كيانات متحرّكة: معالجات مفاهيميّة جديدة للماء والدولة والسيادة

السيرة: 

سارة البنّا، طالبة ماجستير في جامعة أكسفورد تدرس لنيل درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط الحديثة. أنا مصرية ولكني هاجرت إلى الولايات المتحدة الأميركية في سنّ الثانية حيث نشأت في نيويورك. سبق لي أن درست الشرق الأوسط في جامعات في الولايات المتحدة وفرنسا ووجدت نفسي منجذبة إلى الأسئلة المتعلقة بالبيئة السياسية والسياسة الحيوية والمواطنين ونموذج الدولة القومية. أتعامل مع جميع أسئلتي واهتماماتي البحثية من خلفية نظرية/ دراسات ما بعد الاستعمار وأهدف إلى مقاربة أسئلتي البحثية من منظور ديكولونيالي. من المهم بالنسبة لي أن أنظر في تأثيرات الحداثة والرأسمالية والحدود على حياة وأجساد المجتمعات المحرومة/ أولئك الذين يعيشون على هوامش أنظمة القهر، لا سيما في الشرق الأوسط. آمل أن أمارس مهنة في الأوساط الأكاديمية من أجل استكشاف مثل هذه الأسئلة بشكل أكبر. في وقت فراغي، أحب استكشاف منافذ إبداعية أخرى (أعتقد حقًا أن البحث يمكن اعتباره إبداعيًا) وأقضي وقتي في الرسم وفي قراءة القصص الخيالية وغير الخيالية، ومشاهدة الأفلام، وكتابة اليوميات وممارسة اليوغا.

اقتباس: 
سارة البنّا. "كيانات متحرّكة: معالجات مفاهيميّة جديدة للماء والدولة والسيادة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 8 عدد 2 (06 فبراير 2023): ص. 10-10. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 31 مايو 2024). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/401.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
ترجمة: 

رياض الأيوبي دارس للاقتصاد وقارئ لحقول العمران والفلسفة واللغويات في تاريخ العرب، بادي البدء في ممارسته الترجمة لمّا عمل على نقل الأدبيات الشيوعيّة للعربية عبر صفحة «ما العمل؟» ومن ثمّ توسّع في هذا البحر من خلال تتبّع مخاض عمل شيوعيّي لبنان زمن الستينيات على نقل الإنتاج المعرفي من عالم الشمال إلى العالم العربي.

المقدّمة

نسمع على الدوام أنّ الحرب في المستقبل ستدور حول الماء. تضع هذه السرديّة وجود موردٍ طبيعيٍّ داخل معادلة صِفريّة، فَيُصبح عاملًا دافعًا إلى الاقتتال العنيف، في إعراضٍ عن الأخذ بالحسبان الطابع المادّي في العنصر "المتنازَع عليه". هكذا تُختزَل العناصر الطبيعيّة من زاوية نظر النُدرة، ويُقذَف بها وسط نمطٍ جيوسياسي يعزّز التنازع على الطاقة والهيمنة والحدود، عبر تصوّر منطقة غرب آسيا1 كأرض صحراءٍ قاحلة وموبوءة بالتهافت على موارد شحيحة. يشدّد هذا على التواريخ الماضية والمستقبَليّة، المصنّعة خصّيصًا كي تُسهِم في تصنيف دول المنطقة كـ "دول فاشلة" وغارقة في معمعة اقتتالٍ متواصل ومتقوقعة في الهمجيّة. هذا التصنيف المُعطى للأرض والمنطقة يرعى حركيّات النبذ2 والإقصاء المستَتِرة وراء عصف العناصر الطبيعية. ولكن سمة التدفّق الحرّ في الماء دون قيدٍ أو سيطرة، هي مَن تُبطِل منطِقيّة البحث إذا اقتصر على النظر من حيث علاقات الدولة والهيمنة. نسأل: كيف لنا أن نُعيد الاعتبار للماء كفاعلٍ حَيّ في علاقاتنا بالدولة، كَعَدَسةٍ نرى من خلالها مكنونات مفاهيم المواطَنة، عوضًا عن إحالَتِه كائنًا مروِّعًا وصاحب حَلٍّ وعقدٍ في حظوظ الحياة والمَمات؟ ثمّ نتساءل أيضًا: كيف تتبدّل رؤى المواطنين لسلطة الدولة وشرعيّتها، متى ما انتبهوا لواقع التمييز والتفاوت في تحصيل الحقّ بالاستفادة من الماء وما سِواه من أغراض البنية التحتيّة والخدمات العامّة التي يُنفِقون هُم عليها بتسديد الضرائب؟ يترتّب على مقاربة هذه المسائل أن نُجري تحليلًا للماء ووظيفته في بناء الدول – مستندين في ذلك إلى مفهوم السياسة الحيويّة، ومن ثمّ نباشِر بالبحث في اجتهاداتٍ مبنيّة على النقيض من السيادة القائمة، في إبداعٍ مُستمَدّ من الفهم الجديد للماء.

 

البنية السياسيّة-الحيويّة في الماء

ينبغي لنا أن نلحظ صُغرَيات شؤون الماء في علاقته بالبَشَر والأجساد، إذا أَرَدنا البدء في استيعاب طبيعته المتناقضة، من حيث أنه قادرٌ على تحقيق الاتصال والانفصال، وهو المُنفَعِل تلاعُبًا به في الخطاب والسرديّة. وهذا التلاعب والتضليل عن الطابع المادّي للماء هو ما يتيح التحكّم في مجراه ومن ثمّ حبسه داخل ثنائيّة الوفرة والندرة، وهو ما يحُيله قضيّةً سياسيّة، بل ويعطيه دورًا مفصليًّا في الشؤون السياسيّة الراهنة. وبما للماء من دورٍ محوريّ في الحفاظ على الحياة والبيئة، تكتسيه قيمٌ روحانيّة وجماليّة وهو في الوقت عينه صاحب مكانةٍ مركزيّة في مشاريع التصنيع والتعمير.3 ما مِن أحدٍ يساوره الشكّ للحظة في ضروريّة الماء للحياة، لكن حريٌّ بنا أن نتدارس كيفيّة استحداث شتّى التجارب البشريّة في تقنين الماء رغم تأصّل حالة التبدّل والحركة فيه.4

يَحضُر تصوّر فوكو عن السلطة الحيويّة في صميم موضوع العلاقات المائيّة، إذ تُمارَس هذه الصيغة من التسلّط على كلّ أنواع الأجساد، العموميّة منها (الأمّة، مثلًا) والخصوصيّة (الفرديّة). تؤثّر السلطة الحيويّة في مستوى معيشة السكّان، وتُبرِز ترتيبًا جديدًا لأولويّات وأغراض السلطة من الإقليم5 والسلطة الإقليميّة إلى السياسة الحيويّة والسيطرة على البشر.6 عليه، يشدّد فوكو أن ليس في الإمكان تعقّب السلطة في حدود ميدان واحد ومركزيّ، إنّما هي مستشرية في كافّة أنحاء الجسم الاجتماعي، ممّا يجعلها علائِقيّة بطبيعتها. إذ تشتغل ممارسة السلطة الحيويّة على أساس مواقع الأفراد في بنية المجتمع، مستعمِر مقابل مُستعمَر مثلًا، وكذلك على إعادة تدوير كلّ فردٍ، بذاته، داخل شبكة السلطة أو خارج نطاقها.7 والاستفادة على أحسن وجه من هذا الفهم لعلاقات السلطة تكون في مجالات إنتاج وإعادة تأطير وأشكَلة المعرفة والاشتباك معها. أمّا السرديات البيئية المبنيّة من جهات عدّة بهدف تفصيل وتنظيم الطبيعة من خلال إنتاج فئات خطابية تحت عنوان "الحقيقة"، فلا تعدو كونها جزءاً مكوّنًا في علاقات السلطة.8

من خلال استعمال مفهوم فوكو عن السياسة الحيويّة، تنقلب لواحظ نظريّات الدولة إلى التركيز على العنصر البشري ويتراجع من أمامه عامل السلطة الإقليميّة بصفتها المشكل الرئيسي في عالم السياسة الراهن. تصبح الجماعة ومعها الفرد، فوق الإقليم بذاته، أغراض وأهداف السلطة. وعليه، تبدأ الدولة القوميّة باقتلاع ما ترى فيه خطرًا وجوديًّا عليها من الداخل.9 علينا أن نمضي إلى ما هو أبعد من التصوّرات الإقليميّة في فهمنا للدولة، إلى تبيان اقتدارها على إعادة تنظيم البيئات الطبيعيّة والاجتماعيّة من خلال الاستحكام بالطبيعة والمواطَنة.10 هذه القدرة هي بذاتها الإشارة إلى جبروت الدولة الحديثة، إذ تُبنى الدول بالرسم والترقيع على الخريطة ثمّ بتثبيت الحدود ومن ثمّ بفرض الضبط والرقابة والسيطرة على المواطنين والطبيعة. والدولة قائمة على مجموع التفاعلات والممارسات الاجتماعيّة اليوميّة، لذا نستطيع فهمها من خلال تتبّع وقراءة بنيان تصوّراتها عن، وتفاعلها مع، مُواطِنيها.11 فإذن، السرديّات عاملٌ حيويٌّ في إقامة وتشكيل الدولة، فالوطن كيانٌ مبنيٌّ على سرد الملاحم التأسيسيّة وإضفاء طابع الضرورة على وجود سلطة الدولة. الدول مشروعٌ لا ينتهي العمل عليه أبدًا، بل هو دائمًا قيد التطوير والبناء فيه جارٍ على قدمٍ وساق.12

إنّ استخراج الماء ومن ثمّ توريده بانتقائيّة عبر شبكات الإمداد الحديثة يدفع بالشِقاق السياسيّ والخطابيّ بين الشعوب والفضاءات والمياه إلى التفاقم حتى يستحكِم (الشِقاق) في تلافيف المشهد من خلال شبكات التزويد بالماء في البنية التحتيّة ذات الكُنه القمعيّ والإقصائيّ. إذ تضمن البُنى التحتيّة سهولة إنفاذ السيطرة على الأجساد، ليس فقط كونها عيّنة نموذجيّة تمثّل سلطة الدولة أمام المواطنين، ولكن (أيضًا) لما تنطوي عليه من اجراءاتٍ اجتماعيّة ومادّية عامِلة على جرف التركيب الطبيعي السابق عليها وإحلال "طبيعة تكنولوجيّة" جديدة، تُستخدَم من أجل تشبيك وصَون البيئات الاجتماعيّة والسياسيّة والطبيعيّة.13 باختصار: في حالة الماء تحديدًا (ولا ننفي صلاحيّة تطبيق هذا الفهم في أحوال موارد سياسيّة-حيويّة أُخرى)، ما يبدو لنا في الظاهر أنّه "شيءٌ طبيعيّ"، هو في الحقيقة فَبرَكة من صنيع السلطة والتكنولوجيا والخبرات والامتيازات. حين تلتحم الأجسام المائيّة، والتكنولوجيّات المُشتَغِلة على تشذيبها، بالسرديّات التي تُحاوِط البنية التحتيّة، تصبح جزءاً مُكوّنًا في علاقات السلطة التي تنبت وتنمو وتثبُت بين البلدان والمجتمعات.

لطالما تمحورت النقاشات في مسألة الدولة الحديثة حول الأقلَمة، من ناحية أنّ سلطان الدولة مُتأتٍّ من أنّ إقليمها مُفَصَّل مُحَدَّد وواضح متبلوِر ومحروس مؤمَّن. بما معناه أنّ شرعيّة الدولة تتولّد من قدرتها على ردع المخاطر الخارجيّة التي تتهدّد أمن الإقليم وتطبيق السيادة فيه وعليه. والسيادة تعني التعبير الإقليمي عن الدولة القوميّة ذاتها. ورغم أنّ الماء – كما ذكرنا – يتعارض بطبيعته مع هذه المقاربة، لكنّه مُوَظَّف ومستغَلّ في خُطَب بناء الدولة للإيحاء بوجود همزة وصل بين الشعب والأرض والدولة.

 

الدولة والماء والمواطَنة

تشير أصابع الكثير من منظّري المدرسة الڤيبيريّة نحو السياسات العسكريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة بوصفها المُعاوِن الأوّل للدولة على صَون النفوذ في الإقليم – بَيد أنّ بناء الدولة الاسرائيليّة يبرز لنا بُرهانًا على إسهام السياسات المائيّة في إقامة دولة الاستعمار الاستيطاني، كمثل المداولات حول الأحواض النهريّة والإدارة الملائمة واستحداث المعارف الهيدرولوجيّة.14 ففي أواخر الأربعينيّات وأوائل الخمسينيّات من القرن الماضي، تشدّدت السرديّة الاسرائيليّة الرسميّة في ضرورة تثبيت "حقوق" الملكيّة والسيادة على مياه فلسطين، مع غيرها من الموارد.15 وتبنّى ديفيد بن غوريون، أوّل رئيس للوزراء في اسرائيل، خطابًا دينيًّا متشدّدًا في الحاجة إلى تأسيس وضعيّة سياديّة على الثروات الطبيعيّة.

وترتبط المياه والأرض، عند بن غوريون، بفكرة الوطن والمِلكيّة الشرعيّة والنبوءة الدينيّة. لذا تفترض هذه الدعوة إلى الأرض حقًّا دينيًّا وعقائديًّا يتعدّى مجرّد إقامة الدولة إلى الاستيلاء على الثروات الباطنيّة. فَحين يُعهَد إلى أتباع دينٍ بعينه تنفيذ "واجِب دينيّ ومهمّة مقدّسة"، لا تعود العلاقة بعدئذ بين أرضٍ ما وشعبٍ ما رابطةً تنعقد بالسُكنى، بل تغدو علاقة "أرض موعودة بِشَعب مُختار له كلّ الحقّ في الأرض المقدّسة باسمِ واجب تحقيق النبوءة". عبر هكذا خطاب، يمضي الحقّ في الأرض والانتفاع من ثرواتها متجاوزًا الأبعاد المادّيّة كي يعانق مرتبة المُحاجَجة الايديولوجيّة.

ومن ثمّ تجلّى هذا "الالتحام بالأرض" على هيئة مشروع "ناقل المياه القُطري في إسرائيل". استهدف المشروع تحويل مجرى نهر الأردن العلويّ بِجَرّ الماء من بحيرة طبريّا على الحدود مع سوريا إلى شماليّ صحراء النقب، في إشارةٍ إلى التصميم والعزم على تأسيس السيادة الاسرائيليّة على نهر الأردن والحدود مع سوريا، وكذلك سَعيًا في تيسير الهجرة اليهوديّة إلى صحراء النقب من خلال مدّ شبكات الريّ. أوقِف العمل في المشروع عام ١٩٥٣ لأسبابٍ عدّة، من بينها الاحتجاج السوري وكذلك مبادرة "الأمم المتحّدة" بالدعوة لِعَقد المفاوضات حول تسوية النزاع بإبرام اتفاقيّة تنمية مائيّة بين الأردن ولبنان وسوريا واسرائيل. قام المبعوث الشخصيّ للرئيس الأميركيّ، إريك جونستون، بين عامَي ١٩٥٣ و١٩٥٦، بعدّة جولات للتباحث مع الدول في تحاصص مياه النهر. كانت إحدى مقترحاته أن تتشكّل آليّة رقابة تضمن لكلّ طرف الحقّ بالحصّة المتّفق عليها من ماء النهر. لكنّ المقترح باءَ بالفشل أمام الرفض الاسرائيليّ الصريح، على اعتبار أنّ الآليّة مَسٌّ بالسيادة على النهر، وهو في حسبانهم نهرٌ اسرائيليّ.16 ثمّ استُئنِف العمل في المشروع عام ١٩٥٦؛ وتبرّأت الولايات المتّحدة فيما بعد من مُقتَرَح جونستون الذي نَصّ على وجوب تسخير نهر الأردن في الحفاظ على مُستجمَع ماء النهر وتلبية احتياجاته، لا أن يتمّ جرّ مياه النهر إلى خارج المستجمع. لكنّ التعنّت والإصرار الاسرائيليّ صمّم على وجوب إتمام التحاصص بناءً على حسابات الدول، لا على حسب متطلّبات مُستجمَع الماء؛ مع أنّ هذا إصرارٌ في الإخلال الواضح والمباشر بأعراف قانون الأحواض النهريّة وتعنّتٌ في سبيل تثبيت السيادة وحدود الدولة الحديثة. في المقابل، نَصّ المقترح الاسرائيلي على "حقٍّ سياديٍّ للدول باستغلال الماء كيفما ارتأت أنّه الأنسب لها"، حتى لو تطلّب ذلك جرّ المياه إلى خارج المستجمَع. بناءً عليه، انصبّت كلّ الجهود الاسرائيليّة خلال تلك الفترة على تثبيت السيطرة وتطبيق السلطة السياديّة على الثروات المائيّة.17 وفي حين أنّ الدولة تجريدٌ، إلّا أنّ حاجتها لاكتساب القوّة بـ "الارتواء"، تأتي في حساباتها أوّلاً قبل تلبية حاجات الأرض ذاتها. وليس جرّ الماء إلى خارج أرض المنبع، وبالتالي إفقار بيئته الأصليّة، فِعلًا مُنافيًا للحِسّ السليم وحسب، بل هو بمثابة العدوان ضدّ النسق الطبيعي. فَتَتِمّ الاستهانة بالأرض وحيويّتها باسم توطيد أُسُس ودعائم مفهوم حديث ومبنيّ على إخضاع وإذعان الجسد والطبيعة.

من خلال صياغة خطاب "استقلاليّة الدولة وحقوقها"، سوَّغَت اسرائيل – لذاتها وبذاتها – مشروعيّة مَركَزة المؤسّسات المائيّة وتنظيم إدارة المياه وفقًا لاعتباراتٍ قوميّة وإقليميّة. وفي قلب سياسات الهويّة في اسرائيل يقع مفهوم بن غوريون: "المَملَختيوت"، المُتَعارَف على ترجمته بـ "الدولتيّة"، الجامح إلى أنّ تحقيق "الذاتيّة اليهوديّة" غير ممكنٍ إلّا بدعمٍ من دولة مؤسّسات قويّة وقادرة.18 من ثمّ تَلاشى تصوّر الأرض الوفيرة بالنِعَم وحَلَّ مكانه تصوّر الأرض الشحيحة، ممّا مَهَّد الطريق لقيام المؤسّسات المركزيّة. سَوَّغَت تصوّرات الشحّ والنُدرة قيام دولة نافذة، ليس فقط في اعتبارات الماء، ولكن أيضًا في كُلّ مجالات صنع السياسات. هكذا قامت اسرائيل – الوطن والدولة والاقليم – وتثبَّت نفوذها من طريق الخوض في الاستحكام بالماء.

كذلك، نرى في عمل الحكومة التركيّة على توسعة وتوطيد نفوذ الدولة التركيّة في أنحاء جنوب شرقيّ الأناضول، مثالٌ آخَر على استغلال الدول للماء بتوظيفه كقوّة ضاربة؛ عبر "مشروع جنوب شرق الأناضول"، القائم على تشييد 21 سدًّا وإنشاء مرافق ريّ موسّعة، المُفَصَّل على قياس الرؤى القوميّة، والعامِل كذلك على تغيير الوقائع الحيويّة والطبيعيّة في المنطقة.19 تُرجِع السلطات التركيّة جذور المشروع إلى مصطفى كمال أتاتورك، الشخصيّة الحاضرة على الدوام في متن الخطاب القوميّ التركيّ، بصفته صاحب التوجيه الأوّل لاستغلال مصادر المياه وتعمير السدود في الجمهوريّة؛ وبرزت هذه الدعاية القوميّة للمشروع حين صدرت "الليرة التركيّة الجديدة" واعتُمِدَت طباعة "سدّ أتاتورك" على ظَهْر العملة الورقيّة.20 لا يقتصر هذا الخطاب القوميّ على تحويل البيئة الطبيعيّة وحسب، ولكن يستهدف كذلك تعميد مفاهيم الانتماء والمواطنة بمياه المشروع الجديد، وعلى هذا الوجه، تجري علاقات المجتمع والدولة في التطوّر.

تتمخّض طبيعة العلاقة والتفاعلات بين الدولة والمجتمع عن تكليف الجموع بِدَور حُماة منتظَم المواطنيّة. وأمام تفاوت وتباين مُخرجَات بناء السدّ الجديد في تركيا، رَحَّبَ أهالي قرى سهل حرّان باهتمام الدولة في تأمين الرفاه لهم، ولسان حالهم، بتعبير أحدهم في الحديث مع ليلى م. هاريس: "على أقلّ تقدير، نَظَرت الدولة في حالنا" (..) "الآن تضعنا الدولة في بالها".21 أمّا في الجهة الشماليّة الغربيّة من السهل، في مقاطعة بوزوڤا، للسكّان الكُرد قولٌ ورأيٌ معاكس. إذ يَرَون أنّ عمل المشروع والدولة يجري بالضدّ من مصالحهم، مع الإشارة إلى حرمانهم من الانتفاع بالماء، رغم أنّ البلدة، مع بلدات كرديّة أُخرى، واقعةٌ بالقرب من خزّان سدّ أتاتورك. هذا التفاوت في تحصيل حقّ الاستفادة من ماء السقاية، نتيجةً للمشروع القَومَوِيّ، أكّد وشدّد على اعتبار الدولة كيان "مُفارِق" وعنصريّ ضدّ الأكراد. هكذا تتشكّل المواقف من الدولة والحُكم من حيث الصلة بالتغييرات البيئيّة في المنطقة. تُعتَبَر هذه المشاريع التنمويّة امتدادًا لتاريخٍ من المَظالم والتفرِقة، تاريخٌ ما زال حاضرًا وقائمًا على إنتاج التصوّرات حول الدولة.22 فالبُنى التحتيّة والقدرة على الاستفادة من خدماتها، كما كانت على مدار التاريخ، محطّ دلالة على مكانة المواطن عند الدولة، وكذلك على موقفه هو من الدولة؛ لا سيّما في السياق الاستعماري وما بعد جلاء الإدارة الاستعماريّة. هذا جَليٌّ في حالة جنوب أفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصريّ، حيث تباينت حركيّة العلاقة بين الدولة والمواطن على معايير النوعيّة والقدرة على الاستفادة، إذ تكوّن لدى سكّان الأكواخ تصوّرٌ مغايِرٌ لمعاني المواطَنة عن تصوّر اولئك القاطنين في مشاريع الإسكان الرسميّ، حيث تمتّعوا بالتسهيلات اللازمة لتحصيل الخدمات.23

على نحوٍ مماثل، عبّر الأكراد عن التفارُق والشقاق مع الدولة التركيّة. إذ تذكر هاريس في عملها حول جنوب شرق الأناضول، حادثةً صرّح فيها عامِلٌ كُرديّ أنّه لن يمنح صوته للسياسيّين الأتراك، بل للزعيم السابق لحزب العمّال الكردستانيّ عبد الله أوجلان. لكن ما لبث أن عدّل أقواله بعدما حذّره المترجم من وجود عددٍ من الأتراك في الحضور، وقال: "نعم، ما من داعٍ للقلق، نحن جميعًا إخوةٌ للأتراك؛ نحبّ دولتنا".24 فالدولة مصنّفة باعتبارها تركيّة على تضادٍّ مع الهويّة الكرديّة. إذن، بالإمكان تحديد مَن المشمول في، ومَن المنبوذ خارج، اهتمام وفاعليّة الدولة من خلال تبيّن موقفه من البنية التحتيّة للريّ والخدمات المائيّة.25 والسبب هو أنّ مسارات نُظُم الريّ وتدفّق المياه محلٌّ للتلاعب. فالدولة – في مخاض اشتغالها على تبديل الجغرافيا المادّيّة في المنطقة – تُحاكي وتُمعِن في ترسيخ الفروقات الاجتماعيّة والثقافيّة، وروابط القرابة العائليّة والحزبيّة.26 عليه، نَشهَد أنّ الدولة تُعلي خدمة البعض وتدوس مصالح البعض الآخر في جهود عملها نحو التحديث.

إنّ إعادة هيكلة مكان مادّي مثالٌ عن كيف لمشاريع العمران والبنية التحتيّة أن تسلّط الضوء على قيم وتطلّعات الحُكم، إذ تنمّ طبيعة ونتائج السياسات عن نقدٍ للمجتمع القائم، وفي آنٍ معًا، عن فعلٍ رمزيٍّ يطمس منظر الآخر. فتغمُر مشاريع البنى التحتيّة أرضًا تحمل في عمق باطنها جذورًا تاريخيّة تربطها بشعبٍ ما، وتغدو سياسات التعمير تُرجمانًا لسياسة الذاكرة حين يرسم مخطّط المخيال التاريخيّ للحُكم حدودًا فاصلة بين المدن والقرى التي ينبغي أن تلقى اهتمامًا وإضاءةً وتلك التي يتوجّب التعتيم عليها وإخراسها. من ثمّ تنقسم كلّ مدينةٍ وقرية على ذاتها بين منبوذ ومذموم وآخر مقبول ومدعوم. ولا تحظى قريةٌ ما بمزايا مشروع جنوب شرق الأناضول، من فرص اقتصاديّة وتجديدٍ لشبكات المياه، طالما لم تستوفِ بعد شروط الإدارة الحكوميّة بِخَلع كلّ هويّة مُغايرة لـ "الهويّة الوطنيّة". لذا، باعتبارها خطرًا يتهدّد الهويّة التركيّة، لا تَلقى القرى الكرديّة من الدولة إلّا قمعًا وإسكاتًا ومحوًا من على الخارطة، ويحيا سكّانها على الدوام تحت التهديد بزعزعة بُناهُم الاجتماعيّة واقتلاعهم من الأرض التي هي مورد رزقهم واستِلاب عاداتهم الثقافيّة من يوميّاتهم.27

هكذا يرتبط تصوّر الهويّة والوطن/الأمّة، جوهريًّا، بالتنازع على الماء وإدارته عندما يتلاعب المهيمِن بالموارد المائيّة كي يبتّ بأمر مَن له حقّ الانتفاع من الماء، ومَن لا يستحقّ أن يُسقى. لكن يا لها من مفارقة، أن تودي ممارسات تشكيل الدولة القوميّة ذاتها إلى تفكيك مفاهيم السيادة وبناء الدول، حين تسعى الجماعات المنبوذة إلى إقامة نُظُم حوكمة على النقيض من ثقافة الدولة الأحاديّة.

 

