عاملات الجنس كعاملات: نقدٌ للمقاربة الإلغائيّة للعمل الجنسيّ في لبنان

السيرة: 

علي هو طالب دراسات عليا في قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة كامبريدج. لقد عمل على نشاط المثليين والمثليات ومزدوجي/ات الميول الجنسية ومتغيري/ات النوع الاجتماعي والهوية في بلاد الشام. هو مهتم بالسرديات التاريخية المتعلّقة بالجنسانيات في الشرق الأوسط، والصراعات العمالية، والبيئة. يبحث مشروعه الحالي في تعقب الصراعات السياسية من خلال الإشارة إلى الدورات البيئية، ويتتبع تاريخ صور والسياسة المعاصرة في جنوب لبنان من خلال الانتباه إلى توفير النفط والمياه والعمل. ركز بحثه السابق على ثلاثة عناصر لنضال مجتمع الميم في بيروت: تكوين الهوية والحالة الاجتماعية والاقتصادية غير المستقرة والنشاطية. يستكشف في أطروحة الماجستير المعنونة "نحن نعيش في الظّلال" كيف يبدأ الأشخاص الكويريون في التّعريف عن أنفسهم كمثليين أو مثليات أو متغيري/ات النوع الاجتماعي؛ يستكشف الأسس الاجتماعية والاقتصادية لرهاب المثلية وإعادة انتاجها في لبنان. أخيرًا، يسأل كيف استجاب النشطاء لهذه الحقيقة وإلى أي مدى نجحوا. يركز علي حاليًا على القضايا المتعلقة بالبيئة وتغير المناخ. يهتم بشكل خاص بسياسة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وبيئة الاقتصادات التجارية، والدوائر النشاطية التي تسعى إلى تقويض الاعتماد المجتمعي على الممارسات الضارة.

‫ ‫الملخص: 

تصوّر المقاربة الإلغائيّة العمل الجنسيّ في لبنان على أنّه فقط نتيجة رغبة المشتري الذكر بشراء الجنس. يخفي هذا التصوّر جدّية وأهميّة العوامل الطارئة التي تؤدّي غالبًا إلى عمل جنسيّ محفوف بالمخاطر: ازدياد تسليع العلاقات الاجتماعية وفشل الدولة ومؤسساتها في تلبية حاجات أعضائها بشكل عادل. يسمح اعتبار العمل الجنسيّ مشكلة متعلّقة بالعمل بوضعه في سياق أوسع نطاقًا، يحدّد متى اكتشفناه، الحاجات التي تعزّز ظروف عمل عاملي/ات الجنس، بدلًا من معاقبة مشتري الخدمة. أستخدم هذا التحليل ضمن ثلاثة مجالات متعلّقة بالعمل الجنسيّ. الأوّل هو الربط بين العمل الجنسيّ والاتجار الجنسيّ، والذي تسلّم به جدلًا جمعيات إلغائيّة مثل منظمة "كفى عنف واستغلال" (كفى). ومع العلم أن دراسة المسألتين معًا مفيدة، حيث تشكّلان جزءًا من نسق واحد، غير أنّه علينا أن نبقى مدركين ما يحوّل "العمل" لـ"عبوديّة"، بدلًا من الإخفاق في المسألتين. أما الجزءان الثاني والثالث، فيبحثان في تقرير منظمة "كفى" للعام 2014 عبر شقّين: تشخيص المشكلة والحلّ المقترح. يفترض التقرير أن المشكلة تكمن في الطلب الذي يخلق ظروف العمل الجنسيّ، وبالتالي يكون الحلّ عبر تجريم المشتري. أبيّن أن فرص هذا "النموذج الاسكندنافي" محدودة في لبنان.

الكلمات المفتاحية: 
العمل الجنسي
لبنان
كفى
المقاربة الإلغائية
عمل
عمل
اقتباس: 
علي رضا. "عاملات الجنس كعاملات: نقدٌ للمقاربة الإلغائيّة للعمل الجنسيّ في لبنان". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 6 عدد 1 (01 يونيو 2020): ص. 60-75. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 29 أكتوبر 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/233.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (729.46 كيلوبايت)
ترجمة: 

ناشطة نسوية فلسطينية، مترجمة، ومدّونة على suhmatiya.wordpress.com، مقيمة في بيروت. تخرّجت بإجارة في العمل الإجتماعي والتنظيم المجتمعي من الجامعة اللبنانية الأميركية عام 2016. تعمل حالياً كمنسقة الخط الساخن للجنسانية في مشروع الألف، جمعية معنية بشؤون الجنسانية والجندر والعدالة الإنجابية، كما أنها عضو في تعاونية الضمّة النسوية.

Straying.png

سكِن سلز

الشرود

المقدمة

في مقال نُشر السنة الماضية، يسرد عماد بزّي التاريخ المخفيّ لعاملات الجنس و"الباترونات" في لبنان (2019). كانت عفاف إحدى باترونات بيروت قبل الحرب الأهلية. لكن قبل أن تصبح باترونة، في الأربعينيّات، أي خلال العقد الأول من تشريع مجال العمل الجنسيّ تحت الانتداب الفرنسيّ، كانت عفاف عاملة جنس مشهورة. تدهورت سمعتها عندما رمتها إحدى منافساتها بماء النار، فعرفت عندئذ أن أزقّة بيروت المظلمة لم تعد آمنة بالنسبة إليها. قرّرت عفاف أن تتزوج مسؤولًا في الأمن عسى أن يكون الحظّ حليفها، فيؤمّن لها ذلك المسؤول المسكن والحماية. ومن خلال هذه المكانة الاجتماعية، تمكّنت عفاف من استقدام العديد من النساء للعمل تحت إمرتها.

في المحصّلة، استطاعت عفاف وزوجها، بحسب رواية بزي، استقطاب العديد من النساء اللواتي هربن من بيوت أهاليهن، والاحتيال على غيرهن للانضمام إليها، حتّى أنها أوت من دون علمها الجاسوسة الإسرائيلية الشهيرة شولاميت كوهين في بيت الدعارة هذا. انتهت قصتها بسجنها خلال إحدى حملات الاعتقال التي استهدفت العمل الجنسيّ في أواخر الخمسينيّات. أخيرًا، يذكر بزّي أنّها قادت تمرّدًا ضدّ الظروف القاسية داخل سجن بعبدا للنساء، لتصبح رفيقة النساء بدلًا من باترونة عليهن.

تظهر قصة عفاف، بالرغم من احتوائها على بعض الخرافة، دور الدولة ووكلائها الحاسم في تشريع وتنظيم وتراجع أساليب العمل الجنسيّ. ربما كانت عفاف هي من قرّرت أن تصبح عاملة جنس. لكن ما دفعها نحو مسؤولي الأمن الفاسدين هو غياب إجراءات الحماية والسلامة. كما أنها اعتمدت كلّيًا على تقديم نساء شابّات عاطلات عن العمل لتمويل عملها. لا شكّ بأن تفاقم البطالة في ظل اقتصاد يعزّز الخدمات المالية القائمة على التوظيف وفقًا للمحسوبية، والذي عجّل اندلاع الحرب الأهلية المرتقبة، ساهم في مساعدة عفاف لإقناع أولئك النساء بالانضمام إليها (نصر، 1978، ص. 11). إنها قصة تبرز كيف تبني الدولة وغيابها ظروف العمل الجنسيّ في لبنان.

أهدف إلى تحدّي المقاربات "الإلغائية" للعمل الجنسيّ عبر هذا السياق بالتحديد. تُعامِل النظرة الإلغائيّة العمل الجنسيّ كتعبير متماثل مع الرغبة الأبويّة التي تهيمن على وتستغل جنسانية عاملة الجنس. بالنسبة للإلغائيين، تثير المتاجرة في الجنس فزعًا أخلاقيًا وتعيد إنتاج أفكار أبوية تزدري من يبيع الجنس وتؤدّي إلى تحقير جسد البائعة. يُنظر إلى العمل الجنسيّ كعمل يفسد جسد ونفس البائعة والمشتري على حدّ سواء. لمواجهة هذه المقاربة الأخلاقوية، أناقش أنّ أكثر أشكال العمل الجنسيّ شيوعًا في لبنان (ت)يديرها باترون(ة)، وغالبًا ما تكون تحت تنظيم الدولة والشرطة وأجهزتهما) تنشأ نتيجة فشل أنماط النسب التقليدية والعلاقات الاجتماعية-الاقتصادية. بالفعل، لا تقدّم نظم النسب والتوظيف تلك للناس عملًا ذي معنى أو آليات لتحقيق الاشباع الذاتيّ. لا يمكن، عند دراسة العمل الجنسيّ، أن نفهمه كعملية موجودة خارج شبكة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاضنة له. بالتالي، بدلًا من اعتبار العمل الجنسيّ مصدرًا للأفكار الأبوية فيما يتعلّق بالعاملات فيه، أرى أن القطاع بحدّ ذاته هو استجابة لفشل الدولة اللبنانية. إن تحويل "العمل الجنسيّ" إلى ظاهرة اجتماعية ما من شأنها التأثير على النشاط الاجتماعي هو إعادة تحديد جذريّة لكيف يُدفع بالناس للمتاجرة بالجنس والأجساد. لأن المفهوم الأبوي يعتبر أن جنسانية المرأة ملكًا لذرية الرجال مما يدفع النساء إلى استعادتها كعاملات في مجال الجنس.

لأجعل نقدي ملموسًا، سأشير إلى تقرير "كفى" للعام 2014 عن العمل الجنسيّ في بيروت، إستكشاف الطلب على الدعارة، كمثال واف على التصور الإلغائيّ للعمل الجنسيّ. بما أن الورقة البحثية تتعامل مع تقرير عن العمل الجنسيّ ضمن النساء المطابقات للنوع الاجتماعي، سأبني على أمثلة لتمظهرات موازية لهذه الظاهرة. لذلك، أتعامل مع العمل الجنسيّ على أنه في الأغلب متاجرة في الخدمات الجنسية بين امرأة مطابقة للنوع الاجتماعي وزبون – بالرغم من أن ذلك لا يمثّل اتساع "العمل الجنسي" بأوضح صوره.

حجّتي الأساسية هي أنّ النظرة الإلغائية للعمل الجنسيّ ينقصها وضع السياق ضمن العلاقات الأبويّة وظروف العمل الهشّة في لبنان، وأنّها تصوّر ذلك العمل كنتيجة لرغبة المشتري الذكر بشراء الجنس فقط. يخفي هذا التصوّر جدية وأهمية العوامل الطارئة التي تؤدّي غالبًا إلى عمل جنسيّ محفوف بالمخاطر: ازدياد تسليع العلاقات الاجتماعية وفشل الدولة ومؤسساتها في تلبية حاجات أعضائها بشكل عادل. أبدأ هذا البحث بمراجعة النقاشات النسويّة حول العمل الجنسيّ والإشارة إلى وجود ميل للتركيز على قيمة الجنس كظاهرة اجتماعية بدلًا من التركيز على البعد المرتبط بالعمل فيما يخصّ العمل الجنسيّ. يسمح اعتبار العمل الجنسيّ مشكلة متعلّقة بالعمل بوضعه في سياق أوسع نطاقًا، يحدد متى اكتشفناه، الحاجات التي تعزز ظروف عمل عاملي/ات الجنس، بدلًا من معاقبة مشتري الخدمة. أستخدم هذا التحليل ضمن ثلاثة مجالات متعلقة بالعمل الجنسيّ.الأوّل هو الربط بين العمل الجنسيّ والاتجار الجنسيّ، والذي تسلّم به جدلًا جمعيات إلغائيّة مثل منظمة "كفى عنف واستغلال" (كفى). ومع العلم أن دراسة المسألتين مفيدة، حيث تشكّلان جزءًا من نسق واحد، غير أنه علينا أن نبقى مدركين ما يحوّل "العمل" لـ"عبودية"، بدلًا من الإخفاق في المسألتين. أما الجزءان الثاني والثالث، فيبحثان في تقرير منظمة "كفى" للعام 2014 عبر شقّين: تشخيص المشكلة والحلّ المقترح. يفترض التقرير أن المشكلة تكمن في الطلب الذي يخلق ظروف العمل الجنسيّ، وبالتالي يكون الحلّ عبر تجريم المشتري. أبيّن أن فرص هذا "النموذج الاسكندنافي" محدودة في لبنان.

 

جنس أم عمل؟

بالرغم من وجود نقاشات واسعة النطاق عن العمل الجنسيّ ضمن البحث النسويّ، يبقى هذا الموضوع الأقلّ توثيقًا من الناحية العملية، خاصّة فيما يتعلّق بخطابات تقدّم إمّا تفسيرًا سلبيًا واضحًا أو تفسيرًا حول تمكين النساء في العمل الجنسيّ وتعزيز وكالتهن الذاتية (روبين، 1993، فايتزر، 2009). شكّل هذا التقسيم بنية النقاش النسويّ لعقود من الزمن، فيما غابت موضوعات البحث (عاملات الجنس) عن صلب هذا النقاش. بالفعل، لعب هذا الجدال دورًا مهمًا في تحديد معالم النقاشات النسوية حول المشكلة الاجتماعية للوكالة الذاتية والبنية، وفي الوقت نفسه تجاهل واقع الأشخاص العاملين/ات في هذا المجال. وبالتالي، يختزل هذا النقاش الإشكالية برمّتها ويختصرها بفكرة ما إذا كانت النساء "حقًا" تختار العمل الجنسيّ أو إذا كان التراضي ممكنًا بأي شكل في ظلّ ظروف الفقر المدقع.

إن التعامل مع مسألة العمل الجنسيّ عبر التطرّق إمّا إلى البنى أو إلى الوكالة الذاتية هو مشكلة بحدّ ذاتها. تكمن خطورة هذا الطرح في تغييب الأسباب الحقيقية التي أنتجت هذه النقاشات في الأصل: الأمان والاستقرار والسلامة العامّة لعاملات الجنس. مؤخرًا، تم إيجاد مخرج من نقاش البنية / الوكالة الذاتية من خلال مقاربة تعيد طرح مفهوم العمل الجنسيّ باعتباره شكلًا من أشكال العمل (فايتزر، 2007). قبل الغوص في هذا المفهوم البديل، سأتطرّق إلى تصوّرات النسويات المعارضات والمناصرات (الكثيرات) للعمل الجنسي، التي تنظر إلى مفهوم الجنس باعتباره مدمّرًا أو محرّرًا. بالتالي، يكون الجنس مصدر تمكين أو نفي تام لصورة بائعة الجنس، حيث تتبدّد شخصيتها، وهو أيضًا المصدر الأساسي للعنف الأبويّ.

تشير المواقف النسوية المعارضة للعمل الجنسيّ إلى كون عمل النساء في هذا المجال يحمل بعدًا شديد الخصوصية فيما يتعلق بالتحكّم الأبويّ والرأسماليّ بجسد وجنسانية الأنثى (جيفري، 2003؛ ميريام، 2005). "شراء" الرجال قدرة الوصول إلى أجساد النساء من أجل المجامعة هو مثال جوهري عن كيف تسمح الرأسمالية، بالتماشي مع النقد الماركسيّ، باستغلال فائض قيمة العمل للعاملة. كما يلاحظ ماركس، قوّة العمل، أي قدرة الناس على العمل، تصبح مغتربة عنهم؛ تواجههم كشيء موجود خارجهم، كسلعة. تعتبر النسويات الإلغائيات، أن تسليع الجنس تحديدًا مدمّر للغاية، تمامًأ كاغتراب جسد الفرد عن نفسه. تتغاضى هذه النظرة عن كتابات ماركس حول العمل الجنسيّ كمثال على "الدعارة العامّة للبروليتاريا"، حيث أنه يمثّل تكرارًا لعملية عامّة تحصل على مستويات متعددة، مسلِّعةً الجسد والمادة في الوقت نفسه وواضعة إياهما ضمن علاقات السوق. إن الفارق الأساسي بين الماركسيين والنسويات الإلغائيات هو التقبّل غير المعلن لأشكال أخرى من العمل باعتبارها أكثر قيمة من العمل الجنسي. ترفض النسويات (والمحافظين/ات) العمل الجنسي باعتباره تحديدًا مهينًا لمكانة الشخص، وتفترض أنّ ظروفه غير قابلة للإصلاح على الإطلاق. تبرز هذه الرؤية من خلال اقتراحات برامج التوقّف عن ممارسة العمل الجنسيّ التي تطرحها النسويات المعارضات (جيفرز، 2008، ص. 207).

كردّة فعل على وجهة النظر هذه، رأت بعض الباحثات النسويات العمل الجنسيّ تمرّدًا ونوعًا من المقاومة ضد الهيمنة الذكورية (تشابكيس، 2013؛ بيتيرسون، 1989؛ ستروسين، 2000). كما أشرن إلى الفوائد المادية والنفسية التي تراكمها النساء من خلال انخراطهن بالعمل الجنسيّ. وجهة النظر هذه تجد في انخراط النساء بالعمل الجنسيّ أمرًا إيجابيًا يشبه انخراطهن في أي مجال آخر من مجالات العمل. فهو نوع من "الكرم الجنسيّ" – عمل يرافقه منح اللذة وإستغلال المشتري (كوين، 2001). يُقدّر الجنس على أنّه مجال يتخطّى رتابة الأعمال المأجورة الأخرى. هذا الطرح يجعل العمل الجنسيّ عملًا استثنائيًا مقارنة بظروف البروليتاريا العامّة. تُطَبِّع أولئك النسويات مع مفهوم قيمة العمل، فيقفن أمام الإصلاحات الضرورية التي تطلبها عاملات الجنس كي يحمين أنفسهن من خصوصية ظروف عملهن.

كلتا وجهتي النظر محدودتين، نظرًا لاستنادهما على المعايير النظرية وغرف ندوات النقاش أكثر من انطلاقهما من تفسيرات تنطلق من التجارب العملية لقطاع العمل الجنسيّ نفسه وحياة النساء المنخرطات فيه. بطبيعة الحال، تنتج هذه المحدودية توجهًا فلسفيًا يؤدّي إلى تغييب فوضى الواقع الاجتماعي. من جهة أخرى، تتجلّى محدودية وجهتي النظر المذكورتين أيضًا من خلال النطاق الضيق جدًا لناحية تأثيرها على الناشطين/ات وعاملات الجنس وصانعي التشريعات أنفسهم. فهي تعطي أجوبة تتماشى مع فكرة "إلغي أو هلّل للعمل الجنسيّ"، والتي لا تعمّق فهمنا للظاهرة ولا تقدّم حلولًا حول تحسين ظروف عمل بائعات الجنس.

منذ أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، أعاد النهج المتعلق بالعمل الجنسي تعريف إشكالية العمل الجنسي كمشكلة أسواق عمل يتوسط فيها كلًّ من الإطار القانوني (ضبط الدولة للمجال) والظروف الاجتماعية (سيطرة الذكور، الظروف الاجتماعية-الاقتصادية) (كيمبادو ودوزيما، 2018؛ سكولار، 2004، فايتزر، 2007). كانت هذه المقاربات مثمرة: فهي تهدف إلى سدّ الفراغات بين النظرية الاجتماعية والسياسات عبر أخذ كلّ من الأبوية وقانون الدولة بعين الاعتبار كإطار ديناميكي يتفاعل ليؤطر موقف عاملات الجنس ضمن أي مجتمع (فايتزر، 2007). تؤكد تلك المقاربات على التعدّدية: يختلف شكل العمل الجنسيّ تبعًا لمن يقوم به: امرأة أو رجل أو شخص عابر(ة) للجندر. كما يتأثر باختلاف المكان الذي يحصل فيه، في الشارع أو في مكان مغلق، أو إذا كانت الأرباح محتكرة من قبل قوّاد أو تملكها البائعة لوحدها. يعكس هذا الإصرار على التعددية ضمن المجال تفاعلًا أكثر شمولًا بين الباحثين/ات وعاملات الجنس أنفسهن (المصدر السابق).

نشرت عاملات الجنس قصصًا تبيّن كيف يجب رؤية عملهن. على سبيل المثال، يذكر كتاب "المومسات المتمرّدات" لمولي سميث وجونو ماك (2018) لقاءً مع عضوة من البرلمان الاسكتلندي، حيث سألت الأخيرة عاملات الجنس عن سبب اختيارهن الدعارة كوظيفة. شرح البعض أنهن كنّ يدعمن عائلاتهن، واعترفت امرأة عابرة أنّها خسرت وظيفتها عندما بدأت بعملية التأكيد الجندري، وقال رجل مثليّ إنّ خسارته للدعم العائلي هو ما جعله يفكّر بهذا العمل. صدمت عضوة البرلمان، إذ وجدت أن الأسباب الاقتصادية كانت طاغية. وكأنه، كما تكتب كلّ من سميث وماك، لا يزال الجميع يتوقّع من الوظائف أن تكون إشباعًا للّذات، وشغفًا يتخطّى المكسب المالي.

تردّد البحوث الإثنوغرافية والمدوّنات التي تفصّل تجارب عاملات الجنس الشعار ذاته: تعتمد ظروف عاملات الجنس بشكل كبير على مجموعة من الشروط القانونية والاقتصادية والاجتماعية – وهي قلّما تكون متشابهة. بالطبع، من المثير للسخرية التلميح أنّ عاملة الجنس التي تمارس مهنتها ضمن ملكيتها الخاصة في سان فرانسيسكو عبر تقديم الخدمات الجنسية للرجال العاملين في سيليكون فالي ليست مختلفة عن عاملة تبيع الجنس في شقتها المستأجرة في ضواحي بيروت لشخص تعرّفت عليه أونلاين.

تدلّ الكتابات الأنثروبولوجية والتاريخية حول العمل الجنسيّ أيضًا على حقيقة أن هذا القطاع ينشأ جرّاء تعاظم التسليع في الحياة. ليس من الغريب انتشار الدعارة بشكل كبير في المدن القديمة حيث كانت تحدّد العلاقات الاجتماعية من خلال التجارة والقدرة على الوصول إلى السلع الشرائية. تحكي ملحمة جلجامش عن شمحات، وهي مومس مقدّسة كانت تغري الرجال للتخلّي عن همجية الحياة في الطبيعة من أجل فاكهة حضارة بلاد ما بين النهرين. في كتابات نيلز رينجدال، كانت الطريقة الوحيدة التي تكتسب من خلالها المرأة الإغريقية القديمة حرّيتها هي العمل الجنسيّ (2007). أصبحت المهنة أكثر هيمنة في أوقات التمدّن الضخمة وتفكّك البنى العائلية وازدياد نسبة العمل المأجور (المصدر السابق، 27).

لماذا يصوّر الإصلاحيون الاجتماعيون العمل الجنسي كآفة اجتماعية في القرن العشرين، مثيرين بذلك القلق حول النظافة و"الانحراف" والتراجع الأخلاقي؟ إذا افترضنا أن الإطار التاريخي دقيق، نجد أن خطاب الإصلاحيين الاجتماعيين يحوّل حقيقة المسار رأسًا على عقب: فالناس يختارون العمل الجنسيّ لأن البنى العائلية والكيانات الأبويّة فشلت في دعم الجميع. لكن طرح الإصلاحيين الاجتماعيين "مشكلة" العمل الجنسي، هدف إلى حماية الجنود الذكور والعمّال والأخلاق العامة للمجال المدني (س. ف. حماد، 2016). يتم تخيّل العمل الجنسيّ وكأنّه مساهم بدلًا من عارض من أعراض التراجع الحادّ في البنى. فمن وجهة نظر الإصلاحيين، يعدّ العمل الجنسيّ محفّزًا وليس ردّ فعل على تدهور تلك البنى.

يوثّق باحث أنثروبولوجي هذه العملية بحدّ ذاتها عند "الهولي" (السكّان الأصليين) في بابوا غينيا الجديدة. يدفع أهالي "الهولي" مهرًا باهظًا عند الزواج. أجرت هولي ووردلو دراستها في وقت كانت قد ارتفعت فيه هجرة الذكور إلى مناطق تكثر فيها المناجم، حيث يترك الرجال نساءهم وحيدات في المنازل وفي الوقت نفسه يمنعوهن من التحرّك بحرّية خارج المنزل (2006). تخبر النساء كيف تمّ "حبسهن" في البيوت خوفًا من التعرّض للاعتداء إذا تنقّلن في نواحي البلدة دون مرافقة رجل. ويضفن أنهن لم يحظين بمساعدة أنسبائهن عند تعرّضهن للاعتداء، كما أن شركائهن وعائلاتهن لم يساعدونهن في مقاضاة الجاني. ونظرًا لعدم قدرتهن الرد وفقًا للمعايير الأبوية – أي عندما تشعر النساء أنّهن لم يحصلن على حقّهن من ثروة العائلة مقابل العمل الذي يقمن به، يهتمّ الرجال وأفراد العائلة بالنساء فقط من أجل الحصول لاحقًا على المهر، بينما تردّ النساء في المقابل عبر استخدام جنسانياتهن للانتفاع في ظل هذا النظام. ابتعدت العديد من النساء عن الزواج، ليصبحن في الغالب "نساءً للزوّار" (نساء يمارسن الجنس مقابل المال)، "فيُخرجن قدرات أجسادهن من وصاية العشيرة أو الزوج ليبدّلن الجنس بالمال ويبقين المال لأنفسهن" (المصدر السابق، 149). يُقال عن أولئك النساء إنّهن "أكلن مهابلهن"، أي استهلكن الجنسانية التي كان "من المفترض أن تكون لعائلاتهن وعشيراتهن".

إذا نشأ العمل الجنسيّ كاستجابةً للنقص في توزيع الموارد وقدرة النساء على تأمين سلامتهن وعافيتهن – لا يمكننا التعامل معه كظاهرة منعزلة تنطلق من مكانة العاملين/ات فيها. المختلف ربما في العمل الجنسي هو التهديد الذي يمثّله بالنسبة لفهمنا العام حول ما هو مجال العام وما الذي عليه أن يبقى خاصًا (س. ف. داي، 2007). تُعتبر أشكال متعدّدة من العمل الجنسيّ، خاصة من وجهة نظر النساء، تسليعًا للعلاقات الحميمة، وهي علاقات يرفقها أغلبنا بطقوس علنية ومعقّدة لنجعلها مقبولة. إن "الجنس" كشيء يمكن شراؤه أمر منفّر بالنسبة إلينا، وكأن ذلك يمثّل ما تبقّى من الكرامة الإنسانية التي وقعت ضحية منطق السوق والاستهلاك. بالطبع، هذا بعيد عن الحقيقة: العمل الجنسيّ متجذّر في الحضارة الإنسانية رغم تغيّر أشكاله. إذا كان تسليع "الجنس" و"الجسد" متطرّفًا لهذه الدرجة بالنسبة للنسويات، علينا أن نسأل عن السبب الرئيسي الذي يدفع باتجاه التسليع بدلًا من اعتبار العمل الجنسيّ قضيتنا الوحيدة لمناهضة التسليع.

من هذا المنطلق، يعتبر الاتجار بالبشر من أجل الجنس شكًلا استثنائيًا بالغ الاستغلال في إطار العمل الجنسيّ – ليس بعيدًا عن ظروف العمل الاستثنائية المفروضة على عاملات المنازل في لبنان والخليج. فالاتجار بالبشر من أجل الجنس هو عمل جنسيّ أعيدت صياغته لخدمة المشتري والمستفيدين من عمل عاملة الجنس فقط. لكن اعتبار الاتجار الجنسيّ كشكل استثنائي من العمل الجنسيّ لا يهدف إلى دمج المفهومين. بالفعل، تصرّ المجموعات اليمينية الأخلاقوية والنسويات المعاديات للعمل الجنسي (مثل "كفى") على خلط الاتجار الجنسي والعمل الجنسيّ، فترى في الأولى نتيجة للأخيرة. لكن تجريم لبنان للعمل الجنسيّ لم يقمع انتشار الاتجار بالبشر. بالعكس، إنّ غياب الشرعية عن عمل المهاجرات والتضييق على حقوق العمل الخاصة بهن والضعف الاقتصادي الذي تسبّب به نهب الدولة اللبنانية، كلها عوامل تضع الناس في ظروف تعّرضهم للاستغلال الجنسيّ أو في سياقات العمل. من جهة أخرى، إن الخلط بين هذين المفهومين يفترض غياب العمل الجنسيّ التطوعي. كما أن الحجّة الثانية مثيرة للريبة بنفس الطريقة: بشكل عام، يعتبر كثير من الناس أن عملهم لا يلبّي إشباعهم الذاتيّ على الرغم من طبيعته المحترمة، كما أنه ما من طريقة نثبت من خلالها إذا كان الشخص فعلًا مجبرًا أو إذا كان يزعم أنه اختار عمله بحرّية مطلقة. في هذه الحالة، تبقى الحاجة لتحسين ظروف أولئك الذين يشكّلون جزءًا من سوق العمل الجنسي مهمّة أخلاقية وسياسية.

 

لبنان والجنس و"كفى"

تظهر الدولة اللبنانية موقفًا معقّدًا وغالبًا محيّرًا فيما يتعلّق بالعمل الجنسيّ. فقد شرّعت الدولة العمل الجنسيّ لأول مرّة سنة 1931 تحت الانتداب الفرنسي. خلال تلك الفترة، تم إعطاء بعض بيوت الدعارة رخصة شرعية للعمل وتمّ فرض إجراءات صحّية كالتطعيم والفحوصات الأسبوعية، وقد صنّفت الحكومة عاملات الجنس كعاملات درجة ثانية (خلف، 1965). لا نعرف الكثير عن حياة عاملات الجنس بين تلك الفترة واليوم. أحد أسباب ذلك هو الوضع القانوني الخطر الذي أصبحت فيه عاملات الجنس بعدما توقفت الحكومة عن إصدار رخص عمل قانونية في السبعينيّات. تحكم مجموعة من القوانين الاستدراج الجنسيّ، ويمكن محاسبة عاملات الجنس بقوانين تتعلّق بالترويج للعمل الجنسيّ أو الإخلال بالآداب العامّة (صالح وقبية، 2015). تنشئ قوانين الدولة بحد ذاتها والتي تقوم "بحماية المجتمع" مفاهيم العار والذنب فيما يتعلّق بالعمل الجنسيّ.

من جهة أخرى، تستمرّ "الملاهي الليليّة الضخمة"، وهو إسم للإشارة لنوادي التعرّي، بتوظيف عاملات جنس ضمن "نموذج الفيزا الفنيّة".1 تعمل تلك النوادي بعلم المجتمعات اللبنانية المحلّية والدولة ويتمّ ضبطها من قِبل مدراء من الأمن الداخلي اللبناني (كفى، 2014: 10). في مقال نُشِر في "Foreign Policy" "فورين بوليسي" (أندرسون، 2012)، تحدّث الصحفي مع إحدى العاملات، ليند، بوجود مدير العمل. يبدو في المقال أن ليندا كانت مكتئبة معتبرة أن مجيئها إلى لبنان "أكبر خطأ ارتكبته في حياتها" (أندرسون، 2012). يكشف المقال أنّ أصحاب العمل يتحكّمون بحركة غالبية أولئك المهاجرات من خلال ممارسات كحجز وثائق سفرهن وإجبارهن على ممارسة الجنس مع الزبائن. تخضع تلك النساء للتحكّم القانوني والاقتصادي خوفًا من الترحيل. غالبًا ما تتمّ ممارسة الجنس مع الزبائن خلال فترات راحة أولئك النساء، فيتمّ تحرير مالكي الملاهي الليلية من أي ملاحقة قانونية ويصبح الخطأ واقع على العاملات أنفسهن. تلك السابقة القانونية الفريدة من نوعها تجمع اللاشرعية ونزع الطابع السياسي عن المسألة (عبر الإشارة إلى أسماء غير منتخبة من الأمن العام لضبط العمل)، وتنشىء نوعاً من العمل الجنسيّ المصدّق عليه من قِبل الدولة في لبنان كمجال لدرّ الثروات للدولة وللمجال السياحي على حساب من يزاولن هذه المهنة.

تقف حقيقة بسيطة خلف هذه الشبكة المعقّدة من التنصّل القانوني وغياب القيود: يقع العبء القانوني والاجتماعي لهذا المجال المصدّق عليه من قبل الدولة، على عاتق عاملات الجنس. فتضع قوانين الهجرة المتشدّدة العاملة المهاجرة تحت الوصاية القانونية لصاحب العمل، وتعطي الأخير السيطرة الكاملة على حركة تنقّل العاملات. أيّ ممارسة "غير قانونية" للعاملات يتمّ حصرها في "أوقات فراغهن"، فيقمن بهذا العمل من أجل صاحب العمل، ولكنهن يبقين هنّ المذنبات. لدينا دولة تقوّي صاحب العمل على حساب العامل/ة. يحوّل هذا التموضع عاملات الجنس إلى عبدات جنس بنجاح تام، عبر تأكيد نوع من السيطرة الشمولية على أجسادهن وأوقاتهن وتحرّكاتهن.

في شهر نيسان من العام 2016 وخلال عطلة عيد الفصح، خطّطت مجموعة من النساء العالقات في شبكة اتجار جنسيّ للهرب من نادي "شيه موريس" في منطقة المعاملتين (شمال بيروت). تشتهر منطقة المعاملتين بانتشار الأماكن المخصصة للدعارة والجنس مقابل المال (أندرسون، 2012). بعد هربهن، تمّ تحويلهن إلى الأمن العام بعد أن استقلَّين فان (باص صغير) متوجّه إلى جنوبي لبنان. كشفت مداهمة الأمن العمل لنادي "شيه موريس" حالة مخيفة: فقد تمّ حبس وتعذيب خمس وسبعين امرأة وأُجبرن على ممارسة الجنس مع الزبائن لجمع البقشيش. بالإضافة للحرّاس والمالكين ومسهّلي الإغتصاب، تمّ سجن طبيب لإجرائه أكثر من 200 عملية إجهاض على النساء المتاجَر بهنّ بسبب الجنس غير الآمن الذي اضطُررن لتحمّله (هيومن رايتس ووتش، 2016).

صنّفت قوى الأمن الداخلي تلك المداهمة كانتصار واستخدمته للترويج والدعاية، بالرغم من تحذيرات منظمة "هيومن رايتس ووتش" بخصوص عدم فعالية النظام القضائي اللبناني في التعامل مع الاتجار الجنسيّ (2016). وقد تمّ إثبات صحّة ذلك بعد سنتين من حادثة المعاملتين، إذ أعلن موقع "ميدل إيست آي" عن تورّط مسؤول كبير في الشرطة في شبكة اتجار (2018).

انطلاقًا من ذات الروحية الرافضة للعمل الجنسيّ كعمل شرعيّ، ردّت منظمة "كفى"على لغة "هيومن رايتس ووتش" المتعاطفة مع إلغاء تجريم العمل الجنسيّ، بافتراض علاقة بين العمل الجنسيّ المشرعن وازدياد الاتجار الجنسيّ (2016). ينصّ جزء من ردّ "كفى" على التالي: "عدم تجريم تجارة الجنس بأكملها يعني المضيّ قدمًا في تنظيمها وبالتالي تقنين عمل القوّادين". هنا يصبح من الملائم استكشاف العلاقة بين العمل الجنسيّ والاتجار الجنسيّ. بالنسبة لـ"كفى"، على الدولة أن تعمل كشرطيّ أفضل قادر على حماية النساء (وهم يهتمّون بشكل أساسي بالنساء) من مخاطر الاتجار الجنسيّّ. مع ذلك، أليس من الصحيح أن الدولة اللبنانية تتعامل "كالقوّاد" في جرّ الناس نحو الاتجار الجنسيّ دون الحاجة لإلغاء تجريم العمل الجنسيّ؟ في الواقع، الوضع القانوني الغامض للعمل الجنسيّ والحقّ المقدّس قانونيًا لربّ العمل على المهاجرات، يسهّل الاتجار الجنسيّ. تعرّضت النساء اللواتي تمّ إدخالهن إلى لبنان للتعذيب على يد أحد أفراد المخابرات الجويّة السوريّة (شاهين، 2016ب). علاوة على ذلك، تمّ إدخالهن البلاد على أساس العمل قانونيًا في مطاعم، وتمّ اختيارهن قصدًا بناءً على ضعفهن، علمًا أنّه كان من الممكن أن يفلت المسؤولون عن الاتجار بهن في حال لم تطلبهن أسرهن. فالخوف الأكبر للمتاجرين بهن كان وجود شبكة أقرباء تسأل عن النساء، وليس من "دولة" تلاحقهن.

لو نظرت "كفى" إلى مشكلة العمل الجنسيّ كمشكلة عمل، كنّا وصلنا ربّما إلى حلول أفضل. في النضال من أجل التضامن مع عاملات الجنس، علينا أن نفهم شبكة القوانين والسياسات والطوارئ التي تؤدّي إلى دخولهن إلى هذا المجال وتحوّلهن من مجرد عاملات إلى ضحايا إتجار جنسيّ. فالفرق يكمن في قوانين الكفالة التي تضع العاملات تحت رحمة موظِّفيهن، مما يجعلهن يعتمدن اقتصاديًا وقانونيًا على موافقتهم، كما يعتمد على الوصمة الثقافية والاجتماعية التي يجلبها العمل الجنسيّ للعاملات فيه، مما يجبرهن على القيام بأعمالهن سرًّا وإلّا فسيواجهن عواقب ذلك من قبل عائلاتهن وأصدقائهن. إذا أخذت الحركة موقفًا انطلاقًا من فرضية أن "العمل الجنسيّ" شرعيّ كأي عمل آخر، فربما يمكننا البدء بالعمل ضد الآثار الرهيبة اجتماعيًا لناحية عزل عاملات الجنس. وقد نصبح قادرين على إرساء أسس النضال الذي يكرّس حقوق العمّال للحفاظ على كلّ الأرباح التي يحققوها من عملهم، كي تعمل عاملات الجنس بأمان من منازلهن، مع مساندة نقابية عماليّة واتحاد نسوي داعم.

 

الطلب على العمل الجنسي؟

ينظر تقرير منظمة "كفى" المنشور في العام 2014 في "الدوافع والعوامل الاجتماعية الاقتصادية والمواقف الإيدولوجية من العمل الجنسي" لمشتري الخدمات الجنسية في لبنان (كفى، 2014). وتشير المنظمة عبر موقعها الإلكتروني إلى أنها أوّل جمعية تستهدف الطلب كسبب جذري للعمل في مجال الجنس، وهو موقف يشبه موقف النسويات المعارضات المذكورات سابقًا إلى حدّ كبير. بعد نشر التقرير، تمّ تعميمه من خلال حملات التوعية التلفزيونية وإلقاء المحاضرات الجامعية والنشاطات العامة.

لم توافق جميع المجموعات النسوية في لبنان على توصيف وتغطية كارثة الاتجار الجنسيّ التي حدثت في المعاملتين سنة 2016، ولا على تقرير "كفى". اعترض البعض على الخلط بين عاملات الجنس والنساء اللواتي تمّ الاتجار بهن جنسيًا (ر؛ يسرى وأ، سارة، 2016). والأهم من ذلك، تؤكد نظرة النشطاء المهتمّة بحياة عابرين/ات الجنس العاملين في المجال الجنسي على تجاهل تقرير "كفى" لإعتماد المجتمع الكويريّ على العمل الجنسيّ، من خلال محاولتهم زيادة ضبط هذا المجال (طالح وقوبية، 2015). تلك انتقادات جديرة بالاهتمام: عمل "كفى" يعتبر العمل الجنسيّ كاعتداء على مكانة النساء، متجاهلًا واقع تجريم القوانين وأقسام الشرطة نفسها لعمّال الجنس من الذكور والعابرين/ات.

هيمنت توصيات وأبحاث وخطط المناصرة لـ "كفى" على موقف المجتمع المدني من العمل الجنسيّ في لبنان. من خلال قصّة شخصيّة تشهد على ذلك: عندما كنتُ عضوًا جامعيًا في "نادي النسوية التقاطعية" في الجامعة اللبنانية الأميركية، حاولنا تنظيم نقاش عن حقوق عاملات الجنس. بالرغم من التواصل مع العديد من الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان والمبادرات النسوية، لم يكن هناك جهة مستعدّة للحضور والنقاش باستثناء منظمة "كفى".

يبدأ تقرير "كفى" المكوّن من ستين صفحة بفقرة تؤطّر المجال الجنسيّ كنتيجة للطلب المباشر من قبل الذكور. تبني الدراسة حجتّها على أساس مقابلات أجريت مع خمسة وخمسين رجلًا اشتروا خدمات جنسيّة مرّة واحدة على الأقلّ (كفى، 2014: 14). يطرح التقرير أسئلة على الزبائن تتمحور حول أماكن وأسباب وطرق شراء الجنس. ثم تستمر في تأطير المشكلة على أنّها تنبع بشكل أساسي من المصدر الذي شخّصوه. يُرسم الزبائن على أنّهم العامل الوحيد الذي ينتج عنه مجال العمل الجنسي. من هذا الافتراض، يستمر التقرير في تحديد طلب أولئك الرجال للجنس المُشترى كالعامل الدافع لمأزق العمل الجنسيّ. بالنسبة لكاتبَي تقرير "كفى"، بغياب هذا الطلب:

... لن يكون هناك عرض من النساء لغايات الدعارة ولن يكون هناك قوّادون أو متاجرون يجذبون النساء والفتيات ويديرونهن لتلبية الاحتياجات المتنوعة لمشتري الدعارة، ولن تكون هناك شركات وأفراد يعملون على الصعيد الوطني أو العابر للأوطان لتجنيد النساء والاتجار بهنّ، الأمر الذي سيؤدي إلى زوال الأفراد والقطاع الذي يستفيد من الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات (كفى، 2014: 12).

بالاعتماد على كيفية تأطير المشكلة كمشكلة طلب من قِبل الذكور، تفيد الخلاصة المنطقية بأنّ إلغاء التجارة الجنسية سيتحقق عبر معاقبة وصول الرجال إلى العمل الجنسيّ من خلال تجريم الزبون وتشريع عاملة الجنس. غالبًا ما يُشار إلى ذلك بإسم النموذج الاسكندنافي كونه نشأ في السويد. ليس من المفاجئ أن بقية التقرير تركّز على روايات ميزوجينية وغير دقيقة من قِبل الزبائن عن أسباب شراء الرجال للجنس وكيف ينبغي على عاملات الجنس التصرّف. يعمل التقرير كما الحلقة الصغيرة، فيعلن فورًا عن مصدر المشكلة ومن ثم يبدأ التحقيق في أصلها لإيجادها حيث توقّعها.

تفترض "كفى" أنّه من خلال شيطنة حوافز الناس لشراء الجنس وتفكيك المبّررات البيولوجية للعمل الجنسيّ، يمكنها إقناع الدولة بتجريم الزبائن وبالتالي تقليل العمل في مجال الجنس. يخاطر هذا الافتراض بوضعه "كفى" في نفس الصفّ مع الحركات اليمينية المحافظة والأخلاقوية التي ترفض العمل الجنسيّ على أساس نفس الفرضية التي تعتبره إثم أخلاقيّ. علاوة على ذلك، يطهّر هذا الافتراض العمل الجنسي من العوامل الهيكلية التي تصنعه، كالعلاقة بين الفرص الاقتصادية والوصول إلى الزواج والتابو المحيط بالنشاط الجنسيّ في لبنان.

يتضمّن التقرير عدّة صفحات مخصّصة لتسليط الضوء على أجوبة مَن أُجريت معهم مقابلة حول أسباب وجود العمل الجنسي (كفى، 2014:31) ولماذا يطلبه الرجال: "لقد منح الله الرجال رغبات تحفّزهم على الجنس" (المرجع السابق: 35). "أردتُ تجربة شراء الدعارة وممارسة الجنس مع أحد غير زوجتي. كان أصدقائي معي وشجّعوني" (المرجع السابق: 37). يصمّم التقرير جميع الإجابات بخطوط عريضة لرسم صورة الزبون كالمفتاح الأساسي في هذه المسألة. المقصود من ذلك واضح: إثارة الخوف من جنسانية رجال الطبقة العاملة. من خلال تصوير أصوات الزبائن على أنّها أبويّة وتمييزية حسب الجنس أو عدوانية بشكل خاص، فإن ما نلاحظه هو تمركز مسرحيّ للمشكلة: فقط تعليقات متحيّزة جنسيًا من قبل الرجال، بدل روايات النساء اللواتي دخلن العمل الجنسيّ، طريقة أخذهن القرار، رغباتهن، أو حاجاتهن – إذا كنّ يردن البقاء في المجال أو تركه نهائيًا. عبر تسليط الضوء على تلك الأصوات، تخلق "كفى" صورة للمستهلك على أنّه المؤسس العنيف لمجال العمل الجنسيّ.

ما يلي الاقتباسات المذكورة أعلاه هي التوصيات وصفحة تحتوي على هذه الجملة: "... خطر التعرّض للعقاب القانوني قد يكون أكثر الأدوات فعالية لثني الرجال عن شراء واستخدام النساء لأغراض جنسية" (كفى، 2014: 56).

أدانت بعض النسويات وجهة النظر هذه لأنها تبالغ في تقدير دور الرجال في هذا المجال وتهمّش أفكار العاملات بالجنس بخصوص عملهن (كيسلر، 2002). ليس مستغربًا إذا أنّه حتى عندما تحاول منظمات نسوية مثل "كفى" دراسة قضايا عاملات الجنس بشكل عمليّ، فإنها غالبًا تركّز على خطة قوامها شيطنة الزبائن على حساب إسكات العاملات في مجال الجنس اللواتي قد يكن لهنّ رأي آخر حيال عملهن. ما ينقص التقرير هو أصوات النساء اللواتي يبعن العمل الجنسيّ وخلفيات الرجال الذين يشترون الجنس. فبدلًا من التساؤل عن الأسباب التي تدفع النساء لدخول العمل الجنسيّ، يرى التقرير أن العمل الجنسيّ هو سبب مباشر لرغبة الرجال الجنسية. أو كما قالت في إحدى المرّات غادة جبور، الكاتبة الأساسية للتقرير: "كل شي يتطوّر بناءً على الحياة الجنسية للرجال" (شاهين، 2016 أ).

ما ينتجه التقرير هو معاملة فيتيشية لرغبة الرجال الجنسية كنذير البؤس والعنف الوحيد لعاملات الجنس. يبدو الأمر وكأنّ كاتبات التقرير لا يعلمن بوجود قانون عمل ولا دولة لتنظيمه أو هيكل اجتماعي اقتصادي يجمع بين كلّ من البائعة والمشتري. بدلًا من ذلك، يبدأ التقرير برغبة الرجل وينتهي هناك. عبر نشر رواية كتلك، يمكن "لكفى" أن تحظر شراء الجنس. في النهاية، نتعلّم المزيد عن حياة الرجال الذين يشترون الجنس أكثر مما نتعلّم عن حياة النساء اللواتي يبعنه. يتمّ تصوير مشكلة العمل الجنسيّ كأنها ليست مشكلة عمل وفقر وسوء معاملة، بل مشكلة بغض: كيف يمكن للزبون أن يقول هذا عن الدعارة؟ كيف يتجرّأ الرجال الأجانب على الوصول لأجساد النساء؟ تدّعي الغرائز الأخلاقية (وحتّى الأبوية) أن العمل في مجال الجنس لا يطاق (وبالتالي لا يمكن إصلاحه).

 

الاستراتيجيات والتوصيات

بعد أن تحددت الإشكاليات في تصوّر منظمة "كفى" للقضية المطروحة، كيف يمكن إعادة تصور قضية العمل الجنسي كظاهرة اجتماعية من دون طمس طبيعتها المادية؟ يجب الاعتراف بأن النساء قد تتردّدن في الخروج من قطاع العمل الجنسيّ، وبالتالي التعامل مع سبب هذا التردد. من هذا المنحى، تشير الأدبيات الإثنوغرافية حول عاملات الجنس أنهن يختبرن قدرًا أكبر من السيطرة على أجرهن، وتنقّلهن، واستقرارهن في هذا القطاع مقارنةً بالوظائف الأخرى السائدة (تاون وبرنان، 2004). وهذا ينطبق خصوصًا على الحالات التي يؤدّي فيها الخروج من العمل الجنسيّ إلى الدخول في زواجٍ تقليديٍّ غيريّ، وعمل مأجور غير مستقرّ، وأشكال جديدة من الاعتمادية (المرجع السابق). هذه هي القيود نفسها التي هرب منها الأشخاص الذين يختارون العمل الجنسيّ.

عندما تروّج "كفى" لنموذجها الساعي لإلغاء العمل الجنسيّ، تقوم بذلك على أساس نجاح النموذج الاسكندنافي. وهذا النموذج، الذي تم تنفيذه في السويد والنرويج وفنلند، يجرّم شراء الجنس. كما توضِح مناصرة العمل الجنسي الفنلندية إسّي تسلوند، تقوم هذه السياسة على دعوة الدولة إلى تجريم شراء الخدمات الجنسية من خلال مراقبة العاملين/ات في مجال الجنس. يَعتبر هذا النموذج أنه بالإمكان إعادة دمج جميع عاملات الجنس في قطاعات عمل أخرى أو في مؤسسات تعليمية. إلّا أنه بشكل أساسي يتجاهل فوضى الأوضاع الاجتماعية التي تؤدّي إلى الاتجار الجنسي في لبنان، أي نظام الهجرة المروّع، ورهاب المثليين/ات والعابرات، اللذان يستبعدان الناس عن سوق العمل، بالإضافة الى عجز سوق العمل عن استقبال أي شخص لا يملك الواسطة. فالنموذج الاسكندنافي يعمل ضمن الاقتصاد الاسكندنافي الذي يتمتع بمزايا الرعاية الاجتماعية السخيّة، والتعليم المجّاني، وتعويضات البطالة، والرعاية الصحّية الشاملة. إنّ تنفيذه في لبنان الذي يتسم بالرأسمالية المحسوبية والطائفية، من دون النظر إلى التحوّل الهيكلي المنشود، هو فعل مضلّل على أقل تقدير.

في هذا النموذج، تكوّن برامج الخروج من قطاع العمل الجنسيّ أحد أكثر السياسات شعبية. وتقوم هذه البرامج على منطق يعتبر أن للعمل غير الجنسيّ قيمة متأصلة. من الصعب تخيّل ظروف عمل في هذه الإيجابية في أي مكان في العالم، ناهيك عن كوننا في بلد غارق بأزمة مالية ويشهد اضطرابًا ثوريًا. لكي نكون منصفين بحق "كفى"، يجب أن ننوّه أن تقريرهم قد نشر قبل أربع سنوات من الانتفاضة الأخيرة. ومع ذلك، فإن لبنان يعاني من مشاكل مالية وعقبات تحول دون الحصول على العمل منذ فترة طويلة. وإن العمّال/العاملات المهاجرين/ات من سوريا وبنغلادش وسريلانكا وإثيوبيا هم/ن من أشدّ المتضررين/ات من النقص العام في حقوق العمّال/العاملات – حتى أنهم/ن مستبعدون/ات عن الحقوق المنصوص عليها، التي بالكاد يتمّ تطبيقها.

كيف إذًا نستطيع التفكير في "استراتيجية" ترسّخ التضامن مع عاملات الجنس والأشخاص الذين قد يقعوا ضحية الاتجار بهم من أجل الجنس؟ أولًا، يجب أن ندرك أنه في الأيام المقبلة، من المرجح أن يؤدي الوضع الاقتصادي المتدهور إلى دفع المزيد من الأفراد إلى اللجوء الى عمل الجنس، وأن يخلق ظروف تجعل الاستغلال أكثر وضوحًا. لا ينبغي أن يكون الردّ من خلال محاولة تجريم البيع والشراء. فستقلل هكذا خطوةٌ ببساطة من فرص العمل في مجال الجنس بشكل عام، من دون وجود بديل يمكن تصوره في ظل الظروف الاقتصادية الموجودة. وهي بذلك تشبه مطالبة عاملات الجنس بالعودة إلى ظروف الاغتراب والإكراه الذي سعوا إلى تركه في المقام الأول. بدلًا من ذلك، يجب أن نسعى الى جعل ظروف العمل الجنسي أكثر أمانًا. وهذا يشمل إلغاء التجريم بشكل كامل، وإحياء النقابات، وتوفير الاختبارات الصحية والحماية.

ثانيًا، يجب أن نتعامل مع القوانين التي تقصي الرجال والنساء الأجانب من الحماية في العمل. فهذه الظروف تجعل مجموعة اجتماعية أكثر عرضةً للاستغلال من المواطنين/ات، وتخلق تمايزًا قانونيًا يضرّ بالمهاجرين/ات من جهة، ويبني أيضًا صورة غير دقيقة عن قوة عاملة محلية متميّزة. هذا التمييز يعيق قدرتنا على خلق التضامن بين العمال/العاملات، ويساهم في تفاقم تدهور ظروف العمل – حيث أن قانونية وجود العمال/العاملات الأجانب/الأجنبيات وقدرتهم على العيش في لبنان تعتمد على الرضوخ لظروف العمل القاسية.

وهذا العامل يسهّل انتشار الاتجار الجنسي أيضًا. لقد حاولت "كفى" منذ فترة طويلة إجبار الدولة على مقاضاة المتاجرين وليس الأشخاص (عادة النساء) الذين يتمّ الاتجار بهم. تُظهر قضية جوني حداد، وهو ضابط الشرطة المتهم بالاتجار بالجنس أثناء العمل في وحدة مكافحة الاتجار، مسؤولية الدولة في الاتجار بالجنس. إن سماح الدولة بوجود مساحة قانونية غامضة تسمح بوجود "الملاهي الليلية" المعروفة ب "super nightclubs" بينما يسهل الضباط الإفراج عن ضحايا الاتجار من السجن دون مراعاة الأصول القانونية من أجل عودتهم الى العمل فيها (شاهين، 2016) يظهر أن الدولة تلعب دورًا نشطًا في تهيئة الظروف التي تسمح بانتشار المعاملة اللاإنسانية لعاملات الجنس وضحايا الاتجار. ردًا على ذلك، يجب أن نتخلّى عن التعاون مع الدولة الطائفية كما هي، ونأخذ موقفًا داعمًا للإصلاح الشامل لإدارة الدولة للعمل الجنسي. بدلًا من النظام الموجود، يجب أن نقترح نماذج قانونية تلغي تجريم العمل الجنسي، وتحمي العاملات المهاجرات، وتجرّم ظروف العمل اللاإنسانية. لا يمكن تطبيق هذه "القوانين" ضمن حدود دولة أمراء الحرب الطائفيين المصمّمة على مراكمة الثروة لرعاتها وأتباعها. الحل الوحيد يكمن في إطار حمل أهداف الثورة الحالية لإسقاط الدولة الطائفية كما هي واستبدالها ببديل إنساني.

بالإضافة الى ذلك، يتجاهل حل "كفى"المتمحور حول برنامج ترك العمل تمامًا أن اللاجئين/ات والمهاجرين/ات هم/ن جزء أساسي من مجتمع العمل الجنسي في لبنان. عبر تسليط الضوء على "الجنس" كالمشكلة في ممارسة الجنس، تتجاهل "كفى" أن المواقف العنصرية المناهضة للاجئين/ات من قبل الدولة اللبنانية تخلق ظروفًا مثالية لاستغلال المهاجرين/ات، بغض النظر عما يفعلونه. حتى إذا تمّ اعتبار عمل المرأة في الوظائف الرئيسية "أكثر إنسانية" وأقل استغلالية من العمل في مجال الجنس، لم يتمّ استشارة عاملات في مجال الجنس أنفسهن. بالفعل، يتجاهل تقرير "كفى" أصوات النساء ورغباتهن واحتياجاتهن وقصصهن التي قد تعقّد الصورة التي ترسمها الجمعية. بالنظر إلى أن البديل للعمل الجنسي غير ممكن واقعيًا، وأن عاملات الجنس قد لا يرفضن فكرة تحسين ظروف العمل – فلماذا لا نقبل أن هذه الشروط قابلة للتغيير؟

بدون سوق عمل فعّال، يبدو أن المناصرة الأكثر واقعية هي من أجل إلغاء تجريم العمل الجنسيّ تماشيًا مع تطبيق قوانين عمل جديدة تعاقب الاستغلال والاتجار. من خلال التعبئة، يفتح تشكيل نقابة لعاملات الجنس في لبنان المجال للعاملات بالمشاركة في المفاوضة الجماعية مع أصحاب العمل والدولة. هذا مهمّ للبنان إذا كان سيخسر قبضته على المجال الجنسي من خلال "الملاهي الليلية الضخمة". ستشجّع النقابة اتّباع سياسات مدفوعة صحيًا وديمقراطيًا ستكون أساسًا لتحسين ظروف العمل وإيقاف الاتجار وستخلق كيانًا اجتماعيًا جديدًا ضد تحكّم الدولة بعلاقات العمل.

أخيرًا، يجب على المجتمع المدني تفويض القيام بالمزيد من البحوث الإثنوغرافية لفهم قضايا وقيود العمل الجنسيّ بشكل شمولي أكثر كقضايا عمل وقضايا نسوية في لبنان. عمل كهذا بإمكانه كشف استغلال ومثابرة مجال غالبًا تفشل التقارير الإحصائية في تغطيته (أوستيرجين، 2004). العمل الميداني مهيّأ أكثر لفهم عمليات دخول المرأة في العمل الجنسي عبر توثيق تاريخ حياة العاملات في مجال الجنس أنفسهن (فريق العمل الوطني على الدعارة، 2008؛ تاون وبرينان، 2004). والأهم من ذلك، يشكّل المشروع البحثي الذي يمركز مطالب العاملات وقضاياهن المحدّدة ذاتيًا شكلًا أكثر أخلاقية وديمقراطية من التدخل من قبل المجتمع المدني.

 

الخلاصة

إن دراسة "العمل الجنسيّ" على أنه ظاهرة تنبثق من حالات الهجرة والعمل والعلاقات الجندرية تجعل التحليل أكثر دقّة وشمولية. لقد جادلتُ في هذه الورقة أن هذا يشكّل تصورًا يساعدنا على تجاوز المواقف الأخلاقوية التي تميل إلى الاعتماد على فهم رجعي وتخيّلي لحالة معقّدة وسياسيّة بالدرجة الأولى. أحد أهم خلاصات هذا البحث هو أن العمل الجنسيّ لا يختلف عن أي شكل من أشكال العمل. ما يميّزه عن العمل الجنسيّ القسريّ هو الظروف التي تسمح لأصحاب العمل أن يفلتوا من العقاب، ولا سيما تجاهل الدولة للعّمال/العاملات الذين/اللواتي تعتبرهم غير ضروريين/ات. وهذا ما يفسّر وجود تمثيل كبير للمهاجرين/ات والمثليين/ات في قطاع العمل الجنسي، فهم/نّ أكثر عرضة لعوائق تصعّب الدخول الى سوق العمل بقطاعاته الأخرى. إن هذه العوائق، بالإضافة إلى عدم استفادتهم/نّ من شبكات الدعم الاجتماعية القائمة على النسب، تجعلهم/نّ عرضة بشكل أكبر للاستغلال بأشكاله المختلفة. وفي بلد يصعب فيه الوصول إلى حقّ التعليم، لا عجب أن يجد الناس في أجسادهم/ن طريقة لكسب الأجور والبقاء على قيد الحياة.

ماذا يجب أن نفعل كناشطين/ات ونسويات حيال هذا الواقع؟ أولًا، علينا تجنّب نسخ نماذجًا تمّ تطويرها في سياقات مختلفة تمامًا على أمل تنفيذها في لبنان كما هي. تبرز في مسألة العمل الجنسي في لبنان قضايا عدة، منها أزمة اللاجئين/ات، والغياب التام لدولة الرعاية، وتفشي التمييز الجنسي ورهاب المثلية الجليّ في القانون. لذلك، فحتى لو افترضنا اتفاقًا على أن هدفنا هو القضاء على العمل الجنسيّ، يجب أن نفكّر في ما يعنيه ذلك في ظلّ حالة البطالة الدائمة، والاقتصاد المدمَّر، وعدم وجود أي حماية عمّالية. يجب علينا أيضًا تقييم موقفنا تجاه إصلاح الدولة، مع العلم بأنّ للدولة دوراً عظيماً في إدامة القوادة من خلال خدماتها الأمنية وتجاهل قانون مكافحة الاتجار بالبشر.

لقد اخترت دراسة عمل منظمة "كفى" ليس بسبب عيوبها، بل لأنها تجسّد اتجاهين إشكاليين برأيي. الأول هو إلقاء اللوم على جانب "الطلب" من المعادلة، والثاني هو اعتماد النموذج الاسكندنافي. هذان الاتجاهان يشبهان النظرة الفتيشية للرغبة الجنسية لدى الرجال – أي إعطاءها قوّة إبداعية تفتقر إليها وإزالة دور الدولة، ولو عن غير قصد، في خلق الظروف التي تفاقم اضطهاد حقوق العمل وتنشر الفساد بشكل فادح. إن هذا النموذج يعكس استعدادًا لغضّ النظر عن وجود عمّال جنس مثليين وعابرات قد تجدن أن موكليهنّ مُجرَّمون بالفعل بموجب قوانين العقوبات التي تحظر العلاقات الجنسية غير الغيرية. مقابل ذلك النموذج، أشرتُ إلى وجود نهج أكثر شمولية يأخذ في عين الاعتبار العلاقات الاجتماعية التي تؤدّي إلى رواج العمل الجنسي، والتي يجب على الأقلّ التعامل معها إذا أردنا إلغاء هذا العمل. فمن دون هكذا نهج شامل مبني على مفهوم العمل، يصبح موقفنا أخلاقويًا، معنيًا أكثر بالنواحي الجنسية للعمل من وضع الأشخاص المعنيين – وهو ما يعيد انتاج صورة ملفّقة للكرامة على حساب التعامل مع العنف الذي يتغلغل في عالم عاملات الجنس اليوم. هذا الأمر ملحٌّ في زمن التعبئة والانتفاضة المضطرب سياسيًا الذي نعيشه.

 


 
  • 1. فيزا تُصدّر إلى "الفنانين" الأجانب وتُستخدم عادةَ من قبل عاملات الجنس المهاجرات للقدوم والعمل في لبنان.
ملحوظات: 
المراجع: 

Abi Samra, M. (2019). The Chez Maurice Case: Media and NGO. SOAS Law Journal, 5(1), 11–39.

Anderson, S. (2012, February 9). Sex for Sale in Beirut – Foreign Policy. Retrieved May 13, 2020, from Foreign Policy website: https://foreignpolicy.com/2012/02/09/sex-for-sale-in-beirut/

Bazi, I. (2019). خلف جدران أكثر بيوت الدعارة صخباً خلال السنوات المجنونة في بيروت. Retrieved September 9, 2019, from رصيف 22 website: https://raseef22.com/article/95986-خلف-جدران-أكثر-بيوت-الدعارة-صخباً-خلال

Chapkis, W. (2013). Live sex acts: Women performing erotic labor. New York: Routledge.

Day, S. (2007). On the game: Women and Sex Work. London: Pluto Press.

Hammad, H. (2016). Industrial sexuality: Gender, urbanization, and social transformation in Egypt. Austin: University of Texas Press.

Jeffreys, S. (2003). Sex tourism: do women do it too? Leisure Studies, 22(3), 223–238.

Jeffreys, S. (2008). The Industrial Vagina: The Political Economy of the Global Sex Trade. London: Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203698303

Kempadoo, K., & Doezema, J. (2018). Global sex workers: Rights, resistance, and redefinition. New York: Routledge.

Kesler, K. (2002). Is a feminist stance in support of prostitution possible? An exploration of current trends. Sexualities, 5(2), 219–235.

Khalaf, S. (1965). Prostitution in a Changing Society. Beirut: Khayats.

MEE. (2018). Senior Lebanon morality police officer arrested for prostitution links: Report | Middle East Eye. Retrieved September 6, 2019, from Middle East Eye website: https://www.middleeasteye.net/news/senior-lebanon-morality-police-office...

Miriam, K. (2005). Stopping the Traffic in Women: Power, Agency and Abolition in Feminist Debates over Sex-Trafficking. Journal of Social Philosophy, 36(1), 1–17. https://doi.org/10.1111/j.1467-9833.2005.00254.x

Nasr, S. (1978). Backdrop to Civil War: The Crisis of Lebanese Capitalism. Merip Reports, (73), 3–13.

National Task Force on Prostitution. (2008). Writings by women in the sex industry. San Francisco: Cleis Press Start.

Pheterson, G. (ed.) (1989). A Vindication of the Rights of Whores. Seattle: Seal press.

Östergren, P. (n.d.). Sexworkers Critique of Swedish Prostitution Policy. Accessible at http://www.petraostergren.com/upl/files/115326.pdf

Queen, C. (2001). Sex Radical Politics, Sex-Positive Feminist Thought, and Whore Stigma. In: Rayan, B. (ed), Identity Politics in the Women's Movement, 92–102. New York: NYU Press.

R, Yusra, & A, Sara. (2016). Migrant Worker Repression and Solidarity in Lebanon. Retrieved September 14, 2019, from Jadaliya website: https://www.jadaliyya.com/Details/33682

Ringdal, N. J. (2007). Love for Sale: A World History of Prostitution. New York: Grove/Atlantic, Inc.

Rubin, G. (1993). Misguided, dangerous, and wrong: An analysis of antipornography politics. In: Assister, A., & Carol, A. (eds), Bad Girls and Dirty Pictures: The Challenge to Reclaim Feminism, 18–40. London: Pluto Press.

Saleh, A. J., & Qubaia, A. A. (2015). Transwomen’s Navigation of Arrest and Detention In Beirut: A Case Study (En-Ar). Civil Society Review. https://doi.org/10.28943/CSR.001.008

Scoular, J. (2004). The subject of prostitution: Interpreting the discursive, symbolic and material position of sex/work in feminist theory. Feminist Theory, 5(3), 343–355.

Shaheen, K. (2016a). Dozens of Syrians forced into sexual slavery in derelict Lebanese house | World news | The Guardian. Retrieved September 6, 2019, from The Guardian website: https://www.theguardian.com/world/2016/apr/30/syrians-forced-sexual-slav...

Shaheen, K. (2016b, August 1). Lebanon sex trafficking: Syrian woman describes nine-month ordeal | Syria | The Guardian. Retrieved June 13, 2020, from the Guardian website: https://www.theguardian.com/world/2016/aug/01/lebanon-sex-trafficking-sy...

Smith, M., & Mac, J. (2018). Revolting Prostitutes: The Fight for Sex Workers’ Rights. London: Verso.

Strossen, N. (2000). Defending Pornography: Free Speech, Sex, and the Fight for Women’s Rights. New York: NYU Press.

Towne, B., & Brennan, D. (2004). What’s Love Got to Do with It? Transnational Desires and Sex Tourism in the Dominican Republic. The Women’s Review of Books, 21(10/11), 27. https://doi.org/10.2307/3880383

Wardlow, H. (2006). Wayward Women: Sexuality and Agency in a New Guinea society. Berkley: Univ of California Press.

Weitzer, R. (2007). The Social Construction of Sex Trafficking: Ideology and Institutionalization of a Moral Crusade. Politics & Society, 35(3), 447–475.

Weitzer, R. (2009). Sociology of Sex Work. Annual Review of Sociology, 35(1), 213–234.