رَأسْ

السيرة: 

بروج، يعيش بين كتابة الأشياء وعدم كتابتها. تارةً يلفُظُ الموج حركة داخله فتنساب الكلمات من عشِها الطري.

أحياناً ينام في العشِ ذاته ولا تتوقف الكتابه. بل تلملم أغصان وسعفٌ مع عصافير الجليل. لتنتشر الكلمات في التارات المتتالية. يعتقد أحيانا انه ذكراً، أنثى، كل شيء ولا شيء.

شكر‬ ‫واعتراف‬: 

شكراً صباح على المساعدة في التنقيح والنحو وشكراً لأبي شاعري العزيز نمر لقراءة القصيدة مراراً وضخ الملاحظات واقتراحات النحو، التي لم أطبقها في جميع الأحيان…

اقتباس: 
بروج نصار. "رَأسْ". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 11 عدد 3 (15 كانون الأول/ديسمبر 2025): ص. 6-6. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 30 كانون الثاني/يناير 2026). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/467.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.

dabke_website_ar.jpg

سارة السرّاج - دبكة

إلى سارة حجازي

 

إِيقاعُ القِصص

عزيزتي الأعزّ سارة،

مَن يَكتبُ منا
أَنا أَم أَنتِ!
أَحياناً أَتصَرَفُ بِنَباهَةٍ بَلهاء
فَأَخسَرُ كُلَ مَن حَولي
كَما فَقَدَتني البِلاد وفقدتها
جُرحٌ بِدَوامٍ كامِل
نُدَّخِنُ بِشَراهَةٍ
نَستَبدِلُ الماءَ بالقَهوةِ
تُرافِقُنا الموسيقى مَلاذاً
نَغفو جانبَ الكِتاب
تَحضُنُ صفحاتُه كوابيسَنا.

في الصباحِ الطالع
نَستَيقِظُ كالقِصصَ
نَتَجَنَبُ اللَيلَ، نَكونَه
نَشربُ كؤوسَ الجِن
نَشِمُ المُسَكِنات المَطحونَة
ونُبادِلُ بَعضَنا الحُبَ.

دَوامَةٌ مُتتالِيَةٌ مِن وَقعِ الواقِع
على عَقلِنا المُستَيقِظُ دائماً
كالقَمَر.

***

طعم البلد

تَزاحَمَ الأَوغادُ حولَ عُنُقي
سَقَطْتُ وَدراجتي
قَفزوا على جسدي،
قلبٌ يَلفُظُ بِحُروفِه
عشقاً أحمر
رئةٌ تمزج بغبارها
نبعاً أخضر
أوعيةٌ تحمل شوارعَ
تَنتَفِضُ بِصَبرٍ
ورأسٌ مقاوم
يدوّن الألم قصةً،

كانَت زَينَبُ1 تَركَبُ دَراجتَها
وَتَطيرُ
من البيتِ إِلى الشارع
من الشارعِ إِلى الحارة
من الحارةِ إِلى الجبل
من الجبلِ إِلى المكتبة
من المكتبةِ إِلى المقهى
من المقهى إِلى الرفاق
من الرفاقِ إِلى الغرفة،

كانت غُرفَتي
مُكتَظَةٌ بِرائِحَةِ الوَردِ
والكُتُبِ
يَنبَثِقُ مِن نافذتِها
المُطِلةِ عَلى طَلعت حرب
صَوتُ فَيروز
يَلحَسُ بُكائي
كالقطط
ويرفو بإِكتِئابي.

***

هواء الزنزانة

أَغلَقتُ سَمعي
وتَجاهلتُ نداءَ السجَّانة

أتَتْ بأَوامِرٍ عُليا!
بقولوا: "عشان تحرسني!"
"من ماذا تَحرسيني حضرتك!"، سألتُ

"أَنا هُنا بأَوامرٍ عُليا"، رَدَدَت!
"وما تُهمَتي إِذاً؟"، سألتُ
"رَفعُ قَوسَ قُزَحٍ،
ومِن خلال اتهامكِ وإتِهام قوس قزح
سَيُغطِّي النظام على جرائمه ضد المساجين السياسيين 

الذين قام بقتلهم قَبلِكِ
ولم يروا السماءَ الزرقاء يوماً واحداً
بعدَ إِعتِقالهم."، قالت
"تُهمَتنا إِذاً أَننَّا مَوجودون، أننَّا أحرار

أننَّا نحمل قماشة قوس قزح،
وهل جسدي الليلكي المتورمُ نتيجة توحش النظام تهمةٌ أيضاً!
وما ذَنبك أَنتِ؟
تُشاركيني الزِنزانَةَ،
والفَأرُ ثالِثُنا
أَتعرفين ما تُهمَتُه هُوَ الآخَر!" قلت

بينما رأيت في خيالي

النظام وأتباعه الأوغاد

يسقطون
كأحجار الدومينو.

أَذكُرَ حينها أَنني
كَتَبتُ عَلى جُدرانِ زِنزانَةِ القَناطِر
الحبُ سينتَصِرُ والسلامُ سيعمُّ
بِمحاذاةِ ما كَتَبَت سماح العرباوي
الظُلمُ حَرام.
تَركبُ زَينَبُ دَراجَتَها وتَطيرُ…

***

مشاعر الغربة

كانت كَندا
مُكتَظَةً بالثُلوجِ
ومكتبتي بالأَوراقِ المُبَعثَرَةِ
ثَرثَرةٌ غَريبَةٌ
تَحومُ حَولي
تُقَرفِصُ في وُجودي
ولا تَتبَدَلْ
بِلُغَةِ أُمي.
كَتَبتُ
لِفضحِ الأَوغادِ

لخلقِ حيوات جديدة،
كما تبزغ الفراشات من اطفال فلسطين

وتلامس الأرض.

كَم مِن العِشقِ يَنقُصُنا عَزيزتي؟
كَي نَصعَدَ إلى قَلبِك!

صباحٌ وَمَساءٌ
تَجلِسين هُناك
تَرقُصين مَع حَبيبتِك
يَخِفُ البَردُ
تَتَلاشى الحَواجِزُ

تسقط الأنظمة ويسقط الإحتلال.

 

تصير البلاد مِرآةً،
نَظَرنا مَرَتَين مِنها
مَرَةٌ مِن خارِجِها
مَرَةٌ مِن داخِلِها
كَي نَرى أَنَكِ أَنا
وأَنا أَنتِ
سِلتُ ويَدي
مَدَدتِ يَدَكِ…
رَقَصنا
تَحتَ ضَوءِ عَقلِنا
المُستَيقِظِ دائِماً
كَقمر الظهيرة.

*** 

صورة البحر

شَعَرتُ حينَها بِرَمزِيَةِ
الإِنتِقالِ إِلى العالمِ الآخر
شُعورُ الإِنتِقالِ طارَدَني مؤخراً
صوتُ فَيروز
لَم يُخَدِّر إِكتِئابي تَماماً
بَل أَنَه أَحياناً
ضاعف عَلى حنين
فَالحَنينُ برتقاليٌ!

تماما تماما

كطعم شجر البرتقال على أبواب البيوت 

التي تجاور البحر.

 

مُمكِنُ أَن أَكونَ أَنا هُنا قِطَةٌ زهرية!
وسَقَطَتُ مُصاَدفَةً في العالَم
كَي يَكتبوا عني…
ولكني أَذكُرُ أَنَني متُّ.
رائحةُ البَحرِ هُنا تُشبِهُ عِنادَ الذُبابِ 

الذي لا يغادر البحر…

 

أما رائحةُ البُيوتِ
تُشبهُ سِرَّ البَحرِ
أو بالأحرى
ما تحتَ طَبَقَتِه الأولى
الكَلابُ، القِطَطُ، السمك، الإِنسانُ والخِرافُ
سواءٌ
نشاركهم
بأننا جميعا لا نَكُف عن التكاثرِ
ورَغبَتِنا الأَبَدِية للبحرِ
أو لِما بَعدَهُ
كَالقُبلَةِ الثالِثة
أو عِندَما صَرَخنا
تَحتَ الشَمسِ الصفراء.

***

قوس قزح

إنها القاهرة، حفلة مشروع ليلى

شَعَرتُ في هذا اليَومِ
أَن الأبدية فِكرَةٌ حَقيقيةٌ
إِن كانَت وَليدَةَ اللحظةِ

 

مثلاً لحظة كهذه،
أُلَوِحُ راقِصَةً
قُماشَةَ قَوسِ قُزح
كان النهرُ خفيفاً
رفعتَهُ ورَفَعَني 

يرافقني صوت حامد،

كمان هايج،

إيقاع كارل، 

غيتار فراس، 

باس إبراهيم،

موسيقى أمية…

 

لا أَتلقى الرَصاص
على أَكتافِ أَصدِقائي،
حيث تذوب المسافاتُ 

ونكون واحد…

هذه صورتي وبسمتي
أَقفِزُ في الهواءِ
أُناشدُ الأَلوانَ والسَماء
وأشعر أنني في لحظةٍ
خالدة،
كلوحات فريدا كاهلو
وإيقاع الاصدقاء

حتى لو أَتاني الموت
بعدَ ثلاثَةِ مَوجاتٍ مِن الآن.
تَركَبُ زَينَبُ دَراجَتَها وتَطيرُ…

***

 

لكِ سارة، طائرة ورقية ملونة بقوس قزح بحجم السماء والكواكب…

سامحينا…

حب، 

بروج

 

 

ملاحظة: ننشر هذه القصيدة بعلامات التشكيل كما وضعها الكاتب.

 

  • 1. زينب، شخصية تظهر في مذكرات سارة وقصصها.
ملحوظات: