“بنات مصر خطٌّ أحمر”: أثر التحرّش الجنسي في الثقافة القانونيّة في مصر

السيرة: 

مريم كيرولُّس هي نسويّة مصريّة وباحثة في حقوق الانسان، مستقرّة في القاهرة ولديها شهادة الماجستير في قانون حقوق الانسان من جامعة SOAS في لندن. كيرولّس واحدة من مؤسّسات
عمليّة مكافحة التّحرّش الجنسيّ والاعتداء OpAntiSH وهي إحدى كتّاب الإنثولوجيا السويديّة “خرافات الانترنيت.” تغرّد كيرولّس على موقع تويتر عبر @MariamKirollos

‫ ‫الملخص: 

يهدف هذا المقال إلى تحديد أثر ظاهرة التحرّش الجنسي المتفشّية في الثقافة القانونيّة في مصر. إذ في ظلّ تعريفه المبهم في القوانين المصريّة والتّغاضي الواسع عنه من قبل المجتمع والنّظام القضائي، تزايد التحرّش الجنسي على مدى السّنوات الماضية لجهة وتيرة الحدوث وحدّة العنف. ونتيجةً لهذا، ظهرت مبادراتٌ قانونيّةٌ وحركات قاعديّةٌ حاولت تجريم التحرّش الجنسي وإنهاء التساهل الإجتماعي معه. ومع سقوط مبارك، إستمرّت حركات حقوق الإنسان في المطالبة بتفاؤلٍ بقانونٍ ضدّ التحرّش الجنسي، لكن في ظلّ الإضطراب السياسيّ المستمرّ، غدت المعركة عسيرةً أكثر ممّا كان متوقّعًا. بعد ثلاث سنواتٍ من الثورة، جرى أخيرًا تجريم التحرّش الجنسي بينما تستمرّ الجهود لتغيير السلوكيّات العامّة تجاهه. لكن مازال على الدّولة إثبات نيّتها تطبيق القانون أبعد من التصريحات والوعود.

الكلمات المفتاحية: 
Sexual Harassment
نساء
Human Rights
Legal Culture
Egypt
Uprising
اقتباس: 
مريم كيرلس. "“بنات مصر خطٌّ أحمر”: أثر التحرّش الجنسي في الثقافة القانونيّة في مصر". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 2 عدد 1 (2016): ص. 49-70. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 20 يناير 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/the-daughters-of-egypt-are-a-red-line.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon Download Article (PDF) (576.03 كيلوبايت)
ترجمة: 

لين هاشم كاتبة ومؤدّية نسوية تعيش في بيروت. حازت على شهادة الماجستير في علوم الجندر والجنسانية من جامعة لندن، وهي جزءٌ من مجموعاتٍ نسويةٍ عدّة في لبنان والمنطقة. نُشرت كتاباتها وترجماتها في عددٍ من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية من بينها ملحق "شباب السفير" ومجلة "كحل" لأبحاث الجسد والجندر. عملت كمدرّبة ومستشارة وباحثة في عددٍ من المؤسسات من بينها "فريدا: الصندوق النسوي الشاب" والجامعة الأميركية في بيروت. تشارك باستمرارٍ في أمسياتٍ شعريةٍ ومهرجاناتٍ فنيةٍ في لبنان والخارج. في أيار 2018، كتبت عرض "المسافة الأخيرة" وأدّته مع الفنان والراقص ألكسندر بوليكفتش في ختام معرض "رسائل حب إلى ميم" من تنظيم ديمة متى في بيروت، ثم في بلفاست وكتماندو. تعمل حاليًا على نشر مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان "حقد طبقي".

مقدّمة

ما أنا لما ابقى مشية في شارع لوحدي, على يميني ولاد واقفين عند الكشك, وعلى شمالي كلاب, وأنا اقرر أمشي ناحية الكلاب أأمن, تبقى ديه بلد زبالة.

هذه الكلمات المكتوبة في الأصل باللغة العربيّة المصريّة، نشرتها شابّةٌ مصريّةٌ على موقع تويتر في آذار من العام 12013. يمثّل التحرّش الجنسي النوع الأكثر انتشارًا من العنف الجنسي الذي تواجهه النساء في مصر؛ وهو يقيّد حريّة النساء وحركيّتهن، و”يمنعهنّ من الظّهور وحدهنّ في الأماكن العامّة” (Thompson 1994: 322). في أبريل من العام 2013، نشرت هيئة الأمم المتّحدة للمرأة تقرير دراسةٍ أشار إلى أن 99.3% من النساء المستطلَعات تعرّضن للتحرّش الجنسي في مصر، و91.5% منهنّ تعرّضن لاتّصالٍ جسديٍّ غير مرحّبٍ فيه (UN Women 2013). ولا تشكّل هذه الأرقام مفاجأةً نظرًا إلى تمتّع التحرّش الجنسي لوقتٍ طويلٍ بمكانة السّلوك المعياري في المجتمع (Quinney 1965: 134)، وعدم تسميته صراحةً كجريمةٍ في القانون المصري. وتعيش النساء في مصر تحت تهديد التحرّش الجنسي المستمرّ؛ سواء في الشّارع، أو المحالّ التجاريّة، أو وسائل النقل العام، أو أماكن الدّراسة والعمل و/أو التظاهرات (FIDH & others 2013).

إنّ ثورة 25 يناير من العام 2011 التي انطلقت من ميدان التّحرير وأدّت إلى سقوط مبارك، حملت الأمل لحركات حقوق النساء في القضاء على التحرّش الجنسي. وشهدت السنوات اللّاحقة تطوّرًا في القوانين: في يونيو 2014، أصدر الرئيس المؤقّت عدلي منصور مرسومًا بارزًا عدّل بموجبه قانون العقوبات ليعرّف ويجرّم بشكلٍ مباشرٍ التحرّش الجنسي للمرّة الأولى في تاريخ مصر؛ وجاء هذا المرسوم كنتيجةٍ ملموسةٍ لعقدٍ من الجهود الجبّارة التي بذلتها منظّمات المجتمع المدنيّ في مصر (UN Women 2014). بالطّبع، ولّدت خطورة التحرّش الجنسي الذي وصفته مجموعات حقوق الإنسان بالـ”وباء” (Human Rights Watch 2013) حركةً مرنةً نجحت في إنجاز هذا القانون غير المسبوق، لكن هل أثّرت في فهم مكانة القانون في المجتمع؟

في عمله على القانون كظاهرةٍ إجتماعيّةٍ، يطرح ديفيد تشيف سلسلةً من الأسئلة الهامّة: “ما هي صلة تصريحاتٍ مثل “لا بأس بهذا، إنّه قانوني”، أو “هذا غير قانوني”، أو “لا يُعتبر هذا جريمةً حقًّا” بمحاولة فهم الأوضاع الإجتماعيّة وتنظيمها؟ ما مدى أهميّة القانون على هذا المستوى من الواقع الإجتماعي؟” (Schiff 1981: 159). من خلال مفهَمَة التحرّش الجنسي كانتهاكٍ لحقوق الإنسان، يحاول هذا المقال الإجابة على أسئلة تشيف عبر دراسة أثر التحرّش الجنسي في الثقافة القانونيّة في مصر منذ العام 2005، مع تحليلٍ محدّدٍ للأحداث التي تلت ثورة 2011. الثقافة القانونيّة هي مفهومٌ معقّدٌ يكشف دور القانون في المجتمع، أو وفقًا للتعريف الأبسط لديفيد نيلكين، “(هي) تشير إلى الإختلافات في الطريقة التي تُثبَّت فيها ملامحُ القانون في حدّ ذاتها في أطر العمل الأوسع للبنية والثقافة الإجتماعيّتَين” (Nelken 2001: 15). وبهدف جعل الثقافة القانونيّة مفهومًا أكثر مطاوعةً للبحث التجريبي، قسّمت سالي إنغل ميرّي مفهوم الثقافة القانونيّة من المنظور الأنثروبولوجي إلى أربعة أبعادٍ سوف أستخدمها في تقييم الموضوع الرّئيس لهذا المقال. وهذه المجالات الأربعة هي: الوعي القانوني، التعبئة القانونيّة، ممارسات المؤسّسات القانونيّة، والسلوك والمعتقدات العامّة بشأن القانون (Engle Merry 2012). عمليًا، تتداخل الأبعاد الأربعة وتؤثّر في بعضها البعض إلى حدٍّ كبير.

يعرّف القسم الأوّل من المقال التحرّش الجننسي كانتهاكٍ، ويشرح كيفيّة النظر إلى المسألة في السّياقات اللّغويّة والقانونيّة والمجتمعيّة المصريّة. أما القسم الثاني، فيتناول التعبئة من أجل قانونٍ ضدّ التحرّش، لاسيما في ضوء الثورة والعوائق التي ووجهت في خلال ذلك. ويستكشف القسم الثالث تطوّر قوانين التحرّش الجنسي في مصر بعد ثورة 2011، من خلال معاينة التعديلات القانونيّة الأولى تحت الحكم العسكري، والتطوّرات الإضافيّة تحت حكم الإخوان المسلمين، وأخيرًا إقرار أوّل قانونٍ ضدّ التحرّش الجنسيّ في مصر. أما القسم الرّابع والأخير، فيتطرّق إلى تقييم أثر القانون الجديد في ممارسات المؤسّسات القانونيّة والموظّفين الحكوميّين، كما في السّلوك العام من خلال إجراء تحليلٍ للخطاب العام، ودراسة التدابير التي اتّخذتها الدّولة والأطراف غير الحكوميّة لتطبيق القانون.

 

  1. إنتهاكٌ لحقوق الإنسان: تعريف التحرّش الجنسي في القانون وفي المجتمع المصري

أ. ما هو التحرّش الجنسي؟

تعرّف الباحثة النسويّة ديردري ديفيس التحرّش الجنسي بالنساء، وتحديدًا التحرّش في الشّارع، كـ”قاتلٍ للرّوح”. وباستخدام وصف الباحثة النسويّة القانونيّة باتريشيا ويليامز، تشرح ديفيس أنّ التحرّش الجنسي يتألّف من “إعتداءاتٍ صغيرة، ومئات إن لم يكن آلاف الإيذاءات وجراحات الرّوح – بعضها طفيفٌ وبعضها الآخر بالغٌ – والتي يتمثّل أثرها التراكميّ في الموت البطيء للنّفس، وللرّوح وللشخصيّة” (1994: 151).

التحرّش الجنسي هو مفهومٌ حديثٌ نسبيًا في القانون الدّولي، وقد حظيّ باهتمامٍ قليلٍ مقارنةً بغيره من أشكال العنف الجنسي (Chinkin 2003: 655). وقد صادقت مصر على “إتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”2 (سيداو) في العام 1981، وهي اتّفاقيّةٌ تُهمل إلى حدٍّ ما التحرّش الجنسي خارج سياق مكان الدّراسة أو العمل. حاليًا، تسجّل مصر تحفّظاتٍ على المادّة 2 (التي تفصّل التدابير على مستوى السياسات)، والمادّة 16 (قانون الأسرة)، والمادّة 29 (التحكيم في حالات النزاع) من المعاهدة3. وفي السّياق الإقليمي، تظلّ مصر واحدةً من بين الدّول الثّلاث في الإتّحاد الإفريقي التي لم توقّع أو تصادق على “بروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب بشأن حقوق المرأة في إفريقيا” المعروف بـ”بروتوكول مابوتو”.4 وتشدّد الباحثة القانونيّة كريستين تشينكين على الحاجة إلى تطوير فهم التحرّش الجنسي نظرًا لكونه انتهاكًا لمروحةٍ من حقوق الإنسان كالتحرّر من المعاملة التحقيريّة، وحريّة التعبير وحريّة الإرتباط (2003: 655). “تؤكّد هذه الرّوابط أن التحرّش الجنسي يُرتكب في كثيرٍ من الأماكن، وليس فقط في مكان العمل، وأنّ على الضّوابط القانونيّة الدّولية أن تكون واسعةً بما يكفي لمعالجة هذه الحقيقة”، تضيف تشينكين (2003: 656).

في ضوء هذا، تؤدّي أدوات حقوق الإنسان العالميّة هذه دورًا حيويًا في تسليط الضّوء على الإلتزام الجدّي بالإعتراف بالتحرّش الجنسي كشكلٍ من أشكال العنف ضدّ النساء. وإلى أن يتوفّر تعريفٌ متماسكٌ وشاملٌ، سوف يعتمد هذا المقال التعريفَ المُقدّم من “خريطة التحرّش” (HarassMap)، وهي منظّمةٌ أدّت دورًا قياديًا في محاربة التحرّش الجنسي في مصر. وينصّ تعريفها للتحرّش الجنسي على أنّه:

أيّ شكلٍ من الكلمات و/أو الأفعال ذات الطّبيعة الجنسيّة غير المرحّب فيها، والتي تنتهك جسد وخصوصيّة ومشاعر الشّخص، وتجعله/ا غير مرتاح/ةٍ، أو مهدّد/ةٍ، أو غير آمن/ةٍ، أو خائف/ةٍ، أو غير محترم/ةٍ، أو مذعور/ةٍ، أو مُهان/ةٍ، أو مُرهَب/ةٍ، أو مُساءٍ إليه/ا، أو مُستاء/ةٍ، أو مشيّئٍ/ مشيّئةٍ.5

ب. السّيرورة الإجتماعيّة لتسمية الجريمة: تحذيرٌ واضحٌ من الحصانة

التحرّش الجنسي هو مصطلحٌ حديثٌ نسبيًّا في المعجم المصريّ اليوميّ. حتى الآن، يُشار بشكلٍ طاغٍ إلى التحرّش الجنسي كـمعاكسة، وهو مصطلحٌ يُترجم عادةً في العامّيّة المصريّة كـ”مغازلة” (Abdelmonem 2015: 23)، أو “ملاعبة” أو حتّى “مجاملة”.6 ولحظت نهاد أبو القمصان، مديرة المركز المصري لحقوق النساء، أن عندما بدأ المركز عمله على التحرّش الجنسي في العام 2004، كان التحرّش في غالب الأحيان يُساوى مع الإغتصاب (Abdelmonem 2015: 33): “هناك درجةٌ من تقبّلالمعاكسة نظرًا لارتباطها بشكلٍ واسعٍ بالملاعبة والمغازلة والتودّد، لذا لا يمكن لأحدٍ أبدًا أن يرى المعاكسة كجريمةٍ” (المرجع السّابق).

وتكشف هذه الكمدة المفهوميّة والمعجميّة لمعنى المصطلح المستويات المتعدّدة من النكران الذي يسمح للسلوك الإنتهاكي بأن يغدو سلوكًا معياريًا منتشرًا بشدّةٍ، وتحديدًا في ظلّ غياب القانون الذي يعرّفه بصراحة. وتنعكس هذه الكمدة في العمليّات القانونيّة، كما تشرح ماكّينون في عملها على التحرّش الجنسي، “ليس مفاجئًا ألا تحتجّ النساء على تجربةٍ تفتقد لأيّ إسمٍ (…) وتفتقر لمصطلحٍ يعبّر عنها، التحرّش الجنسي كان حرفيًا غير محكيٍّ، ما جعل أيّ تعريفٍ إجتماعيٍّ معمّمٍ ومُتشاركٍ غير متاحٍ” (1979: 27).

مازال تقديم شكوى التعرّض لتحرّش جنسيٍ يمثّل معركةً في مصر (الشرح في القسم الثاني)، لاسيما نتيجة الطرق المنحرفة وغير المُرضِية التي عولِجت فيها المسألة قبل إقرار القانون الجديد. في الواقع، بحسب الدراسة التي أجرتها هيئة الأمم المتّحدة للمرأة في العام 2013 في مصر، صرّحت 23.2 % من النساء المستطلَعات أنهنّ لا يلجأن إلى الشرطة لأنّ القانون لا يجرّم التحرّش الجنسي، كما أشارت 20% تقريبًا من اللواتي تقدّمن بشكوى إلى أنهنّ تعرّضن “للتقريع والسخرية”، وفي بعض الأحيان إلى التحرّش من قبل عناصر الشرطة.7 قبل المرسوم الرئاسي الذي صدر في العام 2014 وعرّف التحرّش الجنسي في قانون العقوبات المصريّ، كانت تُطبّق في حالات التحرّش الجنسي المادّتان 278 التي تجرّم “الفعل الفاضح”، و268 التي تعاقب على “هتك العرض”.8 وتتغاضى هاتان المادّتان عن أفعال التحرّش الخفيّة والخفيفة كالتحرّش اللّفظي. وكما تشير ماكّينون، يوجد هذا التهميش “بشكلٍ واسعٍ لأنّ الإباحيّة غير الجسديّة التي يرتكبها الذّكور لا تُلحَظ في المصطلحات القانونيّة، ولأنّ الأفعال الأكثر عنفًا هي التي تتصدّر الأخبار” (Peoples 2008: 15).

التحرّش الجنسي في مصر هو جزءٌ من مشكلةٍ أكبر هي تقبّل العنف الإجتماعي وتفاقمه نتيجة غياب القوانين والوضع الأمني السّائب. وبحسب الباحثة المصريّة ماريز تواضروس، تتنوّع دوافع المتحرّشين لتشمل “الرغبات الفرديّة بتعزيز السيطرة على النساء في الشّارع، أو “إمتاع” و”تسلية” أنفسهم، وكذلك الحسّ الملموس بالحرمان الجنسيّ نتيجة العوامل الإقتصاديّة التي تجعل الزّواج باهظ التكلفة وغير ممكن” (المرجع السّابق). لكن ليست كلّ حوادث التحرّش الجنسي ناجمةً عن هذه الدّوافع. ويشير تاريخ مصر الحديث أنّه غالبًا ما تكون الحكومة الموكلة حماية حقوق الإنسان هي المنتهِكة لها، سواء من خلال ارتكاب الجرائم بشكلٍ مباشرٍ أو ببساطةٍ التغاضي عنها (FIDH & others). حظي التحرّش الجنسي بالإهتمام العام لأوّل مرّةٍ في مصر يوم 25 مايو من العام 2005 الذي سمّاه الناشطون/ات منذ ذلك الحين بـ”الأربعاء الأسود” (Ahram Online 2013). يومذاك، نظّمت حركات المعارضة تظاهراتٍ في مصر إحتجاجًا على التعديلات الدّستوريّة التي أجراها مبارك ومهّدت الطريق أمام تعزيز الحكم الإستبدادي (EIPR 2013). وفي خلال التظاهرة، تعرّضت مجموعةٌ من النساء والصحافيّات إلى التحرّش والإعتداء الجنسي على يد ضبّاط أمنٍ بالزيّ المدنيّ وعددٍ من البلطجيّة الذين استخدمهم الحزب الوطني الدّيموقراطي، وهو الحزب الحاكم في مصر سابقًا.9 يومها، ذكرت التقارير الإخباريّة أن عناصر الشرطة كانوا يقفون في المكان ويعطون الأوامر بالإعتداء على المتظاهرات (BBC News 2005).

في العام 2006، وبعد استنفاد جميع الوسائل المحليّة، قُدّمت قضيّة “الأربعاء الأسود” وقُبلَت أمام “اللّجنة الإفريقيّة لحقوق الإنسان والشّعوب” من أجل محاسبة مصر لانتهاكها الميثاق الإفريقي الذي صادقت عليه في العام 1984.10 ومُثّلت النساء الأربع المتقدّمات بالشّكوى من قبل “المبادرة المصريّة للحقوق الشّخصية” ومجموعة “إنتررايتس” العالميّة لحقوق الإنسان. وفي العام 2013، بعد ثماني سنواتٍ على الحادثة، وجدت اللّجنة في حكمها أنّ مصر انتهكت، من بين أمورٍ أخرى، حقوق المشتكِيات بالمساواة وعدم التمييز، وحقوقهنّ في الكرامة والحماية من المعاملة التحقيريّة وغير الإنسانيّة، وكذلك حقوقهنّ في التعبير ونشر الآراء تحت سقف القانون. وطالبت اللّجنة بالتعويض الماليّ للمشتكِيات، كما حثّت مصر على التحقيق في الحادثة ومُحاكمة المُعتدين والمصادقة على “بروتوكول مابوتو”. وعلى الرغم من أنّ القضيّة ماتزال مهملةً من قبل الحكومة المصريّة، فقد نُظر إلى الحكم كخطوةٍ ظافرةٍ نحو المساءَلة، وقد أُعلن عنه في وقتٍ مازالت تواجه فيه النساء الإعتداءات الجنسيّة من قبل الأطراف الحكوميّة وغير الحكوميّة إزاء مشاركتهنّ في الحياة العامّة والخاصّة.

 

  1. سعيًا وراء التغيير الإجتماعي – القانوني: الوعي الإجتماعي، والتعبئة والثّورة المصريّة

أ. كسر حاجز الصّمت: الإدانة الأولى للتحرّش الجنسي في مصر

الوعي القانوني هو مصطلحٌ طُوِّرَ بغرض فهم الطريقة التي يصوغ فيها الأفراد تجاربهم/ن في المجالات القانونيّة، أو بمعنًى آخر، “الطريقة التي يختبر فيها الأفراد ويفهمون القانون وصلته بحيواتهم/ن” (Merry 2012: 36). إذًا، يختلف الوعي القانوني للفرد بحسب تجربته/ا مع النظام القانوني والدّعم الذي تلقّاه/تلقّته في مطالباته/ا. وفي ظلّ ثقافةٍ تتسامح مع التحرّش الجنسي ونظامٍ قضائيّ يهمّشه، فإنّ معركة النساء القانونيّة مع التحرّش الجنسي في مصر تُقابَل في غالب الأحيان باللّامبالاة، إن لم يكن بمزيدٍ من العنف. ويتطلّب الوعي بالإستحقاق القانونيّ دعمًا إيجابيًا من قبل النّظامَين الإجتماعي والقانوني. في مصر، تسود ثقافة لوم الضحيّة حتّى في داخل مراكز الشرطة، وتعمل كحاجزٍ رئيسٍ يمنع إحقاق العدالة. لكن هذا العائق لم يمنع نهى الأستاذ التي كانت تبلغ من العمر 27 عامًا آنذاك، من المطالبة بحقوقها.

في يومٍ من أيّام القاهرة المختنقة بزحمة السّير في يونيو 2008، مدّ سائق باصٍ يده من الشباك وأمسك بجسد الأستاذ ضاحكًا (Otterman 2008). لكن بمساعدة صديقةٍ لها وعددٍ من المتفرّجين/ات، جرّت نهى السّائق شريف جبريل البالغ من العمر 30 عامًا وقتذاك إلى أقرب مركز شرطةٍ حيث رفضت الشرطة في البداية فتح تحقيقٍ في الحادث (BBC News 2008). “شعرت أنّني لن أسمح لذلك بأن يحدث مجدّدًا… المشكلة هي أنّ النساء لا يستخدمن القوانين الموجودة لدينا (…) إذا لم نصرّ على تحصيل حقوقنا وعلى قول لا، أو على الأقلّ طلب المساعدة أو أخذه إلى مركز الشرطة، فلن يتغيّر شيءٌ”، قالت الأستاذ لصحيفة نيويورك تايمز (Otterman 2008: 44).

حُوّلت قضيّة الأستاذ رقم 11551/2008 إلى المحكمة، وانتهت في نوفمبر من العام 2008 بالحكم على المتحرّش بالسجن لمدّة ثلاث سنواتٍ مع الأشغال الشاقّة وفقًا للمادّة 268 (الإعتداء) لإمساكه بثدي الأستاذ، كما حُكم عليه بدفع مبلغ 5,001 جنيهًا مصريًا كتعويضٍ للمدّعية (المرجع السابق)11. وبحسب الناشطين/ات ومجموعات حقوق النساء، مثّل هذا الحكم المرجعيّ أوّل إدانةٍ في قضيّة تحرّشٍ جنسيٍ في تاريخ مصر المدوّن (Otterman 2008: 44). إنّ الوعي القانوني الإستثنائيّ لنهى الأستاذ بحقوقها القانونيّة قد كسر حاجز الصّمت الذي يحيط بالحقيقة المقيتة للتحرّش الجنسي في مصر. أكثر من ذلك، مهّدت الأستاذ الطريق أمام غيرها من النساء للتعلّم والإصرار على استخدام حقوقهنّ طلبًا للمعالجة القانونيّة والإنصاف.

 

ب. نحو قانونٍ ضدّ التحرّش الجنسي

تشيع في مقاربة فهم التعبئة القانونيّة دراسةُ نزوع المجموعات والأفراد إلى تعريف مشاكلهم/ن كمشاكل قانونيّة والمطالبة باتّخاذ الإجراءات القانونيّة (Merry 2012: 64). وفي إثر قضيّة الأستاذ في العام 2008، قُدّمَت مبادرةٌ قانونيّةٌ مشتركةٌ غير مسبوقةٍ عندما أطلقت 16 حركة ومنظّمة غير حكوميّةٍ مصريّة “قوّة عمل مناهضة العنف الجنسي” (المُشار إليها أدناه بـ”قوّة العمل”)، التي هدفت إلى تأمين الدّعم النفسي والقانوني للناجيات/ين من العنف الجنسي بكافّة أشكاله (EIPR 2010). وانضمّت إلى قوّة العمل مجموعاتٌ أخرى في العام 2010 فباتت تضمّ 23 منظّمةً غير حكوميّة، ثمّ أصدرت مشروع قانونٍ شاملٍ بهدف تحدّي الأحكام السّائدة المحدودة والخاطئة عن العنف الجنسي والمذكورة في القسم الأوّل، من خلال طرح “تعريفٍ دقيقٍ للجرائم الثلاث الرّئيسة: الإغتصاب، والإعتداء الجنسي والتحرّش الجنسي” (EIPR 2011).

وتبنّى مشروع القانون “مقاربةً متكاملةً مرتكزةً على الحقوق للحماية من كافّة أشكال العنف الجنسي من دون تمييز (…)]و[ اقترح تعريفًا دقيقًا للجرائم الثلاث الرّئيسة: الإغتصاب، والإعتداء الجنسي والتحرّش الجنسي” (EIPR 2011).  وشكّل هذا المشروع أداةً لتحدّي الأحكام الخاطئة وقصيرة النّظر عن العنف الجنسي. أما بالنسبة إلى التحرّش الجنسي، فقد عرّفت المادّة 269 مكرّر من مشروع القانون هذه الجريمة على أنّها فعل الملاحقة، أو استخدام الإساءة اللّفظية المباشرة أو غير المباشرة أو القيام بمحاولاتٍ جنسيّةٍ “تنتهك الحياء” من خلال شتّى الوسائل، بما فيها الإتصالات الهاتفيّة والرّسائل النصيّة والهاتفيّة المشينة (EIPR 2010). وفي يوم 16 يناير من العام 2011، ومن دون استشارة منظّمات المجتمع المدني، صادقت الحكومة المصريّة (الجسم التنفيذي الرّئيس) على تعديلاتٍ إضافيّةٍ لقانون العقوبات انتقدتها قوّة العمل بشدّة. ومن بين الطروحات الرّديئة كانت الإشارة إلى “التحرّش الجنسي” بـ”الترهيب”.12 لكن لم يمضِ وقتٌ طويلٌ قبل أن تواجَه الحكومة بمقاومةٍ مدنيّةٍ لاعنفيّةٍ على شكل احتجاجاتٍ واعتصاماتٍ واسعةٍ عمّت البلاد؛ وكانت الثّورة.

 

ت. اللّحظات الثوريّة والآمال الخائبة

“الشعب يريد إسقاط النظام!” كان الشّعار الذي هزّ ميدان التحرير في القاهرة في خلال أيام الثّورة الثمانية عشر من الثورة المصرية التي أنهت ثلاثة عقودٍ من حكم حسني مبارك، وأجبرته على الإستقالة يوم 11 فبراير من العام 2011 (The Guardian 2011).13 بعد ذلك، تسلّم المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة الحكم في مصر، واستمرّ في تقليد قمع أيّ معارضة. وأدّت لغة حقوق الإنسان المستخدَمة في الثورة المصريّة دورًا كبيرًا في تعبئة وتمكين النساء لمحاربة التحرّش الجنسي، أو وفقًا لتصوّر أوبندرا باكسي، منحت هذه اللّغة “صوتًا للمعاناة الإنسانيّة (…) لاستجواب بربريّة السّلطة” (Baxi 1998: 127). بعد أيّامٍ معدودةٍ من سقوط مبارك، تعرّضت الشابّة نوّارة بلال البالغة من العمر 24 عامًا آنذاك للتحرّش اللّفظي من قبل ضابطٍ في الجيش في أثناء قيادتها السيّارة”. “ترجّلتُ من سيّارتي، وفتحت باب سيّارته ثم صفعته على وجهه (…) كانت لديّ القوّة لأفعل ما رغبت بفعله لكلّ متحرّشٍ في الماضي (…) لم أكن لأتمكّن من فعل ذلك أبدًا قبل الثّورة”، قالت بلال لقناة سي.إن.إن CNN (Davies 2011: 6). لكن لم يمضِ وقتٌ طويلٌ قبل أن تعكّر الرّيبة صفو هذا الأمل. رحل مبارك، لكن التحرّش الجنسي والأنظمة الأبوية المتجسّدة في سلسلة الحكومات التي تلت حكمه ظلّت خصمًا مرنًا.

يوم 8 مارس من العام 2011، كان مقرّرًا أن تنظّم مسيرةٌ نسائيّةٌ مليونيّةٌ في ميدان التحرير بالتزامن مع يوم المرأة العالمي. يومها، هاجمت مجموعةٌ من الرجال المسيرة مردّدين شعار “الشّعب يريد إسقاط الستّات” (Davies 2011)، في صياغةٍ مختلفةٍ لشعار الثّورة المصريّة الأوّل. ولم يقتصر الأمر على الشعارات المناهضة للنسوية، إذ تعرّضت النساء للتحرّش كما تعرّض الرجال المرافقون لهنّ للضّرب.

في كتاباتها عن التحرّش الجنسي في القانون الدّولي لحقوق الإنسان، تقول كريستين تشينكين أنّ هناك “صلةٌ موثّقةٌ بين العَسكَرة وحضور القوّات العسكريّة في منطقةٍ ما من جهةٍ، والتحرّش الجنسي من جهةٍ أخرى” (Chinkin 2003: 657). يوم 9 مارس من العام 2011، أخلى ضبّاط الشرطة ميدان التحرير من المتظاهرين/ات باستخدام العنف واعتقلوا 17 إمرأة على الأقلّ، أُرغِمَت سبع نساءٍ من بينهنّ على الخضوع لما يُسمّى بـ”فحوص العذريّة” (EIPR 2013). وقتذاك، جادل أعضاء المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة أن هذه الفحوص هدفت إلى حماية عناصر الجيش من تهم الإغتصاب (المرجع السّابق). وبحسب كلمات شيرين حافظ، “أجساد النساء، ما إن احتشدت (وحشدت) للنزول إلى الشّوارع ودعم الثّورة، صارت بعد سقوط نظام مبارك، مصدرًا للخلاف والجدال. فحوص العذريّة، والإعتداءات الجنسيّة والفتاوى الدّينية التي أجازت إغتصاب الناشطات غير المحجّبات، مثّلت جميعها تدابير عنيفةً إستهدفت الجسد الأنثوي من أجل صياغة تهميش النساء عن السياسة وتقويض الحياة الديّموقراطيّة في البلاد” (Hafez 2014: 173).

وعلى الرغم من أن “فحوص العذريّة” المروّعة حظيت باهتمامٍ إعلاميٍ كبيرٍ، إلا أنّ اعتداءات الجيش على النساء لم تقف عند هذا الحدّ. في هجومٍ وحشيٍ آخر على التظاهرات في وسط البلد في القاهرة، أظهر أحد الفيديوهات الشّهيرة المصوّر في ديسمبر 2011 ضبّاط الشرطة وهم يجرجِرون بعنفٍ شابّةً مرتديةً العباءة السّوداء ومستلقيةً أرضًا. إستمرّ ضبّاط الشرطة في ركلها وضربها بوحشيّةٍ، ثم جرّدوها من عباءتها فظهر الجزء الأعلى من جسدها وبانت حمّالة صدرها الزرقاء – في صورةٍ سوف تطارد وتصِم إلى الأبد تاريخ مصر تحت حكم المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة. “بنات مصر خطّ أحمر!”، شعارٌ ردّده جمعٌ من آلاف النساء الغاضبات اللواتي مشَين في مسيرةٍ إلى وسط البلد في القاهرة، حاملاتٍ لافتاتٍ مناهضةٍ للعسكر وملوّحاتٍ بصورةٍ لـ”فتاة الصّدريّة الزرقاء” (BBC News 2011).14 وقتذاك، ردّ أحد المسؤولين العسكريّين أن الجيش سيفتح تحقيقًا في الحادثة، لكن حتّى هذه اللّحظة، لم تجري مساءلة أحد. “من ينتهك شرف بناتنا لا نأتمنه على بلادنا”، قالت إحدى اللافتات المحمولة في التظاهرة (المرجع السابق). ويمكن لهذا الردّ الإجتماعيّ أن يوضح الأثر في تعبئة النساء وفي وعيهنّ القانوني، بحيث يُعاد تعريف تجارب العنف ضدّ النساء بصفتها انتهاكات (المرجع السابق).

 

ث. “حلقات الجحيم”: التحرّش الجنسي، والإعتداءات والإغتصاب الجماعيّ في التظاهرات

في وسط التظاهرات التي حصلت في ميدان التحرير بعد العام 2011، بدأت تظهر تقاريرٌ عن اعتداءاتٍ وتحرّشاتٍ جنسيةٍ جماعيّةٍ عنيفةٍ ضدّ المتظاهرات من النساء. وبسبب الوصمة الإجتماعيّة المرتبطة بالعنف الجنسي، قلّما تختار الناجيات/ون في مصر التحدّث عن تجاربهنّ/م علنًا. وفي حالةٍ نادرةٍ في فبراير 2013، ظهرت ياسمين البرماوي البالغة من العمر آنذاك 30 عامًا في برنامجٍ تلفزيونيٍ مصريٍ شهيرٍ لتشارك قصّتها المروّعة كناجيةٍ من حادثة اغتصابٍ جماعيٍ في ميدان التحرير.15 في إحدى التظاهرات ضدّ التعديلات الدّستورية التي أدخلها الرّئيس السّابق محمد مرسي في نوفمبر 2012، طوّق البرماوي عشرات الرّجال ناهز عددهم المئة، ثم قاموا بتجريدها من ملابسها والإعتداء عليها طيلة 90 دقيقة في محيط الميدان (المرجع السّابق). يومذاك، عَرضَت البرماوي علنًا على شاشة التلفزيون ما تبقّى من بنطالها الممزّق بالشّفرات، مستذكرةً أنّها وُضِعَت يوم الحادثة على مقدّمة سيّارةٍ جابت المنطقة، بينما أخذ المعتدون يصرخون قائلين أنّها تحمل حزامًا ناسفًا لإبعاد أيّ مساعدةٍ محتملة.16 بعد ذلك، أخذ الناشطون/ات يشيرون إلى هذا النمط المنظّم من الإعتداءات بـ”حلقات الجحيم” (FIDH & others 2015: 11). في مارس 2013، وبدعمٍ من المجتمع المدني المصريّ، إنضمّت إلى البرماوي ستّ ناجياتٍ من التحرير لتقديم شكوًى قانونيّةً مشتركةً17، لكن حتّى اليوم، لم تُوجّه أيّ تهمٍ في هذه الحوادث ومازال التحقيق فيها جاريًا.

على الرغم من قلّة المعلومات الدّقيقة التي تثبت الإرتباط بين الثورة وتصاعد العنف الجنسي في مصر، تجادل الناشطات المصريّات في مجال حقوق المرأة أنّ الإنتشار العام للعنف وتكرار الصّدامات ترك أثرًا غير قابلٍ للشكّ: “لا يمكننا فصل تزايد العنف ضدّ النساء في المجال العام، عن حقيقة أنّ عددًا أكبر من النساء ينشطن اليوم بشكلٍ أكبر وفي أماكن عامّةٍ أكثر ممّا مضى” (Zaki & Abd Alhamid 2014). وأنتج هذا النوع من العنف عددًا من حركات التدخّل القاعديّة كانت من بينها مجموعة “قوّة ضدّ التحرّش والإعتداء” OpAntiSH (المُشار إليها أدناه بـ”قوّة ضدّ التحرّش”) المؤلّفة من المتطوّعات/ين.18 وكانت المهمّة الرّئيسة لـ”قوّة ضد التحرّش” “إنقاذ الضحايا المتعرّضات لهذه الحوادث والتخفيف من وطأة التجربة عليهنّ من خلال مراقبة الميدان والتدخّل (الجسدي) في حال تشكّل اعتداءاتٍ جماعيّةٍ”، أي بمعنًى آخر، القيام بمسؤوليّات الدّولة.

يوم 25 يناير من العام 2013، وفي خلال الإحتفالات التي أحيت الذّكرى الثانية لبداية الثورة المصريّة، وثّقت المجموعة 19 حالة من الإعتداءات الجنسيّة الجماعيّة ضدّ النساء والفتيات في ميدان التحرير، كانت من بينها حالات نساءٍ تعرّضن للإغتصاب باستخدام الأدوات الحادّة.19 لكن ردّ الفعل الرّسمية كانت مروّعة. “على الفتاة (…) أن تحمي نفسها قبل طلب الحماية من الشّرطة … (هي) المسؤولة 100% عن تعرّضها للإغتصاب لأنّها وضعت نفسها في ذلك الموقف”، قال اللّواء عادل عفيفي، عضو لجنة حقوق الإنسان في مجلس الشّورى آنذاك. في الفترة الواقعة بين 29 يونيو و7 يوليو من العام 2013، وفي خلال وبعد التظاهرات التي طالبت بإسقاط الرّئيس السابق مرسي، وثّقت كلٌّ من “قوّة ضد التحرّش” و”نظرة للدّراسات النسويّة” ما مجموعه 186 حالة تراوحت بين التحرّش الجنسي الجماعيّ والإغتصاب الجماعيّ (Kirollos 2013). وبحسب فيكي لانغوهر، فإنّ عمل مجموعاتٍ مثل “قوّة ضد التحرّش” “أمّن اللّحظة الضّروريّة لإجراء التعديلات الأخيرة في قانون العقوبات بشأن التحرّش الجنسي، ويعود ذلك جزئيًا إلى التغطية الإعلاميّة التي حَظيَ بها عمل هذه المجموعات” (Langohr 2014). وبحسب لوتز أويتّ وإلياس بانتيكاس، تنشط هذه الحركات القاعديّة على الأرض لصياغة “أشكالٍ من المقاومة التي تتناول المظالم في إطار نظرةٍ تتحدّى الأجندات النخبويّة وعمليّات صنع القرارات المُمأسسة (…) كبديلٍ عن خطابات حقوق الإنسان التي تُعيد تعريف المجتمع المدنيّ والدّيموقراطيّة” (Oette & Bantekas 2013: 100).

 

  1. تطوّر قانون التحرّش الجنسي في مصر

أ. بين الحكم العسكري والإخوان المسلمين

شهد الإضطراب السّياسي في مصر غيابًا متواصلًا لإرادة الحكومات المتعاقبة لحماية وترويج وتحقيق حقوق النساء وحصولهنّ على العدالة، وهو إرثٌ آخر من ديكتاتوريّة مبارك التي سادت لثلاثة عقود. وعلى امتداد فترة تطوّر القوانين الخاصّة بالتحرّش الجنسي في مصر، إستمرّت الدّولة في النزوع نحو زيادة الغرامات وتحديد عقوبةٍ دنيا كوسيلةٍ للرّدع، وهو ما يُعرَف لدى خبيرات وخبراء علم الجريمة بـفرضيّة “الرّدع من خلال العقاب” (Doob, Webster & Gartner 2014). وعلى نحوٍ مشابهٍ للتعديلات التي اقتُرحَت قبل الثورة وانتقدتها قوّة العمل (راجع/ي القسم 3)، أصدر المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة المرسوم رقم 11 في أبريل 2011، عدّل بموجبه أحكامًا معيّنةً في قانون العقوبات بما يتّصل بجرائم العنف الجنسي. أما بالنسبة إلى التحرّش الجنسي، فقد أدخل المرسوم المادّة 269 مكرّر التي نصّت على معاقبة “التحريض على الفسق علانيةً” أو الإساءة اللّفظية بالحبس لمدّةٍ لا تقلّ عن ثلاثة أشهر (Al Youm 2011: 7). لكن مع ذلك، لم يُذكر التحرّش الجنسي بشكلٍ محدّد. وفي حال تكرار الجريمة، يُحكم على الجاني بعقوبةٍ أشدّ وبغرامةٍ ماليّةٍ تتراوح بين 500 و1000 جنيهٍ مصري (المرجع السابق). لكن حتى الآن، ليس من مؤشّراتٍ تعكس أيّ أثرٍ يُذكر للمرسوم؛ في الواقع، وفقًا للخبيرات والخبراء، إنّ تشديد العقوبات لا يخفّف من نسب حدوث الجريمة: “لم نتمكّن من إيجاد أيّ أدلّةٍ تدعم فرضيّة أنّ تشديد العقوبات يخفّف من الجريمة من خلال آليّة الرّدع العام” (Doob & Webster 2003: 187).

ممثّلًا تنظيم “الإخوان المسلمين” في مصر (المُشار إليه أدناه بالإخوان)، إجتذب نظام مرسي نقدًا إضافيًا، ما استلزم إصدار قراراتٍ بشأن عددٍ من المطالب المتأخّرة. في مارس 2013، كلّف رئيس الوزراء السّابق هشام قنديل “المجلس القومي للمرأة” المرتبط بالحكومة وضع مسوّدة قانونٍ شاملٍ لمحاربة التحرّش الجنسي وكافّة أشكال العنف ضدّ النساء (Daily News 2013). لسخرية القدر، وبعد أسابيع عدّةٍ فقط، أصدر الإخوان المسلمون في مصر بيانًا يشجبون فيه الوثيقة الـ57 التي أصدرتها “لجنة وضع المرأة” التابعة للأمم المتّحدة للقضاء على جميع أشكال العنف ضدّ النساء، بزعم تعارضها مع الإسلام (Ikhwanweb 2013). وفي بيان الإستنكار الذي ضمّ عشر نقاطٍ، إستخدم الإخوان حجّة النسبيّة الثقافيّة، ولعلّها الحجّة الأكثر شيوعًا التي تعتمدها الدّول في مناقشة التزامات حقوق النساء العالميّة وفقًا للباحثات النسويّات القانونيّات (Charlesworth & Chinkin 2000: 222).

بعد ذلك، شكّل وزير الداخليّة في شهر مايو أوّل وحدةٍ من الشرطة النسائيّة المكلّفة مكافحة التحرّش الجنسي في مصر (Marroushi 2003). وللمفارقة، تألّفت الوحدة من عشر عضواتٍ فقط مهمّتهنّ مكافحة وباءٍ ينتشر بين سكّانٍ يبلغ عددهم/ن 80 مليون نسمة (المرجع السّابق). وفي يونيو 2013، قدّم “المجلس القومي للمرأة” إلى حكومة مرسي مسوّدة القانون لمناهضة العنف ضدّ النساء من دون استشارة الناشطات والمجموعات العاملة في مجال حقوق المرأة أو التطرّق إلى هواجسهنّ (FIDH & others 2015: 29). لكن مع تنحية مرسي عن الحكم في بداية يوليو ومن ثمّ حلّ البرلمان، أُهمِلت مسوّدة القانون ولم تجري مناقشتها.

 

ب. خطوةٌ في الإتّجاه الصّحيح: كيف جُرّمَ التحرّش الجنسي

في السّبعينات من القرن الماضي، ربح النّاشطون الإسلاميّون في مصر مناصريهم/ن الأوائل من خلال السّيطرة على السّياسات الطّالبيّة المصريّة في الجامعات العامّة. وتمثّلت الإستراتيجيّة الجذّابة التي اتّبعها الإخوان بغرض تعبئة واستمالة الطالبات الإناث في تأمين الحماية لهنّ من التحرّش الجنسي، “عبر توفير النقل الخاصّ لهنّ والمناصرة من أجل الفصل الجنسي في الصّفوف المكتظّة” (Reed 1993: 94). وبينما استمرّت المشكلة لعقودٍ تلت، شهدت جامعة القاهرة قضيّة تحرّشٍ بارزةً فرضت المسألة بحزمٍ على أجندة الحكومة المصريّة المؤقّتة. في مارس 2014، وبينما كانت إحدى الطالبات تسير في حرم كليّة القانون، طوّقتها مجموعةٌ كبيرةٌ من الطلاب الذّكور وأقدموا على التحرّش بها جنسيًا. وانتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي والقنوات الفضائيّة فيديوهاتُ الحادثة التي صوّرها عددٌ من المتفرّجين/ات غير المكترثين/ات.20 وأثارت الحادثة غضبًا أكبر بين مجموعات حقوق النساء عندما سمّاها رئيس جامعة القاهرة جابر نصّار “حادثةً فرديّةً”، مدّعيًا أنّ الطالبة لم تكن ترتدي ثيابًا “ملائمةً” وأنّها كما المتحرّشين بها، قد تلقى العقاب.

لحسن الحظّ هذه المرّة، أُخذت أخيرًا صرخة مجموعات حقوق الإنسان بعين الإعتبار. في الشهر التالي، صرّح أحمد السرجاني مساعد وزير العدل المصري أنّ حادثة جامعة القاهرة فرضت إعادة النّظر في القوانين المصريّة الحاليّة بشأن التحرّش الجنسي، مؤكّدًا تقديم مشروع قانونٍ للحكومة بعد مراجعته من قبل الوزارة (Ahram Online 2014). وفي يونيو 2014، قبل أيّامٍ من تسليم الحكم للرئيس المنتخَب عبد الفتاح السّيسي، أصدر الرئيس المؤقّت السابق عدلي منصور المرسوم رقم 50، معدّلًا بموجبه المادّة 306 (أ) مكرّر من قانون العقوبات المصري، ومضيفًا المادّة 206 (ب) مكرّر لمحاربة جرائم التحرّش الجنسي التي باتت اليوم تُعاقب بالحبس لمدّةٍ لا تقلّ عن ستّة أشهرٍ وبغرامةٍ قدرها 3000 جنيهٍ مصري، ومعرّفًا إيّاها في قانون العقوبات لأوّل مرّةٍ في تاريخ مصر (UN Women 2014).

على الأرجح، كان هذا المرسوم جزءًا من هدفٍ سياسيٍ أكبر لشرعنَة صعود السّيسي إلى السّلطة (El-Rifae 2014). كما أنّ قانون العقوبات المصري مازال يستثني أشكالًا أخرى من العنف الجنسي والعنف ضدّ النساء كالإغتصاب الشّرجي، والإغتصاب الزّوجي والعنف الأسريّ (EIPR 2015). لكن مع هذا، لا بدّ من الإعتراف بأنّ هذا القانون المرجعيّ شكّل خطوةً كبيرةً نحو تحقيق الأمان للنساء والفتيات ممّن تُنتهَك يوميًا حقوقهنّ في التحرّر من التحرّش الجنسي، كما مثّل خطوةً صغيرةً في تغيير ثقافة التّهاون السّائدة في الدّولة والقبول الإجتماعيّ المتجذّر بهذا الإجرام الوبائي.

 

  1. أثر التحرّش الجنسي في الدّولة والمجتمع

أ. ممارسات المؤسّسات القانونيّة والتنفيذيّة

تشير الممارسات والمعايير التي تعمل المؤسّسات القانونيّة بموجبها إلى نظرة مُزاولي/ات المهنة إلى القواعد. في دراستها لتحرّش الشّارع، تقترح الباحثة لورا بيث نيلسن أنّ السّبب الرّئيس لتردّد النساء في اللّجوء إلى القوانين المناهضة للتحرّش هو فقدانهنّ الإيمان في آليّات تطبيق القانون (Nielsen 2004). وعلى الرغم من صعوبة القياس الإحصائي أو الفعليّ لتطبيق القانون الذي يدخل عامه الثّاني قريبًا نظرًا لندرة المعلومات المُتاحة، فإنّ تحليل دور المسؤولين الرسميّين وإجراء تحليلٍ نقديٍّ للبيانات والمحاكمات القضائيّة الرسميّة يمكنه توفير عدسةٍ تُتيح استكشاف الممارسات المتغيّرة للمؤسّسات القانونيّة، والإرادة السياسيّة لمحاربة التحرّش الجنسي في مصر. وفي مطلع يونيو 2014، شهدت الإحتفالات بتنصيب السّيسي رئيسًا في ميدان التحرير تسع حوادث اعتداءٍ وتحرّشٍ جنسيٍ جماعيٍ على الأقلّ، وثّقتها مجموعات حقوق الإنسان التي ساءلَت في إثر ذلك كفاءة القانون الجديد في معالجة المسألة.21 وكان جواب السّيسي على هذه الحوادث غير مسبوقٍ، على الرغم من اعتباره من قبل ناشطي/ات حقوق الإنسان جوابًا ذا دوافع دعائيّةٍ بحتةٍ (El-Rifae 2014: 107).

بعد الإعتقال السّريع لسبعة مُعتدين مزعومين، صُوّر السّيسي يزور إحدى الناجيات من الإعتداءات في المستشفى؛ قدّم لها باقةً من الورود وسط حضورٍ كثيفٍ لوسائل الإعلام، واعتذر إليها (The Guardian 2014). “أعتذر إليك وأعدك بأنّنا كدولةٍ لن نرضى بأن تتكرّر هذه الحوادث في المستقبل”، قال السّيسي للناجية التي جرى إخفاء وجهها (BBC News 2014). بالإضافة إلى السّرعة التي عولجَت فيها هذه الحالات، إعتُبِر الإعتراف بمسؤوليّة الدّولة في حماية المواطنين/ات ولاسيّما النساء، اختراقًا في ممارسات المؤسّسات القانونيّة التي تصوغ طريقة عمل القانون. بعد أيّامٍ عدّة، حُكمَ على المُعتدين السّبعة بالحبس مدى الحياة لارتكابهم جرائم التحرّش الجنسي وفقًا للقانون الجديد، ومحاولة الإغتصاب، ومحاولة القتل والتعذيب (Reuters 2014). وبحسب جمال عيد، المحامي والناشط المصري البارز في مجال حقوق الإنسان، وعلى الرّغم من شدّة العقوبة، “]فإنّها [وجّهت رسالةً قويّةً إلى كلّ المتحرّشين مفادها أنّ أفعالهم لم تعد محتملةً أو مقبولةً” (المرجع السّابق). وتجدر الإشارة إلى أنّ السّيسي – الذي كان لواءً رفيعًا آنذاك – كان هو من دافع عن “فحوص العذريّة” في مارس 2011 (راجع/ي القسم 2) (Saleh 2014: 116)، والتي روّعت مجموعات حقوق الإنسان والناشطين/ات. وتتطابق نيّة السّيسي تسجيل نقاطٍ سياسيّةٍ مع النقد الماركسيّ لاستعمال الحقوق في خدمة المصلحة السياسيّة، أو وفقًا لنظريّة باكسي، مع نموذج “سياسة حقوق الإنسان” في مقابل “السياسة من أجل حقوق الإنسان” (Baxi 2008: 57).

من جهةٍ أخرى، تُعدّ “الإستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة العنف ضدّ المرأة” في مصر، والمعلَن عنها في أبريل 2015، تحوّلًا إستثنائيًا آخر في الممارسات القانونيّة، على الرغم من أنّ الوقت وحده سيثبت مدى تطبيقها. وكجزءٍ من هذه الإستراتيجيّة، زادت وزارة الدّاخليّة عدد الدوريّات بغرض الإستجابة لحالات العنف ضدّ النساء، بالإضافة إلى توظيف طبيباتٍ لاستقبال الناجيات من العنف الجنسي (Egyptian Streets 2015). بحذرٍ، رحّبت مجموعات حقوق الإنسان بهذه الإستراتيجيّة، بينما لفتت منظّماتٌ مثل “المبادرة المصريّة للحقوق الشخصيّة” إلى أنّ الإستراتيجيّة تنكر “تورّط عناصر الشّرطة في أفعال التحرّش الجنسي اليوميّة (…) وأنّ جهود الوزارة لا تعدو كونها تدابير رسميّةً لا تسعى إلى تغيير عقليّة ضبّاط الشرطة وعناصر الأمن بشأن حقوق النساء”. بهذا المعنى، يُفهَم تشكيك مجتمع حقوق الإنسان في الحماسة التي تبديها الدّولة حاليًا حيال حقوق النساء. وبعد عامٍ على تمرير القانون، إختبرت الشابّة أميرة (26 عامًا) هواجس “المبادرة المصريّة للحقوق الشخصيّة” عندما تقدّمت بشكوى تحرّشٍ جنسي في مركز الشرطة: “إذهبي إلى المنزل يا فتاة، قالوا لي (…) حتمًا لا يرغب والدك بأن يسمع أن ابنته عاهرة” (Huffington Post 2015). سيظلّ من الصّعب الوثوق في استعداد الشّرطة المصريّة للتعاون، ويعود ذلك بشكلٍ رئيسٍ إلى إعفاء عناصر الشّرطة من المحاسبة، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ أحدًا لم يحرّك ساكنًا في إثر حكم “اللّجنة الإفريقيّة لحقوق الإنسان والشّعوب” في قضيّة “الأربعاء الأسود” المذكورة في القسم الثاني أعلاه. وتتبدّى هذه المحدوديّات أيضًا في استخدام القانون في سياق زيادة أعمال الشّرطة. على سبيل المثال، في عيد الفطر في يوليو 2015، أظهرت التقارير الإعلاميّة صور الشرطيّات الإناث في أثناء قيامهنّ بعملهنّ في مكافحة التحرّش الجنسي، مشيرةً إلى نجاح وزارة الداخليّة في اعتقال العشرات من الأفراد بتهم التحرّش الجنسي (Egyptian Streets 2015).22 وفي أثناء عمل الوحدة النسائيّة في عيد الفطر، أظهر أحد الفيديوهات الذي انتشر على نطاقٍ واسعٍ شرطيّةً تسحب متحرّشًا ذكرًا إلى باحة إحدى دور السينما، ثم تصفعه على وجهه وتلكزه بوحشيّةٍ بعصا كهربائيّة (BBC News 2015). إذًا، من الواقعيّ أن نظلّ نشكّك في تطبيق القانون الهادف إلى حماية الحقوق الجسديّة، عندما تُنتهَك هذه الحقوق على يد من يُفترض بهم/ن صونها.

 

ب. هل يمكن للقانون أن يؤثّر في السّلوك العام؟

يجادل ديفيد تشيف أنّ أثر القانون الجديد في السّلوك الإجتماعي وفي مستوى التجاوب لا يمكن قياسه بسهولةٍ بالمعنى الفعليّ، حتى ولو طُبِقَت العقوبات (Schiff 1981: 153). لكن من المنصِف القول أن حركة حقوق الإنسان حقّقت أحد أهدافها الظاهريّة: لم يعد الكلام عن التحرّش الجنسي محرّمًا. تجادل لانغوهر أنّ تداول الفيديوهات والأدلّة التي تثبت الجريمة “فرضت مسألة التحرّش الجنسي على الخطاب العام السّائد وجعلت من الأصعب نكران هذه الظّاهرة” (Langohr 2014: 88). لكن مع هذا، وكما ذكرت سابقًا، يهيمن سلوكٌ إجتماعيٌ متقبّلٌ للتحرّش الجنسي حتى في ظلّ وجود القانون، ما يشكّل عائقًا رئيسًا أمام تغيير المعتقدات بشأن هذه الجريمة.

وإذ يجدر بالقانون المساهمة في خلق النظام وحفظه، فإنّ هذه الحجّة تعتمد على “قدرة القانون على ضبط السّلوك” (Schiff 1981: 152). “مازالت أكبر المسائل هي المسألة الثّقافية: المجتمع لا يراها كجريمةٍ (…) لا أعتقد أنّ التحرّش الجنسي سيكون حقًا جزءًا من أجندة الحكومة ما لم يتغيّر المجتمع”، قالت المتحدّثة باسم “خريطة التحرّش” إباء التمامي (The Guardian 2014). وتتبدّى هذه الهواجس في ردّ فعل المذيعة التلفزيونيّة التي قهقهت بينما كانت زميلتها تغطّي أخبار حوادث التحرّش الجنسي في احتفالات تنصيب السّيسي، مضيفةً أنّ الناس كانوا ببساطةٍ “فرحين” (Saleh 2014: 116). وقتذاك، كان التحرّش الجنسي قد صار يُعدّ جريمةً، وعلى الرغم من أنّ الأمر جاء متأخّرًا، إلا أن المذيعة طُردَت لاحقًا من عملها (Kingsley 2014: 114). بالطبع، ثقافة لوم الضحيّة هذه تفاقم التحدّي لاسيما في ظلّ غياب التعاون من قبل الشّخصيّات الدينيّة. في خطبة الجمعة في أحد مساجد القاهرة الرئيسة، إستنكر الشيخ سامي عبد القوي التحرّش الجنسي، لكنّه شدّد على وجهة نظره بشأن أسباب التحرّش، ملقيًا باللّوم على “النساء اللواتي يلبسن بطريقةٍ غير محتشمة” (Langohr 2014: 88).

في محاولةٍ لتغيير التقبّل العام للتحرّش الجنسي، إنطلقت “خريطة التحرّش” في العام 2010 كحركةٍ من المتطوّعات/ين، لتغدو أوّل مبادرةٍ مستقلّةٍ في مصر تعمل على مسألة التحرّش الجنسي كردٍّ على التقبّل الإجتماعي الواسع له.23 وضعت المجموعة نظامًا برمجيًّا مجّانيًّا لاستقبال التقارير عبر الرّسائل النصيّة المجهولة، ومن ثم معالجتها عبر نظامٍ لرسم الخرائط بهدف تشجيع النساء على التحدّث عن تجاربهنّ. وبحسب آخر “خريطةٍ” من التقارير، تلقّت المجموعة أكثر من 950 تقريرًا بين يناير 2011 وأغسطس 2015،24 تتراوح حالاتها بين التحديق والتحرّش اللّفظي والإغتصاب الجماعيّ. وبعد إصدار القانون الجديد، أطلقت “خريطة التحرّش” حملة “المتحرّش مجرم” التي اعتمدت تداول الفيديوهات والملصقات التي تفسّر القانون الجديد بهدف حثّ الناس على التصرّف والتدخّل دعمًا للمتعرّضات للتحرّش، “لكي نحوّل معًا مجتمعنا إلى مجتمعٍ لا يمكن فيه للمتحرّشين ارتكاب أفعالهم والتمتّع بالحصانة”.25 وفي محاولةٍ لاستخدام وسائل مشابِهة، قامت إحدى اللّجان الوزاريّة المكلّفة مكافحة التحرّش الجنسي، من بين أمورٍ أخرى، بالإعلان عن مسابقةٍ “لاختيار أفضل مسلسلٍ تلفزيونيٍّ عُرض في خلال شهر رمضان – وهو شهرُ يشتهر بالمسلسلات التلفزيونيّة – وروّج لحقوق النساء” (Ahram Online 2014). بالإضافة إلى هذا، إجتمع عددٌ من الموسيقيّين/ات الشّباب وأطلقوا أغنيةً بعنوان ” العيب على مين؟”إنتقدت المجتمع لعدم مؤازرة النساء اللّواتي يواجهن التحرّش يوميًا، وسخرت من المتحرّشين الذّكور.26 وتنسجم هذه الخطوات كافّةً مع المفاهيم التي حاولت نقل رسائل القانون إلى المجتمع الأكبر، ما يشكّل مع الوقت الثقافة القانونيّة المطلوبة (Merry 2012: 63).

 

الخاتمة

من المنصِف القول أنّ ولادة حركةٍ نسويّةٍ مشتركةٍ مناهضةٍ للتحرّش ترفض القبول بالسلوكيّات والممارسات الأبوية، هي إحدى المكاسب الواضحة من الثورة المصريّة في العام 2011. وقد حقّقت جهود حركة حقوق الإنسان في مكافحة التحرّش الجنسي أثرًا إيجابيًا إلى حدٍّ كبيرٍ في الثقافة القانونيّة في البلاد – لاسيما لجهة التعبئة والوعي القانوني – وهما البعدان الرّئيسان اللّذان قدّما الطريقة الأفضل لفهم التحرّش الجنسي وعلاقته بالسّياق الإجتماعي – القانوني المصري (Merry 2012: 43). ويُستقى هذا الجانب المتفائل من الخاتمة من معاينة تطوّر الخطاب والقوانين الخاصّة بالتحرّش الجنسي من منظورَي القانون وعلم الإجتماع على امتداد العقد الماضي. لقد كسرت حركة حقوق الإنسان في مصر التابو الذي سكن النقاشات العامّة عن التحرّش الجنسي، إلى درجة تمكين الناجيات من مشاركة شهاداتهنّ علنًا، وفرض درجةٍ معيّنةٍ من الوعي السّياسي في التّعاطي مع المسائل الخاصّة بالنساء في الإعلام وفي شبكات التواصل الإجتماعي على الإنترنت. وعلى الرغم من استمرار وجود نوعٍ من التوتّر حول التسمية العامّية للتحرّش الجنسي(Abdelmonem 2015: 24)، إلا أنّ الإستخدام المتواصل للمصطلح أدّى إلى زيادة التحرّش إلى الجرائم الجنسيّة في قانون العقوبات المصري.

لكن من جانبٍ آخر أقلّ إيجابيّة، تتّفق الإستنتاجات الرّئيسة للورقة مع وجهة نظر حركة حقوق الإنسان المشكّكة في حصول تحوّلٍ متينٍ وفوريٍ في ممارسات الدّولة تجاه قضايا التحرّش الجنسي، لاسيما في ظلّ التراجع العام لحقوق الإنسان في مصر. حتى اللّحظة، تشير التدابير الأخيرة للدّولة إلى استعدادها لمكافحة العنف ضدّ النساء، لكن من دون التطبيق الفعليّ طبقًا لالتزامات حقوق الإنسان، يبقى القانون حبرًا على ورق. ويجدر بالسّلطات المصريّة إحقاق العدالة في قضايا مازالت مفتوحةً كقضيّة “الأربعاء الأسود”، و”فحوص العذريّة” وقضيّة ياسمين البرماوي والأخريات. كذلك يتوجّب على الحكومة تطبيق الإستراتيجيّة الوطنيّة التي أُطلقَت مؤخّرًا، والتصرّف وفقًا لالتزامات القانون الدّولي الملزِمة كاتفاقيّة “القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة”.

يوم 25 يناير 2011، وقف المصريّون/ات في وجه ديكتاتوريّة مبارك، وأُتيحَت لهم/ن الفرصة لإنهاء كافّة أشكال العنف على أساس الجندر. وعندما وقعت حوادث العنف الجنسي المروّعة في ميدان التحرير، الرّمز الأوّل للثّورة، برزت حيويّة النساء وشعاراتهنّ المتّقدة التي أعلنت أجسادهنّ “خطًا أحمرًا”، لتعطي زخمًا لمفهومٍ محدّدٍ: الحريّة من العنف الجنسي هو حقٌّ أساسيٌّ من حقوق الإنسان. وعلى الرّغم من قتامة الوضع الحالي لحقوق الإنسان في مصر (Human Rights Watch 2015)، الآن هو الوقت الأمثل للإعلان عن إنجازات حركة حقوق الإنسان في مصر في نضالها ضدّ التحرّش الجنسي.

  • 1. أنظر “Shaden Mohamed (@ShadenMohamed) Tweet 3:13 AM” (Twitter, 17 March 2013) بإمكانكم رؤية التّغريدة على https://twitter.com/ShadenMohamed/status/313231522046038016.
  • 2. See UN Committee for the Elimination of All Forms of Discrimination against Women, “General Recommendation No 19” in “Note by the Secretariat, Compilation of General Comments and General Recommendations Adopted by Human Rights Treaty Bodies” (29 July 1994) UN Doc HRI/GEN/1/Rev .1
  • 3. See Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women (adopted 18 December 1979, entered into force 3 September 1981) 1249 UNTC 13.
  • 4. See “Ratification Table / Protocol to the African Charter on Human and Peoples’ Rights on the Rights of Women in Africa” (African Commission on Human and Peoples’ Rights) .
  • 5. See ‘What Is Sexual Harassment?’ (HarassMap) onhttp://harassmap.org/en/resource-center/what-is-sexual-harassment/.
  • 6. A direct translation of the colloquial term is unavailable and changeable depending on the context.
  • 7. “Study on Ways and Methods to Eliminate Sexual Harassment in Egypt” (n 3)13.
  • 8. See “Law No. 58 01 The Year 1937 Promulgating The Penal Code” available on http://www1.umn.edu/humanrts/research/Egypt/Egypt%20Criminal%20Code%20La....
  • 9. Egyptian Initiative for Personal Rights and Interights v Egypt [2013] African Commission on Human and People’s Rights (323/2006).
  • 10. The subsequent paragraph is based on the Egyptian Initiative for Personal Rights and Interights v Egypt [2013] African Commission on Human and People’s Rights (323/2006), para. 67, para. 1, para. 271 (i), and para. 275 (vi).
  • 11. Sami Abdelrady and Farouk Aldesouky, “Al-Masry Al-Youm Publishes the Judgment on Merits in the Sexual Harassment Case المصري اليوم تنشر حيثيات الحكم فى قضيةالتحرش الجنسى” (25 November 2008) accessed 27 July 2015.
  • 12. “The Government Must Submit the Sexual Violence Bill to National Debate… 23 NGOs Urge the Government to Initiate a Debate on Amendments to the Law on Sexual Violence before Submission to Parliament” (n 54).
  • 13. “Jan 25 8pm Egypt- Tahrir Square- Downtown” (YouTube, 25 January 2011) Video available on https://www.youtube.com/watch?v=I_emuOVvlbU.
  • 14. “Shocking Video: ‘Blue Bra’ Girl Brutally Beaten by Egypt Military” (YouTube, 18 December 2011) available on https://www.youtube.com/watch?v=mnFVYewkWEY&bpctr=1438264944.
  • 15. ياسمين البرماوي وواقعة التحرش بها في التحرير”‎ – Yasmine El Baramawy and the Sexual Violence Incident in Tahrir” (YouTube, February 2013) available on https://www.youtube.com/watch?v=l7w_jKRrVNc
  • 16. “ياسمين البرماوي وواقعة التحرش بها في التحرير‎ – Yasmine El Baramawy and the Sexual Violence Incident in Tahrir” (n 76).
  • 17. “Egypt: Epidemic of Sexual Violence” (n 8).
  • 18. “Op Anti-Sexual Harassment/Assault – About” Facebook account available on https://www.facebook.com/opantish/info?tab=page_info
  • 19. “Press Release: Operation Anti-Sexual Harassment/Assault” (Facebook, 29 January 2013) .
  • 20. ONTv, ست الحسن – واقعة تحرش جماعي داخل حرم جامعة القاهرة”‎ – Mob Harassment Incident on Cairo University Campus” (YouTube, 17 March 2014) available on https://www.youtube.com/watch?v=aICv7-UZEO4.
  • 21. “The Mob-Sexual Assaults and Gang Rapes in Tahrir Square During the Celebrations of the Inauguration of the New Egyptian President Is Sufficient Proof for the Inefficiency of the Recent Legal Amendments to Combat These Crimes” (Nazra For Feminist Studies, 9 June 2014) accessed 22 July 2015.
  • 22. “A Confused Step in the Right Direction: Commentary on the National Strategy to Combat Violence against Women” (n 108).
  • 23. “Who We Are” (HarassMap) accessed 1 September 2015.
  • 24. “The Map” (HarassMap) accessed 2 September 2015.
  • 25. “Harasser Is a Criminal” (HarassMap) accessed 2 September 2015.
  • 26. See “Who’s Shame العيب على مين” (YouTube, 15 August 2015) available on J.
ملحوظات: 
المراجع: 

Books:

Baxi U, The Future of Human Rights (3rd edn, Oxford University Press 2008)

Charlesworth H and Chinkin C, The Boundaries of International Law: A Feminist Analysis (Manchester University Press Melland Schill Studies 2000)

MacKinnon C, Sexual Harassment of Working Women: A Case of Sex Discrimination (Yale University Press 1979)

Nielsen LB, License to Harass: Law, Hierarchy, and Offensive Public Speech (Princeton University Press 2004)

Oette L and Bantekas I, International Human Rights Law and Practice (Cambridge University Press 2013)

Book Sections:

Chinkin C, “Sexual Harassment: An International Human Rights Perspective” in Catharine A MacKinnon and Reva B Siegel (eds), Directions in Sexual Harassment Law (Yale University Press 2003)

Merry SE, “What Is Legal Culture? An Anthropological Perspective” in David Nelken (ed), Using Legal Culture (Wildy, Simmonds & Hill Publishing 2012)

Nelken D, “Towards a Sociology of Legal Adaptation” in David Nelken and Johannes Feest (eds), Adapting Legal Cultures (Hart Publishing 2001)

Schiff DN, “Law as a Social Phenomenon” in Adam Podgórecki and Whelan Christopher J. (eds), Sociological Approaches to Law(Croom Helm 1981)

Cases and Legal Documents:

Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women (adopted 18 December 1979, entered into force 3 September 1981) 1249 UNTC 13.

Declaration on the Elimination of Violence against Women 1993 (GA res 48/104, 48 UN GAOR Supp (No 49) at 217, UN Doc A/48/49)

Egyptian Initiative for Personal Rights and Interights v Egypt [2013] African Commission on Human and People’s Rights (323/2006)

“Law No. 58 01 The Year 1937 Promulgating The Penal Code” <http://www1.umn.edu/humanrts/research/Egypt/Egypt%20Criminal%20Code%20La... accessed 11 April 2015

“Report of the Secretary-General in the Rule of Law and Transitional Justice in Conflict and Post-Conflict Societies” (2004) U.N Doc. S/2004/616

UN Committee for the Elimination of All Forms of Discrimination against Women, “General Recommendation No 19” in “Note by the Secretariat, Compilation of General Comments and General Recommendations Adopted by Human Rights Treaty Bodies” (29 July 1994) UN Doc HRI/GEN/1/Rev .1

Journal Articles:

Abdelmonem A, “Reconceptualizing Sexual Harassment in Egypt: A Longitudinal Assessment of El-Taharrush El-Ginsy in Arabic Online Forums and Anti-Sexual Harassment Activism” (2015) 1 Kohl: A Journal for Body and Gender Research

Baxi U, “Voices of Suffering and the Future of Human Rights” (1998) 8 Transnational Law & Contemporary Problems

Dierdre D, “The Harm That Has No Name: Street Harassment, Embodiment, And African American Women” (1994) 4 UCLA Women’s Law Journal

Doob AN and Webster CM, “Sentence Severity and Crime: Accepting the Null Hypothesis” (2003) 30 The University of Chicago Press

Eldakak A, “Approaching Rule of Law in Post-Revolution Egypt: Where We Were, Where We Are, and Where We Should Be” (2012) 18 U.C. David Journal of International Law & Policy

Hafez S, “The Revolution Shall Not Pass Through Women’s Bodies: Egypt, Uprising and Gender Politics” (2014) 9 The Journal of North African Studies

Peoples FM, “Street Harassment in Cairo: A Symptom of Disintegrating Social Structures” (2008) 15 The African Anthropologist

Quinney R, “Is Criminal Behaviour Deviant Behaviour?” (1965) 5 British Journal of Criminology

Reed S, “The Battle for Egypt” (1993) 72 Foreign Affairs 94

Sahar F. A, “Bringing Down An Uprising: Egypt’s Stillborn Revolution” (2014) 30 Connecticut Journal of International Law

Tadros M, “Politically Motivated Sexual Assault and the Law in Violent Transitions: A Case Study from Egypt” (2013) 8 Institute of Development Studies

Thompson DM, “‘The Women in the Street:’ Reclaiming the Public Space from Sexual Harassment” (1994) 6 Yale Journal of Law and Feminism

News Articles:

Abdelrady S and Aldesouky F, “Al-Masry Al-Youm Publishes the Judgment on Merits in the Sexual Harassment Case المصري اليوم تنشر حيثيات الحكم فى قضيةالتحرش الجنسي” (25 November 2008) <http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=187753> accessed 27 July 2015

“Activists Commemorate Eighth Anniversary of ‘Black Wednesday’” Ahram Online (25 May 2013) <http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/72300/Egypt/Politics-/Activ... accessed 24 July 2015

Davies C, “Revolution Signals New Dawn for Egypt’s Women” CNN (8 March 2011) <http://edition.cnn.com/2011/WORLD/meast/02/24/egypt.women.optimism.haras... accessed 21 July 2015

——, “Tahrir Square Women’s March Marred by Rival Protest” The Guardian (8 March 2011) <http://www.theguardian.com/world/2011/mar/08/rival-protesters-clash-wome... accessed 16 June 2015

“Egypt Anger over ‘Grope Attacks’” BBC News (1 June 2005) <http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/middle_east/4600133.stm> accessed 24 July 2015

“Egyptian Cabinet Introduces Plan to Combat Sexual Harassment” Ahram Online (13 June 2014) <http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/103564/Egypt/Politics-/Egyp... accessed 20 August 2015

“Egyptian Sexual Harasser Jailed” BBC News (21 October 2008) <http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/africa/7682951.stm> accessed 27 July 2015

“Egypt’s New Anti-Sexual Harassment Law Submitted to Cabinet” Ahram Online (9 April 2014) <http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/98680/Egypt/Politics-/Egypt... accessed 21 August 2015

“Egypt’s President Sisi Apologises to Sex Attack Victim” BBC News (11 June 2014) <http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-27800149> accessed 25 August 2015

Gulhane J, “NCW Draft Law to Combat Violence against Women” Daily News Egypt (1 March 2013) <http://www.dailynewsegypt.com/2013/03/01/ncw-draft-law-to-combat-violenc... accessed 18 August 2015

Kingsley P, “Egypt Criminalises Sexual Harassment for First Time” The Guardian (6 June 2014) <http://www.theguardian.com/world/2014/jun/06/egypt-criminalises-sexual-h... accessed 28 August 2015

——, “Doubts Remain in Egypt Despite Sisi’s Action Against Sexual Harassment” The Guardian (13 June 2014) <http://www.theguardian.com/world/2014/jun/13/doubts-remain-in-egypt-desp... accessed 25 August 2015

Knell Y, “Egypt Unrest: Women Protest against Army Violence” BBC News (20 December 2011) <http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-16267436> accessed 31 July 2015

Marroushi N, “Egypt Forms Female Police Force to Combat Violence” Bloomberg (23 May 2013) <http://www.bloomberg.com/news/articles/2013-05-23/egypt-forms-female-pol... accessed 18 August 2015

Meerman E, “Women Battle to Report Sexual Harassment in Egypt” The Huffington Post (27 April 2015) <http://www.huffingtonpost.com/egyptian-streets/women-battle-to-report-se... accessed 31 August 2015

Middle East News Agency, “المجلس العسكري: تشديد عقوبة الاعتداء الجنسى والتحرش للإعدام والمؤبد – SCAF: Harsher Penalties for Sexual Assault and Harassment” Al-Youm 7 (1 April 2011) <goo.gl/aNjB7N> accessed 12 August 2015

Otterman S, “In Cairo, a Groping Case Ends in a Prison Sentence” The New York Times (23 October 2008) <http://thelede.blogs.nytimes.com/2008/10/23/in-cairo-a-groping-case-ends... accessed 16 June 2015

Saleh Y, “Egypt’s Sisi Tells Interior Minister to Fight Sexual Harassment” Reuters (10 June 2014) <http://uk.reuters.com/article/2014/06/10/uk-egypt-sisi-harassment-idUKKB... accessed 25 August 2015

——, “Seven Men Sentenced to Life for Sex Attacks, Harassment” Reuters (16 July 2014) <http://www.reuters.com/article/2014/07/16/us-egypt-harassment-idUSKBN0FL... accessed 25 August 2015

Siddique H, Owen P and Adams R, “Mubarak Resigns – Friday 11 February” The Guardian (11 February 2011) <http://www.theguardian.com/world/blog/2011/feb/11/egypt-hosni-mubarak-le... accessed 29 July 2015

“The Female Cop Being Called a Hero…and a Thug” BBC News(21 July 2015) <http://www.bbc.co.uk/news/blogs-trending-33609483> accessed 26 August 2015

Reports and Press Releases:

“A Confused Step in the Right Direction: Commentary on the National Strategy to Combat Violence against Women” (Egyptian Initiative for Personal Rights, 23 June 2015) <http://eipr.org/en/pressrelease/2015/06/23/2411> accessed 7 September 2015

“African Commission Declares ‘Virginity Tests’ Case Admissible” (Egyptian Initiative for Personal Rights, 3 December 2013) <http://eipr.org/en/pressrelease/2013/12/03/1892> accessed 30 July 2015

Doob AN, Webster CM and Gartner R, “Issues Related to Harsh Sentences and Mandatory Minimum Sentences: General Deterrence and Incapacitation” (Centre for Criminology & Sociolegal Studies (University of Toronto) 2014) Research Summaries Compiled from Criminological Highlights http://criminology.utoronto.ca/wp-content/uploads/2013/09/DWG-GeneralDet... accessed 10 August 2015

“Egypt: A Year After ‘Virginity Tests,’ Women Victims of Army Violence Still Seek Justice” (Amnesty International, 9 March 2012) <https://www.amnesty.org/en/latest/news/2012/03/egypt-year-after-virginit... accessed 29 July 2015

“Egypt: Epidemic of Sexual Violence” (Human Rights Watch, 3 July 2013) <http://www.hrw.org/news/2013/07/03/egypt-epidemic-sexual-violence> accessed 19 July 2015

“Egypt Held To Account for Failing to Protect Women Demonstrators from Sexual Assault” (Egyptian Initiative for Personal Rights, 14 March 2013) <http://eipr.org/en/pressrelease/2013/03/14/1657> accessed 24 July 2015

FIDH and others, “Keeping Women Out: Sexual Violence Against Women in The Public Sphere” (2013) https://www.fidh.org/IMG/pdf/egypt_women_final_english.pdf accessed 21 July 2015

“New Anti Sexual Harassment Law in Egypt” (UN Women, 11 June 2014) <http://www.unwomen.org/en/news/stories/2014/6/new-anti-sexual-harassment... accessed 22 July 2015

“Press Release: Operation Anti-Sexual Harassment/Assault” (Facebook, 29 January 2013) <https://goo.gl/5gUBLK> accessed 11 August 2015

“Study on Ways and Methods to Eliminate Sexual Harassment in Egypt” (UN Women 2013) <http://harassmap.org/en/wp-content/uploads/2014/02/287_Summaryreport_eng... accessed 1 June 2015

“The Government Must Submit the Sexual Violence Bill to National Debate… 23 NGOs Urge the Government to Initiate a Debate on Amendments to the Law on Sexual Violence before Submission to Parliament” (Egyptian Initiative for Personal Rights, 23 January 2011) <http://eipr.org/en/pressrelease/2011/01/23/1090> accessed 10 August 2015

“The Mob-Sexual Assaults and Gang Rapes in Tahrir Square During the Celebrations of the Inauguration of the New Egyptian President Is Sufficient Proof for the Inefficiency of the Recent Legal Amendments to Combat These Crimes” (Nazra For Feminist Studies, 9 June 2014) <http://nazra.org/en/2014/06/mob-sexual-assaults-and-gang-rapes-tahrir-sq... accessed 22 July 2015

The Taskforce Combating Sexual Violence, “The Bill to Amend Penal Code Provisions on Sexual Violence” (10 December 2010) <http://eipr.org/sites/default/files/pressreleases/pdf/sexualviolence_pap... accessed 10 August 2015

“The Taskforce Combating Sexual Violence Launches a Bill to Amend Penal Code Provisions on Sexual Violence” (Egyptian Initiative for Personal Rights, 19 December 2010) <http://eipr.org/pressrelease/2010/12/19/1060> accessed 10 August 2015

“UN: A Call from the Arab Caucus at the 57th Commission on the Status of Women” (Women Living Under Muslim Laws, 13 March 2013) <http://www.wluml.org/media/un-call-arab-caucus-57th-commission-status-wo... accessed 18 August 2015

“World Report 2015” (Human Rights Watch 2015) <https://www.hrw.org/sites/default/files/wr2015_web.pdf> accessed 15 August 2015

Websites:

“84 Arrested for Sexual Harassment During Eid in Cairo” (Egyptian Streets, 19 July 2015) <http://egyptianstreets.com/2015/07/19/84-arrested-for-sexual-harassment-... accessed 31 July 2015

Ammar M, “Noha Roushdy Confirms Egyptian Citizenship” (Masress, 31 October 2008) <http://www.masress.com/en/dailynews/116488> accessed 27 July 2015

“Egypt’s Police Adopt New Strategy to Combat Violence Against Women” (Egyptian Streets, 10 May 2015) <http://egyptianstreets.com/2015/05/10/egypts-police-adopt-new-strategy-t... accessed 11 August 2015

El-Rifae Y, “Egypt’s Sexual Harassment Law: An Insufficient Measure to End Sexual Violence” (Middle East Institute, 17 July 2014) <http://www.mei.edu/content/at/egypts-sexual-harassment-law-insufficient-... accessed 16 June 2015

“Harasser Is a Criminal” (HarassMap) <http://harassmap.org/en/harasser-criminal/> accessed 2 September 2015

“Jan 25 8pm Egypt- Tahrir Square- Downtown” (YouTube, 25 January 2011) <https://www.youtube.com/watch?v=I_emuOVvlbU> accessed 29 July 2015

Kirollos M, “Sexual Violence in Egypt: Myths and Realities” (Jadaliyya, 16 July 2013) <http://www.jadaliyya.com/pages/index/13007/sexual-violence-in-egypt_myth... accessed 18 June 2015

Langohr V, “New President, Old Pattern of Sexual Violence in Egypt” (MERIP, 7 July 2014) <http://www.merip.org/mero/mero070714> accessed 27 August 2015

“Laws Against Sexual Harassment in Egypt” (HarassMap) <http://harassmap.org/en/resource-center/laws-against-sexual-harassment-i... accessed 22 July 2015

“Muslim Brotherhood Statement Denouncing UN Women Declaration for Violating Sharia Principles” (Ikhwanweb, 14 March 2013) <http://www.ikhwanweb.com/article.php?id=30731> accessed 25 June 2015

“Noha Roushdy on Al Hayat Al-Youm نهى رشدى فى الحياة اليوم 2‎” (YouTube, 30 October 2008) <https://www.youtube.com/watch?v=DcW8qcbeU6Y> accessed 27 July 2015

ONTv, “ست الحسن – واقعة تحرش جماعي داخل حرم جامعة القاهرة‎ – Mob Harassment Incident on Cairo University Campus” (YouTube, 17 March 2014) <https://www.youtube.com/watch?v=aICv7-UZEO4> accessed 21 August 2015

“‎Op Anti-Sexual Harassment/Assault – About” (Facebook) <https://www.facebook.com/opantish/info?tab=page_info> accessed 10 August 2015

“Ratification Table / Protocol to the African Charter on Human and Peoples’ Rights on the Rights of Women in Africa” (African Commission on Human and Peoples’ Rights) <http://www.achpr.org/instruments/women-protocol/ratification/> accessed 4 April 2015

“Shaden Mohamed (@ShadenMohamed) Tweet 3:13 AM” (Twitter, 17 March 2013) <https://twitter.com/ShadenMohamed/status/313231522046038016> accessed 24 July 2015

“Shocking Video: ‘Blue Bra’ Girl Brutally Beaten by Egypt Military” (YouTube, 18 December 2011) <https://www.youtube.com/watch?v=mnFVYewkWEY&bpctr=1438264944> accessed 30 July 2015

“The Map” (HarassMap) <http://harassmap.org/en/what-we-do/the-map/> accessed 2 September 2015

“What Is Sexual Harassment?” (HarassMap) <http://harassmap.org/en/resource-center/what-is-sexual-harassment/> accessed 23 July 2015

“Who’s Shame العيب على مين” (YouTube, 15 August 2015) <https://www.youtube.com/watch?v=e60zoUJKW_k&feature=youtu.be> accessed 2 September 2015

“Who We Are” (HarassMap) <http://harassmap.org/en/who-we-are/> accessed 1 September 2015

Zaki HA and Abd Alhamid D, “Women As Fair Game in the Public Sphere: A Critical Introduction for Understanding Sexual Violence and Methods of Resistance” (Jadaliyya, 9 July 2014) <http://www.jadaliyya.com/pages/index/18455/women-as-fair-game-in-the-pub... accessed 31 July 2015

“التحرش الجماعي بمسيرة المرأة بميدان التحرير – 8 مارس 2011‎ Mass Harassment in Women’s March in Tahrir 8 March 2011” (YouTube, 15 April 2011) <https://www.youtube.com/watch?v=oCXgZZ-Rwl0> accessed 29 July 2015

“ياسمين البرماوي وواقعة التحرش بها في التحرير‎ – Yasmine El Baramawy and the Sexual Violence Incident in Tahrir” (YouTube, February 2013) <https://www.youtube.com/watch?v=l7w_jKRrVNc> accessed 19 July 2015