ضبط جنسانية النساء والاستفادة من ذلك: العمل الجنسي والدولة التونسية

تحذير‬ ‫المحتوى: 

تحذير عن‬ ‫المحتوى‬‫!

محتوى جنسي صريج، لغة حادة، تصوير للعنف.
مناسب لجماهير ناضجة.

السيرة: 

  رولى الصغير كاتبة  نسويّة. وهي مؤسسة شريكة لمنشورات المعرفة التقاطعيّة. هي شغوفة بمسائل الاقتصادات السياسية والمعنوية للتنظيم المجتمعي والنظرية النقدية.  تعمل حاليا على قطاع الاقتصاد غير الرسمي على مسائل العمل المؤنث والهجرة.
اقتباس: 
رولى الصغير. "ضبط جنسانية النساء والاستفادة من ذلك: العمل الجنسي والدولة التونسية". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 4 عدد 1 (2018): ص. 16-22. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 27 أكتوبر 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/sex-work-and-the-tunisian-state.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (495.64 كيلوبايت)
ترجمة: 

Hanine is an avid social activist, with a focus on animal welfare and feminism, which shapes her work and lifestyle. She currently holds a BA in English Literature and a BA in Media/Communications, with two minors in Film/Visual Studies and Arabic Language, from the American University of Beirut. She works as a journalist, writer, and translator, priding herself on having a way with words. She dreams of becoming a thesaurus one day.

“منذ أن أسست علّيسة قرطاج منذ حوالي 2800 سنة…”1 هي المقدمة الأكثر استخداماً والخاتمة الأكثر تشويقاً للفت انتباه القارئ وشبه-الحجّة التّي تبنى عليها معظم المناقشات التونسية المتبنّية لقضية حقوق النّساء. تمّ تكرير تلك الصيغة، التي غالباً ما تستخدم بجانب سلسلة من الأسماء مثل عزيزة عثمانة2 والسيدة المنوبية،3 مؤخراً من قبل وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن التونسية، نزيهة العبيدي، خلال الدورة 62 من لجنة أوضاع النّساء. أصبح خطاب الاستشراق الذاتي، الذّي يفصل النّساء عن المجتمع ويجعلهنّ كائنات غريبة اكزوتيكيّة، في غاية الشعبية حيث أنه يردد من قبل نساء مسؤولات وناشطات في مجال حقوق النّساء، وفي الأغاني4 والإعلانات، وحتّى في كتب اللغة العربية التي تدرّس في صفوف السّادس ابتدائي والتاسع ثانوي تحت موضوع “المرأة.” الأمر شعبيّ وملقّن إلى درجة يبدو معها التّخرّج غير ممكن بالنّسبة للمواطنين/ات التونسيين/ات أن يتخرجوا/ن من المدرسة الابتدائية أو الثانويّة دون الالتزام بمفهوم أن نسائنا محرّرات بشكل استثنائي، تماماً مثل حكومتنا. ما من مهرب من ذلك: ولدنا وتربينا على أن نحتفل باستثنائية تونس في مناصرة “النسوية” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ظهرت قضايا النّساء بشكل جليّ وبارز في بلدان الجنوب العالمي في بداية القرن العشرين مع حركات مقاومة الاستعمار.5 هذا لا يعني أنه لم يكن هناك أي عمل أو تنظيم نسوي قبل حركات التحرير، لكن التوسعات الرأسمالية والاستعمارية وجّهت الصعوبات المتعلقة بالجندر والجنسانية والحرية والكرامة الجسدية تجاه خطاب الدمقرطة. حصد مبدأ ويلسون في حقّ الشّعوب في تحديد مصيرها6 على كمية زخم هائلة عقب نهوض النظام العالمي الجديد. ذلك الخطاب الذي يدور حول حقوق المواطنة هو خطاب معدّ مسبقاً، يتمّ تطبيقه على الجميع بشكل عامّ ويقرّر مصيرهم/نّ بالإجماع دون مراعاة الاختلافات بينهم/نّ، خصوصا النساء منهم. لم تكن تونس مستثناة من ذلك الخطاب الجوهرانيّ الجامع، حيث أنها دمجت حقوق النّساء في مسار بناء الدولة.

لطالما تفاخر/ت التونسيون/ات بتونسيّة أوّل طبيبة أو طيّارة امرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تفاخروا/ن بتجريم تعدّد الزوجات أو بإعطاء النّساء حقّ الإجهاض أو حق إعطاءها الجنسية لأطفالها وغير ذلك كثير. لكن عند تعديدهم/نّ تلك الإنجازات، يتعمّدون/ن عادة عدم ذكر تشريع الحكومة للعمل الجنسي ويستحون/ين منه. فيسقط الإنجاز الذي يبدو كمشروع تحرري وحداثيّ من قائمة الفخر. رغم أنّ تشريع هذا العمل يعود إلى ما قبل استقلال تونس، فقد تمّ شمله في تكوين الدولة المستقلّة، ولكنّه لا يزال يحذف من النقاشات المحلية والاقليمية. يطرح الموضوع في حالات استثنائية فقط، لدى محاورة تونسيّ/ة ما شخصا غربيّا يصعب ابهاره، فيـ/تحاول المواطن/ة إثبات تميّز تونس عن غيرها من البلدان في المنطقة باستماتة. غير ذلك، فإن موضوع تشريع عمل الجنس يبقى غير مذكور وغير مدروس لأنه لا يعتبر موضوعاً محترماً بما فيه الكفاية للأكاديمية المحلية.

 

الميراث الاستعماري لتشريع العمل الجنسي

أقرّت الحكومة التونسية قانون تشريع العمل الجنسي “العامّ”7 سنة 1942 بينما كانت لا تزال خاضعة للاستعمار الفرنسي. شمل هذا القرار عاملات الجنس اللواتي يعملن في بيئات عمل خاضعة لسيطرة الحكومة ويعتبرن موظفات في الخدمة المدنية. يحصلن على فحوصات طبية مرتين في الأسبوع، يدفعن الضرائب الحكومية، ويصنّفن كموظفات لدى وزارة الداخلية على بطاقات الهوية الوطنية.

بعد أن حصلت تونس على الاستقلال بشكل رسمي في عام 1956، اعتمد الحبيب بورقيبة، رئيستونس الأول وقائد الحركة الانفصالية الذي كان يصف نفسه بكونه “ضد الاستعمار” لا “ضد الغرب،”8 العديد من الإصلاحات والتعديلات لتحسين أوضاع النّساء. لكنه لم يعدّل قانون تشريع العمل الجنسي. تمركزت عملية التحديث على وضع حد للممارسات التي كانت تعتبر “متخلّفة،” مستهدفةً الممارسات الجنسانية تحديداً. تم توريث تونس قانون تجريم المثلية من الاستعمار الفرنسي وكذلك تجريم تعدد الزوجات. بالرغم من أن الممارستين تختلفان، فلديهما وجه شبه واضح، ألا وهو عدم توافقهما مع المبادئ المسيحية للسيطرة على الممارسات الجنسية.9 وعلى الرغم من الاختلاف في المعتقدات الدينية، سعى كلّ من المبشرين/ات الأجانب من جهة والبرجوازية المحليّة من جهة ثانية إلى الترويج لهذا الفكر: بينما فعل/ت المبشرون/ات ذلك لدعم معتقداتهم/نّ، فإنّ المحليّين/ات قاموا/قمن بذلك للتّخلّي عن القيم “المتخلّفة.” أكمل نظام بن علي ما بدأه بورقيبة: تقديم تونس ونسويّة الدّولة كنموذج مثالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا10 مما حجّم “الآخر غير المتمدن” وأسّس لإطار عمل جوهراني وأحادي، يفترض شكلا واحدا للتقدم الحداثيّ.

في ضوء تعديلات بورقيبة لقوانين الأحوال الشخصية وأوضاع النّساء، قد يبدو إبقاء قانون العمل الجنسي على حاله أمراً غير بديهي. لكن ليس غريباً أن الرئيس الذي دعا شعبه إلى عدم صيام شهر رمضان في عام 1960، قائلاً أن “البلاد التي تسعى لأن تتحرر من قيود الفقر لا تستطيع أن توقف انتاجها لأربعة أسابيع متتالية،”11 أراد تنظيم العمل الجنسي تحت إشراف الحكومة كي يستفيد من تعب العاملات. النساء هن من أكبر وأرخص “جنود” عمل احتياطيات في أي بلد، بالاضافة إلى الأطفال والعمال/العاملات المهاجرين/ات واللاجئين/ات. لم يتواجد الكثير من المهاجرين/ات في تونس كي يتم استغلالهم/نّ، وكانت العادات التقليدية تزيد من صعوبة مشاركة النساء في سوق العمل. أتت التعديلات “التقدمية” التي أتاحت للنساء فرصة التّنقل من القطاع الخاص الى القطاع العام لتعدّل من مشكلة الحركة، ومعها، سمحت أيضاً للنظام الرأسمالي بأن يجتاح السوق.

العمل الجنسي هو عمل شرعي، لكن في أماكن مخصّصة لذلك وتحت سلطة الدولة، تشتغل فيه عاملات معهنّ رخص عمل يحصلن عليها من قاضٍ، ومهنتهنّ مذكورة على بطاقة الهوية. يدفعن الضرائب ويحصلن على فحوصات طبية للتأكد من صحّتهن وكذلك لتجنب الحمل. على الزبائن استخدام الواقي الذكري وعلى العاملات استخدام طرق لمنع الحمل. حقوق العاملات محدودة وإجازتهن هي فقط في فترة الحيض. حرّية تنقلهن محدودة أيضاً حيث أنهن قد يفقدن رخصة العمل إن غادرن مكان العمل دون ترخيص أو أن حاولن العمل في مكانٍ آخر. بالاضافة إلى ذلك، ممنوع أن يكون لديهن وظيفة أخرى أو عمل جانبي في أي مهنة أخرى مهما كانت. تُعدّ تلك اللواتي تعملن لحسابهن الخاص مجرمات ويُحاسبن على ذلك. ليس العمل الجنسي في ذاته مشرّعا، إنّما هو العمل لدى الدّولة.

بينما قد يكون تشريع عمل الجنس دليلا على تقدّم تاريخيّ، ليس تحكّم الدولة بسوق العمل جديراً بالمدح والتصفيق. يُتيح التشريع يتيح للدولة فرصة أن تبدو علمانية ومتقدمة مقارنةً بأعدائها السياسيين، أي الإسلاميين، بينما لا تزال تساهم بتبرير التّحكم بأجساد النساء وحياتهن الجنسية. كلتا المؤسستين الأبويتين، سواء الدينية أو الحكومية، تعتمدان على هذا التّحكم لإنتاج وإعادة إنتاج الأمّة والشّعب، وتُحارب كلتا المؤسستين من قبل الناشطات النسويات. لكن بما أنّ تونس كانت دولة حزب واحد منذ الاستقلال وإلى فترة ما بعد الانتفاضات الانتقاليّة، فإنّ الحكومة العلمانية تستخدم الإسلام السياسي كأداة تخويف أو فزّاعة لتحفيز الشعب على السعي وراء هوية وطنية تقدميّة، بالرغم من أنّها تستخدم استراتيجيات قمع وتحكم شبيهة. بناء دولة هو مشروع شُمول واستثناء: يتضمن المشروع استبعاد الأشخاص المختلفين/ات، وجعلهم/نّ أكثر هشاشة من غيرهم/نّ، خاصة أولئك/تلك الذي يعارض وجودهم/نّ الدولة. مثلا، يبقى استخدام العمل الجنسي بطريقة خصوصيّة لا تقدّم تعويضا ولا آداءات للدولة ولا تفيدها غير شرعيّ لأن الدولة تسعى إلى التحكم بشعبها، لا إلى تحريره.

يلعب البرنامج العلماني في الدول المكونة من حزب واحد دورا ذا حدّين: أولاً، يزيد من سلطة الحكومة على جميع أنواع العمل والعمال والعاملات. ثانياً، يصرف انتباه الشعب عن استبدادية النظام والأكاذيب التي ينشرها لكي يروّج ضد الدين الاسلامي والإسلام السياسي الذين غالباً ما يستخدمان كأنهما عبارة واحدة وكأنهما الخطر الوحيد الأكبر الذي يهدّد التّحرر. بينما التحكم بأجساد النساء هو ركن أساسي لبناء دولة وإنتاج الأوطان، تطلب بقاء النظام التونسي أكثر من مجرّد ترويج الأفكار العلمانية، إلى نشر رهاب الإسلام. خلّفت الدولة إرثا من نسويات الدّولة الكارهات للإسلام، مما زاد من رغبة الحركة الاسلامية السياسية في اعادة المرأة إلى “طبيعتها،” أي تحريرها من بقايا الاستعمار الذّي رأوه متجسّدا في نظام بورقيبة. خلال فترة حكم بورقيبة وبن علي، مُنع لبس الحجاب في الأماكن العامة حفاظا على التقاليد اللائكيّة12 المطابقة للممارسات الفرنسية. بالإضافة إلى ذلك، كان الرجال الممارسون للدّين بشكل صارم ومنتظم يُعتقلون من أجل تجنب انظمامهم إلى تنظيم سياسي معارض. بالرغم من أن النساء كنّ من الأركان التنظيمية الأساسية لكلتا الحركتين، العلمانيّة والدّينيّة، كان لدى عمليّة “التّحديث” الغربيّة أفضليّة اليد العليا. روّجت نسويّة الدّولة لفكرة أن المُثل الإسلامية، نظرا لدين معظم المواطنين/ات التونسيين/ات، تهدّد حقوق النّساء13 هذا الخطاب يعزز كره الإسلام من ناحية ويحجب النظر عن ممارسات الدولة القامعة من ناحية أخرى.

عقب الانتفاضة التونسية في 17 كانون الأول سنة 2010، في وقت واجهت فيه دولة البوليس العلمانيّة مصاعب وكانت الحركة الإسلامية قد بدأت في الظّهور للعلن، عادت وسائل الإعلام إلى الترويج لفكرة أن الإسلاميين يشكلون خطراً على الحركة النسوية التونسية وخاصة على عاملات الجنس. نُقلت أيضاً محاولة اقفال بعض المواخير من قبل مسلمين ورعين. لم يكن مفعول ذلك الخبر محدودا بالصدى التاريخي المناسب وامتثاله لسرديّة الدولة فقط، بل أنه أسرّ الغرب عبر تأكيده أن البلاد بحاجة لحاكم دكتاتوري يعينه الرعاة الأجانب. عزّز ذلك فكرة استحقاق المواطنين “المتخلفين” للدكتاتورية التّي يعيشون تحتها. وفي حين أسهم بعض رجال الشرطة من بقايا النّظام في تخريب المواخير بعد سقوط بن علي،14 اعتقد الجميع أنّ ذلك من فعل الإسلاميين. أما رجال الشرطة فكانوا يقومون بعملهم: محاسبة المنشقين/ات والمتمردين/ات. بما أن عاملات الجنس يعتبرن موظفات لدى وزارة الداخلية، فقد أصبحن منشقّات لدى مشاركة بعضهن في مظاهرات تدعو لإسقاط نظام بن علي. من ناحية رمزيّة، صُوّر التّخلّي عن بن علي كأنّه التّخلّي عن الحداثة، وهو خطاب يضمّن فكرة أن الإسلاميين كانوا منفيين أو مسجونين تحت دكتاتوريّة بن علي، بينما تجوّلت النساء “حرائر.”

باختصار، “استخدمت الحكومة حقوق النساء لكي تبرز للعالم مدى حداثة الدولة التونسية، وسمحت للنشاط النسوي أن يأخذ مجراه فقط من خلال قنوات الدّولة.”15 كذلك، سمحت بتجارة الجنس من خلال قنوات الدولة فقط. يشكّل ذلك تحدٍّ اجتماعيا واقتصاديا “غير مباشر” يؤثر حصريّاعلى النساء، بما أنهن الوحيدات اللّواتي يحاسبن على العمل الجنسي “الخاصّ” من جهة ويُنظَّمن في التجارة العامة من جهة أخرى.

 

الدولة والربح: مهما كان، طالما نفع رأس المال

على عكس المعتقد الشائع وتاقائل أن العمل الشرعي هو عمل آمن (أو أكثر أمانا) من العمل المخفيّ، فإنّ التقاطع بين العمل وعلنيّة الظّهور هو نقطة حرمان وهشاشة في قطاع تشريع العمل الجنسي. قبل أن يدخل العمل الجنسي إلى النّطاق العام الخاضع للسيطرة، كان قادراً على تفادي القمع الحكومي. بحسب ما تقوله هانا أرندت في نقاشها عن المساحات العامة والخاصة، فإنّ ادخال الممارسات إلى العالم المرئي الظاهر علنا دعا إلى تنظيمها والتحكم فيها. كان انعدام الاعتراف بعمل الجنس في النّطاق العام يعني أنه ليس مسألة عامة، تعني بدورها انعدام منعه وحجره في العين العامّة، طالما كان يحصل بعيداً عن سلطة الدولة. مفاد ذلك أنّ الدولة لم تحصل على منفعة مادية لا من خلال العمل القانوني ولا من خلال محاسبة العاملات الخارجات عن القانون. لكنّ ميزة الفضاء العامّ المكانيّة خلقت ازدواجا أو ثنائيّة بين عمل الجنس العامّ والخاصّ، حيث بات أحدهما منظّما والآخر ممنوعا.

هناك الكثير من التّبصّر في المنهج الانتقائي لاختيار الحكومة نوع عمل الجنس الواجب تشريعه. نقل سفيان الشورابي16 كلام المحامي نذير بن يدّر، الذي أعلن أن النصوص التي يتم تنظيم العمل الجنسي من خلالها في تونس هي محدودة ومهجورة، حيث لا تعترف بأشكال عمل الجنس الجديدة مثل العاملين الذكور، أو عمل الجنس مقابل تعويض غير مادي. يسأل المحامي إن كانت “فتاة تمارس الجنس بمقابل غير نقدي (الخروج في سهرة ليلية والتكفل بجميع مصاريفها مثلا) هل يصنف في إطار الخناء أم لا؟”17 لكن هذا السؤال يفتح أبواب لاعتراف بأنّ عمل الجنس الأقدم هو ممارسة المرأة الجنس مع زوجها الذي يغطي تكاليف معيشتها تحت إطار مؤسّسة الزواج الغيريّ التّقليدية.

لاحظت إحدى صديقاتي ذات مرّة أنّ عمل الجنس هو من قلّة من المهن، إن لم يكن الوحيد، الذي يسمح للعاملة بأن تحافظ على القيمة الفائضة لعملها عندما تعمل لحسابها الخاصّ. لو اعتبرنا أنّ رأس المال الثابت هو القدرة على ممارسة الجنس ورأس المال المتغيّر هو المساحة التّي تتم فيها الممارسة، نجد أنّ قيمة العمل الفائضة تتجنّب قنوات النظام الرأسمالي لتراكم الثروة، عندما تتوفّر المساحة والعمل دون كفيل أو ضرائب. بدلا من مجرّد إلغاء تجريم عمل الجنس، ليس تشريعه عملاً خيرياً بل آداة مراقبة. إنّ الدولة تفعل أكثر بكثير “بِـ” العاملات ممّا تفعله “لهنّ.”

ما لدينا إذًا هو حكومات تلعب دور المبتزّ أو الشبكات الاجرامية الكبيرة التّي تحصل على ربح من خلال الاكراه ونشر الخوف في مواطنيها خلال نظام المكافآت والعقوبات. تستخدم الحكومات الآليات التي تستخدمها المافيات لكننا كُيّفنا على أن نعتبر تلك الآليات شرعية، كأفعال تستمدّ شرعيتها من الدولة. مع ذلك، ليس في هذه الشرعيّة عنصر من الصّحة في حال لم تكن الحكومة منتخبة بطريقة ديمقراطية وشرعية. وحتّى عننها، تعتمد شرعيتها فقط على مفهوم “ويبر” عن احتكار الدّولة المطلق للعنف المسلّم بحقّها في أن تهدد، تستخدم العنف أو تسمح لأي عنصر آخر أن يستخدم العنف ضد أشخاص متواجدين/ات على أرضها بعد عمليّة “الشّرعنة” التّي تُصبح من خلالها هذه القيمة معياريّة. عند إزالة هذا التعريف، تفقد الدولة ما يدعم تحكمها وتخويفها لشعبها ولو كان آداة لتحصيل “الصالح العام.”

تجرّم الدولة وتقنّن بعض السلوكيات والهويات التي تعتبرها غير مناسبة لمشروع بناء الدولة، لكي تتحكم بالحياة العامة وبحقوق المواطنة. في تونس، المشاد بها كاستثناء نسويّ في المنطقة، حامت علامة الهوية حول الصورة الحداثيّة للنّساء، نساء باستطاعتهنّ طلاق أزواجهنّ متى شئن، أو الترشح للمناصب العامة، وبالطبع العمل في قطاع الجنس طالما خوّلت رخصتهنّ لذلك. تحصد الدولة ضرائب لتحمي بها المواطنين/ات ممّا قد تبليهم/نّ به إن رفضوا/ن دفع الضرائب. تحتاج الدّول إلى جمع الضرائب والإيجارات من مواطني/ات/ها كي تحافظ على أجهزتها الإداريّة، وتحصل على هذه الرّسومات من خلال آليّات القسر والاكراه. تبعا لذلك، ليس عمل الجنس في ذاته مشرّعا، بل العمل إلى مدى إفادته للسّلطة بالسيطرة ورأس المال. الابقاء على المواخير مربح للدّولة وليس عملاً خيرياً يقدّم للعاملات خدمات صحّة إنجابيّة كما يحلو للبعض التّباهي باستثنائية تونس واستمداد الفخر الوطني من ممارسة تُلخّص في سيطرة الدّولة على النّساء والتّجارة كليهما. إن هذا التشريع مفيد للنظام الرأسمالي وبناء الدولة الحديثة.

 

الخاتمة 

تشريع عمل الجنس لا يزيد عن كونه طريقة أخرى للسيطرة على الجسد الوطني ولا يمكن فصله عن باقي السياسات الدّيمغرافيّة مثل “قيم العائلة” وتبعيّة الرعاية الاجتماعية ومدى توافر الخدمات الصحية والتنظيم الأسري، وتوقيف عاملات الجنس غير القانونيّات والتعذيب والاغتصاب الذي تعاني منه نساء تونسيات في السجون. ولأنّ سيطرة الأفراد على أجسادهم/نّ هي بروباغندا الطبقة الخارجية المركزية للتقاليد النيوليبرالية، ولأنّها وعد مبهم مجرّد من الظروف التاريخية والاقتصادية والسياقية والاجتماعية التّي تجعله أصعب للبعض من الآخرين، تكمن إمكانيّات راديكالية في إعادة التفكير في عمل الجنس القانوني في تونس كتحدٍّ للتحرر المجتمعي ضمن التجارة، في ظل تجريم عمل الجنس المستقل وغيره من أشكال ممارسة الجنس18 بينما لا تزال بعض نسويات الدولة تفتخر بالنساء اللواتي تخترن تقديم طلب رخصة عمل الجنس وإدارة الدّولة لهذا القطاع، قكرة هذا “الخيار” لا تسلّط الضوء على الظروف التّي اتّخذ تحتها والتّي يجب أن يستمرّ في ظلّها، إاضافة إلى تعتيمها على تحكم الدولة في حياة هذه العاملات. أمّا “خيار” العمل المستقل، فهو غير متاح. إلغاء تجريم جميع أشكال عمل الجنس والوصول اليسير والسريع إلى المعلومات الدقيقة وخدمات الصحة الانجابيّة للجميع هو ما يجعل خيارات كهذه ممكنة. اتخاذ هذه القرارات لا يتطلب رقابة حكومية على المهنة بل يتطلب حريات مدنية مضمونة وخدمات رعاية صحية اجتماعية. هناك تحيّز للظّهور العلنيّ في تحديد الاجرام والبراءة، وكذلك في تحديد التخلف والحداثة. الانحراف مفهوم محفوظ لمن لا تستفيد الدّولة منهم/نّ، إذ تستوجب ظبطهم/نّ من خلال استقطاب أعمالهم/نّ أو الاستيلاء عليها. تنتج الدولة الحرمان الذي ينتج بدوره “الجريمة،” ومع ذلك تستفيد الدّولة من كليهما، من خلال الضرائب من جهة وبناء الدولة من جهة ثانية. “إن وجود حظر قانوني يخلق حوله مجالاً من الممارسات غير القانونية، التي يتم الإشراف عليها أثناء استخراج أرباح محظورة منها من خلال عناصر غير شرعية في ذاتها ولكنّها الانحراف يجعلها قابلة للتلاعب فيها. ويمثل الانحراف تحويلا لعدم القانونيّة إلى دوائر الربح والسلطة غير المشروعة للطبقة المهيمنة.”19 عملية “التحديث” التونسية هذه و”نسويتها” لا تزال تغذّي احتكار الدولة لجنسانية النّساء والكدح بشكل مستقلّ وفي تقاطعهما، في احتكار قسري يمنحنا في آن واحد سمعة نموذجية ومصداقية لدى الرجل الأبيض.

  • 1. هناك نوعان من الأخطاء المعرفيّة في هذه العبارة: أولاً، الفهم غير الدقيق تاريخيا لتكوين تونس في العصر الحديث مع الأميرة الفينيقية إليسار/ ديدون (التي يجادل البعض بأنّها أسطورة رمزية). منذ ذلك الحين، خضعت المنطقة لعدة تغييرات حتى وصولها إلى عصر الدولة القومية. ومع ذلك، من المحتّم أن تكون قرطاج نقطة مرجعية في خطابات تشكيل الدولة. ثانياً، لا يثير الدهشة أنّلاحتفال بـ”حضارة” تونسية ترجع إلى ثلاثة آلاف سنة وحائمة حول أميرة غازية يحذف عمداً الوجود الأمازيغي الأصلي من المخيال الوطني.
  • 2. أميرة (1606-1669) تخلت عن كل ما لديها وحررت عبيدها.
  • 3. عالمة وقديسة صوفية (1190-1266).
  • 4. توجد عدة أغاني تحتفل بالنساء التونسيات باستخدام نفس الصيغة، مع إعادة صياغة خطابات التمييز الجندري. على سبيل المثال، بعد حظر تأشيرة الإمارات على النساء التونسيات، استخدمت إحدى أغاني الراب هذا الخطاب، مضيفة أنّ “المرأة التونسية أكثر رجولة من العديد من الذكور.” في أغنية أخرى عن تدخل قطر في الشؤون الداخلية التونسية، يفتخر غيتو ن. بعلّيسة “التونسية” ويهدّد باغتصاب الشيخة موزة من قطر.
  • 5. Jayawardena, Kumari. Feminism and Nationalism in the Third World. New Delhi, India: Kali for Women, 1986.
  • 6. Lynch, Allen. “Woodrow Wilson and the Principle of ‘National Self-Determination’: A Reconsideration.” Review of International Studies, vol. 28, no. 2, 2002, pp. 419-436.
  • 7. على عكس العمل الجنسي “الخاص” الذي تعمل فيه المستقلّات، متجاوزات الضرائب والرقابة الحكومية.
  • 8. https://www.economist.com/node/303168
  • 9. تذكر جاياوردانا )1986 (أمثلة متعددة من الجنوب العالمي. في سريلانكا، على سبيل المثال، تم تدمير بقايا النظام الأمومي والاستقلال الجنسي لصالح الزواج الأحادي الغيريّ بين ذكر وأنثى
  • 10. Antonakis, Anna (2017). In Transformation? Renegotiating Gender and State Feminism in Tunisia between 2011 and 2014: Power, Positionalities and the Public Sphere. A Dissertation Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Doctor of Philosophy (PhD) To the Department of Political Science, the Otto-Suhr-Institut, Freie Universität Berlin, 2017.
  • 11. https://www.nytimes.com/1964/02/09/archives/tunis-fails-to-curb-fasting-...
  • 12. استبعد الحظر جميع النساء المحجبات، وليس فقط أولئك في التنظيم السياسي.
  • 13. مع أنّ النّظام سجن بعض الأشخاص تحت حكم بن علي وبورقيبة بسبب إلقائهم الأسيد على وجوه النساء، فإن معادلة كل سجين إسلامي إلى شخص ألقى الأسيد هي معادلة غير دقيقة وغير عادلة. خلال الثمانينيات من القرن الماضي، ألقى النظام القبض على الآلاف من الذين شاركوا أو تعاطفوا مع التنظيم الإسلامي، وقام بسجنهم وتعذيبهم.
  • 14. بعد فترة وجيزة من الإطاحة بالنّظام، أفرجت بقايا النظام البائد عن مساجين بهدف تخريبي لترسيخ انعدام الأمن. شاركت الشرطة في أعمال عنف ضد المواطنين/ات كي تروج للمغالطة القائلة بوجوب الاختيار بين الديمقراطية والأمن.
  • 15. Warren, Roslynm Anna Applebaum, Briana Mawby, Holly Fuhrman, Rebecca Turkington, and Mayesha Alam. “Inclusive Justice: How Women Shape Transitional Justice in Tunisia and Colombia.” Georgetown Institute for Women, Peace, and Security, 2017, p14.
  • 16. سفيان الشورابي صحفي ومدوّن تونسي، عضو في حركة التجديد. في سبتمبر 2014، ذهب في مهمة صحفية إلى ليبيا مع المصور نذير القطاري كجزء من عمله في التلفزيون، حيث اختفى كلاهما. في 8 يناير 2015، أعلنت الدولة الإسلامية عن إعدامهما.
  • 17. Chourabi, Sofiène. “The Prostitution Phenomenon in Tunisia: between the legal and the social.” Attariq Aljadid. Ettajdid Movement, 2009.
  • 18. مثل ممارسة الجنس خارج نطاق الزوجية والجنس المثليّ. أوصى تقرير لجنة المساواة والحريات الفردية، الصادر في 1 يونيو 2018، الحكومة التونسية بعدم تجريم هذه الممارسات. هذه التوصيات ليست ملزمة. التقرير الكامل متوفر باللغة العربية على هذا الرابط: https://colibe.org/report/؟lang=en
  • 19. Foucault, Michel. Discipline and Punish. New York: Vintage, 1995, p. 280.
ملحوظات: