أيّ “حركة سياسية” في لبنان؟ نقاش في النسوية والكويرية

السيرة: 
اقتباس: 
سناء ه.. "أيّ “حركة سياسية” في لبنان؟ نقاش في النسوية والكويرية". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 1 عدد 1 (2015): ص. 92-104. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 21 نوفمبر 2019). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/a-political-movement-in-lebanon.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon Download Article (PDF) (191.04 كيلوبايت)

"أحاديث" هي زاوية في "كحل"، تهدف الى تقديم تجربة جماعيّة في التفكير والكتابة، من خلال نشر مقتطفات من جلسات نقاش مسجّلة تُعقد بين مجموعة من العاملات/ين والمهتمّات/ين في مجال أو موضوع معيّن. وتُعقد جلسات النقاش بحضور ميسّر/ة تدير/يدير الحوار، ومن ثم تقتطف/يقتطف أبرز الأفكار وتصوغها/يصوغها وتحرّرها/يحرّرها في مقال مختصر بقدر الإمكان. وتهدف "أحاديث" إلى إظهار وعرض وجهات نظر وآراء مختلفة وحتى متضاربة، في مواضيع متنوّعة، وإتاحة المجال للتعبير أمام عدد أكبر من الأشخاص ممن يمتلكن/يمتلكون تجارب وآراء قيّمة، من دون أن يكون لديهن/م الوقت أو الرغبة بالكتابة.

تطمح "أحاديث" إلى تحدّي أساليب إنتاج المعرفة التقليدية لا سيما في داخل الدوائر الأكاديمية التي تتسم في أحيان كثيرة بالاحتكار، والفرديّة، والاستبعاد، والاقصاء والمتطلّبات المعقّدة. كما تطمح إلى إظهار وتفعيل الثراء الفكري الذي يميّز ديناميات النقاش والتفكير الجماعي، ومن ثمّ إشراك الجمهور العامّ في القضايا المطروحة. وتدمج هذه التجربة بين الإطار الصحافي وإطار النقاش العام، متطرّقة إلى مواضيع تصنّف في العادة مواضيع أكاديمية أو "نخبوية". هكذا، تتيح "أحاديث" إعادة النظر في سياسات الكتابة والنشر والتمثيل، وتحفّز المشارِكات/ين على تبادل تجاربهن/م وأفكارهن/م وإنضاجها، في المجال العام العلنيّ. ويشكّل هذا المقال التجربة الأولى ل"أحاديث"، على أن تتبعه مقالات أخرى تسمح بتطوير وصقل هذه التجربة لجهة التقنية، والمواضيع المختارة، ومواصفات المشاركات/ين، وأساليب الكتابة والتحرير والصياغة.

 

 

المقدّمة:

في الجزء الأول، تستضيف "أحاديث" خمس مشارِكات نسويات - كويريات عملن و/أو ما زلن يعملن معاً في مجالات نسوية - كويرية مختلفة، من بينها مجموعات الدعم والتكافل، والجمعيات المدنية والأهلية، والمنظمات غير الحكومية. وتعود علاقة هؤلاء النسويات الى عامَي 2008 و2009، وتربطهنّ علاقات سياسية ومهنيّة وشخصية. ومرّت هذه العلاقات في مراحل مختلفة، تخلّلها القرب والبعد والاتفاق والاختلاف، لأسباب عدّة يتعلق أبرزها بالتباينات السياسية والتنظيمية داخل المجتمعات والمجموعات التي عملن فيها معاً. تعيش المشارِكات المذكورات في بيروت، ويعملن في مهن ومجالات متنوّعة مثل العمل السياسي - الاجتماعي، والمناصرة، والتعليم، والبحث، وصناعة الأفلام، وتتراوح أعمارهنّ بين 25 و35 عاماً.

في هذا الجزء، تطرح "أحاديث" مفهوم "الحركة السياسية" في لبنان بالنسبة إلى المشارِكات، وقراءاتهن لمعانيها وتجلّياتها ووقائعها اليوم. ويتطرّق النقاش إلى محاولة تعريف "الحركة السياسية" وأزماتها المتعدّدة، وتجارب المشارِكات في الإطارات الكويرية - النسوية المختلفة، وقيمة التنظيم السياسي الجماعي في السياق اللبناني، والعلاقات الشخصية والاجتماعية التي تنسج مجتمعات مصغّرة مسيّسة. وعُقدت جلسة النقاش الأولى في منزل إحدى المشارِكات في تاريخ 10 أيار 2015، لمدة ساعتين ونصف. وتلتها جلسة نقاش ثانية في تاريخ 24 أيار 2015 لمدّة ساعتين، استكمَلَت فيها المشارِكات نقاشهنّ المفصّل في العمل السياسي في المجموعات والجمعيّات الكويرية والمثلية والنسوية في لبنان. أما هذا المقال فيتضمّن مقتطفات مختصرة من أبرز الأفكار التي وردت في جلسة النقاش الأولى فقط.

في ما يخصّ سياسات التمثيل، تجدر الإشارة إلى أن المشارِكات يتحدّثن انطلاقاً من تجاربهنّ وآرائهنّ الخاصة، وبالتالي، هنّ لا يمثّلن أي جهة أو مجموعة أو جمعيّة، ويعبّرن فقط عن أنفسهن، حتى حين يتحدّثن بصيغة الجمع.

*استُخدمت أسماء مستعارة في هذا النقاش للحفاظ على خصوصيّة وسلامة المشارِكات.

*اذا رغبت في طرح فكرة ما للنقاش، أو حتى استضافة نقاش مع مجموعة معيّنة من الأشخاص في زاوية "أحاديث"، يُمكنك التواصل مع فريق "كحل": kohl@gscr-mena.org

 

 

سناء: ماذا تعني لكنّ "الحركة السياسية"؟ كيف تعرّفنها؟

 

غنوة: أراها مجزئة، بمعنى أن التقاطعيّة (intersectionality) غائبة عنها. لقد تفككنا وتجزأنا كثيراً. كان في البداية المجتمع المثلي، ثم مجتمع المثليات، ثم المجتمع الكويري، ثم مجتمع المتحولات/ين جنسياً، ثم المجتمع النسوي. هناك تجزئة حقيقية. كذلك بين أولئك اللواتي/الذين يريدون نضالاً سياسياً، وأولئك اللواتي/الذين يريدون نضالاً غير مسيّس. لا أعتقد أن هناك هدف مشترك.

 

سناء: لكن إذا أمكن لنا الحديث عن "الحركة السياسية" على المستوى النظري، الذي يسبق الممارسة، ماذا تعني لك هذه "الحركة"؟

 

غنوة: تعني لي الجَمعيّة (collectivity)، أو جماعة من الناس بغض النظر عن كيف تعرّف الأكاديميا معنى "الجَمعية" أو "الجماعة". بالنسبة لي، تعني جماعة من الناس يجمعهنّ/م هدف واحد، يفهمون نقاط الضعف والقوة في بعضهن/م البعض، يكملون بعضهن/م البعض من دون وجود للهرميّة. الحركة فعل تكامليّ. أرى أن الحركة عبارة عن تكتّلات عديدة، آلاف التكتّلات.

 

سناء: ما الذي يجمع هذه التكتّلات ويربطها ببعضها البعض؟ أنا أشاركك مثلاً فكرة التحالفات التي تبني حركة ما، ليس بالضرورة أن تتألف الحركة من مجموعة من الأشخاص المتشابهات/ين أو المتفقات/ين تماماً، بل من تحالفات متنوّعة تختلف فاعليتها ومدّتها الزمنية، لكنها تكون فاعلة بشكل ما، قادرة على إنتاج الحراك. فمثلا، كثير من التجمعات ومن بينها حملة "إسقاط النظام الطائفي" جمعها نظرياً هدف واحد، وربما تألفت من أشخاص وجماعات متناغمة ومتشابهة إلى درجة ما، لكن على الرغم من ذلك وقعت في كثير من المطبّات مثل انضمام أحزاب طائفية اليها، ولم تستمرّ. فما الذي يجمع هذه التحالفات، أو التكتلات كما أسمتها غنوة، إذا لم يكن وحدة الهدف المعلَن على الأقل، أو التناغم الداخلي؟

 

جو: قد يكون هناك هدف واحد معلن، تفاهم ما، لكن قد يبدو التشرذم في التطبيق العملي للهدف، أو ربما قد يرمي أشخاص مختلفات/ون إلى أمور مختلفة من خلال هذا الهدف الواحد.

 

غنوة: بالتحديد. لكن التقاطعيّة قد تعني أن لكل شخص نقطة ارتكاز محورية، يتمحور حولها فكرها السياسي وتطلعاتها في التحالفات.

 

جو: إذاً على "الحركة" أن تتخطى حدود سياسات الهوية (identity politics). أعني، على أي حركة أن تأخذ بالحسبان الاختلاف المحتمل في سياسات الهوية بين أعضائها، من دون جعل تلك الهويات هدفاً لها.

 

سناء: لقد رأينا صعود حركات حددت لنفسها أهدافاً عُرّفت كأهداف "شاملة"، "وطنية"، "كبيرة" و"جامعة" لمختلف الهويات والانتماءات، مثل حملة "إسقاط النظام الطائفي"، وعملت، على الأقل في خطابها المعلن، على الاستقطاب العابر للهويات. لماذا عجزت عن الاستمرار برأيكن؟ ربما ليس من الضروري للحركة السياسية أن تُبنى على هدف واحد، فالهدف قد يكون نظرياُ، أو غير قابل للممارسة، أو شديد الاتساع بحيث يتسع للجميع وتنعدم واقعيّته، أو قد يكون التحالف الحركي غير فعليّ أو غير جوهريّ، أو قد تتآكلها الخلافات، ما يؤدي إلى عجز أو فشل الحركة التي ترتكز على هذا الهدف. هذا التحدّي الأول، وهناك تحدّي التقاطعيّة التي تضعنا في تحالف ما وضدّه في الوقت عينه، على سبيل المثال: التحالف في مسألة مقاومة اسرائيل، في مقابل الاختلاف الجذري مع الطبيعة الدينية والأجندات الطائفية والخارجية والاقتصادية للقوى المقاومة الفاعلة. اذاً، ان لم تكن وحدة الهدف هي جوهر الحركة السياسية، وان لم تكن التقاطعيّة هي الجواب الشافي كذلك، ماذا تعني "الحركة السياسية"؟ وكيف تُبنى؟ ربما يمكننا التفكير انطلاقاً من تجاربنا في الدوائر النسوية والكويرية.

 

كيد: بصراحة، أنا لا أرى في "ميم" أو في "نسوية" حركة سياسية. في الواقع، التحرك الوحيد الذي أسميته حركة، كانت حملة إسقاط النظام الطائفي، لأنها الوحيدة التي كنت أشعر أني قد أجد أمي تسير فيها أيضاً. المعيار بالنسبة لي كان دائماً: هل تشارك أمي في هذا التحرك؟ كانت مشكلتي مع "المسيرة العلمانية"، وحتى مع "نسوية" و"ميم" و"حلم"، أن خطاباتها تتوجه الى طبقة معيّنة، وتفرض معايير طبقية معينة طالبةً من الناس "الصعود" إليها. بالنسبة إلي كشخص من خلفيّة معيّنة، حيث لا نستخدم أي كلمات انكليزية في البيت على سبيل المثال، كان عليّ أن أجاري متطلبات ونمط حياة الطبقة الوسطى أو الوسطى العليا حتى، لكي أجد مكاناً لي في ما يسمى "حركة سياسية". لقد احتجت إلى وقت لأصل إلى هذا التحليل الطبقي. أشعر أنه كانت لدينا مطالب معينة، لكن لم يكن لدينا حركة سياسية. أشعر بالضيق عندما يربط بعضنا مصير الحركة السياسية بانتهاء "نسوية" أو "ميم" مثلاً، ما يجعلها متمحورة حولنا فقط. كأن الحركة لم تبدأ إلا بنا، ولم يكن من قبلنا أي تغيير أو خطاب سياسي. ربما لهذا السبب شعرنا جميعاً بحداد عميق عندما انتهت المجموعة. فالتقاطعية موجودة لدينا فكرياً، لكن في الحقيقة، نحن منسلخات/ون عن الواقع. نحن نعيش في فقاعة. نتحدث كثيراً عن ربط الصراعات وتقاطعها، كأفراد، وربما في سياساتنا الشخصية والفردية، لكن في سياساتنا الجماعية، لم تترجَم هذه التقاطعيّة حقاً.

 

لين: كان سائداً الاعتقاد بأن "ميم" تبني مجتمعاً، و"نسوية" تبني حركة. فأنت تدخلين الى "ميم"، وفجأة، كأنك دخلت في مصنع ما، يحولك الى ناشطة نسوية. إذا كنت بحاجة إلى استشارة نفسية بشأن جنسانيتك، حسناً، سوف توفرها لك "ميم"، لكن في النتيجة، عليك أن تصبحي ناشطة، وإلا سوف تهمَشين نوعاً ما. حتى أن استراتيجيات "ميم" كانت تتضمن: المرحلة الأولى، بناء المجتمع، المرحلة الثانية، خلق الحركة، من دون الاشارة إلى عدم وجود حركة سابقة على "ميم"، لكن مع التركيز على فرادة واستثنائية "ميم". فالحركات التي سبقت "ميم" كانت حركات حقوق المرأة والمنظمات غير الحكومية (NGO)...نحن عشنا وهماً بأننا مختلفات عن نظام المنظمات غير الحكومية، إذ كنا نرى عملنا مسيّساً وشاملاً، وآمنّا بأننا سنغيّر العالم. كنا نشعر أحياناً أن هناك بعض المشكلات، لكننا جميعاً صدقنا بأن التغيير يحدث، وبأننا نقود الحركة. لقد نجحنا في خلق ضجة فاعلة أحياناً، في لبنان وفي المنطقة حتى، كما أننا معروفات/ون في بعض الأوسط العالمية، لكننا لم نكن نعمل وفقاً للقيم التي كنا ندّعيها، مثل كوننا مكاناً يعتمد على التمويل الذاتي. أعتقد أننا كنا نرغب بأن تكون لنا طرقنا ونمط حياتنا الخاص، لكن الواقع كان مغايراً لذلك. فقد كنا نعمل وفق هيكلية معينة، وإن كانت غير مرئية، كما كنا نتلقى التمويل.

 

سناء: ونكتب التقارير...

 

لين: نعم. كذلك، اكتشفت مع الوقت في "ميم" اننا لا نتشارك جميعاً الأهداف ذاتها، ولا نعمل بالطريقة ذاتها، بل على العكس. لعلّ هناك حركات متعدّدة وليس حركة واحدة، أو ربما كنا شرارة نحو حركة ما. كان هناك أفكار تحمّسنا، نعمل من أجلها، ثم تنطفئ. لم يكن عملنا مبنياً ومركّزاً. كذلك، كنا نبني أنفسنا بالتضاد مع الآخرين، أو كرد فعل عكسي على بعضنا البعض والآخرين.

 

غنوة: تعقيباً على هذا الكلام، أعتقد أن بعض الظروف عملت ضدنا. فنحن بدأنا في سياق يهيمن عليه اقتصاد المنظمات غير الحكومية (NGO-isation) بعد العام 2000، والتمويل والهبات، لذا كان من السهل أن نغدو كغيرنا. لكني أعتقد أن سبب فشلنا هو أننا لم نخاطر بأنفسنا أو بأجسادنا، لم ننزل إلى الطرقات ولم نثِر الشغب. كنا حركة مريحة تخوض نضالاً مريحاً، وآمِناً. لعلّ اللحظات الحاسمة كانت تلك التي خرجنا فيها إلى المجال العام، وحضرنا فيه بأجسادنا الكويرية. أنا أكن احتراماً أكبر لنقابة المعلمات/ين، اذ كان لديها قضية، والكثير من الغضب والطاقة. كانت قضيتهن/م تعني حياتهن/م أو موتهن/م، لم يكن لديهن/م خيار. أما نحن، فكنا النسويات اللطيفات الناشطات في الإطار المقبول.

 

سناء: لا أريد التبرير لأنفسنا، لكني لا أحبذ جلد الذات. كنا صغيرات في السن، ولم يكن لمجموعتنا تاريخ وخبرة وجذور نقابة المعلمات/ين، فلا أساس ممكن للمقارنة هنا.

 

غنوة: نقابة المعلمات/ين انبثقت عن حاجة ضرورية...

 

كيد: تجلّت فيها التقاطعيّة...

 

سناء: على الرغم من أهمية وفرادة عملها، لا أرى في نضال نقابة المعلمات/ين تقاطعيّة. أخشى هنا صبغ النضالات العمالية برومنسية التقاطعيّة التي لا تجد صدى لها في الواقع.

 

كيد: لماذا؟

 

سناء: لم نرها في أي من مظاهرات إقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري مثلًا، كما أنه شبه مستحيل أن نرى هذه النقابة تعمل على مسائل الجنسانية مثلاً...ولم تتخذ موقفاً حاسماً، أو على الأقل علنياً، بالنسبة إلى حق التعليم لللاجئات/ين السوريات/ين والعراقيات/ين وغيرهن/م.

 

لين: أو مثلاً التربية الجنسية في المدارس...

 

سناء: لا أعتقد أن الضرورة وحدها تخلق الحركة السياسية الراديكالية. هناك ظروف طبيعية أخرى كمرور الوقت، وتراكم الخبرة، والظرف السياسي الملائم الذي تنضج فيه المواجهة. وبالعودة الى "ميم"، كان هناك ضرورة لأن توجد، وإلا لما وجدت. وهذه الحاجة كانت مواجهة ومقاومة القمع اليومي الذي عشناه ونعيشه كأفراد ومجموعات كويرية جندرياً وجنسياً. كما أنها لم تكن مساحة لمناقشة مشكلاتنا المتعلقة بهوياتنا وحيواتنا الجنسية فحسب، بل أيضاً مشاكلنا الطبقية، والعائلية، وغير ذلك. كانت "ميم" مكاناً سياسياً ومسيّساً. ولعلّ ما جعل ل"ميم" هوية خاصة بها، هو غياب الهدف التقليدي المكتوب الذي يميّز عمل الجمعيات والحركات. وعلى الرغم من ذلك، لم نتخلّف يوماً عن دعم العمل السياسي الحقوقي كقانون حماية المرأة من العنف الأسري، على الرغم من ملاحظات بعضنا عليه، وكنا مستعدات للذهاب إلى الإضراب عن الطعام من أجل إقراره. لعلّ الأفعال الراديكالية تنبثق عن أهداف تكتيكية محددة؟ لكني أريد العودة إلى ما قالته لين سابقاً، وأسأل: لماذا ننتقد أنفسنا لرغبتنا ببناء مجتمع لنا؟ هل نرى فيه تضاداً مع بناء الحركة السياسية؟

 

أليسار: بصراحة، شعرت بالانزعاج من القول بأننا فشلنا، ولدي وجهة نظر مختلفة، إذ أعتقد بأننا قمنا بعمل رائع. لقد بدأت الحركة في لبنان على الانترت، مع Gay Lebanon، وlesbanon، وغيرها من قنوات التشات والقوائم البريدية، ثم بدأنا نخرج إلى أماكن أكثر علنية، وبدأ الناس يلتقون في سهرات واجتماعات في club free و"حلم"، التي قامت لاحقاً بتحركات هامة في الشارع مثل الاعتصام في السوديكو عندما اعتدى بعض الشباب على شابين بالضرب. هذه التحركات دفعت الناس ليتكلموا أكثر عن مواضيع الجنسانية. أعتقد أن الحركة يجب أن يكون لها هدف واضح ومحدد، وإلا باتت غير واقعية، كحملة إسقاط النظام الطائفي. أما العمل على إلغاء المادة 534، أو زيادة التقبل والاحترام، أو تحفيز الحديث عن الجنسانية مثلاً، فأراها أهدافاً واقعية وممكنة، لا سيما في السنوات ال15 الأخيرة، وسط كل التغييرات في البلد. أعتقد كذلك أن "ميم" كانت حركة سياسية، لأنها أنتجت أشخاصاً ماهرات/ين ومتمكّنات/ين في مجالات عدّة، وجمعت بينهن/م من خلفيات متنوعة ومتعددة. أنظرن الى كل ما تبادلناه وتعلمناه من بعضنا البعض، وكل ما أنجزناه. "بخصوص" المنتشرة على نطاق عالمي، "بريد مستعجل". إن ل"ميم" أبعاداً حقيقية، ولا يمكن القول أنها لم تكن حركة سياسية. باختصار، التغيير يحدث طوال الوقت، لكنه يحدث بصورة بطيئة جداً. فلنقارن بين العام 2000 وبين الآن، وسنرى التطور الذي حدث.

 

جو: ما زلت أجد صعوبة في تعريف الحركة. فنحن مثلاً، كانت لدينا مشكلة مع سياسات وطريقة عمل جمعيات حقوق المرأة التي سبقتنا، على الرغم من أن هذه الجمعيات كانت تنجز العمل الفعلي على الأرض. أذكر أننا صارعنا كثيراً لنتمكن من التحالف مع هذه الجمعيات، لأننا لم نكن نريد أن نصبح مثلها. كان صعباً علينا أن نرى فيها حليفات لنا. تطلب الأمر وقتاً لنقرر العمل معها ودعم تحركاتها. لكن، ما الذي يربط أجزاء الحركة بعضها ببعض؟ لعلّه الناس أنفسهن/م؟

 

لين: أريد أن أجيب على فكرة بناء المجتمع. مؤخراً، بدأت أفكر في موقفي السابق من هذا الأمر، وبدأت ألاحظ أني ربما في مرحلة ما، أصبت بالهوس ببناء مشروع سياسي نتفق عليه جميعاُ ونركز على إنجازه، لدرجة قللت فيها من أهمية بناء المجتمع. لكن اليوم، أفكر، لعله من غير الممكن بناء حركة من دون بناء مجتمع لها. حتى إذا فكرت في حياتي الخاصة، إن صديقاتي وأصدقائي الأقرب إلي هن/م أشخاص تعرفت إليهن/م في "ميم". هن/م الأقرب إلي، وتجمعنا حميميّة نادرة. وهذا أمر هام، إذ قد نختلف سياسياً وقد ينفرط مشروعنا السياسي، لكن شيئا ما يبقى. وهنا تكمن الأهمية.

 

كيد: بالنسبة إلي، بُني هذا المجتمع عضوياً. "ميم" لم تلتزم يوماً بمقررات الاجتماعات والوثائق الصادرة عنها. وعلى الرغم من ذلك، نجحنا في كثير من الأحيان بتحقيق ما كنا نصبو إليه، وإن لم نقصد ذلك. كان هناك نوع من الخطاب والعمل والوعي السياسي، كنا مجتمعاً مسيّساً. لطالما كان هذا موجوداً وما زال، ولا أعتقد أنه سيخبو مع الوقت.

 

غنوة: إن تشكل الزمر (cliques) لم يكن بالضرورة نتيجة لهرميّة سلطوية معينة. في بعض الأحيان، كان نتاجاً عضوياً. أشعر أني جزء من حركة معكن أنتن، ومع أخريات/آخرين محيطات/ين بي. مثلاً، أنا أشعر بالأمان لمعرفة أن كثيراً منكن يعشن في محيط بيتي، وفي حيّي. نتبادل الدعم والخدمات، ونفكر الآن بزراعة خضرواتنا بأنفسنا. هذا المجتمع الذي أريد أن أكون جزءاً منه، وأشعر بأن هذه الأفعال الصغيرة تتيح لنا أن نقاوم النظام الرأسمالي، وهنا تبدأ التقاطعيّة بالنسبة لي. ربما يبدو الأمر أنانياً لأنه على نطاق صغير، لكن هذا هو المجتمع الذي أصبو اليه. لا أريد أكثر من ذلك.

 

سناء: طبعاً هذا لا يعني أن هذا المجتمع غير سياسي، اذ تتجلى فيه ومن خلاله الكثير من السياسات الداخلية والخارجية. هذا النوع من المجتمع هو فعل سياسي نسوي تحققه نساء نسويات، وأفراد كويريات/ون وترانس، وهو يؤثر طبيعياً في المجتمع الأكبر، فيما يحافظ على ذاتيّته وعلى نوع من الاستقلالية الداخلية والخصوصية. لكن، إذا كان لدينا هذا المجتمع العضوي، ما المشكلة إذاً في العمل الواعي والفاعل لتسييس هذا المجتمع؟ هل ترين مشكلة في ذلك؟

 

لين: لا أرى مشكلة في ذلك، بل في سياسات تمثيل هذا المجتمع في المؤتمرات والأوساط العالمية والخارجية. كما أرى مشكلة في "التبشير" ببناء مجتمع مماثل بين مجموعات أخرى في سياقات مختلفة، في الكويت مثلاً، أو في "منطقتنا كامب"، كأن هناك نموذج معتمد لبناء مجتمع أو حركة سياسية. أرى مشكلة في محاولة "تنظيم" المثليات والكويريات على نسق المجتمع الذي بنيناه هنا بخبراتنا وتجاربنا الخاصة بنا، من خلال تقديم عروض باور-بوينت عن الخطوات ال12 لبناء مجتمع أو مجموعة دعم! هذه الأفعال يمكن أن تكون مضرّة، وأن تأتي بنتائج عكسية.

 

كيد: ويمكن للتبشير أن يكون على شكل فرض تصرفات معينة على الأشخاص المنضمات/ين حديثاً إلى المجموعة، كالقول أن عليك فعل هذا وذاك لتكوني جزءاً من الحركة.

 

جو: يمكن القول أن هذا المجتمع المصغّر الذي تتحدث عنه غنوة هو بداية لشيء ما. لكن ما زلت أفكر، ما الذي يجمعنا؟ هل هو الاحترام الذي نكنه لبعضنا البعض؟ القيم التي نتشاركها؟ طريقة حياتنا؟ الراحة التي نشعر بها حول بعضنا البعض؟ ما العوامل التي تجعل غنوة تقول إن هذا هو مجتمعي؟ لماذا حدث هذا لنا؟

 

لين: ربما ما يجمعنا هو صراعنا ونضالنا جميعاً لعيش نمط حياة بديل نوعاً ما، بطرق مختلفة وبحيوات وصراعات مختلفة ربما، لكن يمكننا دائمًا أن نفهم بعضنا ونشعر برابط معين بين حيواتنا وتجاربنا، وإن اختلفت. أشعر هذا بشدة من خلال الدعم الذي أتلقاه. مثلاً، كي أتمكن من الانتقال من منزل أهلي إلى بيتي الخاص، نمت في بيت كيد حوالي عشرة أيام لأعتاد الأمر. نحن ندعم بعضنا، ونلهم بعضنا، ونُري بعضنا البعض طرقاً مختلفة للحياة، وهذا أمر هام جداً.

 

أليسار: لكن العلاقات تمرّ بمراحل جيدة وسيئة، خاصة في داخل الحركة السياسية. مثلاً، نحن في داخل هذه الدائرة، تغيرت علاقاتنا عبر الزمن وتحوّلت. فلنفكر قليلاً في عامل الثقة. إذا ما حدثت مشكلة ما بين أفراد المجموعة التي يجمعها هدف استراتيجي ما، ووقع شرخ بينهن، هل تستمر الثقة اللازمة للعمل السياسي؟ هل يمكن لأشخاص فاقدات الثقة ببعضهن البعض، بناء حركة؟ هل يمكن لهن العمل معاً؟

 

غنوة: بالنسبة لي، الثقة هي كل شيء.

 

سناء: لنعيد تصويب السؤال، هل يمكن اعتبار مجتمعنا المبني على الصداقات والعلاقات الشخصية والثقة، مجتمعاً فاعلاً سياسياً؟

 

غنوة: السؤال هو، أي نوع من السياسة نقصد؟

 

سناء: بالنسبة لي، اجتماع النسويات معاً هو فعل سياسي. أولاً، التعريف عن الذات كذات نسوية، هو فعل سياسي. وثانياً، تبادل الدعم والتكافل والتضامن على مختلف الأصعدة، هو فعل سياسي أيضاً. كما أن خوض النقاشات من منطلق هويات سياسية واعية لذاتها، وناطقة بهذا الوعي، هو فعل مسيّس. لكن بالنسبة إليكن، هل مجتمعنا مسيّس، وكيف؟

 

كيد: من خلال ازدياد عدد الدراجات النارية!

 

لين: أنتِ علّمت نصف الحيّ ركوب الدراجة النارية!

 

جو: إن محتمعنا سياسي بما يكسره من أعراف وقواعد، وبمجابهته وتحدّيه للنظام المهيمن، مثلاً، كما تحدثت غنوة عن نظام تبادل مجتمعي يتخطى العملة المالية، ويرتكز على العلاقات الإنسانية. إن خلق بديل لهذا النظام هو فعل سياسي. وكما قالت كيد، إن وجود أجساد كويرية وأجساد نساء تستخدم الدراجة النارية في المكان العام، هو فعل سياسي ضد نظام بطريركي يطردنا باستمرار من المكان العام، ويهدد سلامتنا، ويجعل المكان سالماً وآمناً فقط لنوع معين من الرجال.

 

سناء: أعتقد أن ما يبقينا معاً ويجمعنا هو الأمل الدائم ببناء حركة سياسية. فنحن نجتمع ونعود إلى بعضنا البعض في كثير من الأحيان، من أجل العمل على أمور تتعلق ب"ميم". فليس المجتمع وحده ما يبقي الحركة موجودة ومتماسكة، بل الحركة أيضاً تبقي المجتمع موجوداً ومتماسكاً. وهنا بتنا نتحدث عن مستويين سياسيّين، الأول هو المجتمع السياسي المصغّر والشعبي، وعادة ما يكون غير منظّم، والآخر هو الحركة السياسية الأكبر المبنية على التحالفات الاستراتيجية، وليس الأهداف التكتيكية، وتكون منظّمة ومهيكلة، مع الاحتفاظ في بعض الأحيان بطابع شعبي عفوي، مثل "مرسى" أو "كفى"، اللتين قد تشكلان جزءاً من هذا التحالف. لكن السؤال هو: هل يكفي أن يكون لدينا مجتمعات مصغرة مسيّسة وغير منظّمة؟ أين تأتي الحاجة إلى التنظيم السياسي الواعي والهادف؟

 

أليسار: أريد أن أضيف شيئاً. أنا تحدثت عما أسمتيه "تاريخ الحركة"، انطلاقاً مما شهدته وعشته عندما كان عمري 18 أو 19 عاماً، لكننا لا نعرف ما كان موجوداً قبل ذلك، ربما نحن امتداد لحركة لا نعرفها.

 

غنوة: تعرفن؟ يخبرني أبي أن في الحرب الأهلية وبعدها، كان في الجعيتاوي punk scene، يضمّ أولئك اللواتي/الذين يخرجون مع دجاجاتهن/م ويسيرون في الشارع...

 

أليسار: حقاً؟

 

غنوة: نعم. كانوا يربطون الدجاجات والديكة بحبل ويخرجون بها! كذلك يخبرني عن الهيبيز (hippies)، وكيف كانت شعورهم تبدو. كان الناس يسمّونهم "فوفو"، ويستهدفونهم لأنهم/ن كانوا مسالمين/ات، ولم يريدوا المشاركة في الحرب. كانوا أجساداً بديلة (alternative bodies)، ليس بالضرورة بالمعنى الكويري كما نراه اليوم، لكن لكل زمان كويريّته. ربما نحن فعلاً امتداد لحركة بديلة ماضية.

 

أليسار: ما الذي يُعتبر كويرياً اليوم، وما الذي سيُعتبر كويرياً بعد خمس سنوات؟

 

سناء: بالطبع للمجتمعات والأجساد البديلة فرادة سياسية. لكن إلى أي درجة نحتاج إلى تنظيم سياسي واعٍ، وقصدي، لنكون فاعلات؟

 

لين: التنظيم بأي هدف؟ من أجل ماذا؟ شخصياً، أشعر حالياً بنوع من العجز، بشكل أساسي بسبب الوضع السياسي العام. أنظري ماذا يحدث في البلد، وعلى الحدود مع سورية وفلسطين المحتلة، وفي سورية، ومصر. إذا ما نظّمنا أنفسنا، كيف سنعمل؟ على أي قضايا؟ كيف سيبدو نضالنا في مواضيع الجنسانية مثلاً، في سياق يتغير بسرعة فائقة، ولا يبدو المستقبل فيه واضحاً ولو بنسبة بسيطة. لقد تغيرت الأولويات. عندما بدأنا "ميم"، ربما كانت تلك الأولوية في لبنان. اليوم، لا أعرف ما الأولوية. بصراحة، لا أعرف ما هي الاحتياجات. هل هي متصلة بهذا الواقع السياسي الأكبر؟ وكيف؟ يجب أن نأخذ بالحسبان كل هذه الأسئلة. لا يمكننا أن ننظم مثلما نظمنا "ميم" و"نسوية"، لأن هذا سيكون منفصلاً عن الواقع تماماً.

 

سناء: من تقصدين ب"نحن"؟

 

لين: نحن اللواتي عملنا معاً لسنوات، وربما أشخاص جدد أيضاً. كويريات، نسويات.

 

سناء: لكن، هل يمكننا ألا نفعل شيئاً، تحديداً في ظل هذا السياق السياسي؟

 

لين: على العكس، هناك أهمية خاصة لأن نفعل شيئاً الآن. لكني أشعر بعجز ما. لا أعرف كيف نبدأ، وبماذا. ما أنجزناه سابقاً كان رائعاً وغيّر في حياتي، لكنه كان أيضاً مؤذياً لي. أحتاج أن أتنفس، أن أفكر مع نفسي وبما يحدث حولي. كيف عشت هذه التجارب؟ أحتاج أن أتأمل وأفكر في الأدوار التي لعبتُ، وما كانت نتائجها. كيف أريد لتدخّلاتي في المستقبل أن تكون؟

 

كيد: ما يخيفني في مسألة بدء مجموعة سياسية أو العمل فيها، هو التفكير في الناس اللواتي/الذين سيعملن/ون فيها ويتجهن/ون اليها. أفكر في إتاحة المساحة لأجيال جديدة، وكيف سيكون ذلك. نحن نعرف بعضنا منذ زمن، نعرف لغة بعضنا وطرق بعضنا البعض، لكن كيف نتيح المجال لدم جديد أن يضخ في العمل السياسي النسوي والكويري؟ لقد تغيرت أمور كثيرة، لذا لا أشعر بحماسة لبدء مجموعة جديدة، لكني أحب وأحتاج أن يكون هناك مساحة كهذه، للقاء والنقاش والاجتماع. مساحات تفاعلية.

 

غنوة: أوافق تماماً.

 

جو: أوافق مع ما قالته لين منذ قليل، أشعر أني بحاجة إلى استراحة، إلى الرجوع خطوة إلى الوراء والتفكير. لكني في الوقت عينه أشعر بحاجة إلى فعل شيء، لكني أشعر أني عاجزة. ولكي أغلب هذا الشعور، أحتاج أن أفعل شيئاً. ربما اللقاء بكن وخوض هذه النقاشات هو فعل بحد ذاته، أو تحضير لشيء ما في المستقبل. كذلك، هناك أناس يردن فعل شيء ما، ربما نحن لا نعرفهن/م، ولا نراهن/م، لكنهن/م يحاولن/ون ويعملن/ون. ربما من غير الضروري أن يكون هناك تنظيم على نطاق واسع، لعل شرارة ما قد تطلق تغييراً كبيراً. أنظرن الى بالتيمور، وقبلها فيرغسون. كان هناك غضب يتراكم عبر التاريخ، وانفجر مرة واحدة. لا أعرف.

 

أليسار: لكن الوضع مختلف، بالتيمور عانت قروناً من العبودية والتمييز والقمع العنصري.

 

كيد: تاريخ حركة السود/السوداوات السياسية مختلف.

 

جو: لكن إذا فكرنا بأنفسنا، ما هي نقطة التحوّل (tipping point) خاصّتنا؟

 

أليسار: أنا أنظر إلى الأمر بطريقة واقعية. أعتقد أن هناك حركة سياسية عبر الزمن، وقد نجحت وكانت فاعلة في أمور معيّنة، مثل إقرار القوانين، أو تغيير الرأي العام، أو خلق مساحات آمنة نوعاً ما...

 

سناء: لكن كثيراً من هذه التغييرات والتطورات خدم ويخدم فئات معينة، مثل الطبقة الوسطى والقادرة على الوصول إلى الامتيازات ومن بينها الانترنت، وإيصال صوتها، والتعبير عن نفسها، والاستفادة من هذه الخدمات. لا يعني هذا أن ما حدث غير مهم، لكن يجب ان نكون نقديات وأن نفكر في أبعاده ومحدودية فاعليته.

 

لين: بالنسبة إلي، الحركة هي ممارسة واسعة تحمل تغييراً راديكالياً جماهيرياً، وبالتحديد للأكثر تهميشاً. يمكن لنا أن نصبو إلى تغيير راديكالي، وأن نعمل من أجله وإن ببطئ، وكما قلتنّ، قد يؤدي التراكم إلى تغيير كبير.

 

سناء: حسناً، سؤال أخير، هل تعتقدن أنه كان هناك حركة سياسية نسوية وكويرية في لبنان؟

 

غنوة: نعم.

 

جو: أرى أنه كان هناك حراك انطلاقاً من هويات معينة، أمسكنا بها وسرنا في خطة تغييرية هدفت إما إلى تغيير الخطاب العام، أو تعديل قوانين معينة، أو تظهير قضايا تهمنا، أو عقد التحالفات… كذلك عملنا في وقت ما على فكرة "الاختراق" (infiltration)، من أجل إبراز الفكر النسوي والكويري في المؤسسات والجمعيات، وإيصال صوتنا إلى تلك الاجتماعات والمساحات. كان هناك حراك يولد ضمن هذه التعابير والمفاهيم الكويرية النسوية، ربما كان نشاطاً، أو ممارسة، أو فعلاً، لكن كان هناك شيء ما يحدث.

 

لين: أنا لا أعتقد أنه كان هناك حركة كويرية – نسوية.

 

كيد: لا أعرف إن كنت أرى فيها حركة أم لا.

 

لين: برأيي، كان هناك جهود لنبني حركة، لكننا بنينا مجتمعاً من النساء الكويريات، والترانس، والنسويات وغير ذلك، وكان هذا مجتمعاً بديلاً نوعاً ما في لبنان. لكن إذا أردنا الحديث عن الحركة، علينا التفكير في تحالفاتنا وعلاقاتنا مع منظمات وقضايا أخرى، ولا أعتقد أننا نجحنا في ذلك. فنحن اكتسبنا "شرعية" ما في نظر هذه الجمعيات، عندما رأى أعضاؤها أن بامكاننا الحشد في التظاهرات والاعتصامات، في وقت كانوا هن/م يحشدون عشرة أشخاص في تظاهراتهن/م. عندها، أراد هؤلاء أن ننضم اليهن/م. لكن هل تحدثن/وا يوماً عن قضايا كويرية؟ عن حيوات بديلة؟ كانت قضايانا مسكتة في اجتماعاتهن/م، حتى عندما كنا نحضر فيها. لذلك، لا أعتقد أننا تمكنّا من خلق عمل سياسي واسع، ولا من حشد جماعات أخرى حولنا والى جانبنا. كنا نتظاهر بأننا "نخترق" اجتماعاتهن/م، لكننا كنا نتصرف مثلهن/م عندما نكون معهن/م. كنا نلتزم الصمت في كثير من الأحيان، وكانت هذه مشكلة كبيرة.

 

جو: ليس الجميع يا لين.

 

لين: ربما ليس الجميع، لكن كان هناك "تعديل" في خطابنا عندما كنا نجتمع بهن/م، كنا نخفض أصواتنا نوعاً ما. ولم نكن نقابَل بمكتسبات. مثلاً، في موضوع إقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري، نحن دعمنا وحضرنا وعملنا، لكن لم يخصص شيء للنساء الكويريات. لم يكن هناك تعاون حقيقي لجلب مختلف القضايا إلى طاولة البحث.

 

سناء: إذاً، لم يكن هناك تحالف استراتيجي.

 

لين: كان هناك أفعال تكتيكية، في لحظات شعرنا فيها بأننا مندمجات مع خطابات وقضايا تلك الجمعيات، لكن لم يكن هناك يوماً تحالف حقيقي.

 

سناء: هناك الكثير لنناقشه بعد، ولا بد من الدخول في تفاصيل المجموعات السياسية الكويرية والمثلية والنسوية في لبنان لاستكمال هذا النقاش.

 

*النهاية*

ملحوظات: