ظهور/إختفاء العابرين والعابرات جندريًا: قراءة في البنى والخطابات المعيارية

السيرة: 

أنا نسوية عابرة مهتمة بالشؤون الكويرية النسوية وسياسات الجندر الجذرية. أنا أيضًا كاتبة ومترجمة وخريجة أدب مقارن وأنتروبوبلوجيا، كما أتطلع إلى متابعة الدراسة والتخرج في مجال الدراسات الأكاديمية المرتبطة بالجندر.

اقتباس: 
صوفيا شريف. "ظهور/إختفاء العابرين والعابرات جندريًا: قراءة في البنى والخطابات المعيارية". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 6 عدد 3 (17 ديسمبر 2020): ص. 354-361. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 03 أغسطس 2021). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/262.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (375.85 كيلوبايت)
ترجمة: 

ساندي مومجي، خريجة إعلام عام 2012, محررة ومدققة لغوية في أكثر من موقع عربي، مترجمة لعدة منظمات دولية غير حكومية.

theoc1_copy.jpg

ثيو لوك

عشّاق/عاشقات هائمون/ات

بات العابرون والعابرات جندريًا أكثر ظهورًا في الخطابات الغربية الحالية بشأن الجندر، وفي المساحة العامة وكذلك في الإعلام. كوني شخصًا عابراً جندريًا، أعرف كواليس هذا المجتمع في مصر، ولطالما شعرتُ أننا مبعدين/ات عن الخطابات التي يفترض أنها تتناول قضايا العابرين والعابرات. في الوعي الجمعي المصري، يُنظر للعبور على أنه ظاهرة غريبة حتى الآن مثله مثل ظواهر أخرى لا يريد المجتمع المصري السائد التعامل معها مثل المثلية الجنسية والعمل الجنسي. وبإبعاده للمسائل التي لا يريد التعامل معها، يزعم المجتمع السائد أنه متفوّق أخلاقيًا في حقبة المخاوف المرتبطة بما يسمّى "الهوية الوطنية" وهي كبيرة جدًا نظرًا لتحدّيات ومعوقات سياسية واقتصادية متنوعة. وبالتالي، تعيش المجتمعات المهمّشة والأكثر عرضة وسط هذه البنى الاجتماعية والسياسية الموضوعة ضدها. ولا يهدف طرح هذه المسألة إلى مقارنة سرديات الناس مع بنى لطالما اعتبروها غريبة عنهم، بل إلى تقديم قصص عن هؤلاء وعن صمودهم/ن ونجاتهم/ن وتضامنهم/ن وشفاءهم/ن الجماعي.

لطالما شغلتني مسألة ظهور/اختفاء العابرين والعابرات جندريًا على المستويين الحرفي والنظري في بيئة قمعية لدرجة كبيرة حيث وجود الشخص بحد ذاته يعتبر جرمًا أو مرضًا أو يتمّ تجاهله في أفضل الحالات. ما هي الطرق والأعمال والشبكات التي يشكّلها أو ينشئها العابرون والعابرات للعيش في ظلّ التمييز والتهميش؟ كيف يختبر العابرون والعابرات هذا التوتر الديالكتيكي والاجتماعي بين هويتهم/ن وتلك التي يفرضها المجتمع، الذي يتجاهل حقهم في تقرير مصيرهم؟ وبعد إجراء بحوث حول هذه المسائل، صُدمت بندرة الإنتاج الأكاديمي والإثنوغرافي حول المسائل المتعلقة بالعبور الجندري. فمعظم البحوث المتوفرة بشأن الظهور تتناول بشكلٍ كبير سرديات المثليين والمثليات والثنائيي التوجه الجندري ولا تتناول تجارب العابرين والعابرات. ما زال مجال البحث في قضايا العبور جديدًا وناشئًا، ولكن ما زال تركيزه مصبوب على الغرب ومعظم الموارد المتاحة حول العبور في "الشرق الأوسط" متعلقة بالسياق الإيراني. لذلك آمل أن أساهم في تحرير الدراسات والأرشيفات عن العبور الجندري من الاستعمار وإلغاء مركزيتها.

 

الأسئلة/التساؤل المنهجي

يناقش كتاب "غير مكتمل: أنثروبولوجيا الصيرورة"، جاو بيل وبيتر لوك (2017) ما يسميانه الجهاز الحسّي الإثنوغرافي:

هذه اللحظات والقصص هي آراء منقوصة بشأن مواضيع وعوالم حياة في طور الصيرورة. وعند جمعها، تشكّل الجهاز الحسّي الإثنوغرافي: نقطة تماس عاطفية متعددة الأوجه مع عوالم من عدم المساواة، تقارب الإرهاق وفي الوقت عينه تحمل احتمالات وجود مختلف. (ص. 3)

أعتقد أن هذه المرونة ضرورية عند دراسة تجارب وسرديات العابرين والعابرات، لأن العبور حالة مستمرة من الصيرورة والتغيير والنضوج. وتجربة الصيرورة ليست مرتبطة بتجربة تحديد الهوية الذاتية أو تقبّل الذات فحسب، بل هي أيضًا "الشعور بأن الأرض تحت قدميك تتغيّر"، كما وصفها أحد المشاركين في الدراسة.

كوني من مجتمع العابرين والعابرات في مصر، كان من الصعب عليّ تحديد إطار وحدود ثابتة لهذا المجال. هذا ما جعل من منهجية عملي منهجية عابرة. وشعرتُ أن تفاعلي بصفتي "باحثة" مع "المشاركين/ات" كان أشبه بالتفاعل والنقاش الودّي وغير الرسمي بين أصدقاء أو أشخاص يتشاركون تجارب مشابهة. وتتطلب الدراسة الإثنوغرافية منها، وحتى الدراسة الإثنوغرافية الذاتية الحميمة منها، نوعاً من البعد عن الموضوع بحيث تصبح تجاربنا مألوفة وغير مألوفة في آنٍ واحد. نظمت اجتماعًا مع أربع نساء عابرات، في مختلف مراحل عملية عبورنا في إحدى الحانات في المعادي، القاهرة. كنتُ أنوي أن يكون الاجتماع عبارة عن "ملاحظة مشاركة" حيث أقوم بتدوين الملاحظات بشأن التفاعلات والاهتمامات والصلات والاختلافات بين بعضنا البعض ومع محيطنا. ومن خلال محاولة مراقبة كيفية عيشنا نحن العابرون والعابرات وتفاعلنا في الحياة العامة، أصبحتُ جزءاً من مواد الدراسة تمامًا كباقي المشاركات. ومن ثمّ نظمتُ جلسات فردية مع أربعة عابرين وعابرات من خلفيات مختلفة في ما تصوّرته مقابلات معدّة. برزت كل المعلومات الذاتية الخاصة بهم في حالات مستمرة من التقلّب والحركة والتغيير. وأثناء هذه المقابلات أدركت أن موقعي كشخص مصري عابر جعل من هذه المقابلات ممكنةً ودافئة وصريحة. فمن مشاركين/ات تحولوا إلى مساهمين/ات. وتغيّرت أسماؤهم/ات استنادًا إلى خيارهم/ن وموافقتهم/ن.

 

الظهور/الاختفاء السياسي

فيفيان لم تتجاوز العشرين من العمر؛ تعرّف عن نفسها بأنها امرأة كوير عابرة غير ملتزمة بالثنائية الجندرية. تبدو وينظر إليها اجتماعيًا على أنها امرأة ولكنها تفضّل التعبير عن الرجولة في طريقة لبسها:

في الظهور قوّة وصلابة وعلى مدى السنين، جعلني أفتخر بهويتي. وأعني هنا أنه لا يصعب على المعياريين جندريًا تحديد هويتي في معظم الأحيان، إلا حين أتعامل مع أشخاص يتوجب عليهم/ن التحقق من بطاقة هويتي، وهذا ما قد يؤدي إلى مواقف سيئة ولكن حتى الآن التأثير الأسوأ طال صحتي النفسية. أحب ظهوري حين أكون محاطة بأشخاص كويريين؛ إذ ينظر إليّ كما أنا فعليًا: امرأة عابرة كوير مسترجلة. أشعر أن وجودي معترف به وهذا الشعور شعورٌ رائع.