اجتهادات في سبيل السيادة النقيضة

في التشديد على عمليّات النبذ والإقصاء، التي تمنح البعض درجة "المواطنون الحقيقيّون"28 – وبالتالي "أهليّة" الاستفادة من مزايا الخدمات المائيّة قبل غيرهم، تبرز النقلة في إحلال التركيز على التفاعلات مع السكّان أكثر ممّا هي مع التسلّط على المكان/الإقليم، المَقرون عادةً بالدولة القوميّة. إذ بالتداخل مع إقامة الدولة والحدود تتشكّل هويّات السكّان. فرغم أنّ النفوذ الإقليميّ ليس الهمّ الأوحد عند الدولة، لكنّ بناء الهويّة يستوجب إقامة الفضاء المفصّل على قياسها. ويلاحظ فوكو هذا التقابُل بين تركيب المُختَلّ والمضطرِب والمجرِم والتلميذ، وتشييد المصحّة والعيادة والمعتقَل والمدرسة.29 لذا، فإنّ بناء شعبٍ ما يتطلّب صُنعَ إقليم، والعكس صحيح. إنّ عمليّة تجديد مساحة أو بنية تحتيّة، بكلّ ما تحمله من آثار وارتدادات حيويّة، إمّا أن تثبّت الانتماءات القائمة أو تفتح أبواب انتماءات جديدة.30 إذ تتعمّق الفروقات داخل المجتمع على إثر التفاضُل في استعمال البنية التحتيّة للتزويد بالماء، عبر تجريد البعض من إنسانيّتهم باعتبارهم "حقراء و/أو غير أهلٍ للتمتّع بدرجة المواطَنة الكاملة". هكذا تمتزج تصوّرات الانتماء والقوميّة والمواطَنة بالطبيعة وتنتج بنيةً تحتيّةً تمييزيّة من خلال التلاعب بالسرديّة والعِلم. وبالتالي تبدأ علاقة الدولة والمجتمع بالتحوّل، ولا يرى أعضاء الجماعات المنبوذة في الدولة إلّا تهديدًا ووعيدًا، لا راعيًا ولا مُعيلًا.

بالنظر إلى أنّ الدولة الحديثة كيانٌ أدائيٌّ مَرهونٌ بتطوّر العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإنّنا نستنتج التواقُف في المسألة: إن وَهنَت العلاقة، ضَعُفَت الدولة. تتهافت الإدارة المُمَركَزة للماء في الدولة، ليس للمطالبة بحقٍّ سياديٍّ في السيطرة وحسب، بل كذلك للاستئثار بالانتفاع من الخدمات المائيّة وطرحها على هيئة مُسَلَّعة، "سلعة نادرة" أو "عُملة صعبة"، وتنتهي إلى تَقريش مصدر حيويّ. من خلال هذه المطامع الصلبة في التحكّم والتملّك، ينسدّ "مِزراب" الانتفاع من الخدمات المائيّة أمام قطاعاتٍ واسعة من السكّان.

إذا ما أردنا نقض الممارسات التمييزية في مجال المياه، يجب أن نبدأ بتفكيك مفاهيم السيادة والماء. وهذا يشمل القيام باجتهادٍ نقديٍّ ضدّ الاتجار بالماء كسلعة في أسواق السياسة؛ إذ حتى حين تُعرَض "مجّانًا" ضمن استراتيجيّة الهيمنة المضادّة لاستئثار الدولة، تكونُ فَخًّا لاصطياد الناخبين في الشبكات الزبائنيّة. يمكن ملاحظة ذلك في استراتيجيّة تنظيمات مثل "حزب الله"، التي قد تتّخذ وضعيّة "سيادة مُهَجَّنة"، ما بين "الدولة" والقطاع "غير الحكوميّ"، في القيام بِدَور المتعهِّد الضامِن للمحرومين حقّ الانتفاع من خدمات الدولة، دون أن يُنافي ذلك انغماسه في مشاريع رأسماليّة تساهم في تدمير البيئة والشعب. أمّا مشاريع السيادة النقيضة تتموقع ضمن المجتمعات المحلّيّة، بين الجماعات المقصيّة والمنبوذة في الهوامش، مخيّمات اللجوء والعمالة المنزليّة والأوساط الكويريّة والمناطق المُفقَرة والخ.، الواقعة على طرفي نقيض مع تصنيفات المواطَنة. يُبرِز بحث جيسيكا بارنز، حول البنية التحتيّة للريّ في مصر، اشتغال عمّال الزراعة بأنفسهم على صيانة مصارِف الريّ، على النقيض من أولويّات الدولة في الصيانة الهادفة إلى فرض وتثبيت السلطة، ممّا يسهم في تعزيز الروابط المشاعيّة بين المزارعين، على غرار الأعراف التقليديّة. يكفل هذا السلوك التنظيم الاجتماعيّ والمادّيّ من قِبَل أعضاء المجتمع عبر ممارسة علاقتهم مع الطبيعة ومع بعضهم البعض.31

يمكن لمفهوم الشراكة في المياه، وممارَسة التبادل المتوازن واقتصاص المظالم، أن يساهم في بناء اقتصاد أخلاقيّ للمياه متجذّر في قواعد التوزيع "العادل".32 تمّت دراسة الالتزام الأخلاقيّ باعتبار الماء حقّ من حقوق الإنسان ومصدر للحياة على أنّه سلوكٌ إيثاريّ يُبنى عليه اقتصاد مقاوِم-نقيض. تستعرض دراسة هاجَر الديدي واستيف كوربيرا، حول الآبار الخيريّة في دلتا النيل المصريّة، كيف أنّ السُبُل، الآبار والنوافير الخيريّة، نِتاج إيمان سائد بمفاهيم الملكيّة المشتركة والعلاقة التبادليّة والإحسان، الأمر الذي يساهم في سدّ الفجوة المائيّة الناجمة عن التقصير الحكوميّ في المجتمعات الريفيّة.33 أمّا المزارعون في إميرالم في تركيّا، المُرتابون من نُظُم الريّ الجماعيّ التي تديرها الدولة، فقد استصلحوا (بشكلٍ غير رسميّ) خزّانًا كانت قد بَنَته الدولة عند سفح التلّ، بالتكافل في الإنفاق على الترميم والصيانة ومن ثمّ انتقاد أيّ إفراط فردانيّ في استخدام مياه الخزّان. ومن خلال تمرّسهم، طوّروا تنظيمًا اجتماعيًّا ينسجم مع النُظُم التقليديّة لإيصال المياه إلى أراضيهم بشكلٍ مستقلّ واستخدام نُظُم الريّ الفرديّة سعيًا في ترشيد نفقات استخراج المياه الجوفيّة.34 وعلى هذا النحو تعمل الشراكة في الماء كاجتهادٍ نقيضٍ للهيمنة في خصخصة أو مصادرة المياه، وقد شاعَ اعتماد هذه الشراكة في العديد من المجتمعات كشكلٍ من أشكال المقاومة. وعلى سبيل المثال، قيام الناشطين في صحراء أريزونا المحاذية للحدود المكسيكيّة بتنظيم محطّات سقاية للمهاجرين العابرين دون الأوراق الثبوتيّة، والتي عَمَدَت السلطات الحكوميّة إلى إتلاف بعضها. وكذلك مبادرة النشطاء في إنغلترا في المطالبة بإقامة نوافير مياه عموميّة كوسيلةٍ لتحصيل "الحقّ في المدينة".35 وفي مخيّم عايدة للاجئين الفلسطينيّين، أدّت النقاشات في انعدام الأمان المائيّ وسوء نوعيّة المياه إلى جانب الغاز المسيّل للدموع والمياه العادِمة36 إلى الربط بين المعاناة من رداءة الماء وواقع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وهكذا بين الصراع للحقّ في الماء والمقاومة ضدّ الاحتلال والاستعمار. تَرتَّب عن هذه اليقظة إقامة حديقة على سطحٍ في مخيّم عايدة، ركّز هذا على محوريّة زراعة المحاصيل الغذائيّة والأغراض الاجتماعيّة للمياه في التقاليد الفلسطينيّة، ممّا أسَّسَ سيادةً جزئيّة وإعادة تنظيم للسلطة داخل المخيّم.37

في المحصّلة، يمكن أن تتشكّل الكثير من سُبُل التفكير فيما نحن نقترب من مستقبل بيئيّ قاتم. من المهمّ والنافع لنا أن نمضي في حركة معاكِسة للتيّار في النقاشات العامّة، من الأخذ والردّ في "ماذا نصنع – نحن البشر – بالماء"، إلى التشاور في "ماذا تفعل المياه بنا": كيف تدفع مساعينا في السيطرة عليها إلى انكشاف واقع التفاوت في بيئاتنا السياسيّة والاجتماعيّة، وكيف دفعت هذه المساعي باتجاهين في آنٍ معًا، إلى التجانس والشِقاق. ولذا قد يعتبر المرء أنّ الماء يستحكم بنا أكثر ممّا نحن نفعل به، بل وأنّه فاعِلٌ قائمٌ بذاته. هذا التصوّر عن المُنفَعِل (المفعول به) ينعكس على الماء والكيانات المهجّنة، إذ يبقى الاثنان في المساحات البينيّة بما لهما من وَقع ثقيل في حيواتنا. بالإفلات من التعريفات الواضحة والأطر المحدّدة، تشكّل هذه الكيانات المتحرّكة وتشغل مساحات تكشف لنا وقائع وأوجه قصور الوضع الراهن. يمكن لنا أن نقارِب هذه المساحات من خلال تفاهماتٍ ثقافيّة مشتركة حول الماء كجزءٍ لا يتجزّأ من قيمنا الكونيّة والروحانيّة (مثل المفاهيم الاسلاميّة في الإنصاف في حقّ الانتفاع من الماء للجميع، بروز المياه كمطهِّر ورمز لله في النصوص المسيحية) أو في العلاقة مع الآخر وفي حِسِّنا بالمنفعة الجماعيّة (الماء باعتباره "شريان الحياة" في علاقتنا بالكائنات الحيّة الأُخرى).38

لم تكتمل بعد صياغة هذه المشاريع، ومن الصعب على الخيال أن يبتدعها نظرًا لجبروت هذه المؤسّسات. ومع ذلك، أرجو أن أكون قد استطعت اجتراح الأمل بإمكان تحقيق أشكالٍ جديدةٍ من المقاربات الاجتماعيّة والهياكل الحَوكَميّة والوقائع البيئيّة، من خلال إبراز هذه الجيوب المقاوِمة في سبيل السيادة النقيضة، المجتهدة في استعادة ما كان قد سُلِب من الناس ووُظِّف في استضعافهم. وتفتح لنا هذه القراءات آفاق نقض المحاجَجات القاصرة في نظرها على حركيّات الدول فيما يتعلّق بالتنازع على الماء. متى ما أبرزنا العمليّات في داخل الدولة أو في المنطقة الإقليميّة الأكبر، التي توظّف منشآت التوجيه الهيدرولوجي في التحكّم المركزيّ بمفاهيم الدولة والوطن/الأمّة والإقليم، بإمكاننا أن نسلّط الضوء على الجيوب المُنَمنَمة من السيادات النقيضة، التي تحضر إلى الواقع ردًّا على ممارسات "مكافحة التمرّد".39

 

  • 1. تستخدم الكاتبة في النص الأصليّ تعبير "الشرق الأوسط"، لكنّنا نتركه لما يحتوي من إبهام وجذور استعماريّة، ونلتزم باستبدال مسمّيات الشرق الأدنى والأوسط والأقصى بتعابير من نوع غرب آسيا، وسط آسيا، شمال إفريقيا، إلخ.. (ملحوظة في الترجمة).
  • 2. سوف نستعمل فِعلَي النبذ والإقصاء على سبيل الترادُف في ترجمة Exclusion، كي نُبرِز هنا طبقة الداليت، "طبقة المنبوذين"، المَقصيّين والمرفوضين من النظام الاجتماعيّ في الهند – كما الجماعات المعنيّة بقراءة تفاعل الدولة معها في النص (المترجم).
  • 3. باكر، 616. ويصحّ "التمدّن" ترجمةً عن Urbanization، لكنّنا اخترنا "التعمير" لِدِقّة معناه اللغوي: (إعادة) إحياء الشيء المنظور ميّتًا "غير مُنتِجٍ" باستصلاحه حتى يصبح كيانًا حيًّا "مُنتِجًا"، ممّا يشدّد ويؤكّد على العقليّة الأداتيّة الكامنة في مشاريع "التعمير" المعنيّ بها النص. إعمار/عِمارة/عُمران الأرض في العربيّة: إحياؤها بالزرع والبُنيان (المترجم).
  • 4. المرجع السابق، 617.
  • 5. المعنيّ بـ "الإقليم" هنا هو الأرض التي تنفذ فيها وعليها سلطة الدولة سيادتها، ولا يقتصر الإقليم على اليابسة فقط بل يمتد أفقيًّا إلى المياه الإقليمية وعموديًّا إلى المجال الجوي وأعماق البرّ والبحر الإقليميّين (ملحوظة في الترجمة).
  • 6. فوكو، 140
  • 7. العطوط، 606.
  • 8. المرجع السابق، 607.
  • 9. المرجع السابق، 607-608.
  • 10. هاريس، 25.
  • 11. المرجع السابق.
  • 12. ميتشل 1991.
  • 13. ميتشل 2002.
  • 14. هاريس والعطوط،154.
  • 15. باكر، 612.
  • 16. العطوط، 612.
  • 17. المرجع السابق، 613.
  • 18. المرجع السابق.
  • 19. هاريس، 29.
  • 20. المرجع السابق.
  • 21. المرجع السابق.
  • 22. المرجع السابق.
  • 23. رودينا وهاريس، 350.
  • 24. هاريس، 31-32.
  • 25. المرجع السابق، 33.
  • 26. المرجع السابق.
  • 27. المرجع السابق، 37.
  • 28. تَصِل هذه التسمية إلى مسامعنا في العالم العربي على هيئة: "المواطنون الصالحون – الشرفاء" (ملحوظة في الترجمة).
  • 29. فوكو 1990.
  • 30. أونغور، 309.
  • 31. العطوط، 609.
  • 32. ووتيش وآخرون، 8.
  • 33. الديدي وكوربيرا، 137.
  • 34. ڤيزاج، 5.
  • 35. ووتيش، 11.
  • 36. المياه العادِمة: سلاحٌ يستخدمه الجيش الإسرائيلي، إلى جانب المسيّل للدموع والرصاص، لفضّ أيّ عصيانٍ واحتجاجٍ فلسطينيّ. وهي عبارة عن سائل كيميائي له رائحة كريهة مثل مياه الصرف، "المياه العادِمة" (ملحوظة في الترجمة).
  • 37. بشارة وآخرون، 2020.
  • 38. ووتيش وآخرون، 9.
  • 39. هاريس والعطوط، 150.
ملحوظات: 
المراجع: 

Alatout, Samer, “Towards a Bio-Territorial Conception of Power: Territory, Population, and Environmental Narratives in Palestine and Israel,” Political Geography 25, no. 6 (2006): 601-621.

Bakker, Karen, “Water: Political, Biopolitical, Material.” Social Studies of Science 42, no. 4 (2012): 616-23.

Barnes, Jessica, Cultivating the Nile: The Everyday Politics of Water in Egypt (Durham: Duke University Press, 2014).

Bishara, Amahl, Al-Azraq, Nidal, Alazzeh, Shatha and Durant, John L, “The Multifaceted Outcomes of Community-Engaged Water Quality Management in a Palestinian Refugee Camp,” Environment and Planning E: Nature and Space 4, no. 1 (2020): 65-84.

ElDidi, Hagar and Esteve Corbera, Esteve, “A Moral Economy of Water: Charity Wells in Egypt’s Nile Delta,” Development and Change 48, no. 1 (2017): 121–45.

Foucault, Michel, The History of Sexuality. Volume I, An Introduction (New York: Vintage Books, 1990).

Harris, Leila M. and Alatout, Samer, “Negotiating Hydro-Scales, Forging States: Comparison of the Upper Tigris/Euphrates and Jordan River Basins,” Political Geography 29, no. 3 (2010): 148-156.

Harris, Leila M., “State as Socionatural Effect: Variable and Emergent Geographies of the State in Southeastern Turkey,” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East 32, no. 1 (2012): 25-39.

Marie, Amer, Khayat, Saed and Dajani, Muna, “Water Quality Legislation in Palestine over the Past Century,” Environmental Sciences Europe 24, 15 (2012).

Mitchell, Timothy, “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics,” American Political Science Review 85 (1991): 77-96.

Mitchell, Timothy, Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity (Berkeley; London: University of California Press, 2002).

Rodina, Lucy and Harris, Leila M., “Water services, lived citizenship, and notions of the state in marginalised urban spaces: The case of Khayelitsha, South Africa,” Water Alternatives 9, no.2 (2016): 336-355.

Üngör, Uğur Ümit, “Creative Destruction,” Journal of Urban History 39, no. 2 (2012): 297-314.

Visage, Selin Le. “Making Small-Dams Work: Everyday Politics around Irrigation Cooperatives in Turkey.” European Journal of Turkish Studies. Social Sciences on Contemporary Turkey, October 30, 2021. https://doi.org/10.4000/ejts.7099.

Wutich, Amber et al., “Household Water Sharing: A Review of Water Gifts, Exchanges, and Transfers across Cultures,” WIREs Water 5, no. 6 (2018).