حالاتٌ من الانتظار: عقوبة الإعدام في مصر الحديثة

السيرة: 

أميرة هي طالبة ماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا حاليا في الجامعة الأمريكية في القاهرة، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في فنون الاتصال والإعلام. وهي أيضا طالبة مسجلة في كلية الطب بجامعة عين شمس. تكمن اهتماماتها البحثية في التقاطعات بين/داخل أنثروبولوجيات الدولة والقانون والوقت والجريمة والموت والوثائق. يستكشف مشروعها البحثي الحالي وأطروحة الماجستير القادمة عقوبة الإعدام في مصر من منظور أنثروبولوجي، مع التركيز على تفاصيلها.

‫ ‫الملخص: 

تبحث هذه الورقة في الاحتكاكات اليوميّة بين سجناء “سياسيّين” ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بحقّهم وشخصيّاتٍ رسميّة في الدولة. انطلاقًا من عملٍ ميداني إثنوغرافي ونظريّ حول الدُّول، والأجساد، والإرهاب، والقانون، والرغبات المُتخيّلة، تطرح الورقة إشكاليّةً حول خطاب الدولة الحديثة المتعلّق “بالإرهاب،” وتقترح في المقابل تشكيل فهمٍ لإنتاج الدولة لأجسادٍ “إرهابيّة” مُجَندَرة تحسبُها مستحِقّةً أو قابلةً للقتل. يرى هذا البحث الدولة كنسيجٍ متعدّد المكوّنات، ويقرّ بوجود تجليّاتٍ متعدّدة الأوجه للدولة المصريّة الحديثة في احتكاكاتها أو لقاءاتها اليوميّة مع السجناء المحكومين بالإعدام وعائلاتهم. ينظر هذا البحث أيضًا في حالة الانتظار المحتَّم للدولة عند كلّ مرحلةٍ من المسار، وبالتالي، تأخذ بجدّيةٍ عاليةٍ حيّز الزمانيّة في انتظار عقوبة الإعدام، وما يعنيه فعلُ رفض الانتظار.

الكلمات المفتاحية: 
Death Penalty
Capital Punishment
Time
Waiting
State
Egypt
Everyday
اقتباس: 
أميرة محمود عثمان. "حالاتٌ من الانتظار: عقوبة الإعدام في مصر الحديثة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 4 عدد 1 (2018): ص. 106-122. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 21 أكتوبر 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/states-of-wait.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (701.06 كيلوبايت)
ترجمة: 

Maya El Ammar is a feminist journalist and activist who has experience supporting civil society organizations in the field of media and communications, as well as leading training sessions on issues related to gender and feminism. Maya contributes to various media outlets as a journalist and translator. She currently produces her own feminist opinion videos and articles in collaboration with Daraj Media platform, in parallel to her full-time job as media campaigns manager at Crisis Action organization. She holds a BA in journalism and an MA in communications studies. She previously managed KAFA's communications department and led nationwide feminist media campaigns.

خلفيّة

في 12 آب 2012، عيّن الرئيس السابق محمّد مرسي عبد الفتّاح السيسي (الرئيس الحالي لمصر) وزيرًا للدّفاع. في 3 تمّوز 2013، شارك السيسي في انقلابٍ عسكري أطاح بمرسي، استجابةً لتظاهراتٍ شعبيّة نُفّذت في 30 نيسان 2013، بعد عامٍ واحد على انتخاب مرسي. وقد ظهر السيسي مرّةً أخرى أمام الشعب في 24 تمّوز 2013 مطالبًا إيّاه “بتفويضه” لمحاربة الإرهاب.1 بلغت عمليّات الهجوم على الإخوان المسلمين أوجها في مذبحة رابعة (14 آب 2013)، حيث قُتل مئاتُ المدنيّين/ات وجُرح الآلاف. في 26 آذار 2014، أعلن السيسي عن تخلّيه عن السلك العسكري بغية الترشّح لمنصب رئاسة البلاد. وبالفعل، أصبح السيسي الرئيس السادس لمصر في 8 حزيران 2014، وتعهّد بأنّ “الإخوان المسلمين” “لن يستمرّوا في الوجود” من بعده.2 في آب 2015، مرّر السيسي قانونًا لمكافحة الإرهاب “مليئًا بالعيوب،” كما ورد في تعليقٍ لمنظّمة العفو الدوليّة،3 إذ يسمح له بـ”اتّخاذ إجراءاتٍ متطرّفة تُعتمد عادةً في حالات الطوارئ فقط.” نصّ هذا القانون على الحكم بالإعدام لمُرتكِبي 15 جريمة على الأقلّ، تشتمل على تمويل مجموعة إرهابيّة أو عمل إرهابي، وصناعة الأسلحة، وتخريب شبكة مياه أو غاز أو كهرباء، أو إكراه شخصٍ آخر على الانضمام إلى مجموعةٍ إرهابيّة أو البقاء فيها، إذا ما أدّى ذلك إلى جريمة قتلٍ (غير متعمَّد). وكما عبّرت منظّمة مراقبة حقوق الإنسان،4 فإنّ الحجّة المستخدمة لهذه الجرائم تأتي من تعريفٍ ورد في صياغةٍ فضفاضة قد تشمل العصيان المدني.”

يأتي هذا البحث في سياقٍ تسوده مكافحة الإرهاب ليستكشف من ضمنه الممارسة الروتينيّة المتمثّلة بإطلاق أحكام الإعدام نتيجة اقتراف جرائم ورادة في قانون السيسي الخاصّ بمكافحة الإرهاب. وعليه، هو يلتمس مفاهيم نظريّةً حول الدولة، والإرهاب، والقانون، والوقت، عبر التركيز على الاحتكاكات اليوميّة بين مُعتقلين محكومين بالإعدام، وعائلاتهم، وشخصيّاتٍ رسميّة في الدولة. وإذ ينظر هذا البحث في مسألة إنتاج الأجساد القابلة للقتل في الدوائر السياسيّة داخل مصر الحديثة، فقد استند لإتمامه إلى تسعة أشهرٍ من العمل الإثنوغرافي مع أفراد بعض عائلات المعتقلين المحكومين بالإعدام. وقد تألّف العمل الإثنوغرافي الذي قاد مسار التحضير لهذه الورقة من لقاءاتٍ مع أفراد عائلات عشر رجال محكومين بالإعدام في خمسة ملفّات “سياسيّة،” ومُستندَات رسميّة من المحاكم، وفيديوهات تتضمّن كلامًا واحتكاكاتٍ مع أربعة رجال في أربعة ملفّات سياسيّة أخرى، وقد تمّت مطابقة تلك مع جوانب نظريّة في محاولةٍ لاقتفاء أثر اللّقاءات الإثنوغرافيّة، بمختلف طبقاتها، ومقارنته بإطاراتٍ نظريّة تتيحها الأدبيّات الأنثروبولوجيّة: حول الدّول، والعنف، والرغبات المُتخيّلة، والإرهاب، و”الفَنتازيا.” يتبع ذلك عمليّة تحديد الأشكال – أو الوجوه – المختلفة لـ”الدولة،” كما تكشف عن نفسها في ميدان عقوبة الإعدام. لاحقًا، يسعى البحث إلى توفير معالجةٍ جدّية لمفهوم الزمانيّات، عبر التطرّق إلى عذاب انتظار الدولة، وقدرة التوقّف عن الانتظار.

إضافةً إلى ما سبق، يطرح البحث إشكاليّة الربط (السائد، وربّما أيضًا التبسيطيّ) بين خانة الأجساد “المُجندَرة” والأجساد “الأنثويّة.” فتأمل، في المقابل، في سبر أغوار طبقاتٍ إضافيّة من هذه الخانة عن طريق تشجيع تحليلٍ جندري لعددٍ من الأجساد الذكريّة. وفي حين لا يمكن التغاضي عن انتهاك الدولة الحادّ والشديد لأجساد النساء، يبقى هذا البحث محصورًا بالأجساد المحكوم عليها بالإعدام في قضايا تُدعى “سياسيّة” – وجميعها أجساد ذكريّة. وعلى الرغم من عدم انطباق معيار المقارنة نفسه، إلّا أنّه ما من “امرأة”5 حُكم عليها بالموت من جرّاء قضايا “سياسيّة” مماثلة طيلة فترة العمل الميداني الإثنوغرافي المُنفّذ لإتمام البحث،6 بما أنّ أجساد النساء في السجون تُعامل، في شتّى السرديّات السائدة، على أنّها أجسادٌ غير مُسيَّسة. في ظلّ رواج خطاب الدولة المُحارِب للإرهاب، يأتي هذا البحث ليقترح فهمًا لإنتاج الدولة لأجسادٍ قابلة للقتل كمسارٍ مُجندر، تغدو فيه الاحتكاكات مع دولةٍ غير متجانسة – في سياقٍ يضجّ بمحاربة للإرهاب – لقاءاتٍ مميتة.