سألتُ ميّ، وهي امرأة عابرة معيارية في الـ26 من العمر، عن الظهور وما أهميته بالنسبة لها:

اختلفت التجربة بشكلٍ كبير مع مرور الوقت. لطالما تحلّيت بالأنوثة وعبّرت عن نفسي بطريقة أنثوية. كنتُ في مدرسة خاصة وجامعة خاصة ومعظم الوقت كنت أرتدي ثيابًا مناسبة للجنسين. وبعد التخرج، بدأت أبدو وأرتدي ثيابًا بالطريقة التي أريدها أكثر فأكثر وصار الوضع مناسبًا لي.

ومع تزايد شعور فيفيان بالانتماء لمجتمع الميم بسبب تسليمه بأنها مسترجلة، بدأت ماي بإدماج نفسها رويدًا رويدًا ضمن المجتمع السائد عبر الامتثال لدور جندري تقليدي – "امرأة معيارية"، كما تصف نفسها. وبما أن كلتيهما تبدوان كنساء، تشعران بثقة أكبر وثبات أكبر في الحيّز العام. هذا لا يعني أن رغبة العابرين والعابرات في الظهور موجود بالطريقة ذاتها، إن وجدت أصلاً. تستذكر تارا، التي تعتبر نفسها امرأة عابرة تنجذب لأي جنس أو جندر، كيف أثر قرارها بالعبور على حياتها بشكلٍ جذري. قطعت صلاتها بأشخاص كثيرين وبأوساط كثيرة لأنها لم تعد قادرة على تحمّل أن يعرّف عنها جندريًا بشكلٍ خاطئ أو استغابتها بشكلٍ تلقائي، بما في ذلك في الأوساط العائلية. شعرت أنها عالقة في اللا مكان، ولا تعرف ما يحمله المستقبل لها. ولكن عملها يمنحها شعورًا بالاستقرار ما يساعدها في إعالة نفسها.

بحسب بيل ولوك (2017)، "الدراسات الاثنوغرافية تقرّبنا من واقع العالم وحركات الناس المتزامنة نحو وبعيدًا عن البنى المادية ومجالات العلاقات" (ص. 5). استنادًا إلى البيانات الإثنوغرافية التي جمعتها مع المساهمين/ات المتعددين/ات، بات من الواضح أن العبور، الذي ينظر له على أنه "مرحلة" حين لا يصل الشخص إلى حالة الانتقال، قد تجبر العابرين والعابرات على إخفاء هويتهم/ن لتفادي المضايقات والعنف المتوقع. تقول نوران التي تعتبر نفسها امرأة عابرة في مرحلة عبور واكتشاف للذات، إنها كانت تختبئ أكثر في الماضي. عبر اللعب على مظهرها الملتبس، تتفادى المواجهة مع المجتمع عبر اختيار ثيابها والألوان بطريقة معتدلة. ولكن، تعتبر أنه استفادت من التغيير في نمط الثياب السائد والموضة، إذ أصبحا أكثر التباسًا، لا سيما بعد الثورة. وهذا ما ساعدها في المحافظة على جزء من الجانب الأنثوي الذي لا تريد فقدانه. ومن جهة أخرى، قالت تارا، التي تقوم هي الأخرى بمسيرتها الانتقالية، إنها تتصرف بشكلٍ جدّي في الحيز العام، مظهرةً وجهًا رصينًا. تختار ثيابًا واسعة وفضفاضة لإخفاء التغيّرات الجسدية الناتجة عن العلاج بالهورمونات البديلة، وتفضّل ركوب سيارات الأجرة التابعة لشركة "أوبر" عوضًا عن استخدام النقل العام، حيث يُنظر إليها بطريقة غريبة وتشعر بأنه يتمّ التعدّي عليها. بعد الاطلاع على سرديات عابرين وعابرات مختلفة في أماكن ولحظات مختلفة، يصبح من الواضح أن مسألة الظهور/الاختفاء ليست ثابتة ولا تتبع مسارًا مشابهًا/مستقيمًا، بل هي مسألة تتغيّر وتتطوّر وفقًا للتقلبات والانقطاعات في تجارب حياة العابرين والعابرات.

 

تجربة وعيش الجندر

خلال لقائنا في إحدى حانات المعادي في القاهرة، سألنا امرأة عابرة كانت قريبة من مرحلة الانتقال ما إذا كانت تفكّر جديًا بالخروج بصفة امرأة. فرحت بملاحظاتنا ولكنها قالت إن ذلك يسبب لها القلق وذلك بسبب صوتها. تعتقد أن صوتها هو ما نسميه نحن مجتمع العابرين والعابرات بـ "الإشارة" – أي أحد الخصائص الجسدية التي تُظهر امرأة عابرة على أنها امرأة عابرة مثل الذراعين أو الأكتاف أو نمط الصلع عند الذكور أو الصوت. وعلى الرغم من وجود بعضها لدى النساء المعياريات جندريًا (غير العابرات)، تصبح هذه الإشارات مصدراً لعدم الاطمئنان ومحفّزاً لدى النساء العابرات بشكلٍ خاص بسبب الانزعاج والأمن والسلامة الشخصيين. بالنسبة لهذه المساهمة، صوتها هو المحفّز للأمرين. حاولت إيجاد تدريبات على الإنترنت لجعل صوتها أكثر أنوثة ولكن جميع تلك التدريبات متوفرة باللغة الإنكليزية ولم تجد أي موارد مماثلة باللغة العربية. نظرًا لهذه الغيابات والانقطاعات وحالات العنف البنيوية والمؤسسية بطبيعتها، لا يمكن النظر إلى العابرين والعابرات المختبرين/ات للجندر والمتصورين/ات له في الفراغ، بغض النظر عن درجة ظهورهم/ن. فالعبور ليس عملية نفسية داخلية بل هو من نسيج المجتمع ومستمر وتحكمه عوامل اجتماعية وسياسية متعددة (جونسون وهول 2018).

يبدأ لقاؤنا الأوّل مع الانزعاج الجندري في عمرٍ مبكر. ولكن يبقى غير مفهومٍ لسنوات طويلة. فيفيان تستذكر وتفكّر في تجربتها في المدرسة:

لطالما كنت منبوذة في المدرسة. كنت يافعة جدًا وضائعة ولم أكن أفهم أي شيء عن الجندر والجنس. لم أكن أعلم من أنا ولكن لطالما عرفت أنني لست ما يعتقده الجميع. كنت أشعر بالانزعاج معظم الوقت إلى أن أصبتُ بانهيارٍ عصبي وحدد التشخيص بأنني أعاني من اضطراب ثنائي القطب والذهان وتعالجت. وبعد فترة اكتشفت هويتي وشعرت أن الانزعاج لم يكن إلا زيتًا يصبّ على النار حين يتعلق الأمر بمشاكلي النفسية.

لتارا قصة مؤلمة أخرى: في المرحلة المتوسطة في المدرسة، تمّ فضح أنها شخص كوير. وبالتالي، أجبرها المشرفون في المدرسة على خلع ثيابها كجزءٍ من العقاب والإذلال. فصارت منبوذة طيلة تجربتها الدراسية. تصف نوران تجربتها مع الانزعاج بأنه مجهد جدًا ويصعب التعامل معه. بالنسبة لها، كان القوة الدافعة التي تجاوزت أي اعتبار آخر. كانت عاجزة عن التفاعل مع الناس وعن التفكير في العمل أو المستقبل، أو حتى عن اختبار تجارب مع الحبّ، ولم تنتهي هذه الحالة إلّا حين بدأت العلاج بالهورمونات البديلة. وبالتالي، الشعور بالانزعاج الشديد هذا ليس مسارًا نفسيًا فحسب بل هو جزء لا يتجزأ من القدرة على التواصل الاجتماعي ومن الحياة الاجتماعية بالنسبة لأكثرية العابرين والعابرات الذين اختبروه.

 

التأثيرات الاجتماعية والسياسية

تتحدث نوران عن خبرتها المهنية كفنانة مستقلة. اختارت العمل المستقل بسبب الانزعاج. بالنسبة للكثير من العابرين والعابرات في مصر، قد يؤدي الخوف من الناس والتفاعلات الاجتماعية إما للمواجهة ودفع ثمنها وإما العزلة. تتساءل نوران إن كانت ستبحث في يوم من الأيام عن شركة ناشئة أو وظيفة ثابتة، ولكن يرجّح أن تكون هذه الوظيفة مع أشخاص كوير آخرين. قالت ميّ من ناحيتها ممازحةً، "ربما لست الشخص المناسب لهذا النقاش"، قبل أن تقهقه. ميّ ليست بحاجة للعمل للحصول على المال فأهلها متقبّلين لها ويساعدونها في كل الأمور المالية. كما تحصل على دخل مريح من صفحتها على انستاغرام، التي تعتبر نوع من أنواع صفحات المؤثرين عن الموضة والجمال. الطبقة الاجتماعية وتقبّل العائلة والدعم عوامل مؤثرة تغيّر تجربة العبور بشكلٍ جذريّ. تتحدث فيفيان عن تجربتها في الجامعة والعمل:

بالنسبة للجامعة، لم أبدأ تعليمي الأكاديمي حتى اللحظة. واجهتُ مشكلة حين التحقتُ بجامعة القاهرة، كلية الفنون. أردتُ متابعة دراستي في العلوم الإنسانية وتحديدًا أردت متابعة برنامج علم الاجتماع أو علم الإنسان ولكنني لم أحصل على القبول وليس لأنني لم أنجح في المقابلة. لم يجروا معي المقابلة حتى. نظروا إلى هويتي ونظروا إلى شكلي وكيف أنهما غير متطابقان وانتابهم الهلع. اعتبر رئيس قسم علم الاجتماع أن التحاقي بهذا البرنامج مشكلة وقال إنه لا يمكنه تحمّل مسؤولية أي مكروه يطالني. أما بالنسبة للعمل، تجربتي رائعة بصراحة. سنة 2017، حصلت على وظيفتي الحقيقية الأولى إذ تطوعت للعمل كمترجمة في المنظمة الأولى في المنطقة التي يديرها عابرون وعابرات بشكلٍ كامل. عملنا على إنتاج المعرفة من خلال منصة أنشأناها بهدف التوعية بشأن مشاكل العابرين والعابرات باللغة العربية. ما زلت أعمل هناك الآن. وفي سنة 2019، وجدت عملاً في أمر مرتبط بما أردت دراسته: باحثة في مشروع توثيق للتاريخ الشفهي، يقوم بتوثيق حياة وتجارب مجتمع الميم.

على الرغم من أن فيفيان لم تحصل لا على قبول أو دعم عائلتها ولا على الموارد المالية لمتابعة دراستها في جامعة خاصة تقبل بها، تمكّنت من شقّ طريقها من خلال العمل والمشاركة في المنظمات الموجودة والناشئة حديثًا والعاملة في الظلّ من أجل مجتمع الميم في المنطقة. كانت رافعتها ما يسمّيه بورديو رأس المال الثقافي (هوانغ 2019)، وهو إجادة اللغات الأجنبية في هذه الحالة، ومعرفتها بالقضايا الاجتماعية والنقاشات الدولية ورأس المال الاجتماعي الذي يتمثل في الصلات والصداقات مع ناس من مجتمع الميم والنسويات الذين يعمل معظمهم في الظلّ في المنطقة. أما في ما يتعلّق بمسألة الاعتراف القانوني، يمكن للعابرين والعابرات في مصر إما الذهاب عند أطباء/طبيبات خاصين/ات ودفع الأموال، وإما الذهاب إلى أطباء/طبيبات أقلّ مهنيّة وأطباء/طبيبات نفسيين/ات يتابعون حالتهم/ن لمدة لا تقل عن سنتين قبل تزويدهم/ن بتقرير طبي تعترف به الدولة. حدثتنا ميّ عن تجربتها مع الحصول على الاعتراف القانوني:

كانت عملية طويلة جدًا ومتعبة جدًا وفي حالتي كل شيء تطلّب دفع المال. تابعني طبيبان، واحد في الإسكندرية لسنة واحدة وآخر في القاهرة لسنة ونصف السنة. تصرّفا بمهنية ولكن كلّفاني أموالاً طائلة وكانت الجلسات طويلة جدًا ومجهدة جدًا ولكن مفيدة واستحقّت العناء في النهاية.

جاءت تجربة نوران متنوعة أكثر مع المعالجين/ات النفسيين/ات:

قصدت عددًا كبيرًا جدًا من المعالجين/ات النفسيين/ات – الخاصين/ات منهم والعاملين/ات في مستشفى الحسين الحكومي أيضًا. كان الأطباء/الطبيبات في مستشفى الحسين الأسوأ، لم أستطع الاستفادة منهم/ن. إلا أن أحد الأطباء الخاصين حاول تنويمي مغناطيسيًا في نوع من العلاج التحويل ليجعلني أنسى هويتي العابرة. نجحتُ في النهاية في الحصول على تقرير طبي من طبيب خاص واستخدمت التقرير للذهاب إلى طبيب أخصائي في الغدد الصماء. أخطط للذهاب إلى أطباء/طبيبات آخرين من أجل عملية إعادة تحديد الجنس.

يجب إجراء بحوث منفصلة بحد ذاتها للتحدّث عن التفاعلات بين المعالجين/ات النفسيين/ات في مصر والعابرين والعابرات. أنا أكتفي بالتفكير في التحدّيات الاجتماعية والسياسية والبيئة التي يتوجب على العابرين والعابرات التعامل معها للحصول على الاعتراف القانوني والمحافظة على أمنهم/ن.

بصفتي شخص عابر أعتقد أننا نواجه محاولات مستمرة لمحو وجودنا. فالممارسات البوليسية الدائمة والصارمة ضد الجندر على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تجعل إمكانية التظاهر بأننا غير موجودين/ات أسهل، لا سيما في الأماكن التي ندفع بها بشكلٍ فاعل إلى الاختفاء من الوعي الجماعي. في مصر، يمكننا الحصول على الاعتراف القانوني من خلال سلسلة صارمة وطويلة من الإجراءات البيروقراطية وفي الوقت عينه ما زلنا غير موجودين/ات في الوعي الجماعي السياسي والاجتماعي. ما زلنا نعاقَب ونضبَط لناحية كيفية تعاملنا مع الجندر، وليس فقط من قبل مؤسسات الدولة وسلطاتها، بل أيضًا من قبل المجتمع ككل. وبالتالي، يمكن اعتبار سرديات العابرين والعابرات شكلاً من أشكال المقاومة ضد التسليم الأساسي بأننا غير موجودون/ات أو أن وجودنا شكل من أشكال الانحراف. بحثت هذه الدراسة الاثنوغرافية عن سرديات وقصص وخطابات متقلّبة وتتطوّر بشكلٍ دائم لتشكيل جهاز حسّي اثنوغرافي. تجاوزتُ غياب وندرة الدراسات الأكاديمية ذات الصلة عبر تناول تجارب العابرين والعابرات – أي تجاربنا – كمصدر أساسي ومشروع للبيانات.

 

ملحوظات: 
المراجع: 

Brumbaugh-Johnson, S. M., & Hull, K. E. (2019). Coming out as transgender: Navigating the social implications of a transgender identity. Journal of Homosexuality, 66(8), 1148-1177.

Biehl, J., & Locke, P. (2017). Unfinished: The Anthropology of Becoming Durham: Duke University Press.

Huang, X. (2019). Understanding Bourdieu – Cultural Capital and Habitus. Review of European Studies, 11(3), 45-49.