علينا أن ننظر وراءنا لنستدل على تاريخ الاستخراج. ولكن عندما اجتمعنا معًا في ورشة "النسوية الكويرية" في بيروت، لم نتكلم إلى؛ بل تكلّمنا مع بعضنا البعض وسمحنا لأنفسنا بالارتعاش. لطالما أنتجتنا النظرية بهذه الطريقة.

رويتُ هذه الحكاية مرّات عديدة. "كحل" تقوم بهذا العمل منذ 7 سنوات. عندما نشرنا عدد "النسوية الكويرية" في كانون الأول/ دسمبر الماضي، شعرتُ بالإحباط إذ بدا غير مناسب. هناك إشكالية في الوصول. عندما أعلنّا عن الإطلاق، تدفّق الإقبال أونلاين، حيث اتسع نطاق النشر بما يفوق قدرتنا على الاستيعاب، فتركناه يتدفّق. سألت نفسي بقلق: عندما تواصلتُ مع سارة، هل كنت أعيد إنتاج هرمية التنظير؟ هل الاقتصادات السياسية للنشر هي بالفعل خارج نطاق وصولنا؟ لكن ربما ليست هذه هي الحكاية. وهذا ليس الوصول الذي نحتاج التطرّق إليه. أن نعرف بحميمية بواسطة أجسادنا، يعني أن نخرّب الأنظمة التي تدير حياتنا، حركتنا، وانصهارنا ببعضنا البعض. ربما تكون "النسوية الكويرية"، أي هذا العدد، مركز هذه السردية، لأننا لوحنا بما فيه الكفاية لنصل إلى بعضنا البعض عبر الحدود والمواقع التي فُرضت علينا. لا نحتاج إلى السيطرة على أدوات الإنتاج لأننا لطالما أنتجنا ونظّرنا. أريد أن أحوّل تخيّلاتنا إلى السيطرة على أدوات النشر والتداول. عندما نخلق مسارات التداول الخاصة بنا، يجمعنا أرشيفنا الكويري ببعضنا البعض؛ فالفوضى والتعددية هي ما يجعل العالم يهتز.

 

صبيحة علّوش: شكرًا غوى، شكرًا صوفي، شكرًا سارة، شكرًا لكلّ الحاضرات/ين. انضممت حديثًا إلى مجال الأكاديميا، بالإضافة إلى ما يُعتبر ناشطية أو ممارسة فعلية. أتساءل دائمًا: هل اخترتُ النظرية الكويرية أم أن النظرية الكويرية هي التي اختارتني؟

 الجواب ليس واضحًا. أحيانًا أعتقد أنّي كنت ألتفّ بشكل لا واعي حول النظرية الكويرية لأطول فترة في حياتي، قبل أن تجتاحني أخيرًا. في أوقات أخرى، أفكّر أنّي أمضيت حياة من الغضب الدائم لأن شيئًا ما في عالمنا ليس كما يجب أن يكون بالنسبة إلي، وعندما أقول أنا، أعني نحن. وقبل أن أدرك، وجدت نفسي محاطة بأشخاص يشبهونني، أشخاص لن ألتقي بمعظمهن/ن أبدًا، نعمل معًا من أجل مكان وزمان لم يتحققا بعد.

لطالما حمتني مسارات حياتي وموقعي من العنف الوشيك والخطر الذي يحدق بعدد لا يحصى من النساء، العابرات/ين، المهجرات/ين قسريًا، ساكنات/ي الملاجئ والأجساد الكويرية. أنا متخرّجة حديثة ومحظوظة، وجدتُ عملًا دائمًا بدوام كامل بعد سنتين من تخرجي. أصرّ هنا على عامل الحظ. لو كان "عملي" هو بالفعل ما قادني إلى حيث أنا، فإذن من الضروري أن نذكّر أنفسنا والجميع أن الكتابة الكويرية والنسوية هي من دون شك عملًا تشاركيًا. أقصد بالتشاركية، الحقيقة الحتمية أن كلاهما ينشآن من مواقع عنف جسيم. اللحم والمشاعر هم أجزاء وشظايا من النظرية التي ننتجها، وإن لم نحوّل نظرياتنا إلى ممارسة يعني حتمًا أننا نخون إرث من سبقونا ونؤخّر المكان والزمان اللذين نتوق إليهما. (أو "لهما" لست متأكدة من حرف الجرّ المناسب).

عندما أتخيّل المكان والزمان. أتخيّل تجوالنا اليومي، بينما نحضر العشاء، أو نستحم، أو نستمع إلى بث صوتي يؤرخ ويطرح سياقات تبدد المعرفة التقاطعية. شيئٌ يشبه أفضل 10 لوحات إعلانية للعمل التحريضي، من دون ترتيب بالطبع، لأننا لا نحبّ الأرقام. لا ننشر المعرفة التي ننتجها. نقبع في موقع فريد حيث لا يمكن لعملنا الأكاديمي، ولن نفصله عن نضالنا. ربما، نحتاج إلى قنوات "يوتيوب" أكثر مما نحتاج إلى مجلّات. أحبّ عملي في "كحل"، كما أحبّ عملي في الجامعة. وأسخر من تقييمي الداخلي الذي أعطى مقالتي في "كحل" علامة 2 من أصل 4 بسبب عدم انخراطها في الأطر النظرية بالشكل الكافي. من الصعب إيجاد توازن بين الأعمال المتاحة والمفتوحة والمجلات الأكاديمية رفيعة المستوى. بناء على ذلك، أنا ممتنة لأسماء ووجوه كثيرة بين الحضور، ممن بذلن جهدًا في فترة ما لقاء عمل غير مدفوع من أجل ضمان استدامة "كحل".

مسارات حياتنا هي عبارة عن تحوّلات جذرية لا متناهية، إعادة توجيه، إعادة موازنة وتأقلم. ما يشغل عقولنا وقلوبنا دائم، يرافقنا في السينما والمطاعم وغرف الدراسة وفي أماكن الاستجمام وفي البحر وخلال أيام التسلّق والأيام الكسولة. على الطريق، نخسر أحيانًا أصدقاء وصديقات وأفراد من العائلة طفح كيلهم من احتمال إفسادنا للبهجة (بالتأكيد، أشير إلى محاورتنا سارة أحمد من خلال قول ذلك).

نعيش في عالم يرتكز على الافتراضات والعاطفة الهشة، وفي هذه المرحلة البياض الهزلي الذي بوضوح، على الأقل وفقًا لنظرتي المستقبلية المتفائلة، يفقد سيطرته على نفسه: فردود فعله منذ التحركات الناجمة عن مقتل جورج فلويد تتأرجح بين من يبدو كغزال ممسوك من قرونه، إلى رؤى مروّعة حول عالم يعيش البيض وغير البيض في مساواة (يا لها من كارثة!)، إلى توليفات معرفية خرقاء وخطيرة بشكل متزايد.

نقول لحلفائنا/ حليفاتنا إنّ مهمّتنا طريقها طويل ومتطلّب ومكلف ومنهك. ففي نهاية المطاف، ونظرًا للتوترات التي تنشأ على إثر الموازنة بين سياسات الهوية واللاعدالة فوق القومية، ليس لدينا سوى بعضنا البعض. وللأصغر سنًا بيننا، وبذلك أعني كاتباتنا/ كتّابنا أحمد، آية، نور، وسارونا، وباقي المساهمات/ين، وللنسويات الكويريات التقاطعيات في أماكن أخرى، نتضامن عبر كتاباتنا، ممارساتنا، وتدخّلاتنا. شكرًا.

 

سارونا أبوعكر: شكرًا لكل من جعل(ت) هذا الحدث ممكنًا، بدءًا بورشة العمل في بيروت وحتى هذه اللحظة. أنا حقًا مدينة لكل من ساهم/ت في هذا المسار. من دونكن/م، لما كان هذا النص موجودًا هنا. لكني أعتقد أن بعض أجزائي الموجودة هنا اليوم لم تكن لتوجد هنا أيضًا.

هذا النص هو صنيعة محاولة للإحساس وإعادة التوازن لمشاعري حيال كونها مبعثرة، مصنّفة، وقيد المساءلة، كما أنه توق عميق إلى الانتماء والبيت بوصفه مكانًا آمنًا. هذا ردّ لاحق على نصّي – إن لم تقرؤوه بعد، سيكون ذلك غريبًا لكني أتمنى أن تجدوا شيئًا لكن/م هنا.

أعتقد أن ما كنت أفكّر فيه هو كيف نتحرّك، كيف نتقدّم، ونسكن في حميميات آمنة. وإلى أي حدّ نفاوض في أثناء ذلك؟ وهو إدراك بأن "الهروب من" لا يقود دائمًا إلى "الوصول إلى". بل يظهّر تشابكات حياتنا ومدى ارتباطها بالعلائقيات. هذا ليس بالضرورة انسحابًا من خطاب محدّد حول ماهية الهوية الفلسطينية. إنما، طريقة للنظر في العودة والهوية الفلسطينية. أردت أن أحاول النظر إلى العودة بعيدًا عن كونها غرفة مغلقة، سيارة نجلس فيها غير قادرات على الوصول إلى مقعد السائق، شاطئ نسبح إليه، هدية علينا منحها، أو إيقاع يدفعنا إلى الوراء، بينما يتدفق الهواء إلى أذنينا، في حين نقع على أرض نعرفها، أو بينما نترقب الخطر.

لكني أفترض أن الخطر محدق – شبح سمين، يهمهم. أعيش في لندن، وهي مدينة صاخبة – تعتادين فيها على سماع صفارات الإنذار، كلمات معيّنة، في الشوارع المحيطة بك. تحتويك تلك الأصوات، تلك الأصوات المتآكلة، وتكرارها يبدأ باحتلال حياتك اليومية – تعطيها شكلًا كالماء والحجر. عندما فُرض الإغلاق الأوّل في العام الماضي، توقّفت تلك الأصوات. حلّ الصمت. حل الركود. أيّ حركة يمكنها أن تعطي شكلًا لحياتنا الجماعية عندما تتوقف عن التكوّن عبر كل ما يحيط بنا؟ عندها فقط وجدتُ نفسي أسكن التمظهرات الكويرية. العودة ليست مكانًا يمتدّ صوبنا، ويجبرنا على اتخاذ مواقف متوترة في محاولة لاكتساب مرونة تخوّلنا الوصول إليه، لننزلق عبر تصدعاته، لتكون قيامتنا إليه. إذا دفعتي 100 دولارًا على حدود اللمبي بين الضفة الغربية والأردن، يسمح لك الجيش الاسرائيلي اللاشرعي بتجاوز طوابير الأشخاص المنتظرين، وتقدَّم لك القهوة الساخنة وغرفة فسيحة وكرسي جلدي، وسيارة أجرة خاصة تتجول بين نقاط التفتيش، لتختتمي رحلتك بلافتة بيضاء وزرقاء كتب عليها "رحلة سعيدة"، وهي معلّقة بين أشجار النخيل عند وصولك إلى أريحا.

في المرة الأولى التي رأيت فيها تلك اللافتة، كدت أتقيّأ – خطوط مستقيمة مهيمنة تستعرض نفسها كما لو كانت تمتد نحونا. لكن من الذي يمنح بطاقات الهوية، من الذي يحدد السياسات، من الذي يدخل الفواكه والخضار، من الذي يتحكم بالموارد المائية – علامات وأبعاد الاستعمار الاستيطاني تتعاظم مع مرور الوقت، كالتراكم. بينما يستمرّ هدم المنازل، والسطو على الإنتاج الثقافي، يُستخرج/ يُمحى. هناك طرقًا جديدة تعتمدها الرأسمالية والاستعمار الاستيطاني للوصول إلينا، لتسكيننا بالراحة الزائفة – صفقات تجارة اقتصادية بعد أن خصخص أوسلو القطاعات، الاحتفاء برؤوس الأموال وسماسرة الأراضي، إنشاء مستوطنات مفترسة. الأزمنة/الأمكنة/المقاعد ليست متاحة/ليست في متناول اليد، بيد أننا نعزّي أنفسنا بأننا نصلح أن نكون فيها – والخروج من ذلك إنما عملية مؤلمة ومحيرة. لماذا على العودة أن تتخذ شكل ألمنا، أجسادنا التي تحاول الالتواء نحو شيئ (تسوية، هيئة مؤسساتية، جندي، ظابط شرطة، جابي ضرائب).

يتمّ تشكيل "العودة" ضمن نموذج الدولة القومية الرأسمالية المهيمنة. ولكن ما هي بالتحديد؟ هل لا زالت عودة بينما يعيش الناس في مجتمعات مغلقة بنتها دول الخليج وبينما يكافح آخرون لإطعام أسرهم/ن، طالما أن الأجساد التي تسكن تلك البيوت هي أجساد فلسطينية؟ لقد أصبح الاستعمار الاستيطاني مشبعًا بالاستخراج – تلك العودة هي سراب، خديعة، بنك يتنكّر بهيئة البيت والوطن، جوف خزّان نفط يتنكّر تحريرًا. حاولوا أن تأخذوا نفسًا عميقًا في هذا الجو، ونحن أيضًا سنختنق تمامًا كأولئك الرجال في الشمس.

أيّ قيم نزرع ونحصد وننشر؟ هل العودة مستودعًا، فارغًا، ينتظر أجسادًا فلسطينية لملئه؟ هذه محاولة للتعامل مع ذلك: العودة كإعادة – توجّه، ليس إلى "الوراء" بل نحو بعد – حي، يتنفس، ويخلق من جديد، كل يوم، ويجاهد حتى لا يعيد إنتاج العلاقات ذاتها التي تؤذينا وتستمر في أذيتنا. وبهذه الطريقة ترفض العودة أن تكون منظّمة، أو مصنّفة. وتصبح منزلقة لأنها تواصل انحرافها بعيدًا، هربًا من الأفكار وعلاقات القوة المرتكبة الآن باسم بناء الدولة القومية، باسم الحرية الليبرالية. لا يمكن تسليع العودة. فهي ليست للبيع. ومناهضة ذلك، تخيّله، ممارسته، والارتباط بهذه الطرق التي تسعى إلى تسليع كافة جوانب حياتنا، كافة تطلعاتنا، ومستقبلنا، عبر حركات جديدة، حيثما نلتقي ونجسّد الكويرية عبر تلك الانحرافات. وأنا أرى العودة كـ "طريقة لصنع العالم عبر حركات وحس جديدًا. أريد تغيير شعور العودة عبر إعادة توجيه احتمالات وصول العودة، وإيجادها، وأينما يمكننا تلمّسها". شكرًا.

 

نور المزيدي: يسعدني ويشرّفني أن أكون جزءًا من هذا الحدث، برفقة أشخاص رائعات/ين، وأنا ممتنّة لجميع من ساهموا بلمّ شمل جزء ممن شاركوا بورشة عمل "النسوية الكويرية" التي جرت في بيروت.

أودّ أن أستفيد من وقتي هنا للتفكير في النص الذي كتبته، من حيث الصعوبات التي واجهتها خلال مسار تفكيك المنهجية وإنتاج المعرفة النسوية الكويرية على نطاق أشمل، بالإضافة إلى الصراعات التي اضطررت للتعامل معها أثناء العودة إلى النص في ظل وقائع سياسية ووطنية دائمة التحوّل وفي ظل الجائحة.

في هذا العدد، كتبتُ عن كيف يمكن أن نسكن ونعيش الحياة الكويرية في الكويت بطرق لا تتعلّق حصرًا بالإشكاليات القانونية والاعتراف السياسي والظهورية، بل تُحس عبر الزمان والمكان. لذا أردت أن أعطي حيّزًا للفضاءات التي تكوّنت من خلال العلاقات الاجتماعية الكويرية وأن أحاول وضع هذه التمظهرات الحميمية المكانية الكويرية في لغة من دون تأطير تلك المساحات كمساحات مقاومة أو تفوّق بالضرورة. لذا، اتخذت لنفسي موقعًا من خلال تحليل يأخذ بالاعتبار الاقتصاد السياسي للكويت والجهاز الطبقي للمواطنة الذي يضع بشكل هائل بنى آليات السيطرة السياسية والاجتماعية.

بعد انتهاء ورشة عمل "النسوية الكويرية"، أصبحت العودة إلى هذا النص مرارًا وتكرارًا خلال هذه الأشهر بغية تعديله في غاية الصعوبة والألم، لدرجة بتُّ أشعر أنّي أجسّد رفضًا لإتمام هذا العمل والعودة إليه وقراءته من جديد. بالنسبة إليّ، اتخذ هذا الرفض شكل حداد، حداد يطرح سؤالًا ملحاً: ما الذي يعنيه بالنسبة إليّ التفكير بالحميميات الكويرية، بينما أغرق بالحقيقة المباشرة لفشل الدولة، والبنى الطبقية لموت الدولة المؤقت في الاستجابة على الجائحة، إلى جانب الهشاشة المتقاطعة والمتفاقمة نتيجة ذلك.

على صعيد آخر، حدّد شكل هذا الحداد ما قالته غوى في افتتاحيتها، إنه الحداد المؤلم على طاولة الاجتماع التي تشاركناها في بيروت. أردت بشدّة أن أتذكّر وأحتفظ بشعور الولادة الذي تشاركناه في الورشة، تحديدًا لأن المكان أتاح رؤية أخرى لكيف وأين بإمكاننا قراءة أنفسنا، والطرق المختلفة التي يمكن أن تشكّل النسويات الكويرية، النظريات، والمعارف، وكيف لا تحتاج تلك الطرق إلى طلب الإذن لتكون مقروءة.

تعاركتُ كثيرًا مع مسألة إخفاء ذاتي وسرديتي عن كتابتي. كنت أسمع دائمًا، "إنّ صوتك يختفي، لكننا نريدك أن تعودي". تمسّكتُ بالفعل بفكرة كتابة نفسي، العودة إلى كتابة نفسي. وتسلّحت بشجاعة ضخّ هذا القلق في المقالة – القلق بشأن الصمت المولّد، فشل اللغة والتعبير، القلق بشرعية التنظير، مسائل خاصة بحقوق التأليف، إلخ.. وفي خضمّ كل ذلك، أعتقد أن النسويات الكويرية وإنتاج المعرفة النسوية الكويرية مدفوع بتلك التنقلات، قِصَر النظر، والرغبات. فالسماح لأنفسنا أن تعيد القراءة في داخل أعمالنا هو تقديم توق الأرشفة النسوي الكويري، حالة الرغبة المستمرة هذه أن تفكر بذلك بوصفه طريقة قيّمة ونموذج معرفة. شكرًا.

 

صوفي: شكرًا نور على هذه الأفكار المؤثرة فعلًا حول القلق والوحدة التي ترافق إنتاج المعرفة والتي تنسينا التفكير بالرفاقية واللقاء عندما نحاول تخطي قلقنا ونكتب أنفسنا في نصوص وننتج المعرفة جماعيًا. لقد كان ذلك جميلًا. أشكرك.

 

أحمد ابراهيم: شكرًا لكن/م. وشكرًا لجميع الحاضرات/ين. أنا سعيد جدًا لأني سأتحاور معكن/م اليوم.

عندما بدأت بصياغة هذه الورقة، كنت محبطًا من الأكاديميا، لكني كنت مقتنعًا بشكل ما أنه عليّ إقحام نفسي وأفكاري ضمنها. حينها ذهبت إلى ورشة العمل محمَّلًا بثقل هذا الواجب، وقلقًا لأني ظننت أني أحتلّ مكان شخص آخر يستحق أكثر منّي. ارتبكت لأني شعرت أن هناك الكثير مما يدور في رأسي لناحية ما كنت أحاول تحقيقه في هذه الورقة، وكنت مرعوبًا إذ شعرت أني لست مخوّلًا لإنجاز ما وعدت به في الملخص. وبصرف النظر عمّا كان يحدث في حياتي الشخصية، كنت أيضًا محطمًا جرّاء تجربتي في الجامعة وبدأت أشعر بخيبة أمل كاملة بإنتاج المعرفة الأكاديمية إجمالًا.

دفعتني الورشة إلى التعمّق في مشاعر الخوف هذه والعمل من خلالها تبعًا لما كانت تحاول إخباري. ذكّرتني ذلك بالوثوق بحدثي أن "الاستقصاء الأكاديمي الدقيق" علّمني أن أتجاهل، وأن أعمل مع التجربة بخلاف ما أتمنّى أن تشرعه هذه التجربة. وعليه، قمت في الأشهر التالية بالتساؤل عمّا أريد تحقيقه من خلال هذه الورقة.

في تلك الورشة، شعرت للمرة الأولى أن كلماتي وعملي يُؤخَذان على محمل الجد. وربما كان ذلك التوكيد هو ما ساعدني على إدراك أنّي كنت أسعى تحديدًا لهذا الشكل من التوكيد الأكاديمي غير المنطقي طوال السنوات الأربع التي أمضيتها في التمحيص بهذه الورقة. أثناء كتابة المسودة النهائية، إتضح لي أن الناس الذين/ اللواتي شعرت أني أريد الكتابة لهن/م لم يعرفوا وحسب ما المهمّ في أن تكون كويريًا هنا، بل أيضًا أنّهم لا يحصدون أيّاً من منافع وتداعيات المعرفة المنتجة حول حياتهن/م في الأكادميا بشكل خاص، وفي غيرها من المجالات عمومًا. يسلّيني الآن التفكير بمدى انشغالي كوني "الشخص الوحيد الذي يكتب عن ذلك" أو "أكاديمي جيد" يقوم "بعمل هام"، بينما أنا الآن في مرحلة من حياتي حيث أعتقد أن ما شيء أقلّ ثورية من الكتابة من أجل الأكاديميا.

لم أعد أشعر بثقل التأكد من أن الأكاديميا تعرف ما يختبره الكويريات/ون في مصر، لأنه ومرة أخرى أجدها على نقيض من أحلام الطلاب غير المتخرجين "بالممارسة الثورية". في الواقع، أشعر أني منحت الأكاديميا كثيرًا من ذاتي ومن أولئك الذين/اللواتي تعاونت معهن/م على أمل أن نحصل على شيء ما يساعدنا على دعم أنفسنا بينما كنّا في الحقيقة نحن من نهب ذلك إلى بعضنا البعض، ربما لأننا دائمًا في مواجهة مع الواقع الذي لا تواجهه الأكاديميا، ولأننا نحن الوحيدات/ون القادرات/ون على ذلك. لا زلت في غاية الامتنان لتجربتي في الكتابة مع "كحل" لأني أؤمن أنها نموذجًا للمساحات الفكرية النسوية الكويرية في المنطقة وأعلم أن هذا النص لم يكن لينشر في أي مكان آخر. ولهذا السبب أنا في غاية السعادة بنصي الآن، كما هو: أرشفة للّحظة والحديث الذي كان شديد التأثير في حياتي والذي لا يزال يتكشف أمامي بطرق أستدل من خلالها بينما أمضي. شكرًا.

 

صوفي: شكرًا أحمد لتذكيرنا بسؤال لمن نكتب وما الذي يحدد عملًا بوصفه هام، لكن أيضًا هذا النقد المهم والضروري لعنف الأكاديميا والطرق التي تستطيع الأكاديميا من خلالها الابتلاع والإخفاء بدلًا من الإنتاج. كشخص ينتمي إلى الأكاديميا، أجد أن ما قلته منطقيًا بالنسبة إليّ وأعتقد أنه نقد قيّم وفي غاية الأهمية. شكرًا.

 

آية الشرقاوي: أود في البداية أن أعبّر عن سعادتي لأني موجودة هنا، كنت في غاية الفرح عندما وصلتني رسالة من "كحل" لأكون جزءًا من هذه الورشة. شعرت أنه واحد من تلك الأحلام التي لم يتح لي تحقيقها. حتى حينها، عندما كنت أقدّم الملخّص، شعرت أني طفلة تحاول الوصول إلى رفّ يفوق ارتفاعه قدرتها على الوصول إليه، ولم أصدق أنني فعلًا سأخوض هذه التجربة. لذلك، أشكركن وأشكر كلّ من أتاح ذلك، كل من منحني حلمًا لم أكن أعرف بوجوده.

في الأساس، جئت إلى هذه الورشة مع ورقة كانت بمثابة تأريخ لأصل الاصطلاح كامب، بما أني كنت في الغرب حيث تجذر الاصطلاح في نظرية سوزان سونتاغ. هذا ما جئت به إلى الدعوة لتقديم الأوراق. على الفور، عندما بدأت الحديث مع غوى، واجهتني بمدى إمكانية هذا الموضوع على التطور. أعتقد أن هذا كان مرتبطًا بما كنا نناقشه: نزع الاستعمار عن بنى إنتاج المعرفة التي يهمين عليها الغرب. وهكذا، حتى لو كنت من هنا وأقوم بإنتاج النظرية الكويرية، لكني، لا زلت أنتج نظرية كويرية غير محلّية، أو أنها لم تنتج عن تجربة اكتسبتها. هذه كانت ربما النسخة الأولى التي تخيّلت أن تكونها هذه الورقة البحثية. بعدها، جئت إلى الورشة. لا أستطيع وصف التجربة. كانت الحلم الذي لم أعي أنه لدي. أن أكون محاطة بأشخاص كثر، بكويريات/ين عرب/يات، أن يتاح لي مشاركة تجربتي، والمساهمة في عملهن/م، إنتاج المعرفة معًا – أعتقد أنها كانت تجربة لا تقدّر بثمن. عندما غادرت، كنت قد أصبحت شخصًا آخر، إذ أنها كانت لحظة غريبة، أن أنتقل مباشرة من كوني لم أتخرج بعد إلى الكتابة والنشر. كانت تجربتي الأولى وأعتقد أني محظوظة للغاية.

ربما كنت شخصًا مدللًا لأني لم أعرف أن الحال هكذا طوال الوقت، لكن بصراحة غيّرت الورشة حياتي بشكل مدهش. إذن، الورشة كانت تجربة رائعة في بيروت، حيث كنّا نشارك في الاحتجاجات ونشاهد عروض الدراغ. كانت تجربة مدهشة بعيدًا عن الجزء المتعلق بورقتي البحثية بحد ذاتها. كانت تجربة مدهشة من إنتاج المعرفة الجماعي والتضامن. تعلّمتُ الكثير، وتخلّيتُ عن الكثير. أعتقد أن الإشارة إلى ذلك جديرة بالذكر. كان تقريبًا تخلّي غير مريح لأني معتادة على مقاربة الأمور بطريقة أكاديمية محددة وقاسية، وعليه، كانت تجربة غير مريحة أن أبعد نفسي عن ذلك وأبدأ بالشعور بالتجربة وتنفّسها. وفي خضمّ الاحتجاجات، في خضم عروض الدراغ، كنت أعيش هذا التخلّي، وأعتقد أني مدينة للورشة بهذا – هذه الطريقة في رؤية الأشياء في العالم. تركتُ بيروت وأنا مغمورة بالطاقة، حاملة تجارب سترافقني ما حييت، وذكريات ستغيّر نظرتي إلى العالم، وصديقات/أصدقاء غاليات/يين. تلك كانت النسخة الثانية، على ما أظن، للورقة التي سأعمل عليها. تركتُ بيروت مع أفكار مختلفة كليًا. كان عليّ أن أعمل من جديد، إنطلاقًا من التجربة المختلفة جذريًا عن التجربتين الأوّلتين. كانت العودة إلى العمل على الورقة في غاية الصعوبة، حيث كانت الأوضاع منذ الورشة مضطربة جدًا. كان هناك فيروس "كوفيد" وواقع أني بتُّ أسكن مساحات اعتقدت أنّي هربت منها أو تفوّقت عليها، التعامل مع بنى العائلة التي اعتقدت أنّي سبق وتعاملت معها. هذا التغيير في الحركة والزمان قادني إلى تغيير أفكاري. كانت العودة من تلك اللحظة المحرِّرة في بيروت صعبة، كذلك البقاء في غرفة ظننت أني هربت منها. في أثناء تحرير هذه الورقة، النسخة الأخيرة منها، التي نُشرت حينها، كانت تجربتي مختلفة تمامًا؛ كانت هادئة جدًا مقارنة بالشعور المتدفّق التي غمرني عندما كنت في بيروت.

بالإضافة إلى فيروس "كوفيد"، توفّيت سارة [حجازي] في بداية الصيف. أثّر ذلك فيّ كثيرًا لأني أعتقد أن التجربة الوحيدة التي كانت مشابهة لتجربتي في بيروت مع "كحل" هي حفل "مشروع ليلى" عام 2017. كنتُ هناك، ورأيتُ سارة ترفع العلم، تلك اللحظة محفورة في رأسي لأنه كان أيضًا حلمًا لم أعي أنه يراودني. تأثّرت كثيرًا بالترهيب الذي تلا ذلك، ورحت أفكر جديًا بموقعي وامتيازاتي، وأفكر جديًا بالنظرية الكويرية. أظن أن المرّة الأولى التي حاولت فيها كتابة النظرية الكويرية كانت بعد سجن سارة. أريد أن أنوّه أنّ وفاة سارة العام الماضي في وسط الحجر غيّرت أيضًا بشكل جذريّ مقاربتي للورقة البحثية. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك اضطرابات سياسية هائلة على صعيد العنف الجنسي ومحاربة العنف الجنسي في مصر. تعلّمنا الكثير وخسرنا الكثير. دفعنا ثمناً باهظًا. لكن، أعتقد أنها كانت من المرّات الأولى التي نشهد فيها على هذا النوع من الناشطية منذ 2011. لذلك، كانت فترة مهمّة للغاية لناحية التعامل مع النظرية ومحاولة كتابة نظرية راديكالية، بينما تكونين في وسط قلب الحركة. بالتالي، تنظرين إليها انطلاقًا من أسس مختلفة كليًا.

إعتداءات الشرطة والحركات المناهضة للعنف الجنسي وما تبعها من أعمال عنف وتشهير جعلتني أتورّط وأغيّر حتمًا الطريقة التي كنت أقارب فيها ورقتي البحثية في أثناء تحريرها. بالإضافة إلى تلك الأمور، كان هناك انفجار بيروت. فجأة تأخرت مواعيد تسليم أوراقنا وكان علينا الاتصال بأسرنا وأصدقائنا والأشخاص الذين أصبحوا جزءًا من عائلتنا للاطمئنان على سلامتهن/ن. راودتني أيضًا فكرة تخيّل الأماكن التي سكنتها عندما كنت هناك، موجودة، مشوّشة كليًا، مع فكرة وجودي في مكان آخر بينما، المكان المدمّر في ذاكرتي غيّر جذريًا الطريقة التي كنت أقارب فيها الورقة. لم يختفِ المكان الذي كنت أتخيّله عندما كنت في ورشة العمل فقط، بل أيضًا ذكراه التي تأثّرت بشكل ما جرّاء الانفجار.

في خضمّ كلّ ذلك، كنت أحرّر الورقة، عملت عليها انطلاقًا من أسس مختلفة للغاية وشعرت بامتنان هائل لوجودي هنا بعد أن تغيّر كلّ ذلك – أن أكون قادرة على التفكير بهذا بعد سنتين، وأعرف كم مسودة وكم نسخة وكيف تطوّرت، لكن أيضًا كيف أصبحت امتدادًا لذاتي وتجربتي لأني كتبتها ارتكازًا إلى تجربتي ورأيت كيف تطوّرت وعكست نمو شخصيتي خلال السنتين الماضيتين – حتى لناحية اكتشاف اصطلاح كامب بحدّ ذاته والنظر إلى الجماليات وهذا النوع من النظرية – لأن ليس جميع النظريات تتعلّق باكتشاف الموضوع، أحيانًا نكتب الثقافة، أو نكتب الموضة، وأعتقد أن الأنتروبولوجية التي بداخلي هي التي تتكلّم لكن كان مهمًا بالنسبة إليّ أن أنتج في خضم كل هذا، وأحرّر الورقة التي لا تشبه إطلاقًا الجينولوجيا المرتكزة على سونتاغ والتي كانت فكرتي الأولية. بصراحة، المساهمة التي قدمتها، لم تكن ممكنة لو لم يؤكد صوت أشخاص كغوى وكل من شارك/ت في الورشة وأشعروني أن لديّ ما يستحق أن يُقال. أني لم أكن بحاجة لتكرار سوزان سوتانغ من أجل إنتاج نظرية. أن لديّ الحق الكامل في إنتاج المعرفة، وأعتقد أن هذا النوع من التوكيد كان حاسمًا بالنسبة إليّ. بت أعود إلى الورقة مرارًا وتكرارًا أثناء التحرير، وأشعر بالفخر لأني سأقدم هذه الصور الجميلة وأن أتمكّن من النظر إليهم وأسمّيهم فنون، كما هم. تشرّفت للغاية بمن سمحوا لي مقابلتهن/م كأنيسة كرانا، دراغ كوين في بيروت، وأظن أنها كانت إحدى أكثر التجارب المؤثرة، أي أن أقابلهن في عروض الدراغ التي شاهدتها. أعتقد أن هذه التجارب لا تقدّر بثمن وأتمنى أن تنعكس في الورقة. أنا سعيدة جدًا ويشرفني أن أجيب عن أسئلتكن/م ومناقشة الورقة والتعامل معها بجدية مرة أخرى. ووجودي مع كاتبات/كتاب رائعين/ات مثل أحمد ونور وسارونا، ووجودي مع شخص مثل سارة أحمد. أنا في غاية الامتنان لذلك.

 

صوفي: شكرًا آية، لقد كان ذلك مؤثرًا جدًا. شكرًا لاصطحابنا في هذه الرحلة الحميمة، من الفرح إلى الألم، الصحبة إلى العزلة، وكل ما ساهم بتطوير الورقة وتذكيرنا بأن يومياتنا تدور حول النظرية عندما تُكتب، وأن النظرية هي إنتاج هذا العالم. كانت فعلًا مداخلة هامة، شكرًا. أشكر الجميع على المداخلات الرائعة.

 

سارة أحمد: شكرًا جزيلًا. شكرًا جزيلًا، صوفي وأنا نحتاح إلى استراحة لشدّة تأثّرنا بتلك المداخلات الجميلة. لقد جعلوني أدرك مدى حجم العمل الفكري الذي باستطاعتنا تقديمه عندما نشعر أن العمل في عظامنا. مدهش حقًا، شكرًا جزيلًا.