 

أكثر من دولة واحدة

تستمرّ الإشكاليّة المحيطة “بالدولة” بصفتها خانة نظريّة ومُتصوّرة وكيان ملموس وحاضر بقوّة. من وجهة نظرٍ أنثروبولوجيّة، يستكشف البحث هذا الغرض-الأشبه-بالدولة، والمتعدّد الأوجه، وغير الأحادي، والصعب الوصف، كما التقته وعبّرت عنه ووصفته أفراد عائلات عددٍ من المحكومين بالإعدام في مصر الحديثة. يردّد البحث اهتمام داس بالمُعاش اليوميّ (2004)، ويبني على الدراسات المتزايدة حول البعد العاطفي، في طريق استكشافه للدولة المصريّة كمحرِّكة للمشاعر ومثيرة لردود فعل باطنيّة داخل مساحةٍ تُمنح فيها إمّا الحياة أم الموت، أو يتشكّل الاثنان فيها، أو يتشابكان مع نتانة المناورات القانونيّة والسياديّة. في هذا الإطار، يمكن الزعم بأنّ الدولة المصريّة/أو الدولة في مصر، هي دولة ذَكريّة، كسولة، مصابة بذعر الاضطهاد/أو بارانويديّة، مثيرة للجنون، متنصّلة عمدًا من المسؤوليّة، محدودة بما يرد على الورق، متزعزعة، غير ثاتبة. وجميع هذه الأشكال من الدولة يمكن مشاهدتها – أو الإحساس بها ولمسها بدرجةٍ معيّنة – في الحياة اليوميّة، وفي الوجوه المتعدّدة للدولة المتناقضة (ترويو، 1991، ص 28). تتناول الأنثروبولوجيا الحديثة بشكل متنامٍ “الحياة اليوميّة” في دراساتها حول “الدولة” (داس، 2004؛ ترويو، 2001). وعلى ضوئها، تمّ استخدام مفاهيم كـ”الطاقة الحيويّة”7 و”نهج الحكم”8 لإتاحة الفرصة أمام إعادة التفكير بـ”الدولة” كظاهرة تتشكّل من الخطابات والممارسات السلطويّة في الحياة اليوميّة (فوكو، 1984؛ إريتكساغا، 2003، ص 398). وبالفعل، تكشف ممارسات وخطابات مرتبطة بعقوبة الإعدام في مصر درجة “تورّط الدولة في نسيج الحياة اليوميّة في كلّ دقيقة” (غوبتا، 1995، ص 375)، بحجّة الأمن والآمان، والوجود الدائم لتهديداتٍ مُحدقة بالبلاد. يُشعَر بمفاعيل الدولة في كلّ مسارٍ يؤدّي إلى احتمال إنهاء حياةٍ لتبريراتٍ متّصلة بمحاربتها للإرهاب وبسط سيادتها (ترويو، 2001، ص 126)، ممّا يفضي إلى إنتاجها لأجسادٍ قابلة للقتل، وفي الوقت نفسه، إلى إرساء سلطتها في مجال إدارة الحياة والموت (أغامبن، 1998).

 

الدولة الكسولة

في “الاستخدام الملائم للمجرمين،” يقدّم فوكو (1994) إجابةً مثيرةً للاهتمام عن سؤال، هو: لماذا يسهل إلى هذا الحدّ إطلاق أحكام الإعدام؟ فعلى “الآلة” عادةً، أي النظام القانوني، أن تكون حذرةً جدًّا في قرارها بشأن اختيار الحيوات التي يمكن وضعها على المحكّ، وأسباب هذا الاختيار. ولكن، إنّ ما نشهد عليه في مصر الحديثة هو وابلٌ من أحكام الإعدام الصادرة ببرودة، بل حتّى “بإيماءة بليدة” (ص 429). وليس ثمّة شخص واحد، أو عجلة واحدة، تُنعت باللّامبالاة، إنّما الآلة برمّتها هي على هذا النحو: فالجهاز القانوني بكليّته متراخٍ. وما الأحكام بالإعدام المترنّحة والمبنيّة على أرضيّة ضعيفة سوى نتاج كسل المحقّقين، والقضاة، والمحامين، وعناصر الشرطة بالتأكيد.

أمّا خاصيّة السياق فتشي بأكثر من ذلك. فناجي شحاتة، المعروف بـ”قاضي أحكام الإعدام” يستعين ويتحدّث بإسم “القانون.” فهو والقاضيان اللّذان يعاونانه في الهيئة يرمون الكرة في ملعب المفتي، إذ إن من واجب المحكمة، وبحسب قانون العقوبات المصري،9 إحالة “أوراق” المتّهمين إلى المفتي قبل إصدار الحكم بالإعدام. والمادّة نفسها تنصّ على أنّ ردّ المفتي يجب أن يصل إلى المحكمة بغضون 10 أيّام، مع بركةٍ من الشريعة، وإذا لم يصل، فللمحكمة أن تقرّر بشأن إصدار حكم الإعدام بالطريقة التي تراها مناسِبةً. ولمصر مفتٍ واحدٍ، يعاونه خمسة أو ستّة “خبراء.” خلال الشهر الماضي فقط، تلقّى المفتي أوراقًا تعود إلى 54 شخصًا على الأقلّ، في 17 قضيّة مختلفة – وهذا ليس رقمًا استثنائيًّا: فمنذ مطلع العام،10 كان هناك 300 قضيّة تنتظر توقيعه. وانسجامًا مع ما أشار إليه فوكو، كما هو مبيَّن في العدد المتزايد لأحكام الإعدام التي أطلقها النظام القانوني، يغدو التثبّت من عدد الأشخاص المستحقّين للموت، وممّا إذا كانوا 300 أو أكثر، على امتداد 12 شهرًا، أمرًا صعبًا عمليًّا، خاصّة في ظلّ وجود منصبٍ، مهما كان محفوفًا بالأبعاد الرمزيّة، يبقى في الواقع وظيفةً مدّتها 8 ساعات في اليوم. والمحصّلة هي أنّ المفتي يوقّع في 95% من الحالات، نتيجة “ثقته بالقاضي الذي رأى تعابير وجه المُتّهم،” و”ثقته بعمليّات التحقيق المصريّة،” كما عبّر بنفسه عبر التلفزيون في تشرين الأوّل الماضي (صدى البلد، 2017). في الحالات الباقية، أي الـ5% التي يبدو المفتي فيها متردّدًا في التوقيع، يرمي الكرة مجدّدًا في ملعب المحكمة، ويضع “ثقته بعدالتها” (صدى البلد، 2017). توافقًا أيضًا مع ما قاله فوكو، يتّضح أن المفتي يوقّع نتيجة كسل، توقيعًا مبنيًّا بشكلٍ أساسي على ما يسمّيه فوكو “عبادة الاعتراف.” ربّما يكون هذا العنصر الوحيد الذي تبحث عنه هيئة المفتي: إن كان المتّهم قد اعترف أم لا باقترافه الجريمة.

تأخذ عبادة الاعتراف هذه طابعًا مثيرًا للاهتمام في إظهارها لتورّط المحقّقين – الّذين لا يدّعي أحد، سوى المفتي على الأرجح، الثقة بهم. ولكن، وعلى الرغم من كسلهم، يمارس عناصر الشرطة والادّعاء جهودًا بدنيّة كبيرة في معرض انتزاعهم للاعترافات. لماذا يكتسب الاعتراف هذا القدر من الأهميّة؟ لماذا وجب تعذيب المتّهم، لدرجة إيجاد ممارسات تعذيب محدّدة لها أسماؤها – كالشوّاية، حيث يُعلَّق الشخص بالمقلوب إلى جانب بابٍ لمدّة ساعات – لسحب “اعتراف” منه؟ (منظّمة مراقبة حقوق الإنسان، 2017). ولماذا يبدو الاعتراف محاطًا بقدسيّةٍ تجعل من وجوده سببًا كافيًا لتعمية النظام القانوني وغضّه الطرف عن أي عاملٍ خارج عنه، مثل ظروفه وأسبابه وزمن سحبه؟ ويذهب المحقّقون ومعاونوهم أبعد من ذلك، وأبعد من ممارسات التعذيب، حين يذيعون هذه الاعترافات علنًا – وكلّما كثُر عددها، فرحوا أكثر.

لقضيّة مقتل المدّعي العام السابق هشام بركات والمتّهمين فيها رمزيّةٌ مهمّة في هذا الإطار. فقبل إصدار مذكّرات التوقيف الرسميّة، نشرت وزارة الداخليّة فيديو يظهر فيه أربعة أشخاص11 – وجميعهم حُكم عليهم بالإعدام بعد مرور أشهرٍ على الجريمة، ومعهم 24 آخرون – وهم يعترفون بأنّهم شاركوا بطريقةٍ أو بأخرى في تنفيذ الجريمة. وقد قال أحدهم في وقتٍ لاحق أمام المحكمة: “لقد كتبوا الأمور التي أرادوا منّي قولها على ثلاث صفحاتٍ ورقيّة. جعلوني أحفظها وأسمّعها أمام كاميرا. في ذلك الوقت، كانت علامات التعذيب لا تزال باديةً على وجهي، ممّا جعلهم يستخدمون مستحضرات التجميل لإخفائها.” (“بإسم الشعب،” ص 35). ولكنّ حقيقة أن تصريحه كان مسجّلاً في وثائق المحكمة الرسميّة التي حملت ختم الدولة، لم يكن أمرًا مهمًّا. المهمّ أنّه اعترف: أي أنّ الشرطة نجحت في انتزاع اعترافٍ منه، وأخصّائي التجميل كان، طبعًا، قيمةً مضافة في الفريق.

داخل آلةٍ قانونيّة كسولة، كتلك التي وصفها فوكو (1990)، تصبح الاعترافات ضرورةً لتسهيل مهامّ الجميع. وربّما تُمنح عامل “الحقيقة الجوهريّة” التي تمّ إزاحة الستار عنها، الأمر الذي يُشعر الناس بشيءٍ من الرضا. أو ربّما تكتسب أبعادًا دينيّة تتجلّى في رغبة أن يوافق المجرم على الحكم الصادر بحقّه. وفي مطلق الأحوال، يبقى “الاعتراف مكانًا متّسمًا بالتورّط الناعم لجميع موظّفي العدالة الجنائيّة” (فوكو، 1994، ص 430-1)

 

الدولة “البارانويديّة”

يعزّز الاعتراف المُنتزَع، إلى جانب التشريع الكسول، نوعًا من خطاب التجريم الذي تستخدمه الدولة “البارانويديّة”12 للحكم على المجرمين، لا الجرائم. فالجرائم، مهما كانت قاسية، تُنسى بشكلٍ تدريجي؛ أمّا المجرم/ة، في الجهة المقابلة، فيظلّ دومًا حاضرًا/ة – إلى أن تقتلعه/ا الدولة من المجتمع، وتعد باختفائه/ا. إنّ الميل إلى الحكم على المذنب/ة يتطلّب مالاً أقلّ وجهدًا فكريًّا أقلّ. فيبدو الأمر أسهل حين تُصوَّب الأصابع نحو “مجرم/ة” ويتوفّر تجسيدٌ واضح للشرّ، بدلاً من أن تُعالج المشاكل الاجتماعيّة التي تضيء عليها بعض الجرائم. كما أنّ فهم/تشخيص مرض شخص، أكثر إرضاءً وسهولةً من تركيب عناصر جرمٍ مقترَف ووقائعه (فوكو، 1994، ص 432). والمجرم/ة هنا هو أيضًا حاجة لوسائل الإعلام – التي ستستخدمه كمجسّمٍ للشرّ تُوجّه نحوه جميع المخاوف والتخيّلات الاجتماعيّة. بذلك، تكون الدولة قد استثمرت من خلال أجهزتها القانونيّة والإعلاميّة الخاملة، في خلق ملامح الشخصيّة الإجراميّة. أمّا الجرم، فهو ملتصق بالشخص نفسه كونه مدفوعًا من الأساس بعمليّة “الاعتراف.” ما يتبقّى من مهام يتمثّل بتكوين الشخصيّة الإجراميّة. واليوم أكثر من 15 جريمة منصوص عليها في القانون الخاصّ بمكافحة الإرهاب عقوبتها هي الإعدام. يبقى على الدولة أن تتفوّه فقط بكلمة “إرهاب” لتفعيل الفنتازيا التي تمتلكها إزاءها. وبالاستعانة بسرديّات كهذه، تثير الدولة في الشعب مشاعر الأمن والأمان – وتقتصر المآسي بـ15 جريمة يُعاقب عليها بالقتل – لتخلّص المساحة الوطنيّة المُتخيَّلة من الإرهابيّين (تامبيا، 1997) وبالتالي، تشريع قابليّة قتلهم (أريندت، 1953، ص 241).

تثير السرديّة القائمة على محاربة الإرهاب، كما هي ظاهرة في خطابات السيسي وشعاراته،13 خطاباتٍ ترتكز على الوطنيّة والحرب ضدّ “عدوّ مُضخّم،” وهي حرب تتطلّب وحدةً وطنيّة للتمكّن من تصنيف هذا العدوّ كعدوٍّ خارجي مشترك (أريتكساغا، 2001-أ؛ زليكا ودوغلاس، 1996). إنّ سرديّةً كهذه يقتضي لإيجادها خلق – أو فرض من السلطة لـ – وجود عدوّ خارجي منبوذ. كما يشرح أغامبن (1998) وترنر (1974)، تكمن سلطة السيادة في احتكارها لفرض السرديّات على الأجساد، وتشكيلها بطريقةٍ تجعلها عدوّةً إلى حدّ يصبح اعتبارها “خارجيّة” مسألةً بديهيّة. وبالفعل، يصبح هذا المنتوج الداخلي-الخارجي كبش محرقة (جيرارد، 1979) يُنقل عليها عنف المجتمع المحلّي ويصير عنف الدولة عليها ممارسةً لا عنفيّة؛ بل تُمسي الدولة في هذه السرديّة بطلةً تصوّر نفسها كالجهة التي تدافع بمسؤوليّة – ولباقة – عن الضحايا-المواطنين/ات الذين لا حول ولا قوّة لهم، في وجه الإرهابيّين-الآخرين.

تمّ تحليل ديناميّات السلطة بين الدولة والإرهاب على أنّها “ديناميّة بارانويديّة انعكاسيّة” تتّخذ شكل الافتتان الوسواسي بهدف الاستيلاء على السلطة (تايلور، 1997). بهذا المعنى، فإنّ المطالبات بالسلطة ترافقها جولاتٌ من العروض العنفيّة مع تشديدٍ – من قِبل الدولة – على حصريّة شرعيّتها واحتكارها لاستعمال أيّ شكلٍ من أشكال العنف (أريندت، 1953). القاضي المعروف لكونه “قاضي أحكام الإعدام،” ناجي شحاتة، أكّد للمتّهمين في سجن الجيزة، خلال إعلانه عن إصداره الحكم بحقّهم في الجلسة التالية، أنّه “لن يدعهم يلبسون الأحمر،” كما روى شقيق أحد المتّهمين للكاتبة. وقد حدث قبل يومين من الحكم المزمع إصداره، قُتل أكثر من 54 شرطيّا في كمين خلال غارة في جنوب غرب القاهرة.14 لم يكن هذا الحدث منفصلاً عن إطار الأمور، حيث أنّ هوس الدولة بصورة المجرم يعود جزئيًّا إلى تأديته لدور الوسيط مع ميدان الموت الذي لا تمتلك الدولة – خارج نطاق عقوبة الإعدام – وصولاً إليه. وبالتالي، تأمل الدولة، عبر تفعيل سيادتها على جسد المجرم، أن توسّع ميدان سلطتها لتطال ميدان الموت أيضًا (سيغيل، 1998، ص 6).

في هذا السياق المُتخيّل، تُنتَج الدولة والآخر/الداخلي-الخارجي خاصّتها، أحدُهما كـ”فَتِش” للآخر، مشكّلَين واقعًا هو بمثابة لعبة انعكاسٍ مستمرّ لصورتَيهما الظاهرتين في بعضهما، ومشكّلَين معًا صورةً للآخر تلتقي فيها باستمرار شتّى أنواع الفنتازيا (أريتكساغا، 2003). إلى جانب القضاة، غالبًا ما يلجأ الصحافيّون أيضًا إلى الخيال لدى الكتابة عن “الإرهاب،” كما هو واضح في أحكام المِنيا التي نصّت على إعدام 529 شخصًا بسبب تورّطهم – الـ529 جميعًا – بقتل إنسانٍ واحد.15 وما يُصَبّ في تلك الخطابات حول الإرهاب هو حدود غير واضحة بين الواقع والخيال: فالاحتكاكات بين الدولة والإرهابيّين تكتسب “صفة الشَبَحيّة،” (أريتكساغا،2001-أ؛ زليكا ودوغلاس، 1996، ص 14)، حيث الذين يُعدّون ممثّلين للدولة مُطارَدون من قوّة المجرمين-الإرهابيّين المُتخيّلة (أريتكساغا، 2001-أ، توسيغ 1986، سيغيل 1998). وفي قلب هذا المُتخيّل الغامر، تتحقّق، في المقام الأوّل، عبادة الاعتراف.

 

الدولة الذًّكريّة

من المثير للاهتمام التوقّف عند شكلٍ آخر من “البارانويا” كمرافِقٍ لشبح ديناميّة الانعكاس، وما يصفه جورج كارلين بـ”مباراة استعراض العضو الذّكري” (هانييل، 2014). فيمكن التطلّع إلى الحرب على الإرهاب، وهي مُدعّمة بالطبع بطبيعة الدولة الذَّكريّة (كونواي، 2008؛ أريتكساغا، 2001)، كمنافسةٍ لإثبات الشخص “الذي يملك الإحليل الذّكري الأكبر” (هانييل، 2014)، حيث السيادة الجنسيّة لكلّ طرفٍ تصبح عرضةً للتحدّي، فيضطرّ إلى تفعيل تخيّلاته المرتبطة بقوّة رجولته عن طريق تحقيق الذات الممتلِكة للسيادة الجنسيّة. على ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الخطاب المتعلّق بمحاربة الإرهاب يعكس افتراضًا ضمنيًّا بوجود “دولةٍ في أزمة،” كما يصفها كونواي (2008). بكلماتٍ أخرى، فإنّ الأشخاص الذين ينتسبون إلى إيديولجيّات “إرهابيّة”/أخرى، على حساب إيمانهم بالدولة، يزعزعون، وبقوّة، الثنائيّات الجندريّة التي تستند إليها الدولة في مزاعمها المتعلّقة بالوطنيّة والوحدة. من هنا، يتبّين أنّ استراتيجيّات البروباغاندا المتنوّعة التي تعتمدها الدولة تكمن في أ) توظيف خطاب البطولة، والذكورة، والوطنيّة لدى إحياء ذكرى جنود-ضحايا هجومات “إرهابيّة؛” وب) الاستجابة السريعة لهجوماتٍ كهذه عن طريق تنفيذ الحقّ الذي تهبه الدولة لنفسها في القتل؛ وج) وصم المتّهمين المُنتظرين تطبيق حكم الإعدام بالخارجيّين/الآخرين، المُحمَّلين بميزات “أنثويّة،” وغير المُنتمين إلى الدرب (الموحّدة) التي تقود إلى المستقبل – والدعوة في المقابل إلى القضاء عليهم كشرطٍ لاستباق مستقبلٍ أفضل وأأمن (بوفينيللي، 2008).

تبدو عمليّة تسييس المصطلحات الجندريّة بديهيّةً في البيانات الصحافيّة التي تصدرها مؤسّسات الدولة الرسميّة. في بيانٍ صدر في العام 2015 عقب الحادثة المأساويّة التي أدّت إلى مقتل شرطيّ في بني سويف، وصفت وزارة الداخليّة العنصر “بالشهيد البطل الذي استشهد فداءً للوطن وحمايةً لمقدراته واستقراره.” وأكّدت الوزارة “استمرار جهودها في ملاحقة وضبط العناصر الإرهابيّة الجبانة التي تحاول زعزعة الاستقرار وعرقلة مسيرة التقدّم والتنمية.”16 تنسجم هذه الخيارات اللّغويّة مع تحليل كونواي (2008) الجندري لـ “دولة في أزمة،” دولة تقدّم ذاتها ككيانٍ ذكري، ومغاير الميل الجنسي، ومُحافظ في الوقت نفسه على صفة الجبن التي يطلقها على الإرهابيّين/الآخرين – المُشار إليهم “كعناصر” تسعى باستمرار إلى مواجهة مخطّط الدولة للمضي قدمًا وتحسين “الأمّة.”

بالنسبة إلى الإقدام التلقائي على إعدام الآخرين الموصومين، فقد أصبح الأمر ملموسًا أكثر في كانون الأوّل 2017. منذ ذلك الحين، نُفّذ عددٌ كبير من الإعدامات عقب يوم الهجومات “الإرهابيّة،” فأُعدم 15 شخصًا في 26 كانون الأوّل، وخمسةٌ آخرون في 2 كانون القاني – بمن فيهم بعض الأشخاص الذين ساعدوا في إنجاز هذا البحث،17 وثلاثةٌ آخرون في 9 كانون الثاني، وشخصٌ آخر في 23 كانون الثاني، وآخر في 30 كانون الثاني. قبل ذلك، كان سبق لـ12 منظّمة حقوقيّة مصريّة أن وصفت، بحرقة، الاستخدام السياسي لعقوبة الإعدام بالاستخدام غير المسبوق في تاريخ مصر.18

مهما بدا الأمر شاقًّا، من المفيد هنا التـأمّل بمفهوم “الحميميّة” بين الدولة ومَن تنبذهم بصفتهم إرهابيّين-مجرمين-آخرين (أغامبن، 1998، ص 110؛ برلان، 1997؛ سيغيل، 1998؛ زيزيك، 1993). إنّ تهديد أشكال السيطرة السياسيّة المُغايرة الميل الجنسي التي تتّبعها الدولة يعني الذهاب عكس سرديّتها الخاصّة بالسيادة. فيبدو مفهومًا أكثر أنّ ناجي شحاتة نفسه حكم على المتّهمين الـ11 في “قضيّة سجن الجيزة” في غضون الساعات الـ24 التي تبعت جرائم القتل في جامع سيناء. ويتبّين أنّ مسألة السيادة القائمة على المحوريّة القضيبيّة مرتبطةٌ إلى حدّ كبير برغبة التمتّع بحقّ تملّك سلطةٍ على الموت أيضًا (سيغيل، 1998، ص 6). أمّا أن تكون فكرة القتل، من الجهتين، مُرضِيةٌ جنسيًّا، فهي تطرح إشكاليّةً كبيرة، لا بل تبعث على الجنون.

 

الدولة المثيرة للجنون

إنّ الإدارة الحديثة للأجساد عمومًا (وأجساد “المحكوم عليهم” خاصّةً) (فوكو، 1979؛ أغامبن، 1998)، بالإضافة إلى الحميميّة التي تتيحها ضمن نطاق سلطة “القانون،” ترمز إلى السلطة السياديّة للدولة وتلتقطها. فإنّ سيادة كهذه تتجلّى في عنف القانون، وتتّخذ كصورةٍ لها صورة شرطي يسجن ويحقّق مع الأشخاص، تنفيذًا لسلطة الملاحقة: إنّ نتائح هذه الصورة الغامرة معروفةٌ مسبقًا، وليست مفاجئةً، غير أنّ هويّتها تبقى غامضةً وتستمرّ في إثارة الافتراضات والخوف والشائعات (بينجامين، 1978). وجميع أفراد العائلات الذين تحدّثتُ إليهم كانوا دومًا يشيرون إلى رجال الشرطة – مع العلم أنّ القسم الذين يعملون فيه وجهاز الدولة الذين يتبعون إليه ورتبتهم لم يحظَ بأيّ أهميّة – بضمير “هُم.” حين جاؤوا هم في بادئ الأمر إلى منزل عائلة لطفي، فتحوا همالقفل المعدني على البوّابة الحديديّة – البوّابة الحديديّة الوحيدة في القرية. وكان ذلك قبل زمنٍ طويل من سحبهم تحت التعذيب اعترافًا منه، أدّى إلى الحكم عليه بالإعدام في “قضيّة تفجير ملعب كفر الشيخ.” وقد أصلحت العائلة قفل البوّابة بعد مغادرة عناصر الشرطة، ولكنّهم –هم عناصر الشرطة/الضبّاط/العسكريوّن/السيّئون/الهجوميّون/إرهابيّو الدولة – ظلّوا يخلعون القفل، فقرّرت العائلة أن تتركه على حاله. “ما النفع؟،” تسأل سارة، شقيقة المتّهم الصغرى، “لماذا نصلحه إذا كانوا سيظلّون يكسرونه في كلّ الأحوال؟”

إنّ سيادة الدولة، كما يمارسها ما يمثّلونه هم، ليست استثناءً على الإطلاق، بل القاعدة (بينجامين، 1968، ص 257). هم ليسوا مُلزمين بالقانون، بالذات لأنّهم يمثّلون دولة الاستثناءات، التي لها أن تثبّت نظامًا قضائيًّا تكون فيه الشرعيّة والحقّ معلّقتين بإسم القانون. وبالفعل، يصبح إنفاذ القانون وانتهاكه أمرين يتعذّر التمييز بينهما لدرجة أنّ “ما ينتهك قاعدةً وما يحترمها يصبحان في حالة تلاقٍ” (أغامبن، 1998، ص 57). وبالتالي، يستمرّ الحكم بالقانون من خارج القانون في مشهدٍ يتّسم “بتمتّع-هم الفاحش” (زيزيك، 1993).

على الرغم من فراغه الجوهري، يبتلع “القانون” كلّ من لا يعكس صورته، في ما يظهر كخلاصة لممارسته لسلطته على الحياة والموت (أغامبن، 1998؛ بينجامين، 1978؛ أريتكساغا، 2003؛ توسيغ، 1992؛ 1997). لا مفرّ من هذا القانون، وحين تُوضع حياةٌ على المحكّ، يثير “محاولة وسواسيّة للتأويل والاجتهاد” (أريتكساغا، 2003، ص 406). في أوقاتٍ كهذه يصعب شرحها، تبدو سلطة القانون غير قابلة للترجمة تحديدًا بسبب عشوائيّة سلطتها في اتّخاذ قرار الحياة أو الموت. وفي أوقات الغموض هذه، تمتلك الدولة “قدرةً على إثارة الجنون في الناس” لكونهم “أصبحوا مُتخمين من القانون” (بيرلان، 1991).

في صيف 2014، كان عبد البصير مع والده في الجَمَصة بعدما أنهى مرحلة الثانويّة العامّة الدراسيّة. سمعوا سويًّا بكمين الفرافرة، ولم يعرفوا آنذاك أنّ عبد البصير سيصبح من المتّهمين في القضيّة. خلال جلسات المحاكمة، تلقّى القاضي نسخةً عن وثيقة ولادته تدلّ إلى أنّه لم يكن قد بلغ الـ18 عامًا من العمر يوم الكمين، فأكّد وقتها أن عبد البصير لن ينطبق عليه “الحكمان الأوّلان:” أي إمّا عقوبة الإعدام أم المؤبّد. وقد تكلّم والده لاحقًا معي، بعدما غمرته حالةٌ من النكران إزاء إحالة أوراق ابنه إلى المفتي. وقد تقرّر تنفيذ الحكم في اليوم التالي. ما شغله في اللّيلة التي سبقت التنفيذ، سؤالٌ هو “كيف يضعون هذا الشيء (القانون وسيادته) ليحكمونا به؟ ولنفترض حتّى أنّ ابني شارك في الكمين كما يدّعون، أما يجب محاكمته وفقًا لهذا الشيء الذي وضعوه في الأساس؟ ماذا يفعلون الآن؟ لا يريدون الحكم عليه، حتّى تبعًا لقوانينهم – يريدون قتله.” إنّ الرغبة في القتل التي لفت إليها والد عبد البصير تنسجم مع تحليل أريتكساغا (2003) للسيادة التي “تقدّم ذاتها على أنّها القانون،” وتبقى في الوقت نفسه خارجةً عنه. بهذا المعنى، إنّ الحياز على سيادة الدولة هو “تجسيدٌ لنظامٍ قضائي لا يمكن محاسبته” (ص 405). وفي أرض الواقع، ما من محاسبة ممكنة للسلطات في مصر. في الحقيقة، إنّ مجرّد التفكير العرضي بالمحاسبة، محاسبة الشرطة، أو الجيش، أو أمن الدولة، أو هيئة القضاة، أو حتّى الرئاسة، عبث.

 

الدولة “الوَرَقيّة” اللّامسؤولة (عمدًا)

إنّ خطاب الدولة المصريّة واضحٌ لجهة تملّصه من مسؤوليّته في إنتاج أجسادٍ قابلة للقتل. وأخبار توقيف المجرمين الذين صدرت بحقّهم أحكام غيابيّة بالإعدام ترد في التقارير الإخباريّة كتوثيقٍ لجهود الشرطة في حفظ الأمن. حتّى في تلك اللّحظات، يتمّ تفعيل التخيّلات المتعلّقة بإجرام هؤلاء الأشخاص. في ما عدا ذلك، يبقى الخطاب الوطني خطابًا تجريديًّا بشأن عقوبة الإعدام: حين يُذكر الإعدام، لا يُذكر الموت أو العقوبة. بدلاً من ذلك، ما يوحي به هو اللاشيء، والفراغ.19

الإجراءات التي تقود إلى صدور أحكام الإعدام تُوصف بكلماتٍ مماثلة، أي من دون التشديد على أفعال القتل. أمّا تمييع الدولة لمسؤوليّتها في القتل فيتغذّى بكثرة البيروقراطيّة في دولة مصر. والأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام يتمّ اختصارهم بـ”أوراق” تتأرجح بين المحكمة الجنائيّة والمفتي و”تحجبها السريّة” (توسيغ، 1992) في ما خصّ مضمون هذه التبادلات. حتّى العام 2012، كانت دار الإفتاء20 في مصر تصدر تقريرًا سنويًّا تذكر فيه عدد “الأوراق” التي وصلت إليها من المحاكم الجنائيّة. وكان تقرير العام 2012 هو الأخير – وربّما لم يكن صدفةً أن يرفض المفتي السابق التوقيع على أوراق 12 مُتَّهمًا. منذ ذلك الحين، باتت التبادلات سريّةً تحمل “ختم الدولة،” وما يتضمّنه من رمزيّة عالية. من المؤكّد، كما يصف هال (2012، ص 1)، أن يؤدّي نظامٌ يستند إلى معاملاتٍ ورقيّة خدمة التذكير بسلطة دولةٍ لا يمكن إيجادها في أيّ مكان، وبسيادتها.

التقطت أريندت (1953) هذه النقطة ببراعة، في وصفها للبيروقراطيّة كالشكل الأحدث للسيطرة: “إنّه حكم نظامٍ معقّد من البيروقراطيّة حيث لا أحد، لا شخص واحد ولا الشخص الأفضل، لا القلّة ولا الأكثريّة، يمكن أن تُحاسب” (ص 237) على أفعالٍ عنفيّة تقترفها الدولة، في مسائل الحياة أو الموت ضمنًا. في دولةٍ “وَرقيّة” (بالمعنى البيروقراطيّ للكلمة)، لا يوجد مسار “وَرقي” يمكن اقتفاؤه لرمي مسؤوليّة إنتاج الأجساد القابلة للقتل على أحد، لأنّه، بشكلٍ رئيس، وكما عبّرت أريندت (1953)، “نظام الّا-أحد.” دولة الّلا-أحد هذه هي بالـتأكيد الأكثر استبدادًا، ببساطة لأن لا أحد فيها يُمكن أن “يُطلب منه حتّى أن يجيب عمّا يحصل” (ص 237).

أودّ اقتراح وصل “دولة اللّا-أحد” هذه بفهمٍ موازٍ مفاده أنّها “دولة الجميع” أيضًا. ففي ميدان الموت، على الأقلّ، إنّ حقيقة أنّ لا أحد مسؤول مرتبطة بحقيقة أنّ الجميع مسؤول بدرجةٍ أو بأخرى. وهناك الكثير من أصحاب الشأن الفاعلين في الدولة – “وفائض من الممارسات الدولتيّة” – ممّا يضمن بعثرة مسؤوليّة القتل (أريتكساغا، 2003، ص 396). بعد الأخذ والردّ بين القضاة والمفتي، تقوم المحكمة بخطوتها، فترمي الكرة في ملعب القضاة الذين يُفترض أنّهم أكثر نضجًا، أي قضاة محكمة التمييز، فيُطلب منهم “محاكمة حكم المحكمة الجنائيّة.” ومع انتظار ختم النسر المتبقّي لتصبح المستندات نهائيّةً ووتضمّن الحكم بالموت – ختم هادئ، أزرق، ويحمل رمز السيادة – ينعم الجميع بالتخلّص من المسؤوليّة والمحاسبة. لا أحد يمتلك صلاحيّة الإجابة عن “الدولة.” خلال هذا المسار الاجتهادي الطويل الذي قد يستمرّ لسنواتٍ عديدة، يتلاعب موظّفو/ات الدولة بما هو في الواقع حيوات البشر – بشر يمضون أعوامًا في انتظار المستند التالي، اللّقاء التالي – إلى أن يصير الانتظار أمرًا مستحيلاً.

 

في انتظار الدولة

تحدّد الاحتكاكات بين الأجساد المنتظِرة قتلَها مع الدولة إيقاع حياة الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام وعائلاتهم. حصلت توقيفات أبو المطامير وكفر الشيخ في العام 2015، وصدرت أحكام الإعدام التي تبعتها خلال العام 2017. ولكنّي أرى نفسي منجذبةً أكثر إلى فكرة أن الوقت لا يتمّ قياسه في مثل هذه الظروف وحسب – أي لا يُقاس طول السنوات قبل أن تنهي الدولة الكسولة عملها الكسول وتقوم بتسليم “حكم الإعدام بحركةٍ بليدة” (فوكو، 1994، ص 429) – إنّما في الواقع، تجعل اللّقاءات الزمنيّة مع الدولة من مسألة مرور الوقت ديناميّةً مجمّدةً معقّدةً لا متناهيةً مُعذِّبةً، وقابلةً، من دون نزاع، للتلاعب من قبل دولة غير ثابتة.

في شكله البدائي، يبدو تلاعب الدولة بالوقت ظاهرًا في طريقة تحديدها لإيقاع حياة السجناء المحكومين بالإعدام وعائلاتهم، وفي طريقة استدعائها لمبدأ سيادتها للتلاعب بهم أكثر. إنّ جوهر يوم شخصٍ ينتظر الإعدام، مثلاً، هو الساعة التي يُسمح له فيها المشي والتمرين، والتي تصفها عائلات المتّهمين المحكوم عليهم بالإعدام في قضيّة أبو المطامير كشكلٍ من أشكال الحريّة، وفرصةٍ للإحساس بالمياه الجارية وربّما رؤية الغيوم. فتصبح هذه الساعة بمثابة استراحة من زنزانة المترين مربّع المظلمة والممتلئة بدخان السجائر، حيث فرصة تنشّق الهواء النقي تتواجد فقط مداورةً بين الأشخاص، عن طريق وضع أنوفهم في ذاك الثقب المستطيل والصغير على باب الزنزانة.

لا بدّ أيضًا من الإشارة إلى عدم وجود إمدادت الصرف الصحّي داخل الزنزانة. وبدلاً من توفير حمّام، يُعطى السجناء الثلاثة في الزنزانة وعاءًا للتغوّط. وهذا عامل تأثير إضافي في الحياة اليوميّة للسجناء الثلاثة في قضيّة أبو المطامير، الذين لجأوا إلى الصوم من أجل ضبط حاجتهم اليوميّة للحمّام. فيتأثّر نهارهم بشكلٍ كبير طوال الفترة الممتدّة بين الفجر والمغرب.21 وبالتالي، يصبح جزءٌ كبير من ساعة الراحة مخصّصًا للوضوء، والتخلّص من النجاسة، ومن “وسخ” وعاء التغوّط الممتلئ، ولتعبئة قناني المياه تهيّؤًا لموعد الوضوء التالي في الزنزانة. وإن اختلف السياق في سجن النساء في القناطر، غير أنّه من المرجّح أن يُمضى الوقت داخل جناح المحكومات بالإعدام هناك بطريقة مشابهة: فقد تأمّلت مسجونةٌ سياسيّة سابقة في الوقت الذي أمضته داخل السجن في منشورٍ على فايسبوك شاركته صفحة “ضدّ عقوبة الإعدام”22وتذكّرت فيه أنّها في كلّ مرّة كانت تمرّ فيها في جناح المحكومات بالإعدام خلال الراحة، وقبل أن يتنبّه الحرّاس إلى أنّها تتحدّث معهنّ ويفرّقوها عنهنّ، كانت تسألها إحداهنّ إذا ما كان بحوزتها قنينّة مياه فارغة.

بغضّ النظر عمّا إذا كان الهدف من استعمال القناني هو نفسه، ثمّة ما يُقال عن القلق المرتبط بالزمن داخل زنازين المحكومين/ات بالإعدام. فالحياة داخلها لا تُقاس بالساعات والدقائق. الوقت بحدّ ذاته لا يعود مهمًّا في مثل تلك الظروف. في التفاعل بين الضجر، والأمل، والذكريات، واللّقاءات المتّقدة التي ترافقها السجائر والصراصير، تلاعبٌ شديد القسوة بالوقت.

 

في انتظار الزيارة

بالإضافة إلى المشهد اليومي هذا، يحقّ للمساجين المحكومين بالإعدام في ساعةٍ شهريّة مخصّصة لزيارة الأهل. لم تحدّد الدولة أيّ آليّات مُنظِّمة للزيارات، ربّما لعدم اعتمادها معايير ثابتة أصلاً – والزيارات الشهريّة لا ذكر لها في التشريعات، وبالتالي يمكن إلغاؤها بسهولة. حين وصل لطفي إلى سجن برج العرب، اشتكى على عماد بيه،23المسؤول عن التحقيقات. لجرّه إلى سحب شكواه، قرّر عماد بيه أن يقصّر مدّة زيارة عائلة لطفي إلى خمس دقائق فقط. وأكثر من ذلك، أمر بمنع إدخال الأدوية للطفي، ممّا اضطّر العائلات إلى الادّعاء بأنّ الأدوية هي لسجينٍ آخر للتمكّن من تهريبها إليه إلى داخل السجن بعد تجاوز حاجزين للأمن.

يتكرّر التفاعل مع موظّفي الدولة (و”البيهات”) كلّ عام في مناسبة سنويّة معتادة، هي: تبديل مسؤول التحقيقات، أو عنصر الأمن المسؤول، في شهر آب. كما يصف غوفمان (1961) ببلاغة، ثمّة “ترحيب” ينتظر السجناء – في هذا الوقت من السنة، لا يؤدّيه سجناء سابقون، أو قدامى، بل ممثّل الدولة الجديد الذي عليه التأسيس ل(رغباته المُتخيّلة حول) سيادته وسلطته التي يجب أن تُهاب وتُحترم. كان مسؤول الأمن في سجن العباديّة، حتّى شهر آب الماضي، شخصًا متعاطفًا مع ثلاثة سجناء سياسيّين كانوا في جناح المحكومين بالإعدام مع 97 سجينًا متّهمين بجرائم جنائيّة.24 وقد تحدّث معهم عن إمكانيّة نقلهم إلى جناحٍ آخر فيه سجناء سياسيّون، وللزنزانة فيه حمّامٌ خاصّ. ولكنّ “الترحيب” الذي قام به خلفه في آب، فكان عبارةً عن هجومٍ على جناح المحكومين بالإعدام، أدّى إلى إخراجهم من زنزاناتهم، وتكبيلهم، وضربهم، وحلق رؤوسهم. أمّا محتويات الزنزانات – من أغطية، وعلب جبنة، وقناني مياه، وملابس داخليّة إضافيّة – فقد ضُبطت خلال الهجوم، ممّا اضطرّ العائلات إلى جلب المزيد من كلّ مادّة تمّ الاستيلاء عليها في الزيارة التي تبعت الحادثة، والتي باتت بعدها مقتصرةً على 15 دقيقة بدءًا من آب. ولم ينتهِ الأمر هنا، بل مُنع الأهل من إحضار الملابس الداخليّة للسجناء بسبب لونها الأبيض، إذ إنّ “النظام” الجديد في السجن يقتضي بأن يرتدي سجناء جناح المحكومين بالإعدام الأحمر فقط.

هكذا، أصبحت زيارات أفراد العائلة غير مستقرّة أيضًا. ولضمانة وصولهم إلى السجن في الوقت المحدّد – أيًّا كان هذا الوقت، إذ إنّ للدولة الواقفة عند الباب القرار بهذا الشأن – يغادر أفراد العائلات بيوتهم عند الساعة الرابعة فجرًا. يعني أنّهم يمضون يومًا أو اثنين قبل موعد الزيارة يحضّرون خلالهما الطعام ويضعونه في الثلّاجة في اللّيلة التي تسبق الزيارة ليصمد خلال الانتظار عند الباب. تمتدّ فترة الانتظار حتّى المغيب، وأحيانًا اللّيل، إلى حين انتهاء زيارات الجناحات الأخرى. وقد رأى أفراد عائلات المحكومين في قضيّة عرب شركس أنّ الدولة تتصرّف بطريقةٍ معيّنة لإرهاق السجناء في جناح المحكومين بالإعدام: فعناصر الأمن يتوجّهون إلى هؤلاء بالقول إنّ أحدًا لم يأتِ لزيارتهم. وإلى حين أن يتمكّن أهلهم من الوصول إليهم، هذا في حال سُمح لهم بالدخول أصلاً، يكون السجناء قد تعبوا جدًّا من الانتظار الطويل، وتصارعوا مع فكرة أنّه ربّما، بالفعل، لم يأتِ أحد لزيارتهم، وذلك لأسبابٍ عديدة لا يمكن حصر احتمالاتها. بعضهم يطلبون من عائلاتهم التوقّف عن زيارتهم إلى الأبد. هنا، يُحتمل أن يكون رفض الانتظار وسيلةً لمقاومة/رفض الدولة.

 

في انتظار المعرفة

حتّى قبل إصدار أحكام الإعدام، تتلوّث إيقاعات حياة المُتّهمين بما تفرضه الدولة عليها، مجازيًّا، وحتّى حرفيًّا، بمعنى أنّهم يصبحون في حالة انتظار دائمة للدولة: للمستند التالي، للقاضي أن ينتهي من فطوره قبل انعقاد جلسة المحاكمة، للمرّة اللّاحقة التي سيُسمح لهم فيها بالإدلاء بتصريحٍ أمامه، للفرصة التالية لوصف، مرّةً أخرى، ممارسات التعذيب بحقّهم، لتقرير المفتي، لقراءة الحكم. أودّ التطلّع إلى حالات الانتظار هذه، خاصّة انتظار سماع الحكم، على ضوء ما تطلق عليه داس (2003) عبارة “توقيف الزمن.” فبهذه الطريقة، يصبح كلّ لقاءٍ مع الدولة دورةً جديدةً مستنزِفةً للوقت من الإبهام واللّاوضوح المحيط بنتائج اللّحظة. وفي الحالات هذه التي تكون فيها حياة الشخص على المحكّ، يغدو رفض الانتظار وسيلةً للخروج من توقيف الزمن هذا.

كان يوم 7 آب 2017 تاريخ إصدار الحكم في قضيّة مطاي – وهو الحكم الثالث بعد الحكم على 529 شخص، ومن بينهم قاصر، بالإعدام في آذار 2014. هذا الحكم الذي سحبته محكمة التمييز في كانون الثاني 2015، وأُعيد العمل به أمام محكمة جنائيّة أخرى بعد عامين ونصف العام. كان أكثر من 140 سجين محشورين في “القفص،” واقفين فيه، لأنّ ازدحام المساحة لم يمنحهم أيّ خيار آخر، وقد طال انتظارهم للقاضي أربع ساعات على الأقلّ. حوالي الساعة 12:30 ظهرًا، سُمع صراخٌ صعب تمييز مصدره من داخل القفص، لجذب انتباه الحرّاس إلى حالة إغماء أحد السجناء. من المرجّح أن يكون قد فقد السجين وعيه بسبب الطقس الحارّ. ولكن أيضًا، وبدرجةٍ متساوية من الأهميّة، أو ربّما تفوقها أهميّةً، من الضروري فهم هذا الإغماء على أنّه رفضٌ جسديّ للانتظار أكثر. بعد انتهاء الجلسة، كان لا يزال هذا السجين فاقدًا للوعي – كان خارجًا عن نفسه بشكلٍ كامل، ولم ينزع الحرّاس عنه أصفاده إلّا بعدما علا الصراخ أكثر داخل “القفص،” ففكّ أحد الحرّاس أصفاده، ليعلّق فيما بعد يدًا من يديّ هذا السجين بالذراع الحديديّة للحمّالة التي وضع عليها.

في القاعة نفسها، في الجهة المقابلة للقفص، كان محامٍ ينتظر أمرًا آخر: في اليوم السابق للجلسة، تلقّى هذا المحامي اتّصالاً من “جهةٍ في الدولة” أعلنت فيه عن خبر سارّ مفاده أنّ 8 فقط من أصل 12 من بين الأشخاص الذين أُرسلت أوراقهم إلى المفتي سيُحكم عليهم بالإعدام.25 وفيما كان سائر المحامين في القاعة ينتظرون سماع الأحكام، كان هو ينتظر أن يصمت القاضي بعد الإسم الثامن – وأنا أيضًا كذلك. ولكنّ القاضي استمرّ في تعداد أسماء الـ12، وجميعهم حُكم عليهم بالإعدام – أو العدم – “شنقًا حتّى الموت.” في أوقاتٍ كهذه، يصبح “توقيف الزمن” شديد القساوة ليتحمّله شخص. شيء ما ينهار فيه مع انهيار الوقت في اللّحظة الحاضرة اللّامتناهية: جسديًّا، وعاطفيًّا، وما بين البُعدَين.

 

في انتظار الفجر

يمكن أن يكون توقيف الزمن امتدادًا غير محدودٍ للّحظة الحاضرة، بما يجعل الشخص يفقد الإحساس “بالوقت” بشكلٍ مطلق. في جناح المحكومين بالإعدام، يُقاس الوقت بعدد الصلوات، نظرًا إلى أنّ تعاقب الضوء والظلام في مكان دائم العتمة لا يكفي “لمعرفة” الوقت. “كقاعدة عامّة،” كتب كامو (1961) في كتابه تأمّلات في المقصلة، أنّ “الرجل يُكسر خلال انتظاره الإعدام، قبل أن يموت. هناك موتان يوقعونهما عليه، والأوّل أصعب من الثاني” (ص 156).

بهذا المعنى، تتفاقم “آلام الوقت” في السياق المصري بشكل خاصّ، حيث لا يُعلَم المتّهمون مسبقًا بتاريخ إعدامهم الفعلي. فيبقى الأمر عشوائيًّا، وعفويًّا، ويُترك السجناء في حالة انتظارٍ دائمة للفجر الذي ستأتي فيه الدولة – أو هم – لأخذهم. فبحسب كلّ الروايات التي سمعتها حتّى الآن، هم يأتون دائمًا في ساعات الفجر. لذا، تضطرب مواعيد نوم السجناء فيبقى بعضهم متيقّظًا حتّى الساعة الخامسة فجرًا، أي الساعة القصوى التي قد يأتي فيها الحرّاس لأخذهم، فينامون بين الخامسة والثامنة صباحًا، موعد مجيء الموظّفين الذين يداومون في النهار، ليستقبلوا يومًا جديدًا من الاحتكاكات مع الدولة. ماهي،26 وهي امرأة وُضعت في جناح المحكومات بالإعدام لتنفيذ قرارٍ في سجنها الانفرادي ولم يكن هناك زنزانات انفراديّة متوفّرة، التقت في ذاك الجناح بامرأةٍ حُكم عليها بالإعدام قبل تسع سنوات، ولم يُنفّذ الحكم بحقّها بعد. وكانت لا تزال هناك حين غادرت هي السجن، تنتظر الفجر مذذاك.

 

التوقّف عن الانتظار

إنّ آلام الوقت، الناتجة عن تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام، اعتمدتها ولاية كاليفورنيا كأساسٍ لإلغاء عقوبة الإعدام في العام 1972 (سميث، 2007، ص 241). في أماكن مختلفة من الولايات المتّحدة الأميركيّة، أدّى تراكم هذا المفعول إلى ظاهرة “عارِض الإعدام،” و”قتل الموافقين على قتلهم” (بلوم، 2005). فمنذ العام 2005، بات باستطاعة السجناء الذين تحكم عليهم المحاكم الجنائيّة بالإعدام التنازل عن حقّهم بمحاكمةٍ جديدة أمام محكمة التمييز. وبالتالي، كانوا فعليًّا “يتطوّعون” لتحقيق تنفيذٍ أسرع لحكم الإعدام بحقّهم (بلوم 2005؛ سميث، 2007؛ ص 238).

على الرغم من الفروقات السياقيّة بين عقوبتَي الإعدام في مصر والولايات المتّحدة الأميركيّة، من الجدير التوقّف عند هذه الكينونة-المتّجهة-نحو-الموت طوعًا. وانسجامًا مع ما قاله روسّو، ربّما هنا تكمن الخلاصة المتوخّاة من عبادة الاعتراف: أن يتبنّى المتّهم الحكم عليه، أن يطلب بأن يُعاقب، أن يتوق إلى أن يُقتل. وبكلمات كامو المعبِّرة فيالغريب (1993، ص 111):

إذا ما حدث، بمعجزة، أن تعطّلت الآلة، ستُعاد الكرّة. والمزعج في الأمر، هو أنّ المحكوم سيتمنّى أن تعمل الآلة بشكلٍ سليم من المرّة الأولى. سرّ نظامٍ متكاملٍ يكمن هنا. في المحصّلة، على المحكوم أن يتعاون معنويًّا. فقد كان لصالحه أن يسير كلّ شيء دونما عثرة.

ملاحظات ختاميّة

إنّ أجهزة الدولة التي تجعل من عقوبة الإعدام في مصر، ليس فقط ممكنة، بل غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وبدرجاتٍ فظّة، لها وجهٌ هزليّ أيضًا. بصرف النظر عن المبادئ الأخلاقيّة، فإنّ الإجراءات والمسارات التي تستعين بمفاهيم سامية مرتبطة بـ”القانون و”العدالة،” وتبرّر بها أحكام الإعدام، ليس لديها أيّ صلةٍ بأيّ من هذه المفاهيم على صعيد المُعاش اليومي. إنّ تجليّات الدولة اليوميّة عبر شخصيّاتها الرسميّة المعنيّة بهذا المجال، وموظّفيها، ولقاءاتها مع السجناء المحكومين بالإعدام وعائلاتهم، هي بالأحرى تجليّاتٌ مدهشة: فكأنّ الدولة، بكلّ أوجهها الفاعلة، تستمرّ في اعتبار إنتاج – أو بتر – أجسادٍ قابلة للقتل، ولكن غير قابلة للحداد والحزن عليها، كممارسةٍ عاديّة وسهلة جدًّا نظرًا إلى القدرات البطوليّة التي تنطوي عليها والسرديّات المحيطة بها القائمة على أساس أنّ “الناس يريدونها” (ويتمان، 2001). إنّ تبرير هذه العقوبة بكونها إرادةً شعبيّة، تتجلّى ربّما في اللّفظ الحرفيّ في الأحكام المصريّة لعبارة “بإسم الشعب.” ولكنّ الكثير من الأمور المهمّة تختفي في هذا الاستخلاص الاختزالي، بما فيها آلام الوقت – انتظار السجين الدائم للدولة، لوقوع الدور عليه في عمليّة الإعدام اللّاحقة، وتوقّفه، تدريجيًّا، وفي آخر المطاف، عن أن يكون. إنّما هذه الأجساد هي نفسها التي تقرّر التوقّف عن الانتظار. وبالتالي، هي لا تستعيد “فاعليّتها” وحسب، بل يُحتمل أنّها تتجاوز أيضًا الإدراكات الدنيويّة المتّصلة بمفاهيم الوقت، والدولة، والعدالة الهزليّة، والاستيلاء المُجندَر على أجسادهم وحيواتهم. ربّما ليس في ذلك مجرّد اهتمامٍ شخصي بعمل الآلة “دونما عثرة،” إنّما بالأحرى بإزالتها برمّتها.

 

ملحوظات: 
المراجع: 

Agamben G. (1998). Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford, CA: Stanford University Press.

Aretxaga, B. (2000). “A fictional reality: Paramilitary death squads and the construction of state terror in Spain.” Death squad: The anthropology of state terror. University of Pennsylvania Press. 46-69.

—————. (2000). “Playing terrorist: Ghastly plots and the ghostly state.” Journal of Spanish Cultural Studies, 1(1): 43-58.

—————. (2001a). “Terror as thrill: first thoughts on the ‘war on terrorism’.” Anthropology Quarterly, 75(1): 139-53.

—————. (2001b). “The sexual games of the body politic: Fantasy and state violence in

Northern Ireland.” Cult Med Psychiatry, 25(1): 1-27.

—————. (2003). “Maddening states.” Annual Review of Anthropology, 32(1): 393-410. doi:10.1146/annurev.anthro.32.061002.093341.

Benjamin W. (1968). “Theses on the philosophy of history.” Illuminations: Essays and Reflections, ed. H Arendt. New York: Schocken Books. 253-64.

—————. (1978). “Critique of violence.” Reflections: Essays, Aphorisms, Autobiographical Writings, ed. P Demetz, Harcourt Brace Jovanovich. 277-301.

Berlant L. (1991). The Anatomy of National Fantasy. Chicago: The University of Chicago Press.

Blume, J. H. (2005). “‘Killing the Willing:’ Volunteers, Suicide and Competency.” Michigan Law Review, 103(5): 939-1009.

Butler, J. (2009). Frames of war: When is life grievable? New York: Verso.

Camus, A. (1993). The Stranger. 1942. Trans. Matthew Ward. New York: Knopf.

Conway, D. (2008). “The masculine state in crisis: State response to war resistance in apartheid South Africa.” Men and Masculinities, 10(4): 422-439. doi:10.1177/1097184X07306742

Das, Veena and D. Poole. (2004). “State and Its Margins: Comparative Ethnographies” Anthropology in the Margins of the State. Oxford: Oxford University Press. 3-33.

Derrida J. (1991). “Force of law: the mystical foundations of authority.” Cardozo Law Rev, 11(5-6): 921-1045.

Foucault M. (1978). The History of Sexuality. New York: Vintage Books.

Egyptian Initiative for Personal Rights. (2018). In the Name of the People: The annual report on the death penalty in Egypt 2017.” Retrieved from: https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/in_the_name_of_the_people.pdf

Foucault, M. (1979). Discipline and Punish: The Birth of a Prison. New York: Random House.

Foucault, M., & Rabinow, P. (1984). The Foucault Reader. New York: Pantheon Books.

Freud, S. 1958 (1919). “The Uncanny.” On Creativity and the Unconscious, ed. B Nelson. New York: Harper Torchbooks. 122-61.

Goffman, E. (1961). “On the Characteristics of Total Institutions.” Symposium on preventive and social psychiatry. Washington, DC: Walter Reed Army Medical Centre. 43-84.

Gupta, A. (1995). “Blurred boundaries: the discourse of corruption, the culture of politics, and the imagined state.”American Ethnologist, 22(2): 375-402.

Henyel, G. (2014). “George Carlin – War is prick-waving (The bigger dick foreign policy theory).” YouTube, 14 May 2014. Retrieved from: https://www.youtube.com/watch?v=5qqARrbi1h8

Human Rights Watch. (2017). “‘We Do Unreasonable Things Here’ | Torture and National Security in Al-Sisi’s Egypt.” Retrieved from: www.hrw.org/report/2017/09/05/we-do-unreasonable-things-here/torture-and-national-security-al-sisis-egypt.

Kafka, F. (1964). The Trial. New York: Modern Library.

Malkki, LH. (1995). Purity and Exile: Violence, memory and national cosmology among Hutu refugees in Tanzania. Chicago: The University of Chicago Press.

Nagengast, C. (1994). “Violence, terror, and the crisis of the state.” Annual Review of Anthropology, 23: 109-36.

Navaro-Yashin, Y. (2002). Faces of the state: Secularism and public life in Turkey. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Povinelli, E. A. (2008). “The child in the broom closet: States of killing and letting die.” South Atlantic Quarterly, 107(3): 509-530. doi:10.1215/00382876-2008-004

Rose, J. (1996). States of Fantasy. Oxford: Clarendon Press.

Sada ElBalad. “المفتي يكشف عن دوره في أحكام الإعدام.” YouTube, 16 Oct. 2017. Retrieved from: www.youtube.com/watch?v=0mWVeO_FInc.

Santner EL. (1996). My Own Private Germany: Daniel Paul Schreber’s History of Modernity. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Smith, A. (2007). “Not Waiving but Drowning: The Anatomy of Death Row Syndrome and Volunteering for Execution.” Public Interest Law Journal, 17(2): 237-54.

Taussig, M. (1993). Mimesis and Alterity: A Particular History of the Senses. New York: Routledge.

————–. (1997). The Magic of the State. New York: Routledge.

Trouillot, M-R. (1991). “Anthropology and the savage slot: The poetics and politics of otherness.” Recapturing anthropology: Working in the present, ed. R. Fox. New Mexico: The School of American Research Press. 17-44.

————–. (2001). “The anthropology of the state in the age of globalization: Close encounters of the deceptive kind.” Current Anthropology, 42(1): 125-38.

Turner, V. (1974). Dramas, fields, and metaphors: Symbolic action in human society. Ithaca, NY: Cornell University Press.

Zizek, S. (1997). The Plague of Fantasies. London: Verso.

Zulaika J, D. (1996). Terror and Taboo: The Follies, Fables and Faces of Terrorism. New York: Routledge.