إبطاء الخطى: التواطؤ المتجسّد وتحديات التضامن النسوي في مسيرة يوم العاملات والعمال 2017 في بيروت

السيرة: 

مستقرّة في بيروت ومن مدينة نيويورك، هي ناشطة ومدربة وباحثة تركز على التقاطعات بين الجندر والعمل والوصول إلى العدالة والاستعماريّة. يشمل عملها الحالي العمل التعاوني لإدارة الحالات مع عاملات المنازل المهاجرات والعمال المهاجرين في بيروت المواجهات/ين للاستغلال المعني والعنف والفاقة الطبية والترحيل وطلبات اللّجوء، كما تشتغل على التنظيم المجتمعي مع الجماعات النسوية في لبنان والولايات المتحدة. تستكمل حاليّا درجة الماجستير في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث تركز أبحاثها على تحديات وأساليب العمل النسوي عن العنف القائم على النوع الاجتماعي. عملت سابقاً كوسيطة مجتمعية وميسِّرة للعدالة التصالحية في مدينة نيويورك، معتمدة من قبل معهد السلام في نيويورك في عام 2014، وكمُصممة برامج ومُيسّرة لبرامج مناهضة التمييز في المدارس الثانوية والجامعات في الولايات المتحدة والشرق الأوسط. وهي عضو في الشبكة النسوية، وهي مجموعة في بيروت تحارب التحرش الجنسي وتخلق مساحة آمنة للنساء، والعابرات/ين، والأشخاص غير معياريّي/ات الجندر.

‫ ‫الملخص: 

ليس التواطؤ والكولونيالية قوتَين مجرّدتَين فحسب، بل هما تجارب وأسئلةٌ شخصيةٌ عميقة. من خلال تأملٍ إثنوغرافيٍ في مسيرة يوم العاملات والعمال 2017 في بيروت، يستكشف هذا المقال كيف يمكن للناشطات والباحثات والمناصِرات النسويات العمل بانفتاحٍ في الأوقات التي نتواطأ فيها مع القمع القائم. وبناءً على مفهوم اللقاء كمنهجيةٍ لدى سارة أحمد، تتأمّل الكاتبة في ديناميات التضامن، والكفالة، والسيطرة والامتياز في تلك المسيرة التي تشكّل حدثًا سنويًا للمطالبة بحقوق العاملات المنزليات المهاجِرات وإلغاء نظام الكفالة في لبنان، وهي مسيرةٌ تشترك في تنظيمها العاملات المنزليات المهاجِرات الناشطات، والجمعيات غير الحكومية والمجموعات النسوية. ويضع المقال اللقاء في سياقه من خلال تعريف نظام الكفالة كبنيةٍ بطريركيةٍ من بُنى الدولة، مقترحًا التمييز بين “النسويات المتواطئة” من جهة، ولحظات التواطؤ النسوي من جهةٍ أخرى، ومستكشفًا كيف تخترق الكولونيالية الأجساد الفردية والعمل الجماعي. وتتفكّر الكاتبة في تجربتها مع الامتياز المتجسّد وأنظمة التحكّم في المسيرة، كداعمةٍ نسويةٍ وعضوةٍ متطوعةٍ في فريق الأمن الموكل حماية المشارِكات في المسيرة. ويبني المقال على تقاليد الاحتفاء والنقد الذاتي النسوي في تحليل صراعات ونجاحات التضامن بين العاملات المنزليات المهاجِرات والمجموعات النسوية في بيروت. إن التواطؤ هو أمرٌ حتميٌ عندما تكون أجسادنا رموزًا للامتياز، حتى عندما ننخرط في ممارساتٍ نسويةٍ ومناهضة للعنصرية والرأسمالية، لكن هذا لا يعني أنه علينا التراجع بانتظام، بل يعني ضرورة أن نتحرّى نوايانا الحسنة، والطريقة التي تتشكّل فيها القوّة داخل أجسادنا، وتكييف ذلك تكتيكيًا وفرديًا وجماعيًا.

الكلمات المفتاحية: 
Feminism
Migrant Domestic Labor
Activism
لبنان
Complicity
Solidarity
Coloniality
اقتباس: 
أليسون فين. "إبطاء الخطى: التواطؤ المتجسّد وتحديات التضامن النسوي في مسيرة يوم العاملات والعمال 2017 في بيروت". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 4 عدد 1 (2018): ص. 60-79. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 21 نوفمبر 2019). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/slowing-it-down.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon Download Article (PDF) (670.25 كيلوبايت)
ترجمة: 

لين هاشم كاتبة ومؤدّية نسوية تعيش في بيروت. حازت على شهادة الماجستير في علوم الجندر والجنسانية من جامعة لندن، وهي جزءٌ من مجموعاتٍ نسويةٍ عدّة في لبنان والمنطقة. نُشرت كتاباتها وترجماتها في عددٍ من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية من بينها ملحق "شباب السفير" ومجلة "كحل" لأبحاث الجسد والجندر. عملت كمدرّبة ومستشارة وباحثة في عددٍ من المؤسسات من بينها "فريدا: الصندوق النسوي الشاب" والجامعة الأميركية في بيروت. تشارك باستمرارٍ في أمسياتٍ شعريةٍ ومهرجاناتٍ فنيةٍ في لبنان والخارج. في أيار 2018، كتبت عرض "المسافة الأخيرة" وأدّته مع الفنان والراقص ألكسندر بوليكفتش في ختام معرض "رسائل حب إلى ميم" من تنظيم ديمة متى في بيروت، ثم في بلفاست وكتماندو. تعمل حاليًا على نشر مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان "حقد طبقي".

اللقاء: الجزء الأول

يوم 30 نيسان/ أبريل 2017، شارك/ت المئات في مسيرةٍ جابت شوارع بيروت انطلاقًا من السوديكو وصولًا إلى الكورنيش البحري، للمطالبة بإلغاء نظام الكفالة ومنح الحقوق الأساسية للعاملات والعمال المنزليين/ات المهاجِرين/ات والعمال والعاملات المهاجِرين/ات في لبنان. وأصبح يوم العاملات والعمال حدثًا سنويًا يُحتفى به في بيروت إما يوم عيد العمال في 1 أيار/ مايو1 أو قبيله. وتقود العاملات المنزليات المهاجِرات2 المسيرةَ بأنفسهن، وهو ليس بالأمر الهيّن، فوجودهنّ في لبنان محكومٌ بنظام الكفالة القمعي، وهو عبارةٌ عن مجموعةٍ من التدابير الإدارية – لا القوانين – التي تنظّم حيوات وظروف عمل العمال والعاملات المهاجِرين/ات المؤقتين/ات. ويربط هذا النظامُ الوضعَ القانوني للعاملة المهاجِرة، وقدرتها على تغيير عملها، وحرّية حركتها وقدرتها على مغادرة لبنان، برب/ة عملٍ واحد/ة يُشار إليه/ا بالكفيل/ة.3 وبالإضافة إلى الممارسات الرسمية التي ينطوي عليها نظام الكفالة، تتعرّض العاملات المنزليات المهاجِرات للتحرش وعدم الاستقرار المستمر بسبب جندرهنّ، وجنسيّاتهن، وأعراقهنّ، ووضعهنّ القانوني ودورهنّ المُبخَس في القيام بالأعمال الرعائية.4 وفي جوهره، يمثّل نظام الكفالة في آنٍ معًا سيطرة الدولة البطريركية والسباق نحو القاع على العمالة المُعولَمة الرخيصة، كما يخدم أصحاب رأس المال الاقتصادي والثقافي على حساب من هنّ في غالبيّتهن نساء فقيرات من دولٍ آسيويةٍ وإفريقية.

وكعضوةٍ في مجموعةٍ نسويةٍ دعمَت مسيرة العام 2017، تطوّعتُ في “فريق الأمن” وكُلّفتُ بالتعامل مع أيٍ نزاعاتٍ قد تنشأ مع الشرطة أو المتفرّجين/ات. وكان هدفنا حماية المشاركات في المسيرة من مخاطر الظهور والنشاط العلني، إذ تفتقر كثيراتٌ منهن إلى الإقامة القانونية ورخص العمل، وقد يؤدّي اعتقالهنّ إلى ترحيلهنّ بغض النظر عن وضعهنّ القانوني. وعندما قرّرتُ التطوّع، تصوّرتُ أننا سنجعل من أجسادنا – بجوازات سفرنا اللبنانية أو الغربية وكل ما تحمله من امتيازاتٍ – حواجزَ في وجه القوى الخارجية الساعية إلى التحكّم بالناشطات من العاملات المنزليات المهاجِرات ومراقبتهنّ والتحرّش بهنّ يوميًا. تخيّلتُ وقتذاك أن حضورنا سيعزّز مطالبة العاملات بإلغاء نظام الكفالة والعنف الاقتصادي والجسدي والجنسي والعرقي والنفسي الكامن فيه.

لكن القمع البطريركي والرأسمالية المُعولَمة يتسمان بالخبث، إذ يخترقان حتى أفعال المقاومة التي نقوم بها؛ فمن خلال قيامي بفعل حماية أجساد العاملات في حدّ ذاته، وتفويضي إبقاء الوضع تحت السيطرة، انضممتُ إلى الأنظمة العديدة التي تتحكّم بأفعال العاملات المنزليات المهاجِرات وتضبطها. هكذا، ساهمتُ بنفسي في السرديات الشائعة عن هشاشتهنّ وكونهنّ ضحايا، وفي أساطير نظام الكفالة عن التبعية والحماية. ومع أني كنتُ شاركتُ بدافع التضامن النسوي، انتهى بي الأمر إلى التساؤل عما إذا كنت أحدثتُ ضررًا أكثر ممّا أحدثتُ نفعًا.

في هذا المقال، أستكشف كيف يمكن للأشخاص المنخرطين/ات في العمل النسوي والمناهض للعنصرية والرأسمالية أن يجدوا/ن أنفسهم/ن داعمين/ات لأنواع القوة والسلطة ذاتها التي يهدفون إلى محاربتها. وأبني على التأملات الإثنوغرافية في مسيرة يوم العاملات والعمال 2017، كما على مراجعةٍ أدبيةٍ ومحادثاتٍ أجريتها بشأن نشاط العاملات المنزليات المهاجِرات في لبنان، والحركة النسائية في بيروت، وفرض نهج المنظمات غير الحكومية (NGOization)، وتحرّي النشاط النسوي مقابل الممارسة النسوية، ومفاهيم التواطؤ والكولونيالية. وأركّز في هذا المقال على التضامن النسوي المتقاطِع مع النضال في سبيل تحقيق معايير عادلةٍ للعمل، وبدائل للرأسمالية والهرميات المُعرقَنة التي تنتجها الرأسمالية المُعولَمة.

منهجيًا، أبني على مفهوم اللقاءات كمنهجيةٍ5 لدى سارة أحمد، وعلى استكشاف تيفاني بايج للهشاشة في الكتابة كمنهجية بحثٍ نسوية.6وتدعو أحمد إلى تحرٍّ شخصيٍ وعلميٍ للقاءات التي تجمعنا بشخصٍ آخر أو بفكرةٍ ما، وإلى استكشاف بُنى القوة المغروسة في تلك اللحظات. أما بايج، فتتحرّى الهشاشة وأخلاقيات سرد القصص العاطفية التي لا تنتمي إلينا، مشجعةً على استكشاف ما هو مثيرٌ للاضطراب وما يصعب شرحه، في تضادٍ مع السياسات الأكاديمية النيوليبرالية التي تتطلّب إعلانًا جازمًا للحقائق.7

وفي اختياري مصطلح “لقاء” لوصف تجربتي في المسيرة، لا أقصد الإشارة إلى اجتماعٍ غير متوقعٍ بشخصٍ آخر كما تقصد أحمد، بل أقصد لقائي بنفسي وبالمجتمعات التي أسكنها. بالتالي، تتضمّن تأملاتي في المسيرة في آنٍ معًا ملاحظتي ديناميّات القوة من جهة، واختباري تجربةً شخصيةً ومتجسّدةً للعرق والطبقة والامتياز الناتج عن الجنسية التي أحمل. ومن خلال التفكّر في إحدى لحظات مسيرة 2017، أسأل: كيف يمكن لنا كناشطاتٍ وباحثاتٍ ومناصراتٍ نسوياتٍ أن نعمل بانفتاحٍ في الأوقات التي نكون فيها نحن أنفسنا متواطئات في القمع القائم؟

الحياة تحت نظام الكفالة

تقدّر منظمة العمل الدولية عدد العمال والعاملات المنزليين/ات المهاجِرين/ات في لبنان بحوالي 250000 على الأقل، غالبيتهم العظمى من النساء الآسيويات والإفريقيات8 اللواتي يؤمّنّ معظم العمالة الرعائية في البلاد. وتعمل كثيراتٌ منهنّ في بيوت اللبنانيين/ات ويعشن فيها، حيث يقمن بأعمال الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال والعناية بالمسنّين/ات، بينما تعيش بعضهنّ في بيوتهنّ الخاصة ويعملن على نحوٍ حرٍ في منازل أو مكاتب عدّة. كما تعمل أخرياتٌ في الفنادق والمنتجعات. وتترك العاملات أسرهنّ وراءهنّ في أثيوبيا، وسريلانكا، والفليبين، والنيبال، وكينيا، ومدغشقر وغيرها، مقابل أجورٍ لا تتجاوز 150 دولارًا أميركيًا في الشهر.9

ولا يغطّي قانون العمل اللبناني10 العاملات المنزليات، ما يعني أن تفشّي استغلالهنّ على يد أرباب العمل ومكاتب التوظيف والدولة نفسها، لا يشكّل انتهاكًا للقانون اللبناني. ويمنع هذا الواقع العاملات المنزليات المهاجِرات من التنظيم وتشكيل نقاباتٍ قانونيةٍ من أجل نيل حقوقهنّ.11

في العام 2009، أصدرت منظمة العمل الدولية ووزارة العمل اللبنانية عقدًا نموذجيًا موحدًا بهدف محاربة الانتهاك وسوء المعاملة، لكنه لم يغيّر كثيرًا في واقع غالبية العاملات والعمال.12 ومن بين حقوق العاملة أن يُسدّد لها أجرها كل شهرٍ، وأن تحتفظ بجواز سفرها وأن تتمتّع بيوم عطلةٍ – لكنها لا تستطيع فسخ عقدها من طرفٍ واحدٍ بناءً على هذه الأسباب.13 إنّ التدابير الإدارية والقواعد غير المكتوبة لنظام الكفالة تعزّز المراقبة والتقييد والسيطرة الجسدية والمادية والنفسية على العاملة، سواءً وجدت نفسها داخل النظام “القانوني” أو خارجه. وتربح وكالات التوظيف آلاف الدولارات على شكل رسوم استقدامٍ وتوظيفٍ للعاملات، كما يصادر كثيرٌ من أرباب العمل جوازات السفر وأوراق الإقامة14 الخاصة بهنّ، ويسجنونهنّ في البيوت، ويرفضون منحهنّ يوم عطلةٍ ويحرمونهنّ أجورهنّ. ولا يُفرض على رب/ة العمل أيّ شرطٍ باستثناء تسديد ثمن تذكرة العودة للعاملة إذا ما أنهت مدّة عملها البالغة عامَين أو ثلاثة. وحتى في حال كان الكفيل/ة مسيئًا لها، تظلّ العاملة بحاجةٍ إلى إذنه/ا للبحث عن رب/ة عملٍ جديد/ة. وأحيانًا، تُرحّل العاملات المنزليات المهاجِرات بسبب إنجابهنّ الأطفال،15 بينما تلقى عاملتان الحتف أسبوعيًا إما انتحارًا أو في أثناء محاولة الهرب من العنف.16

وفي نظامٍ ينتج اختلالًا حادًا في القوة، تتفشّى حالات الانتهاك والعنف لكن قلّما يُبلغ عنها،17 كما أن الدولة في غالب الأحيان لا تقوم بتوثيق هذه الجرائم. ويصعب على الناشطات من العاملات المنزليات المهاجِرات، والمنظمات غير الحكومية والمناصِرين/ات الحقوقيّين/ات قياس الانتهاكات الجسدية والجنسية والنفسية التي تذهب أبعد من ذلك. إذ كيف تُقاس معدلات العنف في وقتٍ تُمنع فيه النساء من مغادرة المنازل التي تحدث فيها الاعتداءات وتصبح فيه الهارِبات “غير قانونيات؟”

يشيع فهم العاملات المنزليات المهاجِرات من خلال سرديات نظام الكفالة وتصوير الأكاديميا والمنظمات غير الحكومية لهشاشتهنّ ووضعهنّ المتقلقل.18 عمليًا، تُحكم حيوات هؤلاء النساء بأسطورتَي نظام الكفالة المتلازمتَين وهما التبعية والخطر: فيُفترض أن العاملة تحتاج إلى حماية رب/ة العمل كي تمارس حياتها اليومية، لكن رب/ة العمل أيضًا يحتاج إلى الحماية من العاملة. وفي مقابلةٍ مع الصحافية هبة قانصوه، برّر مدير عام وزارة العمل جورج إيدا نظامَ الكفالة مستخدمًا خطاب الحماية هذا، قائلًا: “عندما يعملن في المنازل لا بد أن يكون هناك شخصٌ ما مسؤولٌ عنهنّ. أنتِ تضعين شخصًا غريبًا وسط العائلة.”19

في البداية، تكون العاملة المقيمة غريبةً عن العائلة التي تعمل لديها، كما عن الشقة أو البيت الذي تسكنه. لكن كلام إيدا وشهادات العاملات المنزليات المهاجِرات20 تشير إلى أن العاملة تُعدّ أيضًا غريبةً بسبب آخرويّتها وجلدها ولغتها. وكما يبدو واضحًا في شهادات نساءٍ عديدات، لا تُعامل العاملات المنزليات المهاجِرات معاملة البشر.21 في العام 2016، قالت الناشطة والعاملة المنزلية المهاجِرة الكاميرونية روز لمجلّة كحل لأبحاث الجسد والجندر، أنها لدى وصولها إلى لبنان في العام 1999، أدركت سريعًا أن آخرويّتها تمحو إنسانيتها.22 وبعد هبوطها في بيروت، صادر المسؤولون في المطار جواز سفر روز ووضعوها في غرفةٍ مع نساءٍ مهاجِراتٍ أخرياتٍ قادماتٍ حديثًا، ورفضوا السماح لها بدخول الحمام إلا بشرط أن تتبوّل في ثيابها أولًا. هكذا، ومن لحظاتها الأولى في لبنان، أرغمت الدولةُ روز على الدخول في حالةٍ من التبعية، ما يزيد من قوة السلطات وأرباب العمل ويضعف قدرتها على الدفاع عن نفسها. وتفهم المنظمات غير الحكومية المحلّية والدولية وكذلك الإعلامُ العاملات المنزليات المهاجِرات من خلال عدسة الضحية بالدرجة الأولى، كما يظهر بحث أمريتا باندي، ما يردّد صدى خطاب التبعية والضعف.23

لكن هناك سرديةٌ بديلةٌ تحارب خطاب الاستصغار والعنف الكامن في نظام الكفالة وفي المقاربة الخيرية التي يتبعها كثيرٌ من المجتمع المدني والإعلام: العاملات المنزليات المهاجِرات في لبنان لسن مجموعةً واحدةً من “الفتيات” الآسيويات والإفريقيات قليلات المهارة وغير المتعلّمات، ولا هنّ كتلة متراصة من الضحايا، بل هنّ يعكسن اختلافاتٍ كبيرةً على مستوى الجنسية، والسياسات، والانتماءات، والوصول إلى التعليم، واللغة وأهداف التنظيم؛ وبإمكانهنّ أن يكنّ قوياتٍ وبارعاتٍ في تخطّي واقعٍ يكاد يكون غير قابلٍ للتخطّي.

غالبًا ما يظلّ النشاط السياسي للعاملات المنزليات المهاجِرات غير مرئيٍ لمن هم/ن خارج مجتمعاتهنّ، ويعود ذلك جزئيًا لكون النشاط العلني بالغ الخطورة أو ببساطةٍ مستحيلًا. ويبيّن بحث باندي كيف تحوّل العاملاتُ المساحاتِ التي يستطعن الوصول إليها – كالشرفات، والكنائس الإثنية وشقق العاملات المستقلات – إلى قواعد تحتضن لا مجتمعهنّ فحسب، بل “لحظاتٍ قويةً من شتى أشكال المقاومة على المستوى المتوسط” أيضًا.24 وتتحدّث العاملة المنزلية المهاجِرة روز ماهي عن ظاهرةٍ مشابهةٍ في وصف علاقتها عبر الشرفة مع عاملاتٍ أخرياتٍ في المبنى الذي تسكنه: “على الرغم من عدم قدرتنا على التواصل شفهيًا، تمكنّا من تطوير تقنيات الرعاية المتبادَلة هذه.”25وغالبًا ما نعرّف المقاومة كأفعال تمردٍ علنيةٍ أو جماعيةٍ أو خاصةٍ، لكن ماهي وباندي تظهران لنا أن المقاومة تترعرع أيضًا في مجموعاتٍ صغيرةٍ تتشارك الاستراتيجيات والموارد والتضامن.

في الأعوام الأخيرة، بدأت المجموعات والمنظمات النسوية اللبنانيةُ بدعم التنظيم المجتمعي للعاملات المنزليات المهاجِرات، موفرةً لهنّ المساحة والموارد والدعم التقني واللوجستي، بالإضافة إلى التضامن القيّم. وأدّى ذلك إلى جعل أنواعٍ معينةٍ من المقاومة مرئيةً أكثر، كما بيّن تنوّع التيارات النسوية اللبنانية التي تعود جذور بعضها إلى الإصلاح الليبرالي النخبوي،26 لكنها صارت تضمّ مجموعاتٍ تمثّل العمل والتنظيم الراديكالي والكويري المناهض للقمع والمتّسم بالوعي الطبقي.27 وعلى الرغم من عدم وجود تحولٍ شاملٍ وكاملٍ من المقاربة الخيرية إلى التضامن، ومع أن فرض نهج المنظمات غير الحكومية قد يحدّ من فعالية بناء الحركات القاعدية، فإنّ التضامن النسوي مع النشاط السياسي للعاملات المنزليات المهاجِرات مستمرٌ على المستويَين النظري والعملي.

تجسيد التواطؤ والكولونيالية

التواطؤ والكولونيالية ليسا قوتّين كبيرتَين مجرّدتَين فحسب، بل أسئلة وتجارب شخصية عميقة، بغض النظر عن موقع الفرد في أطياف وتقاطعات الامتياز. وتشجّعنا بايج على الانتباه إلى اللحظات التي نحسّ فيها بـ”الوخز” عندما نشعر بجرحٍ يمثّل تجربة شخصٍ آخر مع الظلم.28وقد يفتح الاستثمار العاطفي أمامنا قنواتٍ لفهم تجارب لا نتشاركها مع الأخريات، لكنها قادرة في الوقت عينه على إسكات التفسيرات البديلة ومنحنا حسًا بالملكية على ما لا أحقية لنا فيه.29 وكأميركيةٍ أعيش في بيروت وأدرس وأعمل فيها، أسعى إلى فهم الطرق التي من خلالها يساهم جسدي في الكولونيالية المستمرة وفي بُنى القمع، كاللحظات التي أتواطأ فيها على الرغم من حسن نيّتي، أو المرات التي أشعر فيها بالوخز نتيجة تجاهلي جراح الأخريات والآخرين. لذا، عليّ أن أرسم خريطة “تواطئي المتجسّد،” والطرق التي بموجبها تقوم المجموعاتُ النسوية التي أنتمي إليها بمقاومة وتغذية أنظمة التحكم البطريركية والعنصرية، أي الأنظمة ذاتها التي نسعى إلى تدميرها.

في العادة، يقرأ الناس في لبنان جسدي كجسدٍ لبناني، أو عربي أو ذي أصلٍ عربي. وحتى عندما يرونه كجسدٍ غربي، يسمّونني “مغتربة” لا مهاجِرة. تقنيًا، يمكن لجسدي أن يكون خاضعًا لنظام الكفالة، لكنه في واقع الأمر ليس كذلك، إذ يمكنني أن أسافر بحريةٍ، وأن أدرس وأعبّر عن رأيي. ويمكنني أن أستفيد من التحليل الفكري للعمالة المنزلية المهاجِرة. وبصفتي موظفة في مركزٍ يختصّ بحقوق العمال والعاملات المهاجِرين/ات، وكأكاديميةٍ شابة، فإنّي أستفيد من نظام الكفالة. وحتى عندما ندين الأمر كغربيّين/ات ولبنانيّين/ات، فإننا نستفيد من العمالة منخفضة الأجر لمن يقمن بأعمال التنظيف والرعاية في مكاتبنا، ومنازلنا، وجامعاتنا ومستشفياتنا.

ونادرًا ما تعاين الدراساتُ التواطؤ والكولونيالية كجزءٍ من الحياة اليومية، لكن أحاديث التضامن والهوية تتجلّى في مساحات النشاط النسوي في بيروت،30 وتستحق أن تدخل في أولويات وسياسات الحلقة الأوسع من حركات حقوق النساء، والمنظمات غير الحكومية المحلّية والدولية والدوائر الأكاديمية. إن تحرّي التواطؤ والكولونيالية يطرح أسئلةً صعبةً علينا كناشطات/ين بشأن خياراتنا التكتيكية واستراتيجياتنا وقراراتنا اليومية، وله تبِعاتٌ مادّية.

النسويات المتواطئة مقابل التواطؤ النسوي

تعرّف تشاندرا موهانتي التواطؤ كأفعالٍ وكلماتٍ تخدم بنية القوّة العظمى، حتى عندما يُقصد بها الاعتراض.31 ويحدث التواطؤ النسوي عندما يتبنّى الخطاب النسوي خطابَ الطرف الظالم، أو عندما يدعم النشاط النسوي البُنى الظالمة بفعالية. وأجادل أن “النسويات المتواطئة” تصطف صراحةً إلى جانب بُنى القوة العالمية والمحلّية التي تدعم بفعاليةٍ القمع والعنف، وهي تتضمّن النسويات الاستعماريات في القرن العشرين، والنسويات الإمبرياليات في القرن الواحد والعشرين، كأولئك اللواتي أيّدن الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان باعتباره عملًا تحريريًا للنساء.32 وتجلّى هذا الخطاب في الاتجاهَين، إذ تبنّت الحكومتان الأميركية والبريطانية لغة حقوق النساء، بينما أخذت حركات حقوق النساء تردّد الخطاب الحكومي عن ضرورة “إنقاذ” النساء العراقيات والأفغانيات. وعلى سبيل المثال، نادت مؤسّسة “فيمينست ماجوريتي” (Feminist Majority Foundation) الأميركية بـ”توسيع قوات حفظ السلام” من أجل حماية حقوق النساء الأفغانيات في العام 2009،33 محقّقةً بذلك المجاز المؤثّر لغاياتري سبيفاك: نساءٌ بيضاواتٌ ينادين بإرسال رجالٍ بيضٍ لإنقاذ النساء السمراوات.34

هناك حاجةٌ لكتابة المزيد عن النسويات المتواطئة والضرر الذي أحدثته، لكني أريد هنا أن أتحرّى تواطؤ التيارات النسوية العاملة بفعاليةٍ ضد أشكال القمع المتعدّدة، وهي بشكلٍ عامٍ ليست نسوياتٍ متواطئة؛ فالمجموعات النسوية التي تدعم العاملات المنزليات المهاجِرات الناشطات تعتمد مقاربةً مختلفةً تمامًا للقيم والممارسة النسوية. وتدخل هذه المجموعاتُ ضمن ما تسمّيه نانسي نابلز ومانيشا ديزاي نسوياتٍ مناهضةً للرأسمالية والاستعمار ومقاومةً للهيمنة، تعمل على تحقيق بدائل ملموسة للامساواة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.35وتتضمّن أدوات هذه المجموعات التغييراتِ القصدية في الحياة والممارسة اليومية، وأفعال وتعابير التضامن، والنشاط التقليدي كالتظاهر، والمناصرة وإطلاق الحملات. وقد يبدو تحرّي هذه المساحات والفلسفات قاسيًا على نحوٍ غير ضروريٍ أحيانًا، وهو أحد عوارض النقد المستمر الذي تجسّده العدالة الاجتماعية والعمل النسوي. لكن من الضروري أن نفهم كيف يغزو التواطؤ حيواتِنا اليومية، وكيف يمكن للناشطات النسويات أن يكنّ متواطئاتٍ حتى عندما ينخرطن في العمل الاعتراضي.

وفي معاينتها التضامن بين ناشطي/ات الشعوب الأصلية والناشطين/ات الفلسطينيين/ات في كندا، تسلّط دانة علوان الضوء على واقعٍ مؤلمٍ مفاده أن المحاولات الصادقة للتضامن، وبغض النظر عن حسن نيّتها، قد تكون زاخرةً بالتواطؤ القمعي.36 لكن مخاطر التواطؤ لا تشكّل سببًا للتراجع عن العمل كليًا، بل لإعادة النظر في التكتيكات، وبُنى صنع القرار وظهورية الأجساد والهويات في حركاتنا. وفي حالة ذوي/ات الامتيازات، علينا معاينة كيف يؤدّي تحرّرنا إلى تعزيز الهيمنة على الأخريات والآخرين. أما في حالة نضال العاملات المنزليات المهاجِرات في لبنان، فإن تحليل التواطؤ يعني الإقرار بالقوة المذهلة الكامنة في التضامن بين العاملات الناشطات من جهة، والمجتمعات النسوية اللبنانية من جهةٍ أخرى، والتعلّم منه والعثور على اللحظات التي يعزّز فيها هذا التضامن أنظمة التحكّم، مقابل اللحظات التي يكون فيها تحرّريًا بالفعل. كما يعني الانتباه إلى اللحظات التي تصبح فيها العاملات المنزليات المهاجِرات رموزًا أو عملةً لإثبات قوّة النيّة الصادقة والتقاطعية والشمول.

الكولونيالية والعمالة المنزلية المهاجِرة في لبنان

بغرض مناقشة التواطؤ والامتياز ووضع العاملات المنزليات المهاجِرات في لبنان، علينا أن نفهم الكولونيالية وشراكتها مع الرأسمالية المُعولَمة. يعرّف أنيبال كويجانو الكولونيالية كإرثٍ مستمرٍ للاستعمار على شكل هرمياتٍ اجتماعيةٍ وعرقيةٍ وسياسيةٍ مدمجةٍ بقوةٍ في المجتمع الحديث.37 ووفقًا لسارة أحمد وماريا لوغونس، ليس الاستعمار حدثًا يمرّ فحسب عندما تحصل الدول القومية الجديدة على استقلالها عن القوى المستعمِرة، بل هو سيرورةٌ تستمرّ حتى اليوم.38 وتعيد لوغونس جذور المفاهيم المعاصِرة للعرق والجندر إلى المشروع الاستعماري الذي شكّل هرميةً وضعت الرجال البيض أعلى الهرم، تليهم النساء البيضاوات، ثم الرجال ملوّنو البشرة وأخيرًا النساء ملوّنات البشرة.39ونشأ إطار عمل لوغونس ضمن الأميركيّتين، لكنه يوفّر عدسةً هامةً لفهم العمالة المنزلية المهاجِرة في لبنان. إنّ تقسيم العمل في المجتمع اللبناني هو إلى حدٍ كبيرٍ مُعرقنٌ ومُجندرٌ بحسب لون البشرة والهوية الوطنية على نحوٍ يعكس استمرار الكولونيالية، إذ يستورد نظام الكفالة بشكلٍ رئيسٍ الأجساد الآسيوية والإفريقية للقيام بعملٍ منخفض الأجر في لبنان والشرق الأوسط.

إن التركيز على الكولونيالية في تحليل النسوية في بيروت يخاطر بجعل الغرب محور الموضوع مجددًا، إذ يستمر في موضعته كنقطةٍ مرجعية. لكن تاريخ الكولونيالية وحاضرها يساهمان في شرح التطورات العالمية التي أنتجت التقلقل والعنف اللذين تختبرهما العاملات المنزليات المهاجِرات، فالعمالة المنزلية المهاجِرة في لبنان تعود جزئيًا إلى تدفق اليد العاملة الناتج عن الرأسمالية المُعولَمة والمفاهيم ما بعد الاستعمارية للعرق والجندر.40 ولا تكتمل أي معاينةٍ للقوة في لبنان، بما فيها العلاقات بين الدولة والمواطن/ة والدولة والمهاجِر/ة، من دون الإقرار بالقوى التي رسّمت حدود دولنا القومية الحالية، وطرق وسمنا للأجساد المُجندرة والمُعرقنة والإرث المستمر للاستعمار.

وبينما أكتب هذا المقال على شرفتي عند الساعة السابعة صباحًا من يوم الإثنين، تقوم عاملةٌ منزليةٌ مهاجِرةٌ – أفترض أنها أثيوبية – بتنظيف شرفةٍ في الجهة المقابلة من الشارع، من دون أن تستجيب أو حتى تراني ألوّح لها بيدي. جسدي لا يمثّل تجربةً مشتركةً أو نضالًا متشاركًا، بل يمثّل القوى التي تفرّقنا، تلك القوى التي وضعت في يدها دلوًا وخرقةً صباح أحد أيام الأسبوع، بينما وضعت في يدي كوب قهوةٍ وحاسوبًا.

اللقاء: الجزء الثاني

تجمع مسيرة يوم العاملات والعمال 2017 المقاومات العامة والخاصة ومتوسطة المستوى، وهي إحدى المناسبات القليلة التي تسمح لبعض العاملات في التنظيم العلني والمعارضة الظاهرة لأنظمة الظلم التي تحرمهنّ حقوقهنّ، بينما تتفرّج الأخريات أو يهتفن من على شرفات أرباب عملهنّ. وتسعى العاملات إلى المناصرة والنشاط السياسي على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل أرباب العمل الذين يسائلون أي حركةٍ خارج المنزل، بالإضافة إلى التحرش في وسائل النقل العام، وملاحقة الأمن العام اللبناني الذي رحّل نساءً مهاجراتٍ عُرفن بنشاطهنّ. وفي قضيّتَين بارزتَين على نحوٍ خاص، رُحّلت عاملتان منزليتان مهاجِرتان ناشطتان من التابعية النيبالية هما سوجانا رانا وروجا ليمبو في العام 2016، من دون محاكمةٍ أو الحصول على محام/ية، بعد انخراطهنّ في نقابة العاملات المنزليات التي أُسّست في العام 2015.41

وشارك في تنظيم مسيرة بيروت 2017 تحالفُ العاملات المنزليات المهاجِرات في لبنان، وهي مجموعةٌ تضمّ عاملاتٍ من مختلف الجنسيات يعملن جماعيًا من أجل نيل حقوقهنّ، مع إقرارهنّ بتنوّعهن الكبير على مستوى الخلفية، والجنسية، واللغة والتجربة.42 وكانت ماهي كتبت عن التحالف: “نحن مجموعةٌ من النساء نتشارك صوتًا واحدًا لأننا جميعًا نعاني مشكلاتٍ متشابهة، وقد اكتفينا من الوضع القائم.”43 ويمثّل التحالف واحدًا من بين مجموعاتٍ ومنظماتٍ رسميةٍ وغير رسميةٍ كثيرةٍ تقودها عاملاتٌ منزلياتٌ مهاجِراتٌ ممّن يستثمرن في مجتمعاتهنّ بناءً على الجنسية المشتركة، كما يستثمرن في النضال الموحّد الأوسع.

وبغرض تنظيم المسيرة، اجتمع التحالف مع مجموعاتٍ ناشطةٍ أخرى من مجتمع العاملات المنزليات المهاجِرات، بالإضافة إلى الجمعيات غير الحكومية العاملة على المسائل التي تخصّهن، كحركة مناهضة العنصرية التي أسّستها ناشطاتٌ نسوياتٌ، وجمعية كفى ومؤسّسة عامل. أما الدعم الإضافي كالتنسيق اللوجستي والتطوّع والترويج للمسيرة، فأتى من مجموعاتٍ نسويةٍ ويساريةٍ كالبلوك النسوي وصوت النسوة والمنتدى الإشتراكي.44 وتكفّلت الجمعيات والمجموعات النسوية بالتواصل مع السلطات اللبنانية لجعل المسيرة ممكنة، في تعبيرٍ عن التضامن. وأتى هذا الدور كخيارٍ تكتيكيٍ وكواقعٍ تفرضه القيود على النشاط السياسي للعاملات. ومن أجل الحصول على إذنٍ من السلطات للتظاهر، لا بد أن يتقدّم ثلاث/ة مواطنين/ات لبنانيين/ات بهويّاتهم/ن وتواقيعهم/ن لدى البلدية أو مكتب المحافظة المعنية، ولا يمكن لأي أجنبي/ة المشاركة في هذه العملية وإن كان/ت وضعه/ا قانونيًا. هكذا، تمنع تنظيمات الدولة العاملات المهاجِرات من تحمل مسؤولية مسيرتهنّ بأنفسهنّ على نحوٍ رسمي. وواجهت العاملات المنزليات المهاجِرات الناشطات وحلفائهنّ قيودًا مشابهةً في العام 2015، عندما شكّلن نقابة العاملات المنزليات في لبنان. وبما أنه لا يُسمح لهنّ كمهاجِراتٍ بتشكيل نقابة، انتُخبت مواطنةٌ لبنانيةٌ رئيسةً لها، لكن الدولة اللبنانية رفضت الاعتراف رسميًا بالنقابة.45 قانونيًا وماديًا، تحاول الأجساد اللبنانية تخفيف المخاطر على العاملات المنزليات في بيئةٍ غير آمنةٍ على الإطلاق للأجساد الآسيوية والإفريقية. وكمتطوعةٍ، تصوّرت أن بإمكان أجسادنا اللبنانية والغربية تشكيل مساحةٍ بعيدًا عن التحرش والسيطرة، مساحة بديلة للوجود.

يوم 30 نيسان/ أبريل 2017، وصلت فرق المتطوّعات/ين – المؤلفة بمعظمها من الناشطات/ين والطلبة اللبنانيات/ين الشباب – إلى مكان المسيرة قبل ساعاتٍ من الانطلاق. وزّعت علينا قائدات فريق الأمن اللبنانيات شاراتٍ ملونةً ربطناها حول أذرعنا ليسهل على المشارِكات التعرّف إلينا، وكانت التعليمات واضحةً: مراقبة من يتفرّجون على المسيرة. منع التحرّش – الجسدي واللفظي – عن طريق وضع أجسادنا كحواجز بين المشارِكات والمتفرّجين/ات. مراقبة الرجال في المسيرة والتأكّد من أنهم لا يستولون على الكثير من المساحة والانتباه. مراقبة الشرطة والتدخل في حال وقوع أي مشكلةٍ أمنية. عدم السماح باعتقال أي عاملةٍ مهاجِرةٍ مهما كان الثمن ووضع أيدينا نحن في الأصفاد إذا لزم الأمر. لديكم/ن جوازات سفرٍ لبنانية وغربية ولديكم/ن امتيازات، لذا لن يتم ترحيلكم/ن إن تعرّضتم/ن للاعتقال.

كانت هذه التعليمات مألوفةً لمن سبقت لهن/م المشاركة في تظاهرةٍ أو مسيرةٍ من قبل. لكن المتطوعات اللبنانيات والعاملات المهاجِرات الناشطات وجّهن لنا توجيهًا أخيرًا: التأكّد من ألا تهيمن الأثيوبيات على المسيرة، وعدم السماح لفخرهنّ الوطني بالطغيان على الرسالة الموحّدة، أو لأعلامهنّ بالتقدّم على اللافتة الرئيسة للتحالف في مقدمة المسيرة.

وقتذاك، لم أسائل تلك التعليمات، إذ بصفتي غريبةً عن تلك المجتمعات وعن لبنان، كان عليّ الاقتداء بالأخريات قدر الإمكان. ولم أكن وقتها بدأت بالعمل مباشرةً مع الكثير من مجتمعات العاملات المنزليات المهاجِرات والعاملات والعمال المهاجِرين/ات. كنت أدرك أن العاملات المنزليات المهاجِرات لسن مجموعةً واحدةً ومتجانسة، لكني لم أكن أفهم بعد الانقسامات السياسية والاجتماعية بين المجموعات الوطنية وضمنها، كما لم أكن أعلم بوجود أكثر من 100000 عاملةٍ منزليةٍ مهاجِرةٍ من التابعية الأثيوبية في لبنان،46 وبأنهنّ من بين المجموعات الأشد وصمًا لدى وكالات التوظيف وأرباب العمل والدولة.

وكما هو الحال مع أيّ شريحةٍ متنوعةٍ، من الصعب بناء تحالفاتٍ متينةٍ بين العاملات المنزليات المهاجِرات من مختلف الخلفيات الوطنية، والسياسية، والدينية واللغوية. وكما في أي مسيرةٍ أخرى – كتلك التي تحتفي بيوم المرأة العالمي – أرادت بعض المجموعات أن تكون لافتتها الأكثر ظهورًا. لكن المنظّمات أردن توجيه رسالةٍ موحّدة: الحقوق للجميع لا للبعض فقط، والتضامن هو نضالٌ مشترك. وكمتطوعةٍ، قدّست تلك السردية المنسوجة بالقوة والوحدة والاعتراض، ورأيتُ في المسيرة رمزًا لها.

توزّع فريق الأمن المؤلّف بمعظمه من لبنانياتٍ على طول الطريق، وكلفتني قائدة الفريق الوقوف في أول المسيرة، ثم انطلقنا نتبع المتطوعات اللواتي حدّدن المسار. وسارت في منتصف الطريق ممثلاتٌ من التحالف من جنسياتٍ مختلفة، حاملاتٍ لافتةً تقول “لإلغاء نظام الكفالة وتضمين العمل المنزلي في قانون العمل اللبناني” كرسالةٍ متفقٍ عليها.47 لكن الطرقات كانت واسعة، ومع ازدياد حماس المشارِكات، أخذن يسرعن الخطى أكثر فأكثر. وكما حُذّرت سابقًا، اندفعَت مجموعةٌ من النساء الأثيوبيات إلى مقدمة المسيرة رافعاتٍ أعلامهنّ عاليًا، فبدأت المشارِكات الأخريات بالمناداة عليّ مباشرةً لأمنعهنّ من التقدّم على اللافتة الرئيسة.

حاولتُ الاستجابة، لكني لم أشأ أن أصرخ أو أتحكّم بالمشارِكات الأثيوبيات، فلجأتُ إلى تكتيكاتٍ أخرى كالطلب من المشارِكات التراجع قليلًا أو التوقف. اخترت المساومة. وعندما لم ينجح أيٌ من ذلك، انتهى بي الأمر إلى ما بدا فعل سخريةٍ من الذات، فأخذت أسير عكسيًا وأرقص مع المشارِكات، مردّدةً عبارة “شوي شوي” بين الهتافات المطالبة بإلغاء نظام الكفالة. ولدى لجوئي إلى الرقص، أخذت المشارِكات يضحكن وأبطأن من سرعة مجموعاتهنّ.

نجحت المسيرة، إذ حظيت ببعض التغطية الإعلامية ولم تقع في خلالها أي حوادث أمنية. لكني شعرتُ بعدها بالاضطراب وعدم الارتياح والتواطؤ مع مشروع السيطرة ذاك الذي لا إسم له. شعرتُ كأنّي ناظرةً في رحلةٍ مدرسية. وعلى الرغم من أن بعض العاملات الناشطات أدّين دورًا رئيسًا في التخطيط للمسيرة، إلا أن الجهات المنظّمة والمتطوعات أحضرن عاملاتٍ أخرياتٍ بالباصات، ووزّعن عليهنّ المياه، وأرشدنهنّ في خلال المسيرة ثم أعدنهنّ إلى منازلهنّ. ومع أني كنت تطوعتُ ظاهريًا من أجل حرف الانتباه عن صوتي وسلطتي، فإنّ شارة الذراع ومظهري ارتبطا بنوعٍ معينٍ من القوة، فكانت المشاركات يتوقعن تدخلًا مني عند ارتفاع منسوب التوتر، سواءً مع الرجال المتفرّجين أو بين المشارِكات أنفسهنّ. كنا جميعًا نعلم أن بإمكان امتيازاتي أن تصوغ المسار العاطفي والقانوني والمادّي للأجساد المشاركة في المسيرة، وقد استخدمتُ تلك القوة للتحكّم بكيفية تعبير الناس عن أنفسهنّ. وللمفاجأة، استخدمَت المشارِكاتُ والمتطوعاتُ الأخريات جسدي وصوتي لتحقيق أهدافهنّ الخاصة.

تُصمّم المسيرات أحيانًا كتعبيراتٍ عن الغضب، لكنها في الحقيقة قد تمثّل بديلًا عن التغيير الحقيقي. لكن في تجربتي، لا ينطبق هذا الأمر على مسيرة يوم العاملات والعمال 2017. وإذ أخمّن أن السلطات اللبنانية تسمح بهذه المسيرة لكونها تمثّل لحظةً محتواةً من الغضب المضبوط الذي لا يُشكّل خطرًا على النظام، فإن الأمر مختلفٌ تمامًا بالنسبة إلى المشارِكات. وكانت جيما شاركت مع مجلة كحل تجربتها في إنقاذ العاملات والعمال من مختلف الجنسيات في خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، ما علّمها أهمية العمل العابر للحدود وأمده الطويل، وقد منحها ذلك التضامنُ الأملَ بإمكانية تغيير الواقع.48

التأمّل في مسيرة يوم العاملات

يقدّم كتاب لقاءات غريبة لسارة أحمد مقاربةً تأمليةً في تعقيدات الكولونيالية ودور الغرباء/ الغريبات والغرابة في مجتمعٍ مُعولم، فيدعونا إلى تحرّي إرث الاستعمار على الأرض: “إذا ما تفكّرنا في ما بعد الكولونيالية كمرحلةٍ ستأتي لاحقًا… علينا الانتباه إلى كيفية ومكاناستمرار الاستعمار بعد ما يُسمّى بإنهاء الاستعمار.”49 وكما يظهر عمل علوان، غالبًا ما تستمر الكولونيالية ضمن أجساد وأذهان من يناهضونها. ليست هذه مسألةٌ أكاديمية، بل هي متجذرةٌ في ممارسات النشاط النسوي، وفي اللقاء اليومي مع مجتمعاتنا، وأنفسنا، والأخريات والآخرين. في المسيرة، عثرتُ على لقاءٍ غير متوقعٍ مع واقع تواطؤاتي المتجسّدة – ماديًا ولغويًا ورمزيًا.

لماذا من المهم أن نجتاز لحظات التواطؤ في عملنا؟ لدى النظر في الأعمال المكتوبة عن النسويات اللبنانيات والحركات النسائية العربية بشكلٍ أوسع، تعالج الدراسات أسئلة التواطؤ والكولونيالية بشكلٍ رئيسٍ من خلال نقد فرض نهج المنظمات غير الحكومية (الأنجَزة) وتأثير أولويات التمويل الأجنبي في الحركات النسائية. لكن في المساحات النسوية في بيروت، أسمع أسئلةً متكررةً عن الطريقة الأفضل لتطبيق التضامن، وعن أشكال التنظيم الأكثر فعاليةً وأخلاقية، لا فقط عن مخاطر الأنجَزة ومعضلات قبول التمويل. هذه الأسئلة هي أسئلةٌ شخصيةٌ وسياسية، ولها تبِعاتٌ فعلية. هل علينا دعم قانونٍ مشوّهٍ باعتباره خطوةً مؤسّسيةً هامةً على طريق تجريم العنف الأسري، أم معارضته لكونه يكرّس “الحق الزوجي” في الجماع في قانون العقوبات اللبناني؟50 هل عليك التعبير عن رأيك على طاولة العشاء مع أسرتك، أم التزام الصمت لحماية نفسك؟ هل عليك الإبلاغ عن التحرش والاعتداء، أم أن ذلك يمنح الحكومة قوةً إضافيةً لضبط وتجريم الأجساد المهمّشة؟ هل عليك إخبار مالكة المنزل عن المرة التي سمعتها فيها تصرخ في وجه “الخادمة؟” هل تنضمّين إلى تحالف العاملات المنزليات المهاجِرات أو نقابة العاملات المنزليات وتعرّضين وضعك القانوني في لبنان – وسلامة أسرتك – للخطر؟

حتى في يوم مسيرتهنّ، لم تتمكن العاملات المنزليات المهاجِرات إلى حدٍ ما من صنع قراراتهنّ بأنفسهنّ، بسبب اللبنانيين/ات وغيرهم/ن ممّن أرادوا المساعدة. ومن خلال التضحية بالاستقلالية الفردية للعاملات في سبيل حاجات المجموعة – وإن كانت نيّتنا حسنة – فإننا ردّدنا لغة الاستصغار الكامنة في السردية المهيمنة لنظام الكفالة. هكذا، أخذت المتطوعات بتوجيه الإرشادات للعاملات عن كيفية التصرّف كطريقةٍ لحمايتهنّ من التهديدات الخارجية ومن بعضهنّ البعض. وتستنسخ دينامية القوة هذه آلية سيطرة الدولة البطريركية على الجسد الأنثوي الآسيوي والإفريقي منخفض الأجر. نعم، تمكنّا من خلق مساحةٍ للتظاهر ضد نظام الكفالة، والسلطات اللبنانية والاقتصاد الرأسمالي العالمي، لكن هذه المساحة صيغت يوم 30 نيسان/ أبريل 2017 وفقًا لقدرة المتطوعات على سنّ القواعد، لا العاملات. ومع أنّ عملية التخطيط للمسيرة كانت أكثر شمولًا إذ حدثت داخل المساحات الخاصة والآمنة، إلا أنّه مع انضمام مئات المشارِكات والمتطوعات للمرة الأولى للمسيرة في المكان العام، لم يستطع التضامنُ طويل الأمد للمنظّمين/ات من تغيير الهرميات الشخصية والمُعرقنة للحياة اليومية في لبنان.

لا بد من الإقرار بأن العاملات أنفسهنّ يتمتعن بالوكالة الذاتية في كيفية استخدامهنّ ديناميات القوة هذه والاستجابة لها. ولم تكن عملية الضبط التي قامت بها المتطوعات مجرّد سلوكٍ من أعلى لأسفل، فالعاملات المنزليات المهاجِرات الناشطات المشارِكات في المسيرة وفي فريق التنظيم، فهمنَ الهرميات وسياسات الامتياز الجسدي تلك. بالتالي، طلبت العاملات صراحةً من المتطوعات أداء أدوار الضبط والحراسة. وكما في نظام الكفالة، بُرّرت سلوكيات التحكّم في المسيرة باستخدام خطاب الحماية من القوى الخارجية العنيفة كما من الانقسامات الداخلية بين مجتمعات العاملات المهاجِرات.

يفرض المجتمع اللبناني هرمياتٍ بين العاملات وفقًا للجنسية ولون البشرة والعرق، بالإضافة إلى مدى جدّية مطالبة الحكومات والسفارات والقنصليات المعنية بمعايير عملٍ عادلة. وتلاحظ ماري جوزيه ل. طايع أن الاتفاقيات الثنائية بين الحكومة اللبنانية ودول المصدر تحلّ محلّ العقد النموذجي الموحّد، “مروجةً لسباقٍ نحو القاع في ظروف العمل والعيش للعاملات المنزليات من مختلف الجنسيات، ومشجعةً الصور النمطية عن نوعية العمل الذي تقوم به النساء القادمات من دولٍ معينة.”51 وتعكس الهرميات أيضًا تاريخ العمالة المنزلية المؤنّثة في لبنان، والذي تحوّل من توظيف النساء العربيات المهمّشات، إلى توظيف النساء الآسيويات والإفريقيات في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي،52 إذ اعتُبرن أكثر “خضوعًا.”53 وتبيّن مقابلات نايلة مكربل مع أرباب عملٍ لبنانيين/ات التصوّرات الشائعة عن الأمزجة المختلفة بين الجنسيات، إذ تُعتبر النساء السريلنكيات أكثر خضوعًا وبالتالي مرغوبًا بهنّ، مقارنةً بالأثيوبيات “العنيدات” و”المغرورات،” بينما تُعتبر الفيلبينيات أكثر معرفةً بحقوقهنّ وأقل سذاجة.54 وترتبط هذه الصور النمطية بالفروقات المُمأسسة في الأجور بين النساء من جنسياتٍ مختلفة. وفي العادة، تحصل العاملات الفيلبينيات على الأجر الأعلى، مع أن الأرقام تشير إلى أن 34.6% منهنّ ما زلن يحصلن على أجرٍ أقل من 300 دولارٍ أميركيٍ في الشهر.55 في لبنان وحول العالم، يتفاقم فارق القوة بين العاملة المنزلية ورب/ة العمل إذا ما كانت العاملة تقيم في جسدٍ أقلّوي، أو مهاجِرٍ و/أو أسود اللون.56

وفي إبطائي خطى المجموعات الأثيوبية بناءً على طلب نساءٍ من جنسياتٍ أخرى، أتساءل إذا ما كنت شاركتُ ليس فقط في تعزيز سرديات التحكّم بالعاملات المنزليات المهاجِرات ككلٍ، بل أيضًا في تعزيز الصور النمطية القومية التي تشير إليها مكربل. ومن المثير للاهتمام أن المتطوعات لم يتلقّين أي تعليماتٍ لمراقبة أي مجموعةٍ قد تهيمن على المسيرة، باستثناء العاملات الأثيوبيات، صاحبات الأجساد الموسومة بكونها أقلّ تعليمًا وأصعب مراسًا. ويسهل علينا كناشطاتٍ متحيّزاتٍ لقضية العاملات المنزليات المهاجِرات أن نضفي طابعًا رومنسيًا على نضالهنّ وأن نتجاهل تلك الديناميات – حتى عندما نتشارك أهداف تحسين حقوق العمل، والعدالة، والمساواة الجندرية والعرقية. وعندما ننخرط في النقد الذاتي، يمكن لأسئلة التواطؤ المتجسّد والامتياز أن تصيبنا بالشلل، فنضلّ الطريق عن العمل الفعلي ونتوه في نقاشاتٍ دائريةٍ عن الموقعية والتمثيل والمصداقية.

ويستدعي هذا اللقاء تأملًا في معنى نظام الكفالة نفسه، وطريقة انعكاسه ضمن العلاقة بين الجمعيات غير الحكومية، والمجموعات النسوية وجهود التنظيم التي تقوم بها العاملات المنزليات المهاجِرات.57 وكما يكفل أرباب العمل العاملة، أدّت المجموعات النسوية والجمعيات غير الحكومية دور الكفالة على إنشاء وتأسيس مجموعاتٍ للعاملات المنزليات المهاجِرات. على سبيل المثال، تعاونت منظمة العمل الدولية في عملية إنشاء نقابة العاملات المنزليات في لبنان، والتي شملت ناشطاتٍ من العاملات المنزليات المهاجِرات، وحركة مناهضة العنصرية، ومؤسسة إنسان، ورواد فرونتيرز، وجمعية كفى، والإتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان والإتحاد الدولي للعاملات المنزليات.58 وعلى نطاقٍ يوميٍ أصغر، استخدمت المجموعات النسوية قدراتها وامتيازاتها ومواردها لتوفير مكانٍ فعليٍ للقاء، ولتقديم الدعم اللوجستي والمناصرة للعاملات اللواتي لا يستطعن فعليًا وقانونيًا الحصول على مكانٍ خاصٍ بهنّ للتنظيم من أجل نيل حقوقهنّ. ويمكن لهذا العمل أن يمثّل شكلًا نادرًا من التضامن الحقيقي، واستثمارًا في الوقت والطاقة والموارد لدعم العاملات المنزليات المهاجِرات وتعزيز نضالهنّ.

بالطبع، كما أنّ العاملات لسن كتلةً واحدةً، فإنّ المجموعات والمنظمات النسوية في بيروت وغيرها من الجمعيات ليست كتلةً متجانسة، فلكلٍ منها سياساتها ومقارباتها وخطاباتها الخاصة بشأن العاملات المنزليات المهاجِرات.

وتلائم الكفالةُ أطرَ العمل النيوليبرالية التي توجّه أولويات الكثير من الجمعيات غير الحكومية والجهات المانحة الدولية. وشهدت الأعوام العشرة الماضية تصاعدًا في الحملات والمناصرة القانونية، وفي توفير الخدمات النفسية والصحية والقانونية للعاملات المنزليات المهاجِرات من قبل الجمعيات المحلّية والدولية في الشرق الأوسط. لكن طايع تجادل أن هذه المبادرات نادرًا ما تحاكي مطالب العاملات، بل تتسبّب في إنتاج “وفرةٍ من الخدمات والبرامج حسنة النيّة إنما غير المنسجمة مع الحاجات الفعلية.”59

وليس على سبيل الصدفة أن يعكس هذا الواقع نقدًا أوسع للجمعيات غير الحكومية ولأنجَزة الحركة النسائية العربية، فالعقد الذي تلى المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بيجينغ في العام 1995 شهد انتشارًا لجمعيات حقوق المرأة في المنطقة العربية، والتي يجادل البعض بأنها حوّلت الحركة النسائية القاعدية الحيوية إلى منظماتٍ احترافيةٍ منعزلةٍ مرهونةٍ لأولويات الجهات المانحة.60 وتخاطر هذه السردية بإضفاء طابعٍ رومنسيٍ على الماضي،61 لكنها تعترف بواقع أن الجمعيات غير الحكومية تواجه تحدياتٍ في معالجة المشكلات التقاطعية، إذ تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على التمويل المرتكز على المشاريع من الجهات المانحة الدولية، ما يمنح الأولوية بالتالي لشكلٍ من العمل والتواصل الخاص بـ”الطبقة الوسطى،” ويؤدّي إلى عدم توظيف من هنّ أكثر تأثرًا بالمسائل موضوع العمل.62 ومن ناحية أخرى، فإنّ كتابة تقارير المنح والتنافس بين المجموعات على الموارد المحدودة ذاتها يطغى على بناء الحركة والتحالفات العابرة للقطاعات على المدى الطويل. وعندما تصبح العاملات المنزليات المهاجِرات “مستفيداتٍ” بدلًا من أن يكنّ حليفاتٍ وشريكات، يغدو من الأسهل على المنظمات والعاملين/ات فيها تجاهل تنوّع العاملات المنزليات المهاجِرات والاختلاف الكبير في تجاربهنّ وأهدافهنّ. وحتى عندما تكون غير قصدية، تشكّل المُجانسة منزلقًا يمحو الاختلاف التاريخي والثقافي، وهي إحدى الاستراتيجيات الرئيسة للنيوليبرالية.

ويعارض كثيرٌ من المجموعات النسوية الداعمة لمسيرة يوم العاملات هذا النموذجَ بفعالية. وتجادل طايع أن بعض الجمعيات غير الحكومية المتعاونة مع العاملات المنزليات المهاجِرات أصبحت مع الوقت أكثر استجابةً لمطالب العاملات وحاجاتهنّ وشراكتهنّ. وقد يعود هذا إلى أن العاملات المنزليات المهاجِرات الناشطات في الشرق الأوسط تمكنّ من تطوير تنظيمهنّ الجماعي على مستوى الجنسية والعمل القطاعي، لكن لعله يعود أيضًا – في حالة بيروت – إلى أن المجموعات النسوية تتعلّم أكثر فأكثر كيف تستمع إلى مطالب العاملات.

وفقًا لهذا التحليل، فإنّ الأفعال التي تقوم بها المجموعات النسوية والمتطوعات والجمعيات غير الحكومية لدعم مجتمعات العاملات المنزليات المهاجِرات، تعيد موضعة جزءٍ صغيرٍ من القوة في أيدي العاملات، حتى وإن استنسخت ديناميات الكفالة. ويشكّل الإرشاد ونسج العلاقات مبدأً رئيسًا في الحركات النسوية، لكن من الممكن لهذا المبدأ أن يعكس فهم الفرد المستبطن لـ”الفرد الفقير/ة المُعرقَن/ة والمُستعمَر/ة” كفردٍ هش/ةٍ وفي آنٍ معًا “مفلس/ةٍ أخلاقيًا… ومُستبعَد/ةٍ عن الذاتية الليبرالية ذات الامتياز.”63 إذ حتى عندما تُدان العنصرية علنًا، لا يُمحى الفرق والتفوّق الطبقي. لكن عندما تعيش العاملات المنزليات المهاجِرات أوضاعًا متقلقلةً بالفعل، تصبح الكفالة وتشارُك الموارد خطواتٍ دنيا للتضامن وبناء الحركة؛ إذ ما البدائل المتوفرة هنا؟

الخاتمة: ماذا نفعل بتواطئنا؟

التساؤل المستمر هو أحد الأسلحة النادرة التي نمتلك في وجه التواطؤ. في المسيرة، وجدت نفسي أقول “تمهّلن، تمهّلن، فليس هذا بالوقت المناسب.” إنها الكلمات ذاتها التي يقولها مَن في السلطة لمَن يناضلون من أجل حقوقهم/ن منذ قرون. هل يمكن تبرير تلك الكلمات بواقع أن الأنظمة التي نحارب ضدها أشدّ سوءًا بكثير؟ هل يمكن لعنف نظام الكفالة، ولديناميات الترحيل الحالية، وللمخاطر الجسدية والعاطفية والقانونية التي تواجهها العاملات تشريع استخدام القوة؟ في مثال المسيرة، حيث كانت هناك حاجةٌ واضحةٌ لدعم المتطوعات، هل كان علينا – كمتطوعاتٍ – أن نرفض القيام بأعمالٍ معينةٍ لأن سلطتنا قد تعزّز نظريًا هرميات الامتياز؟ هل كان علينا أن نرفض التدخل لفضّ النزاعات بين مختلف مجتمعات العاملات بدلًا من التوسّط لحلّ نزاعٍ كان من الممكن أن يكون منتجًا؟ عندما يتهدّد أمن الناس، وعندما نكون على علمٍ بما يمكن أن يحدث في حال الاعتقال، كيف نفتح المجال لهذه الأحاديث كي تحصل؟

بالطبع، لا يزال بعض هذه النقاشات مستمرًا بين العاملات الناشطات وحلفائهنّ من اللبنانيين/ات، لكن ليس علنًا. وفي مسيرة 2017، لم يكن هذا العمل ظاهرًا لي. لقد اخترتُ عن قصدٍ معاينة هذا اللقاء الذي جمعني بنواياي الحسنة في لحظة تواطؤٍ لم أكن أمتلك فيها المعرفة العميقة بما يحدث، من أجل فهم الضرر الذي يمكن للنية الحسنة النسوية أن تحدثه.64

بمعنًى ما، لا يمكن تجنّب التواطؤ. وقد تفكّرت في هذه المسيرة بالذات بسبب التضامن المذهل بين العاملات المنزليات المهاجِرات والمجموعات النسوية الشابة في بيروت؛ فتعابير التضامن النسوي تتخطّى إلى حدٍ كبيرٍ الكلام المجرّد، مقدمةً مثالًا لنسويةٍ معقدةٍ تواجه أشكالًا متقاطعةً من القمع. إنها نسويةٌ تدرك أن حركات التحرّر هي حركاتٌ سياقيةٌ ومترابطة، وأن تحرّر النساء اللبنانيات لا يمكن أن يتحقّق إذا ما جرى إقصاء النساء الأكثر تهميشًا في المجتمع. وفي سياقٍ تاريخيٍ يتّسم بهيمنة النساء النخبويات ومؤسساتهنّ65 على الحركات النسائية، لا يُعدّ هذا النوع من النسوية معياريًا وسائدًا؛ فهذه النسوية تقاوم في آنٍ معًا العناصر البطريركية والقمعية في المجتمع من جهة، والعناصر الكولونيالية والإمبريالية والطبقية في النسويات العالمية واللبنانية السائدة من جهةٍ أخرى. بالتالي، أطرح هذا التأمّل لا كنقدٍ موحدٍ للحركات النسوية، بل كاحتفاءٍ والتزامٍ بالأسئلة الصعبة، فحتى داخل أفضل المساحات والحركات، التواطؤ هو حتميةٌ يوميةٌ نظرًا لكون أجسادنا رموزًا للامتياز في حد ذاتها.

تجادل سارة أحمد بضرورة فهمنا كيف تتشكّل القوة من أجل تفكيكها، وبضرورة تصوّر رؤيةٍ بديلةٍ للعالم؛ ويوم العاملات هو محاولةٌ لتطبيق هذه الرؤية البديلة. ومن غير المفاجئ أن تعكس دينامياتنا الشخصية الهرمياتِ الاجتماعية لعالمٍ كبرنا جميعًا فيه. إذًا، ليس السؤال عما إذا كنا متواطئات، بل عمّا نفعل بوعينا بذلك التواطؤ. ولا يكفي أن نتحرّى كيف تتشكّل القوة في القِوى التي تحكم حيواتنا – كنظام الكفالة والدولة القومية ما بعد الاستعمارية؛ بل علينا أن نتحرّى أيضًا كيف توجد القوة وتتغيّر داخل أجسادنا الخاصة وفي ما بينها.

المراجع:

Ahmed, Sara. Strange Encounters: Embodied Others in Post-Coloniality. London and New York: Routledge, 2000.

Al-Akhbar. “Lebanese Labor Ministry Rejects Creation of Domestic Workers Union.” Al-Akhbar. January 27, 2015. https://search.proquest.com/docview/1648439631?accountid=8555.

Al-Ali, Nadje, and Nicola Pratt. What Kind of Liberation? Women and the Occupation of Iraq. University of California Press, 2009.

Anderson, Bridget. “Migration, Immigration Controls and the Fashioning of Precarious Workers.” Work, Employment and Society 24, no. 2 (2010): 300–317. https://doi.org/10.1177/0950017010362141.

Chamoun, Hassan, and Joey Ayoub. “‘We Are Not Slaves, We Want Our Rights’: Lebanon’s Migrant Domestic Workers March on Labour Day.” Global Voices. May 12, 2017. https://globalvoices.org/2017/05/03/we-are-not-slaves-we-want-our-rights....

Coalition of Civil Society Groups Active in Lebanon. “Joint Universal Periodic Review Submission on Economic and Social Rights.” Lebanon, 2010. http://lib.ohchr.org/HRBodies/UPR/Documents/Session9/LB/ANND_Coalitionof....

Demetriou, Daphne. “‘Tied Visas’ and Inadequate Labour Protections: A Formula for Abuse and Exploitation of Migrant Domestic Workers in the United Kingdom.” Anti-Trafficking Review, no. 5 (2015): 69. https://doi.org/10.14197/atr.20121555.

Flaherty, Jordan. No More Heroes: Grassroots Challenges to the Savior Mentality. AK Press, 2016.

Gemma. “The Road to Dissent.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research 2, no. 2 (2016): 135-139. https://kohljournal.press/the-road-to-dissent/.

H., Sanaa. “A Political Movement in Lebanon? A Conversation on Feminism and Queerness.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research 1, no. 1 (2015): 92–104. https://kohljournal.press/a-political-movement-in-lebanon-2/

Hamati, Roula. “Trapped: Migrant Domestic Workers in Lebanon.” Insan Association. Beirut, 2016. http://www.insanassociation.org/en/images/Trapped.Compressed.pdf

Hamill, Kathleen. “Reforming the ‘Sponsorship System ’ for Migrant Domestic Workers: Towards an Alternative Governance Scheme in Lebanon.” KAFA. 2012. http://www.kafa.org.lb/studiespublicationpdf/prpdf47.pdf

Hong, Grace Kyungwon. “Introduction.” In Death Beyond Disavowal: The Impossible Politics of Difference. University of Minnesota Press, 2015.

Incite! Women of Color Against Violence. The Revolution Will Not Be Funded: Beyond the Non-Profit Industrial Complex. Duke University Press, 2017.

International Labour Organization. “A Study of Employers of Migrant Domestic Workers in Lebanon.” Geneva, 2016. http://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—arabstates/—ro-beirut/documents/publication/wcms_524149.pdf.

———. “Employer-Migrant Worker Relationships in the Middle East: Exploring Scope for Internal Labour Market Mobility and Fair Migration.” Beirut, 2017. http://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—arabstates/—ro-beirut/documents/publication/wcms_552697.pdf

Jad, Islah. “The ‘NGOization’ of the Arab Women’s Movements.” Al-Raida, no. 100 (2003): 38–46. http://iwsawassets.lau.edu.lb/alraida/alraida-100.pdf.

Jureidini, Ray. “In the Shadows of Family Life: Toward a History of Domestic Service in Lebanon.” Journal of Middle East Women’s Studies 5, no. 3 (2009): 74–101. http://muse.jhu.edu/journals/journal_of_middle_east_womens_studies/v005/...
http://muse.jhu.edu/journals/journal_of_middle_east_womens_studies/summa....

Kaedbey, Deema. Building Theory Across Struggles: Queer Feminist Thought from Lebanon. Ohio State University, 2014.

KAFA. “KAFA (Enough) Violence & Exploitation Annual Report, 2014 Highlights.” Beirut, 2014. http://www.kafa.org.lb/StudiesPublicationPDF/PRpdf-82-635689245975040950....

Kanso, Heba. “Trapped by the System, Ethiopian Workers in Lebanon See No Freedom.” Reuters. 2018. https://www.reuters.com/article/us-lebanon-migrants-irregular/trapped-by...

Khawaja, Bassam. “Lebanon Deports Domestic Worker Rights Organizer.” Human Rights Watch. December 13, 2016. https://www.hrw.org/news/2016/12/13/lebanon-deports-domestic-worker-righ....

Kolhatkar, Sonali, and Mariam Rawi. “Why Is a Leading Feminist Organization Lending Its Name to Support Escalation in Afghanistan?” AlterNet. 2009. https://www.alternet.org/story/141165/why_is_a_leading_feminist_organiza....

Lugones, María. “Heterosexualism and the Colonial / Modern Gender System.” Hypatia 22, no. 1 (2007): 186–209.

———. “Toward a Decolonial Feminism.” Hypatia 25, no. 4 (2010): 742–59. https://doi.org/10.1111/j.1527-2001.2010.01137.x.

Mahi, Rose. “The Difference Self-Organising Makes: The Creative Resistance of Domestic Workers.” Domestic Workers Speak: A Global Fight for Rights and Recognition. 2017. 165-169.

Mala. “Migrating to the Lebanese Civil War.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research 2, no. 2 (2016): 132-134. https://kohljournal.press/migrating-to-civil-war/.

Mignolo, Walter D. “Epistemic Disobedience, Independent Thought and De-Colonial Freedom.” Theory, Culture & Society 26, no. 7–8 (2009): 1–23. https://doi.org/10.1177/0263276409349275.

Migrant Forum in Asia. “Policy Brief No 2: Reform of the Kafala (Sponsorship) System.” Migrant Forum in Asia. 2012. http://www.mfasia.org/resources/publications.

Ministry of Labour Lebanon. “Information Guide for Migrant Domestic Workers in Lebanon.” International Labour Organization. Beirut, 2012.

Mitri, Dalya. “From Public Space to Office Space: The Professionalization/NGO-Ization of the Feminist Movement Associations in Lebanon and Its Impact on Mobilization and Achieving Social Change.” Civil Society Knowledge Centre. 2015. http://civilsociety-centre.org/file/frompublicspacetoofficespaceenpdf-0/...

Mohanty, Chandra Talpade. “US Empire and the Project of Women’s Studies: Stories of Citizenship, Complicity and Dissent.” Gender, Place, and Culture 13, no. 1 (2006): 7–20. https://doi.org/10.1080/09663690600571209.

Moukarbel, Nayla. Sri Lankan Housemaids in Lebanon. Amsterdam University Press, 2009. https://doi.org/10.5117/9789089640512.

Naber, Nadine, and Zeina Zaatari. “Reframing the War on Terror: Feminist and Lesbian, Gay, Bisexual, Transgender, and Queer (LGBTQ) Activism in the Context of the 2006 Israeli Invasion of Lebanon.” Cultural Dynamics 26, no. 1 (2014): 91–111. https://doi.org/10.1177/0921374013510803.

Naples, Nancy A, and Manisha Desai. “Introduction.” Women’s Activism and Globalization: Linking Local Struggles and Transnational Politics. New York: Routledge, 2002. 1-43.

Olwan, Dana M. “On Assumptive Solidarities in Comparative Settler Colonialisms.” Feral Feminisms, no. 4 (2015): 89-102. http://www.feralfeminisms.com/wp-content/uploads/2015/12/ff_On-Assumptiv...

Page, Tiffany. “Vulnerable Writing as a Feminist Methodological Practice.” Feminist Review 115, no. 1 (2017): 13–29. https://doi.org/10.1057/s41305-017-0028-0.

Pande, Amrita. “From ‘Balcony Talk’ and ‘Practical Prayers’ to Illegal Collectives: Migrant Domestic Workers and Meso-Level Resistances in Lebanon.” Gender & Society 26, no. 3 (2012): 382–405. https://doi.org/10.1177/0891243212439247.

Quijano, Anibal. “Coloniality and Modernity/Rationality.” Cultural Studies 21, no. 12 (2010): 168–78. https://doi.org/10.1080/09502380601164353.

———. “Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America.”Nepantia: Views from the South 1, no. 3 (2000): 533–80.

Radio Sawt. “Building Bridges of Solidarity.” Sawt al Niswa, 2017. https://soundcloud.com/radiosawt/solidarity-as-a-bridge-we-build?utm_sou....

Romero, Mary. Maid in the U.S.A. New York: Routledge, 1992.

Rose. “Beirut’s Welcome.” Kohl: a Journal for Body and Gender Research 2, no. 2 (2016): 125-131. https://kohljournal.press/beiruts-welcome/.

Spivak, Guyatri. “Can the Subaltern Speak?” Colonial Discourse and Postcolonial Theory: A Reader. New York: Columbia University Press, 1988. 66-111.

Stephan, Rita. “Four Waves of Lebanese Feminism.” E-International Relations. 2014. http://www.e-ir.info/2014/11/07/four-waves-of-lebanese-feminism#.VF0-gvP....

———. “Women’s Rights Activism in Lebanon.” Mapping Arab Women’s Movements. American University in Cairo Press, 2012. 11-32. http://www.jstor.org/stable/j.ctt15m7hb5.10.

Su, Alice. “Slave Labour? Death Rates Double for Migrant Domestic Workers in Lebanon.” IRIN. May 15, 2017. https://www.irinnews.org/feature/2017/05/15/slave-labour-death-rate-doub....

Tayah, Marie-José L. “Claiming Rights Under the Kafala System.” Domestic Workers Speak: A Global Fight for Rights and Recognition. 2017. 146-159.

The Alliance of Migrant Domestic Workers. “Join Us! Workers’ Day 2017.” Facebook Event. 2017. https://www.facebook.com/events/148992548967059/.

“Women’s Movements in Lebanon.” Civil Society Knowledge Centre, Lebanon Support. 2017. http://civilsociety-centre.org/gen/women-movements-timeline/4938.

  • 1. Chamoun and Ayoub, 2017.
  • 2. أستخدم عبارة “العاملة المنزلية المهاجِرة” مع إقراري الكامل باختزالها الهويّاتي بسبب الافتقار إلى لغةٍ أكثر عدالة. وأميّز بين الناشطات من العاملات المنزليات المهاجِرات والناشطات النسويات اللبنانيات نظرًا للاختلاف في الامتيازات والوصول إلى القوة بين الفئتين.
  • 3. International Labour Organization, 2017.
  • 4. يتضمّن العمل المنزلي في العادة أعمال الرعاية وإدارة المنزل، بما فيها الطبخ والتنظيف والعناية بالأطفال والمسنّين/ات، وقد يكون عملًا مدفوع الأجر أو غير مدفوع.
  • 5. Ahmed, 2000.
  • 6. Page, 2017.
  • 7. Page, 2017, 20.
  • 8. International Labour Organization, 2016, 1.
  • 9. International Labour Organization, 2016, 9.
  • 10. Hamill, 2012.
  • 11. Tayah, 2017.
  • 12. Hamati, 2016.
  • 13. Ministry of Labour Lebanon and International Labour Organization, 2012.
  • 14. International Labour Organization, 2016.
  • 15. Hamati, 2016, 17–18; Ministry of Labour Lebanon and International Labour Organization, 2016, 22.
    يشير حاماتي إلى وجود حوالي 10000 عامِلةٍ منزليةٍ مهاجِرةٍ ممّن لديهنّ أطفالٌ في لبنان.
  • 16. Su, 2017.
  • 17. Coalition of Civil Society Groups Active in Lebanon, 2010.
  • 18. للاطلاع على المزيد عن الهشاشة وعدم الاستقرار:
    Demetriou, 2015; Migrant Forum in Asia, 2012; Anderson, 2010.
  • 19. Kanso, 2018.
  • 20. Rose, 2016; Gemma, 2016; Mala, 2016.
  • 21. Pande, 2012; Jureidini, 2009; Mala, 2016.
  • 22. Rose, 2016.
  • 23. Pande, 2012.
  • 24. Pande, 2012, 14.
  • 25. Mahi, 2017.
  • 26. Stephan, 2014.
  • 27. Kaedbey, 2014; H., 2015; Naber and Zaatari, 2014.
  • 28. Page, 2017, 22.
  • 29. Page, 2017, 25.
  • 30. Radio Sawt, 2017.
  • 31. Mohanty, 2006, 9.
  • 32. Al-Ali and Pratt, 2009.
  • 33. Kolhatkar and Rawi, 2009; Mohanty, 2006, 16.
  • 34. Spivak, 1988.
  • 35. Naples and Desai, 2009.
  • 36. Olwan, 2015.
  • 37. Quijano, 2000, 167; Quijano, 2010.
  • 38. Lugones, 2010; Ahmed, 2000.
  • 39. Lugones, 2010; Mignolo, 2009.
  • 40. Lugones, 2007.
  • 41. Khawaja, 2016.
  • 42. Mahi, 2017.
  • 43. Mahi, 2017, 169.
  • 44. The Alliance of Migrant Domestic Workers, 2017.
  • 45. Su, 2017.
  • 46. Khawaja, 2016.
  • 47. Chamoun and Ayoub, 2017.
  • 48. Gemma, 2016.
  • 49. Ahmed, 2000, 13.
  • 50. KAFA, 2014, 6.
  • 51. Tayah, 2017, 146–47.
  • 52. Jureidini, 2009; Pande, 2012.
  • 53. Pande, 2012, 5.
  • 54. Moukarbel, 2009, 148.
  • 55. International Labour Organization, 2016, 28.
  • 56. Romero, 1992, 132; Jureidini, 2009.
  • 57. أعبّر عن امتناني للدكتورة سارة مراد من الجامعة الأميركية في بيروت لمساعدتي على تظهير هذه الصلة على نحوٍ أكثر وضوحًا، ولحثّي على مساءلة المعاني المتعدّدة للكفالة.
  • 58. Tayah, 2017, 148.
  • 59. Tayah, 2017, 147.
  • 60. Jad, 2016; Stephan, 2012; Mitri, 2015.
  • 61. Kaedbey, 2014.
  • 62. Jad, 2016, 44.
  • 63. Hong, 2015, 13.
  • 64. Incite! Women of Color Against Violence, 2017; Flaherty, 2016.
  • 65. “Women’s Movements in Lebanon,” 2017.
ملحوظات: