إعادة تغيير مسار رغبة الغرب الإستشراقية من خلال العار العربيّ الكويري: تصوّر الذاتيات العربية الكويرية من خلال نظرية الإختلاف الجنسي في قراءةٍ لـ بريد مستعجل

السيرة: 

هي طالبة لبنانيّة في شهادة الماجستير وناشطة نسويّة وسياسيّة في هولندا. تتمركز معارفها في موقعها كامرأة مطابقة للنوع الإجتماعي، كويرية من الطبقة الإجتماعيّة المتوسطة-العليا. في الوقت الحالي، تختبر سارة مفاهيم فكّ الإستعمار والأبحاث الفعّالة والإنعكاسيّة وتوسّع آفاقها في البحث عن موضوعات كويريّة العربيّة من خلال منهجيّات مختلفة. تعلم أبحاثها الفلسفيّات القاريّة للنسويّة الفرنسيّة والنظريّات ما بعد الإستعمار والنظريّات ما بعد العلمانيّة والحداثة حول المواضيع الإسلاميّة. كما تتعلم أيضًا النهج ما بعد الإنسانيّة والماديّة الحديثة والكويريّة في الزمان والمكان عن طريق تشابك النّواحي النظريّة العمليّة والسياسيّة. كما تهوى الأماكن الثقافيّة الحرّة والعيش الجماعي المتعمد.

*اسم مستعار

‫ ‫الملخص: 

إن عنوان هذا البحث يشير الى مقال جوزف مسعد تحت عنوان “إعادة توجيه الرغبة: المثلية العالميّة والعالم العربي” (2002) ويسعى الى نقد أفكاره. ولتحقيق ذلك، أستعمل نظريّات جوليا كريستسفا ولوسي إريغاراي النسوية عن الإختلاف الجنسي، حيث أضع نظرتهما لمفهوم الإصباح-الذاتية في حوار مع قراءة معمّقة لبريد مستعجِل: قصص حقيقيّة، تبعاً لتحليل دينا جرجس. وهكذا يتعامل هذا المقال مع التعابير الهجينة والتأثيرية للجنسانيات العربية المثلية.

الكلمات المفتاحية: 
Queer Affect
Shame
Queer Arab Subjectivities
Sexual Difference
Gay International
اقتباس: 
*سارة حمدان. "إعادة تغيير مسار رغبة الغرب الإستشراقية من خلال العار العربيّ الكويري: تصوّر الذاتيات العربية الكويرية من خلال نظرية الإختلاف الجنسي في قراءةٍ لـ بريد مستعجل". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 1 عدد 1 (2015): ص. 54-69. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 21 نوفمبر 2019). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/reorienting-desire-from-within.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon Download Article (PDF) (524.17 كيلوبايت)

المقدّمة

"أكره كلمة ليزبيان. تجعلني أنكمش - وخصوصاً الكلمة الفرنسية التي عادةً ما تُستَعمل في لبنان: ليزبيااان، مع تشديد على الـ"ياان". والأسوأ هي الكلمة "دايك". وكله يهون بالمقارنة مع "سحاقية". عندما أسمع هذه الكلمة، أحسّ بأنني سوف أتقيأ... من المثير للإهتمام مراقبة كيف يربط الناس ما بين صورٍ محدّدة ومصطلحات، وكيف يضعون معاني مطلقة للكلمات. عندما يقول الناس "ليزبيان"، تستحضر هذه الكلمة صورةً وحيدة في أفكارهم، ولا يدركون مدى الإختلاف والتنوّع الذي تعبّر عنه هذه الكلمة".

مجهول/ة الإسم، بريد مستعجل: قصص حقيقية (2009)، من العريس (2013، ص.7)

بريد مستعجل: قصص حقيقية (2009) هو مجموعة من القصص الشخصية لنساء كويريات وأشخاص متحوّلي/ات الجندر، أطلقتها مجموعة "ميم" في بيروت. ويتطرّق الكتاب إلى الجنسانية في ترابطها مع الهوية والصراعات العائلية والأبعاد الإجتماعية والسياسية، بالاضافة إلى الدين والطبقة الإقتصادية. يحلّل هذا البحث القصص المنشورة في بريد. في الإقتباس الوارد أعلاه، تستقصي الكاتبة مصطلح "ليزبيان" بفاعلية، متنقلةً بين ثلاث لغات، ومحدّدةً المواضع المختلفة حيث تبدو الجنسانية في حالةٍ من التفاوض الدائم (العريس، 2013، ص. 114). في تأرجحها ما بين الطبقات والمؤثِّرات العاطفية والدلالات المتعدّدة، تتحدّى الكاتبة الهوية المتجانسة التي يفترضها مصطلح "ليزبيان"، مضاعفةً تعقيداتها من خلال الإشارة الى السمات الجندرية المختلفة والهويات الجنسية والثقافات والأصوات. وتبدو كأنها تفاوض حول تجاربها مع العار، من خلال عملية علائقية (relationality) مختلفة عن سياسات ما بعد ستون - وال (Stonewall) حول الفخر/"الخروج من الخزانة" أو الإفصاح العلني عن المثلية (الذي يركّز على فكرة التغلّب على العار)، بما يوحي بالتهجين. في هذا السياق، تصبح كلمة "ليزبيان" متعدّدة التركيب، فتثير ردود فعل متنوّعة لا يمكن تلخيصها بثنائية الجنسانية العربية والجنسانية الغربية، بما أن هذه الجنسانية دائمة التفاوض. وأجادل هنا لصالح أن عملية التفاوض هذه قد يلتقطها الإستكشاف الريزوماتيكي (rhizomatic) للتأثيرات الجسدية والتهجينات، عوضاً عن التعامل مع التحليل الجدلي للسيطرة الغربية (أيّ نموذج المقاومة/التواطؤ).

المثليّة العربية1، كما أحلّلها هنا، لا تبدو ظاهرة في النقاشات الحالية حول هذه التعابير المعقّدة والمؤثّرة في الجنسانية المثلية عند العرب، بل تركّز هذه النقاشات حصرياً على نقد الخطاب الغربي الإستعماريّ. إن نظرية التأثّر، التي تحتوي على إمكانية للغوص في مواقع جديدة عن التغيّر والتجسُد، غير متطورة كفاية في نظريات الجنسانية (العريس، 2013، ص. 7؛ غروس، 2005، ص. 1؛ أتينغر، 2006، ص. 219).

ولكن، قبل أن أفسر إشكاليات حصر التحليل ضمن الأطر الخطابية فقط، وفي محاولة مني لدفع تعاملنا النقدي مع هذا الموضوع، سوف أبدأ بتقديم كتاب جوزيف مسعد إشتهاء العرب (2007)، وهو من الإنتاجات الفكرية الحديثة حول موضوع الجنسانيات المثلية العربية.

في صقله لنظريات ميشيل فوكو حول الجنسانية، يشير مسعد إلى أن الانتشار الإستعماري لمفهوم الجنسانية قد تبطّن في داخل المفكرين العرب، وفُرض عبر إطارٍ وجوديّ (أونتولوجي) وليس فقط في إطارٍ معرفيّ (بوار، 2011). ويتفق هذا البحث مع نقد مسعد للسيطرة الغربية على تأسيس الخطاب حول المثلية العربية، والذي أسماه "المثلية العالمية"، ولكنني سوف أجادل بأن مقاربته تحتوي على نقاط ضعف، وسوف أبحث في إمكانيات التحدّث عن جنسيات مثليّة عربية خارج إطار التواطؤ مع السيطرة الغربيّة. وللبحث في هذا الموضوع، وبما أن فكرة الجنسانية العربية متعلّقة بشكلٍ كبير بنظريات إنتاج الشخص/الذات، اخترت أن أستدعي النظريات النسوية حول الإختلاف الجنساني كما تعالجها أعمال جوليا كريستيفا ولوسي اريغاراي، من أجل النظر في وتخيّل ذاتيات كويرية عربية.2

وهنا، يأتي سؤال البحث الرئيسيّ: في محاولة إنهاء إستعمار الإستشراق الغربيّ للقصص العربية عن الجنسانيات المثلية، كيف نعدّل فرضيّة مسعد عندما نضع نظريات كريستيفا واريغاراي عن الإختلاف الجنساني في حوارٍ مع قراءة تأثيرية للعار الكويري في بريد؟

بعد مساءلة أطروحة مسعد، سوف أبحث في النموذج التاريخيّ والمعرفيّ للجنسانية الذي يقدّمه، في مقاربةٍ له مع النظريات النسوية حول الإختلاف الجنسانيّ. وسوف أستقصي مفهوم كريستيفا عن التمرّد، وهو استجوابٌ للذات وتحرّكٌ ساخط وعودةٌ لمراجعة الماضي. كما يُعنى هذا البحث بالفكر الفلسفيّ المناهض للتأسيسية (antifoundationalism) في نظرية اريغاراي حول الإختلاف الجنساني، وإلحاحها على تفكيك الذاتية الجنسانية الأحادية الحديثة. وأركز على مفهومها للمثلية الذكورية (hommosexuality) والأخلاقيات الجنسانية. كما أقترح أن صيغ كريستيفا واريغاراي للإختلاف الجنساني، تحمل إمكانيات التنظير في الجنسانيات المثليّة العربيّة. وتتكامل هذه الجدلية مع القراءة المتأنية لكتاب بريد مستعجل (2009) التي أجرتها دينا جرجس (2013) حيث دققت في مؤثرات العار الكامنة في القصّ. وتعتبر جرجس أن العار هو قوةً مولّدة في عملية تكوين الكويرية العربية. تحتوي هذه القصص على ذاتيات هجينة، وغير كاملة، وفي طور "الإصباح" (becoming، أو أن تصبح)، وهي تعبّر عن حالة تفاوض وصقل دائمين (جرجس، 2013، ص. 234).

 

القسم الأول: نقد جوزيف مسعد للجنسانية المهيمنة

في إشتهاء العرب (2007)، قام مسعد ببحث سلالة الجنسانية العربية من خلال دراسة التاريخ الفكري للعالم العربي المعاصر كنظيرٍ للخطاب الإستعماريّ والإستشراقيّ. وسعى مسعد إلى تعديل مفهوم فوكو للجنسانية، من خلال نهج ما بعد الكولونيالية. أهم ما يقدّمه فوكو في هذا السياق هو أن المجتمع الغربي المعاصر في القرن التاسع عشر شهد تطوير السجن والعيادة والنظم القانونية والسياسية، التي سعت بدورها إلى تصنيف الأشخاص ومعالجتهم. وفي هذا السياق للحداثة، شيّدت تجربة الجنسانية (وفئة المثلية) لغوياً، من خلال ارتباطها بصيغ المعرفة والقوة والمعيارية وتأثير الثقافة على الذاتيات. يتّفق مسعد مع هذا التحليل.

ولكن، بحسب مسعد، فإن فوكو فشل في إدراج علاقة الحداثة بالإستعمار في تحليله. لذا، هو لا يقول بعدم دقّة فوكو في دراسة السياق التاريخيّ الذي من خلاله تمّ تطبيق مفهوم الجنسانية على المستَعمَرين، بل يرى مسعد أن المفهوم نفسه جاء نتيجة التجربة الإستعمارية (مسعد، 2007، ص. 7).

وقد تأثر مسعد بإدوارد سعيد في كتابه الإستشراق (1978)، الذي حلّل فيه سعيد الإنتاج الفكري الغربي وإرثه الإمبيريالي اللاتاريخي والإستشراقي والمفترض وجود جوهرٍ مسبق للشعوب والثقافات، مستنداً أحياناً على فوكو في معادلة القوة/المعرفة. وركّز سعيد بشكلٍ خاص على الإنتاج المعرفيّ الغربيّ الذي من سماته إنتاج معارضة ثنائية من الغرب/الشرق، كنظير للذات/الآخر. وقد أطلق سعيد على هذا الخطاب صفة "الإستشراقيّ"، وعرّفه بأنه "أسلوب فكري قائم على تمييز وجودي ومعرفي ما بين "الشرق" و(في الغالب) "الغرب"" (سعيد، 1978، ص. 10).

يتدخّل مسعد في إطار سعيد الما بعد الكولونيالي، مستخدماً أدوات فوكو النظريّة حول تكوين الجنسانية/الذاتية. وسوف أقيّم لاحقاً إسهام مسعد هذا، لأبحث في ما إذا أتى فعلاً شديد التدقيق في نقد سعيد للإستشراق. وقبل أن أنتقل لبحث ادعاءات مسعد حول المثلية العالمية، سوف أفحص كيفية بنائه لأفكاره هذه.

بحث مسعد في أعمال المفكرين العرب منذ القرن التاسع عشر، وألقى الضوء على الأعمال الفكريّة التي تأثروا بها، والتي اعتبرت أن التراث العربيّ (والإسلاميّ) قد مرّ بفترة "إنحطاط" و"بدائية" خلال الحكم العثمانيّ. وكانت هذه الفترة التي وصفت بـ"الإنحطاط الأخلاقي" من المحرّكات الرئيسية لصعود القوميّة العربيّة والنهضة العربيّة (مسعد، 2007، ص. 8-9). في هذا السياق، أثرت الأفكار الغربية المسيطرة على كتابات المفكرين العرب، كما شقّت الطريق لسياسات الهوية ومجموعات حقوق الإنسان الغربية، في ثمانينيات القرن العشرين. وقد كان لهذه التطوّرات الأثر البادي في ردود فعل القومية العربية والقومية الإسلامية بشكلٍ خاص. لهذا، فإن مفاهيم الرغبات والممارسات الجنسانية في المجتمع العربي المعاصر قد بنيت في علاقتها بهذه النظريات المعرفية الإستعمارية والإستشراقية والقوميّة (المصدر السابق، ص. 48-49). كما ارتبط إنتاج الجنسانية المثليّة العربيّة بمناهج الحداثة. وأركّز في هذا المقال على النقد المحدّد الذي قدّمه مسعد، لجهة تعميم خطاب حقوق المثليين للهويات الجنسانية الغربية، وهو ما أسماه "المثلية العالمية".

إحدى النقاط التي عالجها مسعد تتجسّد في نقده للخطاب الإستشراقي حول الجنسانية، والإطار المعرفيّ الذي تشكّل فيه هذا الخطاب. فيلقي مسعد الضوء على أثر آلية عمل مجموعات حقوق المثليين الغربية ونشاطها وانتاجها الأكاديمي في إدخال (internalization) هذا الإطار المعرفي إلى ذات العالم العربي، من خلال "التحريض على الخطاب" (“incitement to discourse”). ويشير إلى أن هذا التعميم لفئة "المثلي/ة" الذي أقدمت عليه مجموعات حقوق الإنسان العالمية، يجب أن يُقارب كـ"عنف معرفيّ وأخلاقيّ وسياسيّ" (المصدر السابق، ص. 41). أيّ أن هذا التعميم لفئات المغايرين والمثليين (من قبل "المثلية العالمية" بشكل خاص) هو شكلٌ من أشكال الجنسانية الغربية الإمبريالية، التي تفرض إنتاج ثنائية وجودية للجنسانية على الذات العربية. ففي تراث الثقافة الأصيلة (بحسب مسعد)، لم يكن هناك وجود لأيّ فئات جنسانية مماثلة (وهذا ينطبق كذلك على رهاب المثلية، التي لم تكن موجودة أيضاً في الثقافة العربية).

وعلى الرغم من أن نقد مسعد للإمبريالية الجنسانية وللإنتاج الفكريّ الاستشراقيّ عن المثليّة العربية هو نقدٌ مشروع، إلا أنه يفتقر إلى منهج أكثر دقّة في مقاربته للذاتيات العربيّة الكويرية. وقد اتهم مفكرون وناشطون عرب نظرياته بأنها تفترض وجود جوهرٍ "أصيل" مسبق في الشعوب والثقافات (essentialist)، تعيد إنتاج أطروحة فرضيّة معيّنة عن "صدام الحضارات" (طه، 2013)، وتنكر على المثليين العرب أيّ ذاتية من خلال وصفهم بأنهم "ضحايا الأوهام الإستشراقية" (عامر، 2010، ص. 652). والإشكالية الأكبر في نظريّة مسعد هي فرضيته التي تقول بوجود ثقافة أصلية/أصيلة ومتجانسة وثابتة للجنسانية العربية، بدلاً من أن يأخذ بعين الإعتبار التعقيدات والتهجين والميزة الخلاقة لما بعد الكولونيولية التي تفاوض وتعيد اختراع نفسها3 (أبو عودة، 25 مارس/آذار، 2013؛ أندرسون، 2010؛ جرجس، 2013؛ مكارم، 14 ديسمبر/كانون أول، 2009).

فإذاً، كيف يمكننا أن نخطو إلى ما بعد ثنائيات مسعد ونظريات الثقافة الأصيلة، لنفكّر في أشكالٍ إيجابية من الإختلاف قادرةً على التعبير عن الذاتية الكويرية العربية؟ من هنا، سيناقش هذا البحث بدقّة أدوات إنتاج الإصباح4 في الكويرية العربية، عبر فتح حوار ما بين النظريات الفلسفية النسوية حول الإختلاف الجنساني5 والقراءة التأثيرية6 لقصص بريد مستعجل.

 

القسم الثاني - نظريّة الإختلاف الجنسي وقوّة العار الكويري في بريد مستعجل

 

1- التفكير في الذاتيات الكويرية العربية كتمرّد من خلال قوّة العار الكويري

في قالت، التمرّد (2002)، تناقش كريستيفا مفهوم التمرّد كمناقض لفكرة الثورة السياسية التي تتأصل فيها المواجهة وتتجاوز النماذج المعيارية. أما التمرّد بحسب كريستيفا فهو مترسّخ في "مساءلة الذات والتقليد والإختلافات الجنسانية ومشاريع الحياة والموت وأنماط جديدة للمجتمع المدني إلخ." (المصدر ذاته، ص. 85).

إن التمرّد هو أيضاً "حركة عميقة من الإستياء والقلق والغضب. والقول بأن التمرّد يقتصر على السياسة هو خيانة لهذه الحركة الواسعة" (المصدر ذاته، ص. 99). في دراسة لأصل الكلمة، يتضح أن كلمة تمرّد (revolt) تعني الإكتشاف، والإنفتاح - ما يدلّ على أن الجنسيات المثلية العربية، كفئة، يجب أن تنفتح وتنفصل عن الكولونيالية الإمبريالية التي تحملها، وأن تنعطف، وتعود أيضاً في مسارها (المصدر ذاته، ص. 100). وتبعاً لهذا المنطق، فإن التمرّد عند كريستيفا يرى السعي لتصوير الجنسيات المثلية العربية على أنها بحثٌ وعودة لمراجعة الماضي، وإعادة تأهيل ذكريات الصدمات والألم، وهي أيضاً أداء لخيال ذي قدرة تحويلية يظهر من خلال اللاشيء ومن خلال عملية التساؤل (المصدر ذاته، ص. 100-101). إن إعادة تغيير مسار الرغبة عبر منظور التمرّد هو بالضبط هذه العملية القائمة على الإستجواب، وهذا العمل مع العودة التي لا تعني عودة تاريخية لأشكالٍ قديمة وأصيلة من الممارسات المثلية العربية، وليس من خلال عمل مقاوم ضد البنى الغربية لفئات المثلية. ومن أجل توضيح الدور المتوقع من مفهوم التمرّد هذا في المساهمة في تصوّرات ما بعد الكولونيالية للذاتيات الكويرية العربية،7 تفيد قراءة العار الكويري في بريد مستعجل.

تشير جرجس الى أن القصص الواردة في بريد تظهر جماعةً تبدو وكأنها في طور عملية تفاوضٍ خلّاق لتجارب مؤلمة من التخجيل والتهميش مارسها المجتمع والعائلة بحق أفرادها (2013، ص. 235). إن الكاتبات يبعدن أنفسهنّ - ولكن ليس كلياً – عن الإستراتجيات السياسية للفخر الكويري التي تلت ستون - وال (Stonewall)، والتي ركّزت على التغلّب على العار بالفخر. أما كاتبات بريد فبدون وكأنهن يخلقن جماعة لهن من خلال، وليس ضد، العار. كما يرفض كتاب بريد التقيّد بالخيار الثنائيّ: إما رفض العار التقليدي وغير المعاصر (من خلال رفض تقاليدهن وعائلاتهن) أو اعتناق الحرية الجنسية الحداثية (من خلال منطق المفاخرة بـ"الخروج من الخزانة" أو التعبير العلني عن الهوية المثلية) (المصدر السابق، ص. 234). اضافة، إن للعار نتائج جسدية آنية؛ إنه يولِد التفكير والإختراع.

عند التعمّق في طرح مسعد، يتضّح أن فهمه للإختلاف في علاقته بالذاتيات العربية، يستلزم شكلاً ثنائياً من الممارسات المثلية، أيّ الممارسات التقليدية/الأصيلة، والتي كان من الممكن أن تظلّ نقيّة من التدخّل الإستعماري. هذا المفهوم الدائر حول الأصالة الثقافية ينظر إلى التقليد كشيء ثابت، ولا يأخذ بالحسبان تعقيدات الذاتيات ما بعد الكولونيالية (المصدر ذاته، ص. 237). وبحسب بول غيلروي، فإن الذاتيات ما بعد الكولونيالية تمتاز بالتهجين وبالتفاوض مع عوالم مختلفة. لذا، ومن أجل إظهار هذه العملية التي تعيشها الجنسانيات المثلية العربية، يجب أن ننتبه إلى تأثراتها وتهجينها، بدلاً من أن نشدّد فقط على مقاومتها للتواطؤ مع السطوة الغربية، كما يفعل مسعد (المصدر ذاته، ص. 237).

لذا، فإن القراءة المتأنية لـ بريد توضح أنه لا يمكن للجنسانيات المثلية (الواردة في هذه القصص) أن تصنَف من خلال ثنائية الحداثة/التقليد، أو الغربيّ/غير الغربيّ. بل نراها تتمرّد، وفي طور عملية تفاوض دائمة.

إن مثال استعمال الـ"عربِش" (أو نظام الترجمة حيث تستعمل الأحرف والأرقام اللاتينية لكتابة كلمات وتعابير عربية) يساعدنا على فهم الطرح الأخيرة أعلاه. تكثُر "العربش" على مواقع التواصل الإجتماعي، لكنها أيضاً لغة استُعمِلت في بريد. وعبّرت الكاتبات عن صعوبة صياغة جنسايتهن من خلال التعابير العربية الفصحى، ففضلن إستعمال الإنكليزية والفرنسية. كما بررن ذلك ببروز هاتين اللغتين على الإنترنت وفي المقالات المكتوبة عن المواضيع المثلية والثنائية الجنسية والجندر والجنسانية والخطاب الكويري الغربي، بالإضافة إلى ندرة الدعم للأحرف ولوحات المفاتيح العربية في التواصل عبر الإنترنت (جرجس،2013، ص. 238). لذلك، يُعتَبر "العربش" كشكلٍ هجين من التواصل. ويسمح هذا الدمج اللغوي لكاتبات بريد بأن يرتحن أكثر في الكتابة (بالإنكليزية، كما "العربش") بما أنهن لا يألفن بسهولة المصطلحات الكويرية المترجمة إلى العربية الفصحى. كما استعملن أيضاً اللكنة اللبنانية (التي لا تُستَعمل عادةً في الكتابة). وترى جرجس أن "العربش" تعكس الواقع المُعاش والرمزي للذاتيات الكويرية المعاصرة، والتي لا تبدو مبالية بالجنسيات المثلية الأصيلة (2013، ص. 239). وهكذا، يصبح واضحاً أنه، على الرغم من تأثرهن بلا شك بالأطر المعرفية والوجودية الغربية، فإن كاتبات بريد يسردن تجارب التمرّد خلال العيش في لبنان، وآليات صراعهن ضد فرض المعايير والمشاكل الإجتماعية والإقتصادية للمنطقة وصدمات الحرب، بالإضافة إلى إرث الإستعمار الفرنسي (المصدر السابق). وينطبق هذا التحليل على مثال كلمة "ليزبيان" ومعانيها التي وردت في الإقتباس الذي استهل به هذا المقال. بالإضافة إلى ذلك، فإن المساهمات في بريد أعلنّ مدى أهمية اكتشافهن للكويريين/ات غير الغربيين/ات في العالم العربي، فشاركوهم/ن النضالات والرغبات. وهذا المثال يعقّد أطروحة مسعد، بما أن دفاعه عن الجنسانيات المثلية الأصيلة لا يبدو وكأنها يتطابق مع التمرّد والهجانة اللغوية في الذاتيات الكويرية العربية كما بدت في بريد.

وهكذا، يأتي استعمال كاتبات بريد "العربش" في التعبير كنأي بالذات عن مفهوم التمرّد كثورة سياسية (كريستيفا، 2002، ص. 81) تسعى إلى الحرية من خلال خطاب المساواة /التماثل، لأنه ينتج العقائدية وتوتاليتارية، ما يمكن ملاحظته في "المثلية العالمية". علاوة على ذلك، فإن المعنى الفلسفي للتمرّد كـ"الفكرة التي تقول بأن الوجود داخلنا" (المصدر السابق، ص. 100) يعني أن استعادة الأحداث والإستغراق في الماضي والذاكرة كشكّ وتساؤلٍ دائمين، هي الوسائل التي من خلالها نصل إلى "حقيقة" عن مثلية عربية هجينة. ويعدو جلياً، مع هذه الصيغة، أن التمرّد والتداخل اللغوي يصبحان خارج أيّ تصوّر إذا حصرنا نقاش المثلية العربية بنطاق الهيمنة الغربية وخطاب نقد الحداثة (العريس، 2013، ص. 143).

 

2- نظرية لوس إريغاراي عن الإختلاف

2.1 التفكير في العار الكويري من خلال نظريات الذاتية

إن محاولة التعمّق في سؤال الإختلاف الجنسيّ يتطلب التوقف عند نظريات لوس إريغاراي المعروفة عن الذاتية. وتهدف فلسفة إريغاراي النسوية إلى إعادة التفكير بالجنسانية في سياق الأسس الإجتماعية والسياسية والمعرفية للإقصاء (غروس، 2005، ص. 178؛ هافر، 2014، ص. 523)، وتدعوه اقتصاد المثل.

إلى ذلك، يسعى مشروع إريغاراي في الإختلاف الجنسي، الذي يؤيد وجود وإمكانية جنسين إثنين، إلى الإعتراف بفشل الماضي في حجز مساحةٍ ووقتٍ لذاتيّة النساء، بما أنهن أقصين من كافة أشكال الممارسات والمعارف. ونظراً لهذا الإقصاء، فإن نظرية الإختلاف الجنسيّ تسعى إلى مستقبلٍ تختلف أطره الوجوديّة والمعرفيّة بحيث تتيح تصوّر الذاتية بتشكيلات مختلفة (غروس، 2005، ص. 173). وتعبّر إريغاراي عن فهمٍ للذات في طور الإصباح، بدلاً من أن تكون موجودة وتسعى إلى تجاوز الذات الموحّدة والذكريَة (unitary and phallic subject) وثنائية الجنسين، كما نعرفها حالياً وكما نعرفها من الماضي ككيانات سرمدية (المصدر ذاته، ص. 174). لذلك، فإن إحدى السمات الهامة في الإختلاف الجنسيّ تكمن في إدعاء إريغاراي بأن الإختلاف ما بين الجنسين لم يحدث من قبل. في هذا السياق، حين نتكلم عن مفهوم المثليات العربية المختلفة، فإنني لا أستقي من أشكال موجودة/أصيلة/واقعية من الذاتيات المثلية في العالم العربي، ولا الذاتيات التي تعاني من رهاب المثلية، كما يفعل مسعد. ما أفعله هو أنني أشير إلى أشكالٍ من الذاتيات تتكوّن من خلال التحوّل في الأطر الوجودية والمعرفية الإمبريالية، والتي أقصت المستَعمَرين من أيّ ذاتيّة جنسيّة.

وحين نربط ذلك بالنقاش حول بريد، نرى أن فهم إريغاراي لهذه التحولات في الأطر الوجودية والمعرفية الغربية موجود في قراءة جرجس لـ بريد التي تميّز الطبقات العاطفية والتأثيرية للقصص، بشكلٍ خاص في ذكريات العار الموجعة. هذه الطبقات تحوي إمكانية افتراض عمليات تحوّل إجتماعية وسياسية لا تستوعبها تحليلات الخطابية الإيديولوجية (مثل أطروحة مسعد)، ولا تكرّر الأطر المعرفية المهيمنة عن الفخر الكويري.

إن معاناة الكاتبات (الجماعية والفردية)، بالإضافة إلى صعوبة تسمية التأثيرات العاطفيّة لعلاقاتهن وأحوالها غير الآمنة، تعكس واقعهنّ المعاش، لكنها أيضاً عملية بناء مجموعة جديدة (جرجس، 2013، ص. 239). هذا المشروع حول الإختلاف، وحول خلق عملية إصباح لعرب كويريين، هو ما نظّرت له كريستيفا وإريغاراي في مشروعهما عن الإختلاف الجنسانيّ.

كذلك، فإن القصص هي استراتجيات تأثير عاطفية للإستيعاب والتفاوض مع التجارب المؤلمة، وتخيٌل الآمان، ومقاومة التهديدات، وتحديد شروط تأسيس الجماعة. لذلك، يجب أن تُعتبر كموارد قيّمة لفهم الأطر المعرفية ما بعد الكولونيالية التي تحتوي بشكلٍ واضحٍ وصريح على كلّ هذه الذاتيات المعقّدة وغير المحدّدة، المشبعة بالمعاني الخافتة (جرجس، 2013/ ص. 239-240).

والجدير بالذكر أنه لا يجب حصر النظرة إلى الفخر الكويري بأنه سردٌ لذاتيّات غربيّة في إطارٍ معرفيّ حدّدته الذاتيّة الغربيّة، إذ ظهر من خلال تاريخٍ محدّد، أيّ تاريخ ما بعد أعمال شغب ستون - وال. ومن المهم أن نفهم أن خطاب الفخر الكويري هذا قد بنى نفسه ليؤدي وظيفة التغلّب على العار (جرجس، 2013، ص. 240-1). في المقابل، إن الذاتيّات الكويريّة العربيّة، ورغم كونها متورطة من دون شكّ بخطاب الفخر الكويريّ الغربيّ، تبقى علاقتها بالعار مختلفة. قصص بريد لا تروي حاجة الكاتبات إلى التغلّب على العار أو أسبابه (العائلة، المجتمع، التقاليد، إلخ.)، بقدر ما سعين للنجاة منه (المصدر السابق، ص. 242). وقد وجدت إيف كوسوفسكي سيدجويك أن العار يحمل إمكانية الإنتاج الثقافي لأن الضعف أو الحساسية البالغة التي تثيرها نظرة الأخرين لا يمكن التبرؤ منها (المصدر ذاته، ص. 242). وتقرأ جرجس هذه القصص وما يحتويه من تعابير العار كموردٍ حقيقيّ ومتخيّل في تكوين الذاتيات العربيّة الكويريّة الهجينة. كما إني أجد في قصص بريد، لمّا أقرأها من خلال منظوري إريغاراي وكريستيفا، نوعاً من "الكتابة المؤنثة"8، إذ تستعمل الجسد الكويري (كما الجسد النسائي) والعار الذي يحمله، وتتخيلهما، لتنتج معرفةً تخرّب على المعرفة الإمبرياليّة عن المثليّة.

وبعد، فإن إستراتجيات "ميم"، على عكس مجموعات الم.م.م.م الغربيّة، لا تبدو مهتمة بالظهور العلنيّ أو بحقوق المثليين، إنما تركّز على خلق مجموعة دعم، والتدوين، والمساهمة في النشاط النسويّ في لبنان (المصدر السابق، ص. 242). إن عضوات "ميم" يعتبرن أنفسهنّ مرئيات بشكلٍ مبهم، ويضعن أنفسهنّ خارج الإطار الغربي للظهور العلنيّ، وخارج ثنائية "الخزانة"/الخروج منها، أو ثانئية المرئيين/غير المرئيين (لين، 16 ديسمبر، 2010).

ومن الهام التشديد على أن هذا المنهج في قراءة العار ليس جوهرياً. إذ لا يوجد فهم موحّد للعار العربيّ لأن موضوع العار دائم التغيّر والرموز الأخلاقية في الثقافات ليست ثابتة (جرجس، 2013، ص. 243). ولكن، مع وجود هذه الصيغة من العار، تجدر الإشارة إلى أن الخوف من العار هو واقعٌ عاطفيّ يعيشه معظم العرب (أو على الأقل كاتبات بريد)، فهنّ يعشن في مجتمعاتٍ معاصرة حيث الروابط العائلية والهويات الطائفيّة/الدينيّة لها وزنها، وترتبط بالنجاة الإقتصادية والعاطفية (جرجس، 2013، ص. 243-4). لذلك، فإن التعلّق بالقيم الثقافية، كالروابط العائلية أو الطائفة/الدين، يجب ألا يُفهَم كنوعٍ من التقاليد بل هو ماديّ وذو تأثيرٍ عاطفيّ.

عند التعمّق في التفكير بالعار الكويري من خلال نظرية إريغاراي، يركّز السعي المنهجي هنا على كيفية التقدّم بأطرٍ نظرية جديدة للتفكير كامرأة ورجل بشكلٍ مختلف (وكعرب كويريين مٌستَعمَرين وكمستَعمِرين غربيين مثليين)، وكيفية افساح المجال لقضايا ومفاهيم كانت مهمّشة (غروس، 2005، ص. 175). وتبعاً لذلك، فإن تخريب النموذج العالميّ والمحايد للجنسانية الإمبريالية هو عملٌ في انتاج معارف مستقبلية غير مهيمنة لها سياقها المحدّد9. وهذه المهمة في اجتذاب الذاتيات الكويرية إلى الوجود - كما في قراءة بريد، يجب أن تحصل من دون التكهّن الجوهريّ عن محتوى هذا الإختلاف. في ما يلي، ستلقى نظرة على مفهوم إريغاراي عن الجنسانية الذكورية والأخلاق الجنسانية. ومن خلاله، سيتم تصوّر كيفية التعامل مع تغيير مسار الرغبة العربية في قصص بريد.

 

2.2 الجنسانية الذكورية هي "المثليّة العالمية"

ترفض إريغاراي نموذج الجنسانيّة الذكوريّة (hommosexuality) كممثّل للجنسانيّة الأحاديّة (أو لمعياريّة المغايرة الجنسيّة) الموجودة في الإقتصاد الجنساني للتماثل. وتحاول إريغاراي إعادة صياغة هذا النموذج (هافر 2011، ص. 524). كما تجادل غروس في قراءتها لإريغاراي بأن:

"فقط حين تأخذ النساء مساحة ووقت لهن يستطعن أن يرسمن خريطة تشكّلهن ورغباتهن وخطابهن، وعندها، يكون هناك تلاقٍ وملامسة بين الجنسين. لكن، إلى أن يحين ذلك الوقت، نحن لا نزال نعيش ضمن جنسانية ذكوريّة ترى النساء فقط كأشياء لا كشركاء" (المصدر السابق، ص. 526).

في هذه الصيغة، تصبح "المثليّة العالمية" هي الجنسانيّة الذكوريّة، ما يدلّ على أهمية إعادة النظر في هذا النموذج الدوليّ والإمبرياليّ للتماثل كي نخلق بطريقةٍ استراتيجية موقفين في الجنسانية، على الأقل: المثلية العربيّة والغربيّة.

 

2.3 قوة العار الكويري بالإقتران مع الأخلاقيّات الجنسانيّة

إن قراءة نقد إريغاراي للذاتية الأحاديّة وتقاليد الجنسانيّة الأحاديّة للتماثل تدفع بنا لتوصيف المنظار الذي استعمله فوكو في التكلّم عن الأخلاق الجنسانية (sexual ethics)، التي تختلف عن المناهج الإشكالية المشبعة بحسّ الفضيلة morality-based approach)).

يرى فوكو أن الذات الجنسانية، تاريخياً، بنيت على أساس حسّ الفضيلة. أما الأخلاقيات فهي انعكاسٌ يتعامل مع سؤال سقراط: "كيف يجب أن يعيش الفرد؟". لذا، هي تعبّر عن "ممارسة حلّ الذات من أجل الحرية" و"أخلاقيات حلّ الذات" (هافر، 2011، ص. 520). بالنسبة إلى هافر، إن مقاربة فوكو للأخلاقيات متجذرة في علاقة الذات بالأخرين، وفي الإستجواب الدائم للذات؛ فـ"الذات الأخلاقية ترتبط تاريخياً بظهور الأخرين وإختفائهم" (2011، ص. 520). لذا، تقترح هافر أن إريغاراي تقدّم أخلاقيات جنسانيّة مرتبطة بفكرة تحوّل الأخلاقيات القائمة على حسّ الفضيلة في الذات الجنسانية من الداخل/من الذات (المصدر السابق، ص. 532). بمعنى أخر، إن الأخلاقيات القائمة على أسس حسّ الفضيلة تعتبر إشكالية، لأنها مترسخة في بناء الذات الجنسانية (الإمبريالية والمتحيّزة للمغايرة الجنسيّة) المعاصرة. فكسر الذات وتفكيكها، سيكسر الفضيلة معها أيضاً، وهما فعلان يمكن أن يعتبرا لاأخلاقيين لأنهما لا يعترفان بالضرر الناتج عن الإقصاء التأسيسي للأخر (المصدر السابق). وهكذا، فإن "الأخر"، وهو هنا العربيّ الكويري، وهو المقصيّ من المشروع الأخلاقي للجنسانية الإستعمارية والشمولية واللاسياقية، لا يستطيع أن يحلّ الذات إلا من داخل هذا الإطار الفكريّ. لذا، فإن محاولة إريغاراي قد تفهم هنا كسعي نحو أنطولوجيا غير جوهرية، ما يتناقض مع الكثير من النظريات الكويرية وما بعد البنيوية (المصدر السابق، ص. 535). لذا، أجادل هنا بإنها محاولة أخلاقية، تأتي في سياقٍ تاريخيّ لمناهضة إستعمار الخطاب الباطنيّ (internalized) والمفاهيم غير المبطنة (non-internalized)، من داخل الإطار الفكريّ الإستعماريّ للجنسانية. ما يتحدّى ثنائية الذاتيات الغربيّة/العربيّة.

عند هذا الحدّ، ومن أجل توضيح كيف تحتلّ الذاتيات الكويريّة العربيّة المعارف من/داخل الإطار الفكري (with/in بالنسبة إلى علم وجود إريغاراي) من خلال إستعمال قوة العار العربي، سوف أجري قراءة تحليلية لقصص بريد.

في إحدى قصص بريد عن العائلة والعار في سنوات المراهقة، وتحت عنوان "الإصباح" (“Becoming”)، تروي الكاتبة قصة مقابلتها لمدرّس الكتاب المقدس وإخبارها إياه بأنها تتصارع مع مثليتها، وما تلى ذلك من إحراجٍ علنيّ لها في مدرستها. تعمّد مدرّسوها إحراجها وتخجيلها في المدرسة بسبب "شذوذها" الجنسيّ، ما حطّم أملها بأن تصبح مبشّرة مسيحيّة. كما سجنتها أمها في غرفتها لإثني عشر يوماً، وفرضت عليها "تطهير" جسمها في مغطسٍ لغسله من الرغبات اللاأخلاقية (جرجس،2013، ص. 244). ولكن، لحسن الحظ، عندما سُمِح لها بأن تعود إلى المدرسة، احتجّ رفاقها على إقصائها، وقدّموا لها الدعم. ثم تكشف أن أحد أسباب تأسيسها لـ"ميم" لاحقاً هو تحديداً بادرة التضامن هذه، التي أتت من رفاقها، والتي شكُلت بالنسبة إليها لحظة إلهامٍ سياسيّ.

في هذه القصّة، يصبح العار مورداً للتفاوض على موقعها في المجتمع، وأداةً تمكّنها من معرفة ضعفها. العار، يجب أن يٌقرأ هنا كمولّد، لأنه يحرّك القوّة الخياليّة التي تتيح بناء محاور في العلاقات وخلق جماعة، إما من خلال إعادة الإستثمار في هذه العلاقات أو من خلال البحث عن قصص جماعية (جرجس، 2013، ص. 244). وهنا، تكون عملية الخلق من الداخل. وكما تقول الكاتبة، إن "الفتاة الصبيانية هذه التي أرادت أن تصبح مبشّرة هي الآن ناشطة للعدالة الإجتماعية... فقد كبرتُ لأصبح تماماً ما كنت أطمح إليه" (ورد في جرجس، 2013، ص. 245). لذا، ما يتمّ التهرّب منه ليس الحسّ بالعار بل نتائج الإحراج والتخجيل العلنيّين، واحتمال الطرد من العائلة، وقمع الجماعة.

كذلك، تتوقف جرجس عند قصة "عندما تحترق"، حيث تشرح الكاتبة أنها لا تريد أن تعلن عن مثليتها أمام عائلتها، لأن أمها قد قاست الكثير من الفقر والخسارة في حياتها. وفي مثالٍ آخر عن أهمية الإنتماء للعائلة، تقول كاتبة "هذه الأرض ليست أرضي":

"بالنسبة إليّ، كوني كويرية لا يعني فقط أنني أحب النساء، لكنه يعني أيضاً أني واعية لأفراد عائلتي وشعورهم... إن عالمي يدور حول راحة أمي وأبي وأخوتي... لقد فعلوا الكثير من أجلي، ولا أستطيع أن أقول لهم ببساطة "يلا، باي"" (جرجس، 2013، ص. 247).

وهكذا، يبدو جلياً أن الإصباح الكويري، بالنسبة إلى كاتبات بريد الكويريات، يحلّ في حالة تفاوض لا من خلال معارضة الروابط العائلية والقيم الثقافية/الإجتماعية عبر التصريح العلنيّ عن المثلية. يحصل هذا الإصباح من خلال الإستجابات التحويلية والتأثيرية للتعويض (المصدر السابق) الموجودة من/خلال أخلاقيات الذات الجنسانية (القائمة على أساس الفضيلة).

وأخيراً، في "أنا وحجابي"، تسرد الكاتبة - التي تصف نفسها بأنها مثلية متصبينة - قصة علاقتها الملتبسة مع الحجاب. تكتب عن تبجيلها للحجاب في مستهل حياتها، ثم كرهها له بعد مشاهدتها الإعلام الغربيّ (جرجس، 2013، ص. 247). وتشرح إنها واجهت صعوبات أكثر بعد إنتقالها الى بيروت، حيث تعرّضت للوصم من قبل الجماعة المثلية في العاصمة بسبب حجابها. وفي النهاية، تقول أنها تريد أن تبقي على حجابها لأنه جزء منها، ولأنه طريقةٌ لحماية نفسها من تشييء المثليات الأخريات لها. ولكن، أيضاً، تقول إنها قررت أن تُبقي حجابها على رأسها لأنها لا تريد أن تفتعل المشاكل مع أفراد عائلتها (المصدر السابق، ص. 248). لذا، لا يُنظر إلى كون المرأة مثليةً محجّبة بمنظار ثنائيّة التقليديّ/المعاصر بل من خلال حالة الما-بين التي تظهر في مشروع الإختلاف الجنساني. وهذا المشروع يطمح إلى فكّ اقتصاد الذات الأحادية للتماثل، وتغيير مسار الرغبة من الداخل.

 

الخاتمة

من خلال إقامة حوار بين مسعد وأصحاب نظريات الإختلاف الجنساني، حاول هذا المقال أن يتأمل في المنظور الأخلاقي والوجودي والمعرفي للذاتيات العربية الكويرية، التي هي دائماً في طور الإصباح. في النهاية، فإن المنهج الذي يعرّف المثليات العربية كشيءٍ ثابت ومتجانس لا ككيان هجين، والذي يفهم التقليد العربي كموقع لمقاومة هيمنة الجنسانية الغربية فحسب، هو "عودة مستحيلة إلى شيء هو دائماً متخيّل ومركّب" (العريس، 2013، ص. 118). ثم أن هذا المنهج يتجاهل الأبعاد المتجسّدة والتأثير العاطفيّ للذاتيات العربيّة الظاهرة في الكتابات القصصيّة، علماً أن الأخيرة هي وحدات من الإنتاج الثقافيّ العربيّ وآليات التغيير السياسيّ (العريس، 2013).

ومن اللافت أن قراءة جرجس لـ بريد تظهر كيف يحرّك التأثير العاطفي للعار العربي، معاني الذاتيات غير الثابتة. فكاتبات بريد يشعرن بالحاجة إلى البحث الدائم، وتخيّل مساحات في الوقا ذاته غير معروفة مسبقاً ومتوقّعة تكهناً. إن تعقيدات هذه الذاتيات تقع في المهمة التأثيرية في مقاومة الإرث الإستعماري، وفي تأثير الأطر المعرفية المثلية المهيمنة، وفي التفاوض مع الواقع القوميّ حول الإحراج والتخجيل الأخلاقيين. ومن أجل توضيح فاعلية مشروع الإختلاف الجنساني في زعزعة الإفتراضات المعاصرة للإمبريالية الجنسانية، ناقشتٌ الأبعاد الأخلاقية والوجودية لهذه النظريات. وفي الوقت ذاته، وضعت النظرية النسوية للإختلاف في حوارٍ مع قراءة جرجس للتأثير العاطفي في قصص بريد. كما ركّزت على القوّة المولّدة للعار الكويري في سعيها لدفع تصوّرات هجينة عن الإصباح الكويري العربي.

وخلال نقاشنا لإريغاراي، رأينا كيف يصبح الإختلاف الجنساني قادراً على تعطيل الفرضية الوجودية للشرخ القائم على ثنائية الغرب/الشرق، التقليد العربيّ/المثليّة العالمية الغربية، من خلال إعادة التفكير بأساليب العلاقة مع الأخر، وأساليب الإصباح من خلال سياسة الوجود. بما أن الأطر الوجودية تعتبر الوجود (being) شيئاً مسلّماً به، فإن إريغاراي تعرضه كعدم قدرة على الهرب من قوة التفريق. لذا، بدلاً من الإفتراض خطاْ بأن الإختلاف الجنساني هو وصفٌ لـ "ما هو"، إذ يُعتبر ذلك منهج يتأسس على افتراض الجوهر للوجودية، وهو المنظور ذاته الذي استعمله مسعد في دفاعه عن الأصالة الثقافية، تقترح إريغاراي إعادة النظر في الإختلاف الجنساني كمشروعٍ أخلاقيّ، حيث الإطار الوجوديّ بحدّ ذاته يمرّ بتحوّل من داخل هذا الشرخ (ثييل، 2014، ص.13). ومع هذه الصياغة لإطار وجوديّ للإصباح، وفي محاولة لتوحيد الذاتيّات الكويرية العربيّة، يتضح أن التشديد على الإختلاف لا يحتوي على وصف لمحتوى الفروقات، لأنه يفترض مسبقاً ماهية هذا الإختلاف. وهو ما أطرحه كإشكالٍ لجهة إصرار مسعد على التشكيلات الخطابية، وإهماله لمواضع التفكير بالذاتيات العربيّة المتجسّدة والمؤثرة عاطفياً. حين يتغير فهمنا الوجودي للإختلاف من "ما هو" إلى "أن نصبح مختلفين"، يظهر بوضوح البعد الأخلاقي:

"إن الإختلاف هو القوّة الكامنة في كلّ شيء، لذا فهو ذو أهمية عند كلّ منعطف وفي كلّ لحظةِ "كيف" و"لماذا" في تعاملنا مع العالم، وتفسيرنا لنتائج الإصباح الإختلافيّ" (المصدر السابق. ص. 14).

في النهاية، فإن ما تسعى إليه إريغاراي هو خلق مساحة للسلالة من دون معانٍ ذكرية (phallocentric). وكما هي الحال في نظرية كريستيفا عن التمرّد، تقدّم إريغاراي رؤية لعملية إعادة تكريس معاني الذاتيات وإعادة صياغة نظام الرموز. وحين نضع بحثها عن أخلاقيات جديدة في حوارٍ مع نقد مسعد للهيمنة الجنسانية، يتحوّل التركيز إلى مواقع جديدة من التجسّد، مثل طبقات التأثير العاطفي في قصص الكتابات التي تولّد إصباحاً كويرياً عربيّاً.

  • 1. أنوي أن أستعمل مصطلحات "كوير" و"مثلي" و"جنسانيات مثلية" بطريقة تبادلية، مع أني على معرفة بالنقاشات النظرية الأكبر التي تجري حول هذه المفاهيم في الدراسات الجندرية والكويرية. لكنني لن أدخل في هذا النقاش بسبب ضيق الوقت والحيز هنا.
  • 2. أستعمل هنا مفهوم "الذاتيات العربية الكويرية" بدلاُ من ""الهويات العربية الكويرية" بسبب التقييد الذي تفرضه السياسة والنماذج التي تعتمد على الهوية. لذا، فإستعمالي للـ"ذاتية" مستوحى من مقاربة التأثير العاطفي وضد الهوية في الدراسات النسوية ما بعد البنيوية التي ترى الذات على أنها غير خطية وغير عالمية ومترحلة وغير ذكورية (برايدوتي، 2006؛ بوار، 2007). إن التحليل التأثيري يتعامل مع الذاتيات الكويرية التي هي غير معروفة وفي طور الإصباح (becoming) والتي ليست مرئية وغير متجاوزة حدود التجربة الإنسانية، وهي مشروطة بالتجميعات (assemblages) المكانية والزمنية بدلاً من الهويات (بوار، 2007). إن النهج ما بعد البنيوي يستقي من أطر فوكو لتشكيل الذات من خلال الخطاب، حسب صيغ القوة/المعرفة. فمثلاً، إن الذات مشكَلة بواسطة الأداء من خلال إعادة تكرار المعايير في عملية فعل وفكّ الفعل (doing/undoing) المتصورة في التحليل النفسي (باتلر، 1997). وتضيف محمود (2005) على نظرية باتلر عن الذاتية من خلال تركيزها على الجانب التأسيسي للمعايير في باطن الذات. وتُفهم الذات أيضاً على أنها "عملية تفاوض بين الشروط المادية والرمزية (السيميائية) التي تؤثر على الذات المتجسدة وفي واقعها المحدد" (برايدوتي، 2002، ص. 75).
  • 3. يؤكد مكارم (ديسمبر 14 2009) وأندرسون (2010) أن إتهامات مسعد لجمعية المثليين والمثليات وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً لا أساس لها من الصحّة. وقد جادل بأن نشاط "حلم" و"ميم" (وهما جمعيتان كويريتان) هو نشاط ضد الإمبريالية وضد الصهيونية، وعرّف بنفسه كناقد للمثلية العالمية وما بعد الكولونيالية، لأنه يسعى للعمل من داخل نظام القوى (الكولونيالية) لمحاربة الإستعمار وإضطهاد المثليين. كما شدّد مكارم على المفارقات والمخاطر المحتملة لتقيّد مسعد بمفهوم "الهوية الجنسية القومية الأصيلة"، لجهة عكسها أفكار الدولة ورجال الدين "الراهبين للمثلية". إلى ذلك، فإن أبو عودة (مارس 25، 2015) انتقدت أطروحة مسعد، وبالأخص فهمه المتناقض لنظرية فرويد لجهة كيفية عمل القوّة من خلال الخطاب (أي كامنة في اللغة) وفي الوقت ذاته بنيوية/ماركسية/واقعية (كامنة في العلاقات الإجتماعية). هذا المفهوم النظري للممارسات المثلية تسبّب بتقييد القدرة على مساءلة تقنيات القوة (فوكو) أو البحث عن التناقضات الإجتماعية (ماركس)، لأن الإختلافات الثقافية العربية هي ما هي. لذا، تشير أبو عودة الى الإستنتاج الإشكالي لصون ممارسة مثلية عربية أصيلة ثقافياً.
  • 4. إن فهمي لمفهوم الإصباح (becoming) مستوحى من قراءة برايدوتي لأعمال دولوز التي سعت لأن تقلب جدلية السلبية (dialectics of negativity). ويناقض فكر دولوز نظريات هيغيل، هاسرل، وهايديغر، فيقوم على أعمال التجريبيين سبينوزا ونيتشه وبيرغسون. الإصباح هو "التأكيد على ايجابية الإختلاف، كحالة متعددة ودائمة من التحول، حيث يجري التخلّي عن النظام الإلغائي والهويات الثابتة لصالح تدفّق إصباحات متعددة" (برايدوتي، 2011، ص. 246). إن مساحات الما-بين هي الأهم في عملية تكشف الإختلاف الإيجابي (برايدوتي، 2002، ص.72). ولا ينفي هذا وجود توتر ما بين نظريات دولوز لإصباح الفرد والنظريات النسوية للإختلاف الجنساني كما هي الحال في أعمال إريغاراي (المصدر السابق، ص. 75).
  • 5. إن فهمي للفلسفة النسوية حول الإختلاف الجنساني مأخوذ من الأطر الأخلاقية والوجودية والمعرفية، بالإضافة الى الأبعاد السياسية لإنتاجات مفكرين مثل برايدوتي (2002، 2006، 2011)، إيتنغر (2006)، غروس (2005)، هافر (2011)، إريغاراي (2000)، كريستيفا (2002)، وثييل (2014).
  • 6. أفهم التأثير هنا من دولوز/سبينوزا اللذين يعرفانه على أنه قدرة الجسد على التأثر والدخول في علاقات، وكجهد (برايدوتي، 2002). ويكسر التأثير الصفة الجوهرية للجسد وللهويات الجنسية. والذاتية (subjectivity) هي كيان جسدي وتأثيري في حالة من القوى المتداخلة والمتغيرات الزمنية والمكانية (برايدوتي، 2011). ومن المهم الإشارة الى أن "التأثيرات تظهر في حالات الما-بين: في القدرة على الفعل وأن نكون المفعول به. إن التأثير هو الإصتدام أو القذف في علاقة آنية أو مستمرة وفي مرور (ومدة مرور) القوى أو الشدة (غريغ وسيغورث، 2010، ص.1).
  • 7. إن مفهوم "الذاتية الضمنية" التي صاغها ديسينا (2008) قد تكون مفيدة في هذا التحليل لنقد الأولوية المعطاة لعملية "الخروح من الخزانة" والتصور الصارم للمرئية في المجال العام. إن الذاتية الضمنية تميِز ما بين التكلم عن وعيش الجنسانية غير المعيارية. لذا، فالذاتيات الضمنية تعيش جنسانية غير معيارية من دون الإفصاح العلني عنها، ومن خلال هذا الفعل، تكسر ثنائية المرئية/غير المرئية، فتعيش في مساحات الما-بين في ما يتعلق بمجاز الخزانة.
  • 8. هيلين سيكسو هي التي صاغت مصطلح "الكتابة المؤنثة" في كتابها "ضحكة المديوسا" (1975). وقد استعملتها بعد ذلك عدة منظرات نسويات فرنسيات كجوليا كريستيفا ولوس إريغاراي وبراكا إيتينغر لتأييد إختلاف نسائي في اللغة وتدمير الكتابة الذكورية من خلال إستعمال الجسد.
  • 9. إن مفهوم المعارف في سياقها والذي طورته دونا هاراواي (1998) هو نقد نسوي لمنهجيات مسيطرة غير متجسدة وبلا سياق. وتجادل هاراواي بأن بلوغ الموضوعية والتأمل الذاتي يتطلب من الباحثة أن تعطي أهمية لوجهات النظر الجزئية للمهمشين. لذا، فأنا أفهم المعارف المثلية العربية كمعارف موجودة في سياقها وقادرة على تحدّي الأطر المعرفيّة المسيطرة واللاسياقية لـ"المثليّة العالمية".
ملحوظات: 
المراجع: 

Abu-Odeh, L. (March 25, 2013). “That Thing that You Do: Comment on Joseph Massad’s “Empire of Sexuality.” Al-Akhbar Newspaper. Retrieved May 2, 2015, from http://english.al-akhbar.com/node/15350

Amer, S. (2010). “Joseph Massad and the Alleged Violence of Human Rights.” GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies, 16(4), 649-653.

Anderson, J. (2010). Crossing Swords LGBTIQ NGOs in Lebanon, Joseph Massad's Critique, and Postcolonialism. (MA Thesis). American University of Beirut.

Butler, J. (1993) Bodies That Matter: On the Discursive Limits of Sex, New York/London: Routledge.

Braidotti, R. (2011). Nomadic Subjects: Embodiment and Sexual Difference in Contemporary Feminist Theory. Columbia University Press.

Braidotti, R. (2006). Transpositions: On Nomadic Ethics. Polity Press.

Braidotti, R. (2002). Metamorphoses: Towards a Materialist Theory of Becoming. Polity Press.

Decena, C. U. (2008). Tacit Subjects. GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies, 14(2-3), 339-359.

El-Ariss, T. (2013). Trials of Arab Modernity: Literary Affects and the New Political. Fordham Univ Press.

Ettinger, B. (2006). “Matrixial Trans-subjectivity.” Theory, Culture & Society 23/2-3, 218- 222.

Georgis, D. (2013). “Thinking Past Pride: Queer Arab Shame in Bareed Mista3jil.” International Journal of Middle East Studies, 45(02), 233-251.

Gregg, M., & Seigworth, G. J. (Eds.). (2010). The Affect Theory Reader. Duke University Press.

Grosz, E. (2005). “The Force of Sexual Difference.” Time Travels. Feminism, Nature, Power, Durham/London: Duke University, 185-195.

Haraway, D. (1988). “Situated Knowledges: The Science Question in Feminism and the Privilege of Partial Perspective.” Feminist studies, 575-599.

Huffer, L. (2011). “Are the Lips a Grave?” GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies, 17(4), 517-542.

Irigaray, L (2000). Democracy Begins Between Two. London: The Athlone Press, 30-40, 121-156.

Kristeva, J. (2002). Revolt, She Said. Semiotexte Foreign Agents Series. New York: Columbia, pp. 67-110.

Lynn (December 16, 2010). “Framing Visibility: Coming Out and the International LGBT Spectrum of Progress.” Sexgenderbody. Retrieved May 2, 2015, from http://sexgenderbody.com/content/framing-visibility-coming-out-and-international-lgbt-spectrum-progress#ixzz3Zl90nv9A

Massad, J. (2008). Desiring Arabs. University of Chicago Press.

Makarem, G. (December 14, 2009). “We Are Not Agents of the West: Ghassan Makarem Replies to Joseph Massad.” Reset-DoC. Retrieved May 2, 2015, from http://www.resetdoc.org/story/00000001542

Puar, J. (2013). “‘I Would Rather be a Cyborg than a Goddess’: Intersectionality, Assemblage, and Affective Politics.” Meritum, revista de Direito da Universidade FUMEC, 8(2).

Puar, J. (2007). Terrorist Assemblages: Homonationalism in Queer Times. Duke University Press.

Said, E. (1978). Orientalism. New York: Vintage.

Taha, S. (April 21, 2013). Joseph Massad: an Occidentalist’s Other Subjects/Victims. Retrieved May 2, 2015, from http://arableftist.blogspot.nl/2013/04/joseph-massad-occidentalists-other_21.html

Thiele, K. (2014). “Pushing Dualisms and Differences: From ‘Equality versus Difference’ to ‘Nonmimetic Sharing and Staying With the Trouble.” Women: A Cultural Review 25/1, 9-26.