أشكركن جزيلًا على دعوتي للمشاركة في هذا الاحتفال المميّز بعدد مميّز للغاية حول النسوية الكويرية. أود أن أعبّر عن مدى روعة تجميع هذه النصوص، هذا الأرشيف، تجسيد طرق التفكير وفعل هذا الشيء الكويري، الممارسة النسوية، وشغل الحبّ. أمتعني الوقت الذي قضيته برفقة تلك النصوص، شعرتُ أنّي إلى حدّ ما أتمشى معكن/م جميعًا، لأن الكلمات والصور التي صنعت هذا العدد تنقل بدقة كلّ ما كان قبلها. الورشة، الأحاديث، الضحكات، القهوة، السكر. إذا كانت الكتابة لاحقة، وهي دائمًا لاحقة، فإذن الكتابة هي استمرارية العمل الذي سبقها. بالنسبة إليّ، نظرًا لعملي كباحثة مستقلّة تسكن كوًخا في منطقة نائية في كامبردجشير، إنكلترا – نعم، أتساءل أحيانًا كيف حدث ذلك؟ حتى في الأوقات التي أصبح فيها الابتعاد عن الآخرين طريقة للعناية بهن/م، من البديهي أن نشعر بإقصائنا عن مجتمعاتنا، خاصة الحس الكويري بمفهوم المجتمع كحاجة لللقاء للمحاربة من أجل ما نريده. بالتالي، يسعدني هذا الشعور بالترابط، الفضفاض منه والحيّ، وبشكل ما، أن ألتقي معكن/م عبر الكلمات.

أود أن أشير إلى الدعوة التي وصلتني من صبيحة وغوى – كتبتن أنكن تردن "تعريفنا" وقلتن "نحن كحل: مجلة لأبحاث الجسد والجندر" ثم عرفتموني إلى المجلة، علمًا أنني التقيت ببعض منكن في السابق، بما أني قرأتكن. ماذا تفعلن، ماذا تنشرن، كيف تنشرن، النشاطات التي تنظمنها، الفعاليات القاعدية. بعدها أخبرتنني عن هذه المناسبة، التي وصفتنّها بال "إحدى أكثر النشاطات رقّة وتطهيرًا" الورشة حول النسوية الكويرية في بيروت في كانون الأول/دسمبر 2019، والتي أشار إليها الحاضرات/ين هنا. وقلتن أيضًا "تغذّينا واغتسلنا بالنظرية الكويرية". كم أحبّ وصف النظرية الكويرية كشيء آخر يحتوينا، وليس كشيء نجده في النصوص، بل باعتبارها مساحة ومنطقة أو بيئة نسكنها، بينما نكون مع بعضنا البعض، نقوم بأشيائنا، نحيا ونحب بينما نعمل، أولئك الذين يؤمنون بتلك الكلمة "كوير" وما يرافقها من كلمات، شيء من ذواتنا، شيء من بعضنا البعض. إنها طريقة مدهشة للارتباط مع النظرية الكورية، للانخراط في علاقة مع النظرية الكويرية. لذا، بالتأكيد وافقت على الدعوة.

أثناء تقديم هذا العدد الخاص، الذي كُتب بكثير من الحبّ والعناية، وصفت صبيحة وغوى كيف نسقتن طاولة الاجتماع التي كنتن تتوقنّ إليها، وأظن أن نور ذكرت هذه الطاولة، وأن أولئك اللواتي/ الذين جلسن على تلك الطاولة حزنوا بشكل ما على تلك الطاولة. لطالما لاحظت الطاولات – في هذه العادة شيء من الهوس، أعترف. ألاحظ أيضًا عدم وجودها. فإذن يمكننا اعتبار هذا العدد طاولة كويرية، ليس كطاولة تذكارية احتلّت مكان طاولة أخرى غير موجودة، إنما كطاولة كويرية تتيح طرقًا أخرى لللقاء والالتقاء، رغم كل ما سيحدث بعد ذلك، ورغم كل شيء: الانفجارات، الأوبئة العالمية. قد تزداد أهمية اللقاء أكثر وأكثر كلّما تناثرنا. وأظن أن ما يحققه هذا العمل بالتحديد: أنه، بحد ذاته، لقاء كويري، كلّ مساهمة بما تطرحه – لبنان، فلسطين، مصر، الكويت، تركيا، باكستان، والمساحات، المدن، الشوارع، المقاهي، صالونات الحلاقة، غرف النوم، الخزائن، الممرات، إلى الأزمنة، لحظات تصير حركات، الرجوع، العودة، الدوران، تشظي الزمان وصدماته، إلى الأجساد، الكامب، الكوير، الجرح، الرغبة، إلى المشاعر، الأسى كما وصفتنّه في المقدمة، أحبّ هذه الجملة "نعيد برمجة مستقبلنا عبر تفكيك رموز الحزن"، الحبّ، الفضول، والفرح.

أحترم كيف أنكن، كما عبّرتن في التعريف، لا "تأبهن بشبح أوروبا البيضاء" عبر الفعل، القول، النقاشات الكئيبة عن بياض النظرية الكويرية الأورو-أوروبية، التي لا يمكننا أن ننكر أن هناك ما يسلّي بشأنها. لكن إثبات هذه المسألة قد يعيد إنتاج الافكار السابقة. ماذا لو صنعنا جزءًا من نضالاتنا، للوجود، أين نحن؟ أعتقد أن هذا العدد يجيب عن هذا السؤال، حيث يظهر كيف يمكن خلق مسارات بديلة لأنكن تشقّنّ فعلًا مسارات بديلة. لا ينبغي على الكويرية أن تتخيّل كدخيل، يأتي إلينا من الغرباء/ الخارج، ولا في إطار ارتباطها بالبياض ومفهومه عن الخروج من الخزانة/ المختبأ المترافق مع أطر عنصرية أقل أو أكثر وضوحًا، من العتمة إلى النور، من السري إلى العلني، من البؤس إلى السعادة. الخروج هو حكاية – أعرف أننا نعي ذلك – كمشروع استعماري يأخذ البنيين/ات الكوير/ات والعابرين/ات من الخزانة أو السجن الثقافي إلى المجتمعات الكويرية البيضاء السعيدة. وأشكر جاسبر بوار لأنها ساعدتنا على وصف هذا المنطق، وأيضًا كامل غوبتا، الذي أستعير بعض كلماته في إحدى الورشات هنا.

لذلك، يمكننا أيضًا الارتكاز إلى أسلافنا، خلق مسارات عبر الرجوع، الأسلاف الكويريات/ين، الذين/اللواتي كما عبّرت مايا (بهاردواج)، في نصها "تجرّأن/وا على الوجود". يمكننا أن نستخدم عبارات أخرى؛ لا نجد دائمًا الكلمات. هناك عبارة مستخدمة في بريطانيا "نحن هنا لأنكم هناك" نحن البنيون/ات والسود/وات من البلدان المستعمرة سابقًا. "نحن هنا لأنكم هناك، كنّا كويريات/ون قبل أن تكونوا هناك". نعم، ثمّة جرأة في وجودنا. الهناك، الأين، الهنا، قد تكون مشوّشة جدًا. الكثير من الكتابات الموجودة هنا هي عمل من الأين، كتابة من الأين، بمعنى أن الأين هي بمثابة تعقيد، استقرار، لااستقرار، وبالتأكيد مشوشة أحيانًا. أدهشني كيف أن الكثيرات/ين منكن/م شاركن/وا قصصًا تمنحنا، وقرّائكن/م حسّاً بـ "الأين"، التي تأتون منها. بالنسبة للكثير منّا، ليس سهلًا أن نقول من أين نحن. وبالطبع، عندما نُسأل هذا السؤال "من أين أنتن/م، حقًا؟" فإنه طريقة للقول أنك لست من هنا، أنك لا تنتمي إلى هنا. لكن أن تعمل "من" يعني أيضًا أن تعمل "على". كلّما جسّدنا عملنا، كلما تركنا أجزاء من ذواتنا وراءنا، الكثير من الشظايا، وأيضًا أجزاء الأماكن حيث كنّا. يمكن للكتاب أن يكون مكانًا، كما البلد، المدينة، الناس، أو الشخص، كلّما التفتنا أكثر صوب الآخرين. الكثير من هذه الكتابات تظهر ما الذي يمكن أن نفعله ب "الأنا" و"الأنا" قد تكون دلالة كويرية تجتاح المكان، وإذا تشابكت مع النص كما تفعلن/ون، تجلبون معكن/م تاريخًا كثيفًا، أسلافًا، وبالتأكيد، صديقات/أصدقاء وعائلات، وأولئك اللواتي صادفتهن/م خلال الطريق. يمكن للنص أن يكون طاولة. أن تقحم نفسك داخل النص يعني أن تحضر المزيد إلى الطاولة. لطالما وجدت ذلك مدهشًا، أننا نخاطب "هم/ن" عبر الكلام "من"، إذ نحاول إظهار من أين نأتي، هوياتنا وحججنا أيضًا، كطريقة نفتح من خلالها علاقتنا بالآخرين. هذا العدد صنيعة كيف كثيرات منكن/م خاطرن/وا بإقحام نفسه/ا داخل النص. كما أنه أيضًا مليء بصعوبة فعله. المخاطرة كبيرة هنا. فبعضنا مدعو للكلام عن نفسه/ا طوال الوقت الغارقة في الأمور الشخصية، أو أنه يفترض بالبعض منا أن يتكلم عن نفسه/ا مهما كان ما سنقوله.

ولكن ما الذي يعنيه أن تنخرط وتقحم نفسك داخل النص، في حين أنك منفي عن موطنك، عن بلدك؟ سارونا مثلًا تتكلم عن أن تكون فلسيطينيًا/ة في علاقة ذلك مع أن تكون كويريًا/ة، أن تعيش أبعادًا مختلفة، حيث لا تعترف الدولة بك، ترث موطنًا لست فيه، لا تسكن فيه. أن تحرم من الوطن والموطن، من الإرث، أن تحرم من نفسك، من عيش حياة زمن كويري، إلى جانب نفسك. عندئذ ما تعني العودة؟ كلماتكن/م اليوم استحضرت هذا السؤال، ماذا تعني العودة؟ علينا العودة إلى العودة، التفكير في الارتباكات العاطفية التي تنجم عن عدم قدرتنا على العودة، عدم قدرتنا على العودة من دون إتباع الطرقات التي تأخذنا بعيدًا عن شيء ما. سارونا تركّز على كيف تصبح العودة عندها "شغلًا كويرياً"، على حد تعبيرها، تجسيد الشغل والعمل. تشدد سارونا أيضًا على أن الأبواب تفتح أيضًا، وفقًا لجواز السفر الذي نملكه؛ بينما تبقى أبواب أخرى مغلقة.

لقد أصبحت مهووسة بعض الشيء بالأبواب أيضً. فهي أيضًا نوع جديد من الطاولات. فإذن، الهوس هو هوس بما نلاحظه، أو بكيف نلاحظه. هناك القليل من الأبواب في هذه القصص. الأبواب يمكن أن تكون، كما تقول أودري لورد، أمّ الأدوات. نتعلّم كيف يُبنى البيت، من خلال من يُسمح لهم/ن بالدخول وأولئك الذي/اللواتي لا يُسمح لهن/م بذلك. أفكر في مساهمة نور الإثنوغرافية عن نقاط تفتيش الشرطة في الكويت. بالنسبة للأشخاص الكويريين والعابرين، تشكل نقاط التفتيش مساحات للتحرش. فإذا كانت الوثائق نقاطاً للتفتيش، كذلك هي أجسادنا، تصبح الأسئلة أدوات رقابة. هل أنت فتاة أم صبي؟ ما أنت؟ من أنت؟ يصبح البعض مشتبه بهن/م أو متهمّات/ون بسبب كيفية إظهار أنفسهن/م. يمكننا أن نكون في هذه المساحات، حيث نصبح مشبوهات/ون. هناك وصف دقيق وقوي لهذا العنف في ورقة نور وهو في غاية الأهمية كما أعتقد، مسألة الجنس والجندر هي قصة يمكن أن تعاد روايتها عبر التجوّل في المدينة. فالتصنيفات، الجنس والجندر لها أن تصبح مكانية، وإذا كان كذلك، يوجدون عبر فرض الرقابة البوليسية عليهم/ن. ما الذي عليك أن تجتازه حتى تمرّ. تصف نور نقاط التفتيش كـ "مساحة تبرز تفكك علاقات القوة التي تتكون ضمنها الذاتيات". هذا الهاجس النسوي بمسألة القوّة، حميمية القوّة، القوّة البنيوية، بعبارة أخرى حميمية البنى، يتشاركها خلال هذا العدد عبر الترحال عبر المكان، حيث نلتقي بالآخرين والشرطة، وغيرهم/ن من الآخرين. نحن معرضات/ون لنظم الرقابة هذه.

الخزائن هي أيضًا مساحات مألوفة بالنسبة إلينا في بعض الكتابات الكويرية كمساحات نكون داخلها، حتى نخرج. لكن هناك طرق متعددة للتفكير في الخزائن. في كتابي عن الشكوى، وجدت أن خزائن الملفات مألوفة، وهي بصرف النظر عن الأشياء الفضية فيها خزائن ممأسسة. كمية هائلة من المعلومات مدفونة هنا، ويمكننا أن نفكر كيف أننا قد نكون نحن هذه المعلومات المدفونة هنا، بسبب ما تكشفه المعلومات، وكيف يمكنها أن تهدد سمعة المؤسسة، لكونها متنوعة، أو مهنية. الاستشراق أيضًا قد يكون خزانة، خزانة مؤسساستية. أحد الفلاسفة الذي كتب مجلدًا عن الهند من دون أن يذهب إليها قال إنّه تمكّن من اكتشاف المزيد عن الهند، وأقتبس الآتي منه، "من خزانته في إنكلترا" ثم باستخدام عينيه وأذنيه في الهند. أفكّر في تلك الخزانة وكل ما هو مدفون هناك، كل المواد التي وضعها هناك. أفكّر في الجامعات كخزائن. مَن مدفون هناك، كل المواد المدفونة هنا؟ ربما هذه هي الأشياء التي تحتاج إلى الخروج. يعلّمنا نص أحمد أن الخزانة لا توفّر مكانًا خاليًا من عنف رقابة الدولة أو الأسوياء. نقاش أحمد حول الخزائن يظهر سلسلة مدهشة من الصور حول ما يعنيه الخروج بالنسبة لأولئك الذين وصفوهم/ن بأنهم/ن قراءهم/ن منذ وقت مديد. فالخزائن لها بالتأكيد أبواب، وهذه الأبواب هي الأهم، لأنها مغلقة، لأنها تمنعنا من الدخول والخروج، لكن لأنه يمكن فتحها. فهي تجعلنا مرئيات/ين. يكتب أحمد "الباب مفتوح دائمًا، وهكذا تصبح أعمق مستويات العلاقات الحميمة للأفراد الكويريين/ات موضع استغلال من قبل استبدادية الغيرية الجنسية". عليه، ربما علينا إيجاد طرق أخرى لإغلاق هذه الأبواب، نحاول منع أنفسنا من أن تُرى من قبل، حسب شروطنا، نصبح "غير ملحوظات/ين". لذا يمكن أن يكون للأبواب استخدامات كويرية، أي أن نجد طرقنا الخاصة بإبعاد ما يصعّب استمرارنا أو وجودنا. أحترم كيف تنقل تعقيدات السكن في مساحة الاستبدادية الغيريية من خلال الصوت. لاحظت الصرير والحركة أيضًا، ولاحظت على وجه التحديد الاندفاع. طرق، كاستخدام البصريات تحفز الناس على تصوّر شيء يصعب نقله من خلال الكلمات أو القصص، أن نعيش حياة لا تنسجم مع ما تعلّمناه، أو مع ما قيل إنه يجب أن نكون. وأشكر خوسيه مونوز هنا لحكمته، واهتمامه بالزوال.

بالنسبة للمنهجيات، ما يدهشني في هذا العدد هو تنوع وتعدد الطرق عبر وضمن المساهمات المختلفة: استخدام الإثنوغرافيا، المقابلات شبه المنظمة، التوثيق، صنع الأرشيف والرسومات والصور والشعر، النظرية الذاتية وعمل الذاكرة رائع. إنه جميل. أقدر كثيرًا مجموعة المواد هذه، ولكن أيضًا العناية من قبل اهتماكن/م الجماعي، كيف خصص/ت كل مساهم/ت وقتًا لكل اقتباس، كل تصوير، كل صورة، كل رسم. هذه العناية، تعطينا احساسًا بالغزارة. هناك الكثير لنستفيد منه بسبب ما نرى وكيف نراه من خلال العدسة الكويرية والنسوية. فكّرت باحساس الغزارة هذا خاصة عندما قرأت نص آية عن الكامب العربي. أحببت حزمها في الجملة الافتتاحية، إرادتك في التصريح حول ماهية الكامب العربي. "الكامب العربي هو ذائقة البذخ والتمرّد؛ ذائقة الانعتاق الذاتي التي تنبُع من الأحشاء. الكامب العربي كويريٌ ومبتذل. ساذجٌ وواعٍ بسذاجته في آن". مجموعة الصور التي منحتنا إياها آية هي أكثر من مجموعة. المجموعة بحد ذاتها نوع من صنعة الكامب، الكامب كابتكار كويري، خلق، وفرح مطلق. تعلّمنا مساهمة آية أيضًا أن الكامب العربي خلّاق أكثر لأنه ليس جزءًا من المدفع. تكتبين، "لكن ولأنني اختبرت الكامب عن قرب؛ رأيته وقابلته وحادثته وارتديته واستهلكته، فأنا أكيدةٌ من أنه لطالما سكن أماكن أخرى خارج تاريخه المرجعي". عشته، رأيته، استهلكته، إلتقيته، ارتديته، حادثته.

أعيد التفكير بكيف دعيت للانضمام إلى هذه الطاولة. "تغذَّينا واغتسلنا بالنظرية الكويرية". أهنئكن/م مرة أخرى، جميعكن/م لكلّ ما قمتن/م للقيام بذلك. شكرًا.

 

صوفي: شكرًا سارة على المداخلة. كان ذلك مشاركة حبّ مع العدد وكاتباته/كتابه. أدهشني كيف تناولت هذه الفكرة، آثار الحب والفرح وملاحقة العناية التي تحيط هذا العدد وتجعل هذه النصوص ما هي عليه. كانت تلك تأمّلات رائعة. شكرًا جزيلًا.

 

صبيحة: أود الاستفادة من هذا الوقت لأقول، أن هذا الورشة، كانت فعلًا حدثًا استثنائيًا. وأحيانًا أشعر أني محظوظة للغاية لوجودي هنا. أعتقد، أنه، بعد 10 سنوات من الآن، ستستحق هذه الورشة العودة إليها والتفكير بها كحدث استثنائي. بهذا المعنى أنا محظوظة للغاية لأني موجودة هنا. أنا حقًأ كذلك. تذكرت آية عندما أتت إلى الورشة مع كتاب المنظرة، والجميع اعتبر، أنه ما من حاجة لهذا الكتاب. أنت لا تحتاجين هذا الكتاب. يبدو أن هذا كان مثمرًا. إنه شعور جميل. هذا كل ما أريد قوله. شكرًا.

 

غوى: أولًا، جميع المداخلا حرّكت عواطفي. شكرًا لمجيئكن/م، أولًا إلى "كحل"، وثانيًا إلى هذه الفعالية. هذا يعني الكثير عندما نكون مبعدات/ين عن بعضنا، لأني، أشعر بشكل ما، أنه ينبغي أن تكون هذه الجلسة في بيروت، حيث نكون مع بعضنا مجتمعات/ين حول الطاولة ذاتها. للأسف، ليس اليوم، لكن أتمنى أن يحصل ذلك قريبًا. أظن أني أرغب بمشاركة بعض الأفكار حول مفهوم الأصالة وابتكار مساراتنا الخاصة. أظن أن هذا هو ما تحاول "كحل" فعله منذ وقت طويل – الجزء المتعلق بالمسارات، وليس الجزء المتعلق بالأصالة. نحن داخل وخارج أنظمة سيطرة، أنظمة سلطة، مؤسسات، إلخ.. وعليه، لا يمكننا الدعوة إلى موقع الأصالة لأن هذا جزء أساسي من عملنا. لذلك أعود إلى الفائدة الكويرية "فوضى كخريطة كويرية"، الذي عرضته وشاركته سارة أحمد على مدونتها. وأدرك أنه من أجل العثور على مساراتنا، وإيجاد طرقنا، نحتاج إلى الانخراط مع فوضى المواجهة والوقوف يدًا بيد، إلى التواطؤ، سواء بالنسبة للبياض الأوروبي والأكاديميا، لكن أيضًا الأنظمة التي نحن جزءًا منها، الدولة – الأمة التي ضمنها، الامتيازات التي مُنحنا للتنقل من مكان إلى آخر، وكل تلك الأسئلة التي تستدعيها تلك الجغرافيات، ليس فقط بالمعنى الجغرافي، لكن أيضًا بالخيال السياسي الذي يجمعنا حين نرتحل من مكان إلى آخر. لذا، ما الذي تعنيه المسارات بالنسبة لخلق التداول والنشر الذي تحدثت عنه؟ في معظم الأحيان، الجواب ليس واضحًا. يتطلّب جهدًا، وتواصلًا وهذا هو ما نفعله اليوم.

 

ملحوظات: