تسليح القانون الدولي كأداةٍ لتثبيت الهيمنة: دراسة الحالة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر 2023
gazaundersiege_merhej_2007.jpg

"Gaza Under Siege" by Lena Merhej. Assafir, 2007.
لا تُدار الحروب المعاصرة في ميدان السلاح فحسب، فالكثير ممّا يُحسَم بالنار يُعاد إنتاجه لاحقاً في ميدان اللغة، عبر التقارير القانونية والمرافعات القضائية والخطابات الرسمية. هكذا، يفقد القانون الدولي براءته الافتراضية بوصفه حَكَم ما بعد النزاع، ليغدو طرفًا فاعلًا فيه. ساحةٌ تُعاد فيها صياغة الوقائع، وتُختبَر فيها حدود الشرعية، وتُبنى من خلالها سرديات سياسية جديدة. وحين يُستخدم القانون بانتقائيةٍ أو في غير ما وُضع له، يصبح قادرًا على إنتاج ضحايا صامتين ومُرتكِبين محصّنين، عبر إعادة تعريف الجريمة، أو إعادة توزيع المسؤولية، أو ضبط توقيت المساءلة.
تجسّد استجابة الكيان الصهيوني الإحلالي بعد 7 أكتوبر 2023 هذا الانزياح بوضوحٍ مكثّف، إذ لم يقتصر الخطاب الرسمي على إنكار الاتهامات أو رفض القراءات الحقوقية، بل عمل على إعادة بناء الرواية القانونية من جذورها: من الضحية؟ وما الجريمة؟ ومَن يملك حقّ اللجوء إلى القانون؟ عبر ادعاء الإبادة المعكوسة، وتقديم المعارك القانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بوصفها امتدادًا لـ"الدفاع عن النفس"، تحوّل القانون من إطارٍ للمساءلة إلى أداةٍ لضبطها أو تعطيلها. في هذا السياق، يصبح السؤال القانوني سؤالًا سياسيًا بامتياز: ليس السؤال هل خُرق القانون؟ لكن كيف جرى استخدام القانون نفسه لإعادة إنتاج عدم التكافؤ؟ وهنا يتجاوز البحث وصف الانتهاكات نحو تحليل البنية القانونية ذاتها، باعتبارها جزءًا من منظومة السيطرة في سياق استعمارٍ استيطاني طويل الأمد.
تنطلق هذه الورقة من فرضيةٍ أساسية مفادها أن القانون الدولي لا يعمل دائمًا بوصفه آليةً لضبط القوة، بل يمكن أن يتحوّل، عبر الخطاب والإجراءات والمؤسّسات، إلى أداة لإعادة إنتاج عدم التكافؤ في سياقاتٍ استعمارية وغير متكافئة. في حالة الكيان الصهيوني الإحلالي بعد 7 أكتوبر 2023، لا تكمن المشكلة في غياب القانون، بل في فرط استدعائه بوصفه اللغة الأساسية لتبرير العنف وإدارته، مع الإبقاء على مظهر الامتثال الشكلي لقواعده.
انطلاقًا من ذلك، يطرح البحث السؤال الرئيس الآتي: كيف يسخّر الكيان الإحلالي القانون الدولي بعد 7 أكتوبر 2023، عبر ما تصفه هذه الورقة بتسليح القانون، لإعادة تعريف الضحية والجريمة وتحييد آليات المساءلة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية؟ ويتفرّع عن هذا السؤال الرئيس تساؤلات فرعية تتعلّق بكيفية استخدام مفاهيم مثل "التناسب" و"الضرورة العسكرية" و"التكاملية" لتقنين العنف بدلًا من تقييده، وبالكيفية التي تتحوّل بها المحاكم الدولية ذاتها إلى ساحاتٍ تُدار فيها علاقات القوة أكثر ممّا تُدار فيها العدالة.
منهجيًا،1 تعتمد الورقة مقاربةً نوعية تحليلية تستند إلى تحليل الخطاب القانوني والمؤسّسي، من خلال وثائق "محكمة العدل الدولية" ومذكّرات الأطراف، وردود الكيان الصهيوني الرسمية على اتهامات الإبادة، وتقارير حقوقية متاحة علنًا. وتقتصر الدراسة على المواد العربية والإنجليزية المتاحة علنًا، وعلى الفترة الممتدّة من 7 أكتوبر 2023 حتى أوامر التدابير الوقتية الصادرة عن "محكمة العدل الدولية" عام 2024، من دون عمل ميداني أو مقابلات. كما تنطلق الورقة من موقفٍ نقدي معلَن يقرّ باللامساواة البنيويّة التي تشكّل خلفية الحالة الفلسطينية، مع الحفاظ على الدقّة المفاهيمية في استخدام مصطلحات مثل الإبادة والضرورة العسكرية.
لا يسعى النص إلى تسييس المعاناة أو إعادة إنتاج خطاب الضحية/الجلّاد بشكلٍ اختزالي، إنما إلى مساءلة البنية القانونية الدولية نفسها من خلال أدواتها وتحليل بنيتها المفاهيمية.
أما من حيث موضعية الباحثة، فإن هذه الورقة تنطلق من موقفٍ نقديّ مُعلَن ومنحازٍ أخلاقيًا وحقوقيًا إلى الطرف الفلسطيني، لا من باب العاطفة أو الانتماء السياسي، بل من منطلق الإقرار بأن تحليل الظلم لا يكتمل دون الاعتراف باللامساواة البنيوية التي تشكّل خلفيته. هذا الانحياز الواعي لا يلغي الصرامة التحليلية، لكنه يحرّرها من أوهام الحياد الزائف، الذي كثيرًا ما يُستخدم في الأدبيات لتسوية المواقف، لا لتحليلها.
حرب القانون: الجذور العسكرية للمفهوم الكلاسيكي
بدأت المفاهيم الأولى لحرب القانون بالظهور داخل الكتابات العسكرية والأمنية الأميركية حيث صاغ اللواء تشارلز دنلاب مصطلح "حرب القانون" (lawfare) بوصفه استخدام القانون كسلاحٍ من أسلحة الحرب أي بوصفه استراتيجية تُستخدم لتحقيق أهدافٍ سياسية أو عسكرية من دون اللجوء إلى القوّة المادية (2001، 1). رأى دنلاب في القانون أداة يستطيع الخصوم من خلالها تعطيل قدرة الجيوش الحديثة على المناورة، من خلال تضخيم صورة الانتهاك أو استدعاء محاكمات دولية في الوقت الحرج. هذا الاستخدام لم يُطرَح في البداية بصفته نقداً لسلوك الدول الكبرى، لكن بوصفه تهديداً تواجهه هذه الدول من قبل خصومٍ أضعف قادرين على استغلال قواعد القانون الدولي لتقييد حركتها (المصدر نفسه، 2-4).
من هنا، اعتُبرت "حرب القانون" في المرحلة الأولى تكتيكاً يستخدمه الفاعلون غير المتكافئين في وجه القوى العسكرية الكبرى. في هذا السياق يعرّف أورد كيتري (2016، 2) الظاهرة بأنها استخدام القانون سواء عبر المحاكم، أو التشريعات، أو الخطاب القانوني العام لأغراضٍ مشابهة لتلك التي تُستخدم من أجلها القوّة في النزاعات التقليدية. يضيف أيضاً أن هذا الاستخدام قد يشمل على سبيل المثال إقناع الهيئات الدولية بفرض عقوبات، أو تشويه صورة الخصم قانونياً لحرمانه من التحالفات والدعم. تُستخدم هذه الآليات عموماً فيما يُعرَف باسم الضغط عبر الامتثال أي تسخير التزامات القانون الدولي على طرف ما لإضعافه أو ردعه.
تكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها أسّست للمفهوم بوصفه ساحة صراع موازية تُدار فيها النزاعات المعاصرة، وتُستثمَر فيها الأدوات القانونية كما لو كانت أدوات عسكرية. غير أنها، في ذات الوقت،تنطوي على فرضية ضمنية أقلقت القوى الكبرى، إذ أرادت استخدام القانون ليس كأداة مساءلة، إنّما كدرعٍ خطابي لأي ممارسات ترفض النقد أو التقاضي. ولهذا السبب، تعرّضت هذه النظرية لاحقًا لنقدٍ واسع من اتجاهات أكثر راديكالية، اعتبرت أن التركيز على "حرب القانون" (lawfare) بوصفها أداة الضعفاء يخفي كيف أن الدول الكبرى ذاتها هي التي باتت تتقن تسليح القانون عبر السيطرة على مؤسساته، وتأويل مفاهيمه، والتحكّم بإجراءاته (المصدر نفسه، 5-10). وبينما شكّلت هذه النظرية الكلاسيكية نقطة الانطلاق، إلا أن قراءتها بوصفها تفضي تلقائيًا إلى عدالة القانون أو حياده تُهمل واقعًا أكثر تعقيدًا: أن القانون نفسه يمكن أن يتحوّل إلى ساحةٍ غير متكافئة، تُعيد فيها الدول الأقوى إنتاج التفوّق عبر أدوات الامتثال الشكلي، وليس عبر القوة فقط. ما يمهّد للانتقال من تصور "حرب القانون" كسلاحٍ في يد الفاعلين الأضعف، إلى فهمه بوصفه أيضًا أداة بيد الدول الاستعمارية ذاتها، كما في حالة الكيان الاسرائيلي الإحلالي بعد 7 أكتوبر 2023.
القانون بوصفه أداة هيمنة: نقد الاستعمار والشرعية الشكلية
إنّ النقد اللاحق لهذا الاتجاه الكلاسيكي كشف تحيّزاته البنيوية. فقد عارض جون كوماروف (2001) الرؤية التي تفترض أن تسليح القانون هو سلاح الضعفاء، مشيرًا في أعماله حول الاستعمار إلى أن القانون كان دائمًا أداةً مركزية لإخضاع الشعوب الأصلية، وأنه يمثّل شكلًا من أشكال العنف الرمزي والإجرائي الذي يُستخدم بغطاء الشرعية رغم كونه جزءًا من منظومة السيطرة. ومن هذا المنظور، يصبح القانون نفسه جزءًا من البنية الاستعمارية لا إطارًا لمساءلتها. يتقاطع هذا التحليل مع ما تقترحه نورا عريقات (2019) حول فشل القانون الدولي في حماية الفلسطينيين، ليس لقصورٍ في قواعده، بل لأنه يُفعَّل سياسيًا بطريقةٍ تعزّز موازين القوى وترسّخ الاستثناء. هنا يصبح الاستثناء القانوني باسم الأمن أو الضرورة العسكرية هو القاعدة، ويتحوّل القانون من أداةٍ لضبط العنف إلى أداةٍ لإدارته واستدامته.
أما أوزان فارول (2015)، فقد قدّم مفهوم الاستبداد المتخفّي لفهم كيف تُستخدم أدوات القانون الديمقراطية كالانتخابات، أو المحاكم، أو التشريعات لترسيخ سلطةٍ غير ديمقراطية. وعلى الرغم من أن فارول لا يكتب في سياق القانون الدولي تحديدًا، فإن تصوّره يثري فهمنا لكيف يمكن للدول أن تحافظ على صورة القانون والشرعية، بينما تعطّل معناهما الفعلي. يصبح القانون هنا غطاءً للاستمرار في القمع، لا وسيلة لمقاومته. يتقاطع هذا التحليل مع ما يقترح نيف غوردون ونيكولا بيريجيني (2020، 132-138) من مفهوم الطبابة القانونية، حيث تُستخدَم حجج قانونية، مثل وجود مقاتلين مختبئين في مشافٍ لتبرير ضرب البنية التحتية الصحية في غزة، مع تحميل الفلسطينيين مسؤولية مأساتهم. يشير هذا إلى أن المفاهيم القانونية مثل "الهدف العسكري" أو "الدرع البشري" ليست محايدة، بل خاضعة للتأويل السياسي ومحمّلة ببنية استعمارية تُضفي الطابع الأمني على حياة السكان المحاصرين. تكشف هذه الأدبيات أن تسليح القانون لا يقتصر على خرقه، إنّما يتمثّل أساسًا في الامتثال الشكلي له بطريقة تؤدي إلى نزع الحماية وتبرير السيطرة. القانون في هذه المقاربة لا يُعتبَر نقيضًا للعنف لكن يمكن اعتباره أداة ينتج منها عنفًا قانونيًا حين يُستخدم من داخل منطق الهيمنة لإخضاع من لا يملك القدرة على التأويل أو الدفاع المؤسسي.
المناورة القضائية وتسييس الإجراءات: المحاكم كساحات قوّة
يُمارَس تسليح القانون عبر المفاهيم أو الخطاب، أيضًا من خلال السيطرة على مواقع التقاضي، وأوقات المحاكمة، وشروطها الإجرائية. لهذا ركّزت موجة من الأدبيات القانونية والسياسية المعاصرة على ما يعرف بـ"استراتيجيات المناورة القضائية"، أي الطريقة التي تُدار بها العلاقة بين الدولة ومؤسسات العدالة الدولية، مثل "محكمة العدل الدولية" ICJ، و"المحكمة الجنائية الدولية" ICC بهدف توجيه المساءلة أو تعطيلها، دون الحاجة إلى إنكار القانون أو رفضه علنًا. تظهِر هذه الأدبيات أن الدول، خصوصًا الأقوى منها أو المحمية بتحالفات سياسية متينة، كثيرًا ما تستخدم أدوات القانون نفسها لتقويض فعاليته: عبر رفض اختصاص المحكمة، أو الاعتراض على عضويتها، أو تقديم مذكّرات مطوّلة لتأجيل الإجراءات، أو حتى إنشاء آليات مساءلة داخلية شكلية تُستخدَم بوصفها بديلاً محلّياً كافياً يحول دون تفعيل الاختصاص الدولي (شاباس 2008). يعتمد هذا السلوك على ما يُعرَف بمبدأ التكاملية، والذي يفترض أنه يتيح للدول الفرصة لمحاكمة المتهمين محلّيًا قبل اللجوء إلى القضاء الدولي. غير أن هذا المبدأ غالبًا ما يُستغَلّ تكتيكيًا حيث تجري الدول تحقيقاتٍ داخلية غير مستقلّة، أو تفتقر إلى الجدّية، فقط لتأجيل تدخّل المحكمة الجنائية (هيلر 2006).
في الحالة الإسرائيلية، تُطبَّق هذه المناورة بأشكالٍ متعدّدة: رفضٌ صريح لاختصاص "المحكمة الجنائية الدولية" بزعم عدم عضوية الكيان الصهيوني فيها، والمراهنة على دعم حلفاء سياسيين لثني المحكمة عن المضيّ قدمًا. إضافة إلى ذلك، يلجأ الكيان إلى محاكمه العسكرية أو المدنية لإجراء تحقيقات تُستخدَم أمام المجتمع الدولي كدليلٍ على وجود محاسبة محلّية، رغم أن تقارير حقوقية عديدة، منها تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch)، أظهرت مرارًا أن هذه التحقيقات تفتقر إلى الاستقلالية والشفافية (2016). في هذا السياق، لا تعني المحاسبة بالضرورة تحقيق العدالة، بل قد تصبح مجرّد أداة ضمن منظومة استراتيجية تُعيد توزيع المسؤولية، أو تؤجّل الحسم، أو تفرغ القانون من مضمونه الرادع. وهكذا، تصبح المحكمة ساحة صراع إضافية، لا تسعى فيها الدولة إلى تبرئة نفسها بالضرورة، إنّما إلى ضبط توقيت المساءلة أو تحويلها إلى مسألةٍ قابلةٍ للجدل.
شرعنة العنف من داخل القانون: التناسب والضرورة والهندسة القانونية
تجسّد الفكرة التالية إحدى أكثر المفارقات القانونية إلحاحًا في النزاعات الحديثة: أن القانون الإنساني الدولي الذي صُمّم لضبط استخدام العنف في النزاعات المسلّحة قد يُستخدَم، في أحيانٍ كثيرة، لتقنين العنف نفسه. ليست المسألة هنا في خرق القانون أو تجاهله، لكن في استخدامه بوصفه أداة للشرعنة: أي أن تنفّذ أفعال قاتلة تحت غطاء الامتثال القانوني، ما يمنحها حصانة رمزية ويضعف القدرة على مساءلتها سياسيًا وأخلاقيًا. تناول هذا المفهوم الباحث الأميركي ديفيد كينيدي في دراسته المعروفة "الحرب والقانون" (2006، 37-42)، مؤكدًا أن القانون لا ينشأ دائمًا بوصفه حارسًا للعدالة، بل قد يكون أداة في ترسانة الحرب، يوفّر للمعتدين شرعية شكليّة، ويمنح عملياتهم بنية أخلاقية تبريرية. يرى كينيدي أن القانون الإنساني لا يردع الحرب بالضرورة، إنما يدخلها في منطق الإدارة، حيث يصبح السؤال ليس هل نقتل؟ لكن هل القتل متناسب؟ أي أن معيار التناسب، بحدّ ذاته، يسمح بوقوع القتل، طالما أنه لا يتجاوز الحدّ المقبول.
ويعمّق هذا الطرح الباحث إييال وايزمان (2011، 11-14) في تحليله المعماري القانوني للعدوان على غزة، مشيرًا إلى ما يسمّيه "هندسة التناسب"، أي الطريقة التي تُستخدَم بها البيانات الكمّية والخرائط والمعادلات لتبرير استهداف مناطق سكنية، تحت ادّعاء أن الخطر أو الضرر العسكري المرتبط بالهدف يبرّر الأذى الواقع على المدنيين. في هذا النموذج، تتحوّل مفاهيم مثل "الضرورة العسكرية" و"الهدف المشروع" إلى أدوات تلاعب بالتأويل، تسمح بتوسيع هوامش الاستهداف، وتعيد تصنيف الضحايا وفق منطقٍ احتمالي أو بياني. يشير هذا النوع من الأدبيات إلى وجود انزياح قانوني، تتحوّل فيه قواعد الحماية إلى آليات ضبط لا للحرب، لكن لسردها القانوني: تصبح المشافي أهدافًا عندما يُشتبه بوجود مقاتلين فيها، وتُعطَّل الإغاثة الإنسانية إذا كانت غير آمنة، وتمنح الممرات وقتًا محددًا بعده يعود القصف القانوني وكأن شيئًا لم يكن. وهنا يكمن قلب المفارقة: أنّ استخدام القانون ليس لكبح الجريمة، بل لتقنينها وتحديد إحداثياتها الزمنية والمكانية (المصدر نفسه، 93-97).
وفي السياق الفلسطيني، هذا التوظيف لا يتمّ فقط داخل غرف العمليات، إنّما في الخطاب الإسرائيلي القانوني أمام المجتمع الدولي. فتقديم العمليات العسكرية بوصفها مقيَّدة بالقانون لا يعني بالضرورة أنها أقلّ دموية، بل يعني غالبًا أنها محمية قانونيًا من المساءلة، لأن القتل بات مشفوعًا ببيانٍ رسمي، أو بخرائط دقيقة، أو بتبريرٍ تناسبيّ قابلٍ للجدل. هذه الأدبيات تفكّك العلاقة التقليدية بين القانون والعدالة، وتظهر كيف أن النظام القانوني نفسه قد يُستخدَم لصناعة عنفٍ شرعيٍّ لا لردعه، خصوصًا في النزاعات غير المتكافئة، حيث لا يتساوى أطراف النزاع في القدرة على إنتاج المعنى القانوني أو التحكّم في آلياته المؤسسية.
تُظهِر هذه الأدبيات، بمساراتها المختلفة، أنّ تسليح القانون ليس ظاهرةً طارئة أو هامشية، بل نمط إنتاج قانوني وسياسي متكرّر تنخرط فيه الدول القوية عبر أدوات متعدّدة: من تأويل المفاهيم، إلى التحكّم بالمنابر، إلى استخدام الإجراءات نفسها لإفراغ العدالة من مضمونها. من المقاربة الكلاسيكية التي ترى في القانون أداةً بيد الضعفاء لتقييد الأقوياء، إلى الطرح النقدي الذي يبيّن كيف يُستخدَم القانون ذاته لتثبيت الهيمنة، مرورًا بدراسات المناورة القضائية، ونقد القانون الإنساني بوصفه إطارًا لإدارة العنف بدلًا من منعه، تتّفق هذه التيارات، من زوايا مختلفة، على أن القانون ليس مجرّد أداة حيادية، بل فضاء للصراع على المعنى والشرعية والتوقيت.
مع ذلك، ما تزال أغلب هذه المساهمات إمّا تركّز على حالات سابقة (كالعراق وأفغانستان و"الحرب على الإرهاب") أو تتناول الحالة الفلسطينية بوصفها مثالًا من بين أمثلة أخرى، من دون تحليلٍ معمّق للطريقة التي أعاد بها الكيان الصهيوني ترتيب علاقته بـ"محكمة العدل الدولية" و"المحكمة الجنائية الدولية" بعد 7 أكتوبر 2023 بوصفه قوّة استعمارية تستخدم لغة القانون الدولي نفسها لتكريس حصانتها. كما أنّ الكتابات العربية حول تسليح القانون في هذا السياق تبقى متفرّقة، وغالبًا ما تفصل بين نقد أداء المحاكم الدولية وبين تحليل البُعد الاستعماري لبنية القانون ذاته. من هنا، تسعى هذه الورقة إلى سدّ هذه الفجوة من خلال قراءة متمركزة حول الحالة الفلسطينية، تربط بين الخطاب القانوني للكيان الصهيوني الإحلالي وممارساته العسكرية على الأرض، وتفكّك كيف يُعاد تشكيل مفاهيم المسؤولية والضحية والجريمة داخل منطق تسليح القانون الدولي بعد 7 أكتوبر 2023.
مناقشة نقدية للأفكار الرئيسية
إثر عملية السابع من أكتوبر 2023، لم تكن استجابة الكيان الصهيوني مقتصرة على الأبعاد العسكرية أو الأمنية، بل امتدّت إلى ما يمكن تسميته بالهجوم القانوني المعاكس؛ أي توظيف البنية القانونية الدولية لإعادة ترميز الحدث وتثبيت سردية موازية تُخضع الرواية القانونية لمقاييس الكيان، لا لمعايير القانون الدولي. في هذا السياق، عمل الكيان على تأطير ما جرى بوصفه إبادة جماعية ضدّه (بيكر 2024؛ شاليف 2025)، في محاولةٍ لتحويل التهمة الجوهرية الموجهة إليه إلى ادعاء مضاد. وبذلك ينتج توازنًا قانونيًا زائفًا يعيد توزيع المسؤولية، ويعطّل السردية الفلسطينية على مستوى الخطاب القانوني والمؤسسي.
وفق ما يحاجِج أفراهام راسل شاليف في دراسته حول "تسليح الاتهامات المعكوسة" (2025)، فإن هذه الاستراتيجية تمثّل شكلًا متقدّمًا من "حرب القانون" (lawfare)، لا يهدف إلى الدفاع بقدر ما يهدف إلى تشويش ساحة الاتهام وإعادة ترسيم مَن يملك حقّ المطالبة بالعدالة ومن يُقدَّم بوصفه الجاني أو الضحية. في هذا النموذج، لا تُستخدَم الاتفاقيات الدولية كاتفاقية الإبادة لعام 1948 لتوفير الحماية فقط، بل لتوجيه ضربة رمزية مضادّة. فالكيان الصهيوني الإحلالي، وفق هذا النموذج، لم يسعَ إلى إقناع المحكمة الجنائية أو محكمة العدل الدولية بعدم وقوع إبادة في غزة فقط، حيث عَمَدَ إلى تقديم نفسه كضحية إبادة، واستخدم بذلك المفهوم القانوني الأعلى في النظام الدولي ضدّ خصمٍ هو بالأصل هدف الدعوى القضائية.
يتجلّى هذا المنطق بوضوح في التفاعلات أمام "محكمة العدل الدولية" في قضية جنوب أفريقيا ضدّ الكيان الصهيوني. فبينما أشارت المحكمة في أمر التدابير المؤقتة الصادر في 26 يناير/كانون الثاني 2024 إلى وجود حقوقٍ محتملة للفلسطينيين في غزة بالحماية من الإبادة، وألزمت الكيان باتخاذ إجراءاتٍ فورية لمنع الأفعال الواردة في المادة الثانية من "اتفاقية منع جريمة الإبادة والمعاقبة عليها"2 ومنها قتل أعضاء الجماعة أو إلحاق أذى جسدي أو عقلي جسيم بهم أو إخضاعهم عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدمير الجماعة كليًا أو جزئيًا، لجأ الكيان في دفوعه المكتوبة والشفوية إلى التركيز على عنصر "القصد الخاص"، أي النيّة المحدّدة لتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا، بوصفه العتبة الحاسمة في إثبات الجريمة، وقدّم العمليات العسكرية في غزة باعتبارها ممارسة لحق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة في مواجهة تهديد "وجودي"، لا تنفيذًا لسياسة استئصالية تستهدف الفلسطينيين كجماعة.
بهذه الطريقة، يُختزَل النقاش في سؤال نوايا الدولة، بينما تُقصى من التحليل البُنى المادية للعنف: الحصار طويل الأمد، والتدمير واسع النطاق، وتجريد السكان من شروط الحياة الأساسية، رغم ثقلها في تقييم سياق الإبادة ("محكمة العدل الدولية" 2024؛ "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" 1948). هذا التأطير لا يعمل فقط على نفي الجريمة، بل على تفريغها من معناها الأخلاقي، وتحويلها إلى نتيجةٍ مؤسفة لكن مبرَّرة ضمن ميزان التناسب القانوني. إنه ما يمكن تسميته بـ"التبييض القانوني للإبادة" أي إعادة تغليف الوقائع المادية للعنف بلغة قانونية تقنية تجعلها تبدو نتيجةً مؤسفة لإدارة العمليات، لا سياسةً موجّهة ضد جماعة محمية. وضمن هذا المنطق، يُستخدم التوازن المفترض بين القانون الإنساني وقانون النزاعات المسلحة لإعادة تصنيف الضحايا، بحيث لا يعود الفلسطينيون ضحايا عنفٍ بنيوي ومستمرّ، بل يصبحون جزءًا من معادلةٍ تبادلية يُفترض فيها أن يحاسَب الطرفان على نفس المستوى، رغم اختلاف السياق، والقدرات، والبنية الاستعمارية (رينولدز 2017، 165-170).
ولا يقف تسليح القانون عند مستوى الخطاب أمام "محكمة العدل الدولية"، إذ يمتدّ إلى العلاقة البنيوية بين الكيان الصهيوني الإحلالي و"المحكمة الجنائية الدولية". فعلى المستوى المؤسسي، اعتمد الكيان، على مدى سنوات، على شبكةٍ من التحقيقات الداخلية أمام المحاكم العسكرية والهيئات التأديبية لتوليد مظهر المحاسبة. ورغم أن مبدأ التكاملية في نظام روما الأساسي يفترض أن تتيح هذه الآليات الوطنية محاسبةً حقيقية تسبق تدخل المحكمة الجنائية، تُظهر الأدبيات النقدية حول التكاملية كيف يمكن استغلال هذا المبدأ تكتيكيًا: عبر تحقيقات شكلية، غير مستقلة أو انتقائية، تُستخدَم لإثبات أن الدولة "قادرة وراغبة" في المحاسبة، بينما هي في الواقع تعيق الوصول إلى عدالة فعّالة (هيلر 2006؛ شاباس 2008).
في الحالة الإسرائيلية، تعزّز تقارير حقوقية عديدة هذا التشخيص؛ إذ تُظهر أن معظم الشكاوى ضد الجنود والمسؤولين عن انتهاكات جسيمة بحقّ الفلسطينيين تنتهي بإغلاق الملفات أو عدم تقديم لوائح اتهام، وأن احتمال محاسبة جندي اسرائيلي على قتل مدني فلسطيني يبقى ضئيلًا للغاية. ومع ذلك، تُستَخدم هذه التحقيقات أمام "المحكمة الجنائية الدولية" بوصفها دليلًا على وجود "نظام وطني فعّال"، ما يحوّل التكاملية من ضمانةٍ ضد الإفلات من العقاب إلى أداة لإعادة إنتاجه ("هيومن رايتس ووتش" 2016؛ ييش دين 2024). إلى جانب هذه المناورة الإجرائية، طوّر الكيان الصهيوني الإحلالي وحلفاؤه خطابًا موازيًا يستهدف نزع الشرعية عن هيئات المساءلة ذاتها؛ فكلّما تحرّكت "المحكمة الجنائية الدولية" أو صدر قرار من "محكمة العدل الدولية"، يُستحضَر قاموس "التسييس" و"التحيّز" و"معاداة السامية" لتأطير أي محاولة لتفعيل آليات القانون الدولي بوصفها هجومًا على "حق الكيان في الدفاع عن نفسه"، لا بوصفها سعيًا لحماية المدنيين في غزة. هكذا يُنقَل مركز الثقل من مضمون الاتهامات إلى شرعية المحكمة نفسها، ويُعاد تعريف المطالبة بالمحاسبة باعتبارها انحيازًا، والتضامن مع الضحايا باعتباره خطاب كراهية.
تكشف هذه الاستراتيجية المزدوجة، الإجرائية والخطابية، أن تسليح القانون بعد 7 أكتوبر يتجاوز حدود "الدفاع القانوني" التقليدي؛ فالكيان الصهيوني لا يكتفي بالاستفادة من ثغرات النظام القانوني الدولي، بل يعمل على إعادة هندسته من الداخل: يعيد تعريف الجريمة عبر التشديد على عناصر ضيّقة مثل القصد الخاص، ويعكس موقع الضحية والجاني عبر تسليح خطاب الإبادة، ويُفرغ مبدأ التكاملية من محتواه عبر تحقيقات شكلية، ويحاصر مؤسسات العدالة من خلال اتهامات بالتسييس ومعاداة السامية. في هذا السياق، يصبح القانون لا أداةً لضبط العنف أو مساءلته، بل بنية تحتية لإدارته وتوزيعه وحمايته تحت غطاء الامتثال والشرعية واللغة الحقوقية، وهو ما نراه كأحد أكثر تجلّيات الاستعمار القانوني كثافةً في الحالة الفلسطينية المعاصرة.
الخاتمة
بين خطاب الامتثال وممارسة الهيمنة، تتكشّف ديناميكيات تسليح القانون الدولي بوصفها جزءًا لا ينفصل عن المشهد السياسي للنزاعات غير المتكافئة، لا سيما في حالة الكيان الصهيوني الإحلالي بعد 7 أكتوبر 2023. لا يدور الصراع هنا حول الوقائع فقط، لكن حول من يمتلك سلطة تسميتها، وتأويلها، وإدراجها ضمن بنى القانون كجريمة أو كدفاع مشروع. لقد أظهرت هذه الورقة أن القانون، متى ما تحوّل إلى أداة للشرعنة بدلًا من المساءلة، ينتج فضاءً قانونيًا مُسيَّسًا يعاد فيه تعريف الجريمة والضحية والعدالة وفق مقاييس القوة لا القواعد.
إن الكيان الصهيوني الإحلالي، من خلال تقنيات عكس الاتهام، واستخدام مؤسساته الداخلية لتفعيل مبدأ التكاملية، وتأطير "المحكمة الجنائية" بوصفها منبرًا معاديًا، لا يمارس دفاعًا مشروعًا ضمن قواعد القانون، إنما ينتج واقعًا قانونيًا هجوميًا يصادر حقّ الطرف الفلسطيني في السرد، والمحاسبة، والاعتراف. وفي هذا الاستخدام لا يَكمن الخطر في الكذب أو التزوير، بقدر ما هو في التقنين الرسمي للفجوة الأخلاقية بين النص والواقع حيث يُعاد إنتاج العنف من داخل القانون، لا من خارجه. تكشف هذه الحالة هشاشة البنية الأخلاقية للقانون الدولي حين يُترَك خاضعًا لتأويل مَن يملك القوة والمنبر. كما تطرح سؤالًا حرجًا حول معنى الحياد القانوني في سياق هيمنة استعمارية مستمرة. فالورقة، بانحيازها الصريح إلى الحق الفلسطيني، لا تزعم الكشف عن حقيقة مطلقة، بل تطرح قراءةً نقدية تعترف بأن القانون ليس ساحة لتكافؤ أخلاقي، لكن يمكن اعتباره ميدانًا يعاد فيه إنتاج عدم التكافؤ بأدواتٍ شرعية ظاهريًا.
انطلاقًا من هذه القراءة، تفتح الورقة أسئلةً بحثية وسياسية أوسع حول إمكانات استخدام القانون الدولي من قِبَل الفاعلين العرب والفلسطينيين دون الوقوع في منطق تسليحه من جانب القوى المهيمنة، وحول الحاجة إلى دراسات مقارنة تربط بين الحالة الفلسطينية وحالات أخرى في المنطقة، كالسياقات السورية واليمنية والسودانية، لفهم الكيفية التي تؤثّر بها هندسة القانون على إمكانيات العدالة الانتقالية والمساءلة. كما تشير إلى ضرورة تطوير خطابٍ حقوقي عربي لا يكتفي بتشخيص عجز المؤسسات الدولية، إنما يعيد التفكير في استراتيجيات التوثيق والتقاضي والتحالفات العابرة للحدود بما يحدّ من قدرة الدول الاستعمارية على احتكار لغة القانون وتمثيل معاييره.
- 1. توضيح من فريق التحرير: وفقاً للسياسة التحريرية للمجّلة، لا نعتمد في "كحل" على مصادر اسرائيلية. لكن في حالة هذا المقال وافقنا استثنائياً على استخدام أكثر من مصدر اسرائيلي لضرورة تبيان الخطاب والحجج المستخدمة من قبل الكيان الصهيوني في استغلال القوانين الدولية والالتفاف عليها، وهو موضوع بحث المقال.
- 2. تنصّ المادة الثانية من "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" (1948) على: "تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:(أ) قتل أعضاء من الجماعة. (ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة. (ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً. (د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة. (هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى."
Becker, Tal. “Opening Statement of MFA Legal Advisor Dr. Tal Becker at ICJ Proceedings.” Ministry of Foreign Affairs. Israel: 12 January 2024. https://www.gov.il/en/pages/opening-statement-of-mfa-legal-advisor-tal-becker-at-icj-proceedings-12-jan-2024
Comaroff, John L. “Colonialism, Culture, and the Law: A Foreword.” Law & Social Inquiry 26, no. 2 (2001): 305–314.
Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide. The Office of the High Commissioner for Human Rights. United Nations: 9 December 1948. https://www.ohchr.org/en/instruments-mechanisms/instruments/convention-prevention-and-punishment-crime-genocide
Dunlap, Charles J., Jr. “Law and Military Interventions: Preserving Humanitarian Values in 21st Century Conflicts.” Humanitarian Challenges in Military Intervention Conference. Carr Center for Human Rights Policy and Harvard Kennedy School: 29 November 2001. https://people.duke.edu/~pfeaver/dunlap.pdf
Erakat, Noura. Justice for Some: Law and the Question of Palestine. Stanford: Stanford University Press, 2019.
Gordon, Neve, and Nicola Perugini. Human Shields: A History of People in the Line of Fire. Oakland: University of California Press, 2020.
Heller, Kevin Jon. “The Shadow Side of Complementarity: The Effect of Article 17 of the Rome Statute on National Due Process.” Criminal Law Forum 17, no. 3 (2006): 255–280.
Human Rights Watch. “Palestine: ICC Should Open Formal Probe.” Human Rights Watch, 5 June 2016. https://www.hrw.org/news/2016/06/05/palestine-icc-should-open-formal-probe
International Court of Justice. Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel). The Hague: 26 January 2024. https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/192/192-20240126-ord-01-00-en.pdf
Kennedy, David. Of War and Law. Princeton: Princeton University Press, 2006.
Kittrie, Orde F. Lawfare: Law as a Weapon of War. New York: Oxford University Press, 2016.
Reynolds, John. Empire, Emergency and International Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.
Schabas, William. “Complementarity in Practice: Some Uncomplimentary Thoughts.” Criminal Law Forum 19, no. 1 (2008): 5–33.
Shalev, Avraham Russell. “Hamas’ October 7th Genocide: Legal Analysis and the Weaponisation of Reverse Accusations - A Study in Modern Genocide Recognition and Denial.” Israel Law Review 58, nos. 2-3 (2025): 343–382. https://doi.org/10.1017/S0021223725100009
Varol, Ozan O. “Stealth Authoritarianism.” Iowa Law Review 100, no. 4 (2015): 1673–1766.
Weizman, Eyal. The Least of All Possible Evils: Humanitarian Violence from Arendt to Gaza. London: Verso, 2011.
Yesh Din. “Data Sheet: Law Enforcement on Israeli Soldiers Suspected of Harming Palestinians and their Property in the West Bank.” Yesh Din Volunteers for Human Rights, 2024. https://www.yesh-din.org/en/data-sheet-law-enforcement-against-israeli-soldiers-suspected-of-harming-palestinians-and-their-property-figures-for-2018-2022
