محاولة تنظيم حراك نسويّ سوريّ بين حربٍ ومنفى وتجاذبات جيليّة

السيرة: 

رولا أسد صحافية نسائية ومدربة إعلامية، وهي المؤسسة المشاركة والمديرة التنفيذية لشبكة الصحفيات السوريات. ولدت في دمشق، سوريا، ومقرّها في هولندا. وهي حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق. تركز أعمالها الصحفية على تغطية عدم المساواة/المساواة بين الجنسين في قطاع الإعلام والتحديات التي يواجهها المجتمع المدني السوري في لبنان والأردن وتركيا.

اقتباس: 
رولا أسد. "محاولة تنظيم حراك نسويّ سوريّ بين حربٍ ومنفى وتجاذبات جيليّة". كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر مجلّد 6 عدد 1 (01 يونيو 2020): ص. 38-46. (تمّ الاطلاع عليه أخيرا في تاريخ 26 سبتمبر 2020). متوفّر على: https://kohljournal.press/ar/node/231.
مشاركة: 

انسخ\ي والصق\ي الرابط اللكتروني ادناه:

انسخ\ي والصق\ي شفرة التضمين ادناه:

Copy and paste this code to your website.
PDF icon تحميل المقال (PDF) (896.51 كيلوبايت)

Tears in the fabric.png

سكِن سلز

تمزّقات في النسيج

ورطة، كتابة هذا المقال ورطة. جسديّاً، سبّبت لي الكثير من آلام المعدة والرأس. نفسيّاً، وضعتني في شكٍّ بموقعيّتي من موضوعه وشرعيّتي في الكتابة عنه. ثمّ، انتبهتُ أنّها ليست المرّة الأولى التي أجد فيها نفسي متورّطة في الموضوع بطريقة شخصيّة إلى هذا الحدّ.

منذ قرّرتُ المساهمة في عدد المجلّة المخصّص لـ"التّوتّرات في بناء الحراك الاجتماعي"، بدأتُ البحث عن أساليب دبلوماسية، غير مباشرة، ملتوية، متحاذقة لطرح التوتّرات داخل حراكنا النسوي / النسائي، إذ إن إحدى مشاكلنا هي عدم المواجهة.

بالعودة إلى أرشيف الحراك النسوي / النسائي في سوريا، الصحفي منه والأكاديمي، لم أجد كثيراً من المواد عن مسارات وأشكال تنظيم هذا الحراك بل وجدتُ مواضيع مرتبطة بقضاياه. اليوم، يمكنني فهم ذلك أكثر، من موقعي كناشطة في الحراك النسوي.

أجد صعوبةً، حتّى اليوم، في فهم سياقات الحراك، خصوصاً في تحديد نوع الخلافات الناشئة ضمنه. كما أجد صعوبة أكبر في طريقة طرح تلك الخلافات دون أن يُفهَم ذلك كهجوم أو خلق شقاق.

يشغلني سؤال تموضعي وتموضع رفيقات الحراك من السياق النسوي / النسائي العام. أدخلُ، منذ عدّة سنوات في نقاشات مباشرة مع بعض الصديقات وأتحايل، ونتحايل، على هامش بعض المؤتمرات واللقاءات التي أُدعى إليها، كمديرة لـ "شبكة الصحفيات السوريات" و / أو كصحفية، لطرح أسئلة تتعلّق بنا نحن. من نحن كنسويّات؟ هل نحن قادرات على التمايز بإيديولوجياتنا والمدارس التّي ننتمي إليها؟ هل نحن موجة تضمّ مجموعة كبيرة من المؤمنات بقضيّة ما، لا يجمعهنّ سوى هذه القضية ويتحرّكن بطريقة منظّمة لكن لامركزية؟ أم نحن حركة تعتمد تنظيم المنضمّات إليها ويتمّ التحرّك بناءً على أجندة محدّدة؟ أم نحن حراك أكثر عفوية تنظيمياً، متعدّد ومتنوّع، مرتبط تحت ثيمة عريضة لكن من دون اتفاق بين المنشغلات بهذه القضية على تنظيم أنفسهن؟ هل نحن حراك، نحاول من خلاله الالتفاف تنظيمياً إلى شكل أقلّ إرهاقاً إدارياً وأكثر حرّية من الانتظام في شبكات أو منظّمات، ونبتعد بوعي عن استخدام مصطلح "حركة" أو وسم عملنا ونضالنا ونشاطنا به لتبعاته التنظيمية؟

 

الشتات وجغرافيته

في البداية، في محاولةٍ للهروب من الكتابة المباشرة، أردتُ محاورة بعض النسويّات الشابّات القياديّات في منظّمات نسويّة / نسائيّة، لكن وجود كلّ واحدة منهنّ في بلد جعل الأمر صعباً. هنا، ودون الغوص أعمق، نتواجه والشتات. كحراك سوري شاب في منتصف عمره، مكوّن من نسويّات ثلاثينيّات وأربعينيّات من خلفيّات اجتماعيّة ودينيّة وقوميّة واقتصاديّة متعدّدة، مارسنا نشاطنا النسوي بالتوازي مع انخراطنا في الحراك الثوري السلمي. تقف الجغرافيا كعائق كبير للاجتماع شخصياً، نحاول استغلال المناسبات الدولية التي نشارك فيها لنتبادل الأفكار ولنفتح نقاشاتنا النسويّة، ثم نقع في فخّ التمثيل والحضور، ونتساءل من دُعيت ومن تدعى، ولماذا نناقش هذا الموضوع بالذات دون سواه؟ ومن قرّر طرحه كأولويّة؟ نغضب بصمت لاستغلالنا كناشطات ونقوم بمهام استشارية ونحضّر الأبحاث ونعرض التقديمات ذات العشر دقائق حول موضوعات كالعنف والمشاركة السياسيّة والصراع... وبشكل مجّاني. نتقبّل ذلك ونمضغ ساعات العمل الطويلة على أمل أن تسهم العشر دقائق تلك في منع نسيان ما يحصل في سوريا أوّلاً، وربما ثانياً، في لفت النظر لتلك المؤسسات وفتح فرص دعمها.

تواجهنا، كحراك سوري، مهمّة مستحيلة في سياقٍ لا يمكن أن يكون أكثر تعقيداً. حراكٌ وجد المخرج من خطف السلطة وحصارها له في ثورة ٢٠١١، ووجد فرصةً لكسر مناطقيّته ونخبويّته. لكن الحراك المدني السلمي لم يحظَ بالوقت الكافي ليجذّر قيمه وأساليبه، ولم تُتَح لنا حتى فرصة الاستمتاع به، إذ ما لبثت الثورة أن اتخذت شكلاً جديداً هو الصراع المسلّح.. وكأيّ صراع مسلّح علا فيه صوت المعركة فوق أي صوت آخر، أسهم في تمكين حمَلة السلاح من تحديد أولويّات المرحلة وما بعدها حتى يومنا هذا. أمّا نحن النساء ونضالنا وأولويّاتنا، فقيل لنا إنّ بإمكانها أن تنتظر. دخل الصراع في دائرة الروتين، وأصبح واقعاً يوميّاً عادياً. قتلَنا اليأس وبدأنا نتوزّع في الشتات. لم يتسنّ لكثير من المبادرات النسويّة التي عاركت الواقع، خاصة داخل سوريا، أن تستمرّ وقتاً كافياً لإحداث تراكم ما في مناطقها. فقد دفع العنف المتصاعد واستهداف الناشطات، النساء للمغادرة مؤقتاً إلى دول الجوار. كانت لبنان وتركيا الوجهتين الأوّليتين لناشطات كثر، إلّا أنّ السياق السياسي فيهما، على اختلافه، تجلّى واضحاً في استحالة العمل بحرّية في البلدين. في لبنان على سبيل المثال، مُنعت الناشطات من العمل المدني من دون ترخيص، والتراخيص لا تُعطى بسهولة هناك. ففي حين أنّ بعض المنظمات تكتفي بتقديم ورقة "علم وخبر" إلى وزارة الداخلية، إلّا أنّ ذلك لا يحميها من التعرّض لوقف عملها في أي وقت. كلّ تلك الصعوبات يُضاف إليها التمييز العنصري ضدّ التواجد السوري في لبنان.

تركيا ليست أفضل حالاً. في بداية ٢٠١٢، سمحت الحكومة التركية لمنظمات كثيرة من المجتمع المدني السوري بالعمل من دون تصريح أو حتى مساءلة، لكن منذ عام ٢٠١٦، بدأ التضييق عليها وجرت مساءلتها عن عملها خلال السنوات السابقة، كما مارست السلطات التركيّة الترهيب من خلال إجراء زيارات مفاجئة ووضع الناشطين/ات والعاملين/ات في المنظمات تحت الضغط والمراقبة. هكذا، خلال سنوات ليست بكثيرة، رحلت الناشطات بعيداً نحو أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا، وغادرت معظمهنّ مجبرات بعد انقطاع أي أمل في العودة أو حتى العمل بشكل حرّ في دول المنطقة.

هكذا يقف الشتات والجغرافيا في وجهنا ووجه طاقتنا التي تُبدَّد في ساعات من السفر واختبار الصبر لعبور الحدود والمطارات. نبذل الكثير من الجهد لتجاوز بُعدنا وابتعادنا حين نلتقي، لنكون قريبات ولو بشكل سطحي ومؤقّت، كي نناقش خلال استراحات القهوة آخر التطوّرات أو ربّما كي نطمئنّ فقط بأننا ما زلنا في المعركة سويّة. وبعد كلّ ذلك، نواجه على منصّات التواصل الاجتماعي باستمرار، حملات تتّهم الناشطات باحتكار مساحات المؤتمرات وعدم العمل على إظهار أصوات جديدة. تُحمَّل النسويّات كل تلك الأعباء، بينما يتناسى المنتقدون/ات أنّ إعطاء تأشيرات السفر للمشاركة في المؤتمرات ليست بيد الناشطات اللواتي، لحسن حظّ بعضهنّ، يُقِمن أصلاً في أوروبا أو أميركا. من جهة أخرى، هل يوجَّه النقد ذاته للنشطاء الذكور؟ ثم هل كان من الأفضل لو لم تتمكّن الناشطات من السفر والمشاركة في المؤتمرات الدوليّة وهل كان من الأفضل لو بقي مكانهنّ فارغاً؟ ربما علينا التفكير بالسؤال الأخير بجدّية، خاصة مع طرح تكتيك "الكراسي الفارغة" من قِبل عدّة مبادرات نسويّة سوريّة كوسيلة لمقاومة الخطاب التهميشي للنساء ولرفض ذريعة عدم وجود نساء خبيرات في بعض المواضيع المطروحة... بالتالي يقدّم تكتيك "الكراسي الفارغة"، بنظر البعض، نوعاً من الردّ الرمزي على احتلال الرجال معظم مقاعد النقاش في المؤتمرات والندوات.

 

التنظيم في سياق لا حرب وحرب ومنفى

تقول مرسيل شحوار،1 ناشطة في مجال حقوق الإنسان ومدوِّنة من حلب تقيم في تركيا، إن "الاختلاف الجوهري بين حراكنا وحراك الأكبر منّا سنّاً، هو في أنهنّ كنّ أكثر تنظيماً". هذا التحليل واقعي إلى حدّ كبير إذ إنّ معظم الناشطات السابقات كنّ عضوات في أحزاب سياسية، أشهرها "حزب العمل الشيوعي". ساعدتهنّ التجربة الحزبية، على الأقل، في تنظيم نشاطهنّ كسياسيات وناشطات مدافعات عن حقوق النساء. في حين أنّ جيلي النسوي (مَن هنّ في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر) يُعدّ شابّاً، يقوم بمراكمة تجاربه في الحاضر، تماماً كما نظّم جيلي نشاطه وانخراطه في الشأن العام ضمن السياق السوري منذ ٢٠١١، في فضاء طرحه شكل المجتمع المدني السوري الشاب وفي سياقات إقليمية سياسية واقتصادية صعبة ومسيّسة جداً.

"في ظروف الحرب يصعب الحديث عن شكل تنظيمي، الفرق الذي تحدّثت عنه مرسيل لابدّ من وضعه في سياق أن تنظيم جيل النسويّات الأوّل كان في وقت لا حرب، لا تمويل. اليوم، باتت معظم المنصّات والمبادرات مرتبطة بوجود تمويل. ليس المقصود هنا سلبياً بالمطلق، وإنّما للإشارة إلى أن الجهود والمبادرات تقدَّم على شكل مشاريع محدّدة"، تقول ماريا العبدة مديرة مؤسسة "النساء الآن"، مشدّدة على تبعات ذلك في الحدّ من التجريب والإنتاج الحرّ والإغراق بمتطلّبات المشاريع الإداريّة.

في ظلّ الحرب، يصبح الانخراط في النشاط السياسي مرتبطاً بردود الفعل على الأحداث الطارئة وتلبية الاحتياجات الانسانيّة غالباً.

انخراط النسويّات ضمن مؤسسات المجتمع المدني لم يقتصر على تشكيل مؤسسات وتنظيمات نسائيّة والعمل فيها فحسب، وإنما تتداخل في عملهن اختصاصات متعدّدة تُعنى مثلاً بالعدالة الانتقالية والمحاسبة، حرية التعبير، الإعلام، التعليم، الصحّة، السياسة، إلخ. لكن ضريبة الانخراط المؤسساتي تضيّع فرصة المساهمة في إنتاج معرفيّ نسويّ، بسبب الإغراق بالمهمّات الإداريّة وهمّ إبقاء المؤسسات قيد العمل. ليس ذلك فحسب، بل إنّ التنظيم من خلال المؤسسات قد يطاله نوع من الترويض فيما يخصّ القضايا اللائقة من غير اللائقة. إذ نظراً لعمل المؤسسات خارج الحدود الوطنيّة، لا يطالها الترويض الحكومي، بل تدفع المنظومة الرأسماليّة بها إلى العمل بطريقة معيّنة للحصول على التمويل والاستمرار. أضعفت تلك الانشغالات فرص تشكيل حراك نسوي واضح المعالم وتنظيمه والتنظير له بسبب غياب الوقت وعدم توفّر طاقة أو مساحات للنقاش الجدّي.

 

مسألة الأجيال ونخبويّة الموجة السابقة

ليس الشتات وغياب التنظيم العائقين الوحيدين أمامنا، بل هناك مشادّات وتوتّرات معلنة وغير معلنة تكاد تكون لا متناهية، ومسألة الأجيال واحدة من أهمّها. إنّ أغلب الموجات التحرّرية في المنطقة ليست متّفقة زمنياً مع الموجات العالميّة بسبب الحملات الاستعماريّة حتى أربعينيّات وخمسينيّات القرن العشرين وما أرسته من أنظمة حاكمة في معظم الدول المستعمَرة. رُسّخ عندها، في أغلب الدول ومنها سوريا، نظام شمولي لعب على قضية الحقوق وخاصة حقوق النساء، لإعطاء الدولة بعض مظاهر المدنيّة. موجاتنا النسوية المحلّية، بالتّالي، لا تتطابق مع الموجات المتعارف عليها.

حين أخاطب النسويّات الأكبر سنّاً أرتبكُ عندما أريد الإشارة إلى الاختلاف في اتجاهاتنا النسويّة، وهو ما يزيد الابتعاد عن تسمية اختلافاتنا السياسيّة والعمريّة والاعتراف بالجهد والانجازات التي قدّمتها نسويّات كلّ جيل، خاصة جيلنا الحالي في فترة تاريخيّة وسياسيّة قاسية جدّاً.

تشكّل مسألة الأجيال مشكلة حقيقة بالنسبة لي لسببين اثنين: أوّلهما أنّها تمنع فتح نقاش حقيقي وعميق حول الحراك وتموّجاته الداخليّة العمريّة والاجتماعيّة والثقافيّة والجنسانيّة والجنسيّة، وثانيهما مسألة كون أولويّة القضايا التي تُطرح للنقاش والنضال مرتبطة بالعمر أيضاً. جيل "النسويّات العتيقات" هنّ نساء من طبقة اقتصاديّة متوسّطة، كان نشاطهنّ سياسيّاً بالدرجة الأولى في السبعينيّات والثمانينيّات. أصيلات مدن كبيرة أو من القاطنات فيها، علمانيّات أو من عائلات منفتحة دينيّاً، على أقلّ تقدير. كل ذلك مفهوم ومنطقيّ ضمن السياق السياسي التي كانت تعيشه سوريا في ظل حكم حزب "البعث"، بمعنى شكل النشاط المسموح به والأشخاص المسموح لهنّ بممارسته. كما يسجّل عند بعضهنّ نزعة، لا تزال قائمةً حتى اليوم، ترى أن العمل النسوي والدفاع عن حقوق النساء وحرّياتهن ينطلق من مبدأ مساعدة وتخليص الفقيرات والريفيّات من "جهلهنّ".

ستقف نخبويّة النشاط النسائي / النسوي في سوريا دائماً كلوحٍ زجاجيٍ قاسٍ، مرئي لكن يصعب اختراقه أو كسره، في كافّة مسارات عملنا النسوي. السبب في ذلك، تاريخ طويل وحافل بين "العتيقات" وخوض العديد منهنّ تجربة السجن ولاتفاقهنّ المعلن وغير المعلن حول أولويّة نضالهن المتمثّل بالانخراط في العمل السياسي التقليدي المباشر، ونضالهنّ الطويل لإنهاء العنف ضدّ النساء قانونيّاً واجتماعيّاً. كما ساهمت كلّ محاولاتهنّ لتغيير الوضع القائم عبر المجابهة مع السلطة، قبل ٢٠١١، في تمتين الروابط بينهن لدرجة يصعب اختراقها أو حتى انفتاحها على المنخرِطات الجدد.

يشكّل حصر النضال النسوي بالدفاع عن حقوق النساء مسألة اختلاف بين جيل الشابّات والجيل الأكبر سنّاً، إذ تؤمن ناشطات اليوم أن النضال يجب أن يكون ضد الجذر المسبّب وهو النظام الأبويّ الذي يتدخّل في تفاصيلنا اليوميّة، الشخصيّة والعامّة، منطلقات من مبدأ أن الشخصي هو عام وسياسي أيضاً ودائماً.

لايمكن أن أرى قضية الأجيال داخل الحراك إلّا من منظور الحرب ومن بعدها المنفى كحدثَين أساسيَين في تشكيل الروابط. شهد جيلي الثورة والحرب والمنفى وفي هذه السياقات الثلاثة، لا بدّ من بناء شبكات صغيرة مترابطة مبنيّة على الثقة. إذ إنّ اعتبار كلّ ما هو خارج تلك الشبكات مثير للريبة والشعور المرافق بالتهديد قد يفسّر قليلاً انغلاقنا وعدم القدرة على الترابط مع الجيل السابق بشكل حقيقي كما عدم السعي لتكرار تجربة الريبة والتخويف مع الجيل اللاحق.

 

المجلس الاستشاري النسائي كتجربة مفروضة

إن كان للسنوات الثمانية الأخيرة أن تُلَخَّص بحدثٍ كان كالجرح في خاصرة الحراك النسوي السوري داخليّاً، فهو تشكيل "المجلس الاستشاري النسائي" عام ٢٠١٦، وهو جسم مرافق للمفاوضات السياسيّة يقدّم دعماً استشارياً في الشؤون الجندريّة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة في سوريا. وفيما اعتبرت الأمم المتحدة2 والحكومات الأوروبيّة والأميركيّة التي دعمت إنشاء المجلس أنّه إنجاز غير مسبوق، أجد في ذلك التوصيف دهاءً لتبرير فشل الأمم المتحدة في ضمان وجود نساء على طاولة المفاوضات.

في أول مؤتمر صحفي للمجلس عقد في جنيف ٢٠١٦، طالبت العضوات الممثّلات للمجلس بـ"رفعٍ فوريٍّ للعقوبات الاقتصاديّة عن الشعب السوري التي تعيق وصول الغذاء والدواء والأجهزة الطبيّة"، الأمر الذي أثار غضب واعتراض عدد كبير من المجموعات النسائيّة إذ فُسّر المطلب كدعوة لتخفيف العقوبات عن نظام بشار الأسد، وهذا المطبّ الأوّل والقاتل الذي وقع فيه المجلس. طبعاً، كلّ حملات "نساء المجلس الاستشاري لا يمثّلنني" خاصة تلك التي تخصّصت بالتشهير بعضوات المجلس، ليست مقبولة إطلاقاً وغير مبرَّرة، كما محاولات بعض مطلقي حملات الذمّ والتشهير حشد الجماهير للتشكيك في نضال ووطنية العديد من عضوات المجلس. هكذا، دفعت العضوات منذ اليوم الأوّل لعملهنّ ثمناً كبيراً أثّر على سمعة المجلس منذ الإعلان عنه.

بتأسيس "المجلس الاستشاري النسائي" تمّ الاستيلاء على كدح المجموعات النسائيّة السوريّة حيث اختُصر نضالها بجسم شبه سياسي تقليدي وأصبح المجلس المرجع الأوّل والنهائي لأي قضية متعلّقة بالحراك النسوي السوري. يتمثّل اختلافي الرئيسي مع المجلس في طريقة تشكيله وفي الدور الذي رُسم له وأغراه بتحصيل شرعيّة بعد تأسيسه والعمل على إظهاره كـ"إنجاز". ففي الوقت الذي لم تنجح فيه منظمة الأمم المتحدة في إرغام الأطراف المفاوضة على مصالحات وهدن وتبادل أسرى... لم تستطع كذلك فرض نسبة تمثيل للنساء بالحد الأدنى المتعارف عليه ضمن مطالب الحركات النسوية في المنطقة وهو ٣٠٪3 على طاولة المفاوضات، فقامت بدلاً من ذلك بتشكيل مجلس على هامشها، تنحصر مهامه بتقديم استشارات لمكتب المبعوث الأممي الخاص.

وقعت عضوات المجلس، وهنّ مناضلات نسويات ومدافعات عن حقوق الإنسان والنساء لعقود، في فخّ التمثيل والتصديق. إذ قبلن بالتمثيل بدلاً من أن يكون خطابهنّ مبنيّاً على أنّ مسألة التمثيل مستحيلة في الوضع السوري الراهن، كما وقعن في فخ الدفاع عن المجلس ومحاولة إضفاء شرعية عليه لكونه حرص على أن يضمّ نساءً من خلفيات سياسيّة ودينيّة ومناطقيّة متنوّعة مع ادّعاء تمثيل النساء في الداخل والخارج، استناداً لانخراطهن في تكتّلات وتحالفات وشبكات ومنظمات نسائية متعدّدة. ولكن ذلك لم يفلح مع الجماهير العطشة لتفريغ غضبها، خصوصاً أنّ مسألة التمثيل لاتزال قضية شائكة لدى السوريين والسوريات بعد سنوات التغييب والشمولية والإقصاء في ظل حكم "البعث". إلّا أنّ المجلس، ومع الوقت، تجاوز هذه العثرة من خلال الإصرار على أنّ عضواته يمثّلن أنفسهنّ والتجمّعات التي يأتين منها وليس الحراك النسوي السوري ككلّ، على اعتبار أن هذا الحراك غير محدّد البنية ولا الشكل التنظيمي ولا الأولويّات بعد.

أمّا بالنسبة لفخّ التصديق، فهو الذي يضعني في موضع احتقان وغضب، لأن المجلس أُسّس بقرار دولي وقام على أنقاض مبادرة "نساء سوريات من أجل السلام والديمقراطية"، وآليات تأسيسه شابها الغموض وغياب الشفافية كما تروي عضوات من المبادرة. والأكثر كآبة في كلّ هذا، هو أنّ "الأمم المتحدة" تنظر لهذه التجربة على أنّها تجربة فريدة وهناك توجّه حتى لنسخها في ليبيا واليمن، في حين لا تتوفّر حتى الآن آليات عمل للمجلس المذكور. يبقى تقييم تجربة "المجلس الاستشاري النسائي" بـ "الناجحة" من منظور "الأمم المتحدة" فقط، إذ لم يتسنّ لنا نحن، محلّياً، نقد هذه التجربة وإعادة التفكير فيها قبل تصديرها.

المشكلة الحقيقية مع المجلس تكمن في أن المعلَن يختلف عن الواقع، إذ ما أُعلن في أوّل مؤتمر صحفي من جنيف عام ٢٠١٦ عن أن تشكيل "المجلس الاستشاري النسائي" جاء "استجابة لمطالبات النساء السوريّات من أجل أن يكون لهنّ دور فاعل في العملية السياسيّة ورسم ملامح سوريا المستقبل"، يناقض ما تقوله أغلب الناشطات عن أن تأسيس المجلس قام من دون دعوة مفتوحة بل وبشكل اقتصر على المعنيّات والجهات الدولية الداعمة حينها. وهذا الأمر لا يقتصر فقط على المجلس بل ينسحب على تجارب سوريّة معارضة كثيرة قامت بخلق تنظيمات جديدة تحمل بداخلها التنظيمات القديمة، أو تقوم على أنقاضها أو تلغيها.

نمطيّة تشكيل "المجلس الاستشاري النسائي" والدور الذي سُمح له بلعبه بتوجيهٍ من منظمة الأمم المتحدة تكمن أيضاً في قيامه بجمع عدد من النساء لكونهنّ نساء فقط، يقمن بتقديم الاستشارة للمبعوث الأممي ويتمّ تقديمهنّ كـ "داعيات للسلام" بغض النظر عن التجاذبات السياسية الموجودة وعن ميلهن للحياد وتجريدهن من خلفياتهن ومواقفهن وآرائهن السياسية، كما ورد في بيان اللوبي النسوي وقتها،4 وفي ما كتبته ريم تركماني إحدى عضوات المجلس، في منشور على صفحتها على "فيسبوك" عام ٢٠١٦ جاء فيه: "إنّ هذا المجلس ليس طرفاً مفاوضاً ولا يحمل أيّ صفة تمثيليّة وعمله تطوّعي ولا تتلقّى عضواته أي مقابل مادّي على عملهن فيه"، هذا بحدّ ذاته كافٍ لتفسير نظرة "الأمم المتحدة" ومن ورائها الحكومات "البيضاء" للدور الذي يمكن للنساء المحلّيات، في أوقات الصراع وما بعده، من لعبه في سوريا. إذ إن تنميط النساء، رغم كل الجهود التي تبذلها الناشطات على المستوى المحلّي، يُقابَل بجهود دولية لتعميقه تحت حجّة دعم المشاركة السياسية. تلك المشاركة التي تكون غالباً تحت سقف المتاح الذي تفرضه بقايا الديكتاتوريات وحمَلة السلاح في الاجتماعات التي تحمل مسمّيات كـ "مفاوضات سلام".

 

قضايا لم يتسنّ بعد الوقت للتفكير فيها

لو تسنّى لنا الوقت للتفكير بحراكنا بشكل أعمق، لوجدنا أننا، على الأقلّ، لسنا متّفقات بعد على ما إذا هو نسائيّ أو نسويّ مثلاً، باعتبار أنّ الحراك السوري يقتصر في جزء كبير منه على الدفاع عن حقوق النساء، خاصة في وقف العنف والعمل السياسي، في حين أن قضايا الجنسانيّة والجندر والكويريّة والذكورة والأنوثة والجنس لا تزال قضايا ثانويّة للنقاش والدفاع عنها علانيةً يتّسم بالخجل. رغم ذلك، توجد ضمن هذا الحراك حراكات أخرى صغيرة نسويّة ونسويّات أفراد يحملن تلك القضايا ويدافعن عنها علانيّة رغم محاولات تهميشها وتسخيفها.

أمّا الغياب التنظيمي للتواصل والتفاعل داخل الحراك على مستوى المؤسسات والمبادرات وحتى الأفراد، فيعود إلى لحالة الهرميّة السائدة للعمل العام وعدم الوصول إلى بناء هيكليّة تنظيميّة مستدامة، إضافة للبعد الجغرافي والاعتماد على التواصل عبر الانترنت، الذي غالباً ما يكون مرهقاً. يضعنا كلّ ذلك أمام شكّ الحراك في الداخل، الذي لا يتلقّى من حراك الخارج دعماً كافياً ويعتبر أنّ حراك الخارج لا يقوم بالواجب الأساسي وهو إيصال أصوات الداخل. المتعب في شكل التواصل هذا، عدا عن أنّه غير منتظم، قِصَر أمده إذ يقتصر على تنفيذ مشروع مشترك فقط.

ولا يمكن الحديث عن أيّ نشاط مدني من منفى أو في سياق صراع مسلّح من دون الانتباه لشكل وشروط وظروف دعمه مالياً. يدرك المتخصصون والناشطون على حدّ سواء مدى تناقضات التمويل الدولي وازدواجيته وتتراوح آراؤهم حوله بين مَن يرى فيه عاملاً مقوّضًا، ومَن يرى فيه محفزّاً لخلق فرص تعاونية أو وسيطة جديدة. مهما يكن، يبقى أن التمويل الدولي يأتي في أغلب الأحيان بهدف يُحدَّد مسبقاً من قبل المموّلين، وغالباً ما تغرق المشارِكات في أجندة محمّلة بتوقّعات كثيرة منهنّ، كمشاركة خبراتهن كشاهدات وقاصّات وليس كخبيرات في مجالهن.

تنقذنا المؤسسات النسويّة الدوليّة غير الحكوميّة قليلاً من ذلك، تسمح لنا عبر التمويلات التي نتلقّاها بهامش من الحرّية يتيح لنا فرصة النظر للمؤسسات ودعم المجهود المبذول على المستوى الداخلي في تقوية المؤسسات النسويّة وربطها بتجارب عابرة للحدود، ولكن أيضاً تقوم العديد من المؤسسات الدولية المهتمّة بدعم النساء بتنميطهن في مجالات عمل محددّة وإغراقهن بالعمل الإداري.

الإرهاق هو ميزة جامعة لنا كحراك. اختصار خبراتنا وآرائنا ومواقفنا بسرد قصصنا الشخصيّة أمام العشرات والمئات لنلفت النظر حول المصائب التي تحدث في سوريا، أرهقَنا جميعاً ودمّر الكثيرات منّا نفسياً. نفتح جراحنا على الهواء مباشرة وأمام الجمهور وعيوننا تُفتح واسعاً مقاومةً الانكسار ولحظة البكاء التي ينتظرها الجميع منّا، نحن "النساء الشرقيّات القادمات من منطقة حرب". لكننا لا نبكي، بل نبتلع رمقنا، ونقاوم تنميطنا واختراق مساحاتنا وحياتنا الشخصيّة ونصرّ على أن نقوم بما يجب علينا فعله.

أشعر بالإحباط كلّما فكّرت بما نحن منشغلات به كلّ يوم، أتذكّر غضبي لعدم وجود أرشفة وتراكم لتجربة الحراك النسوي السوري قبل ٢٠١١ وعدم انفتاح الحراك أمامي للانضمام مبكراً، وأجد أننا نرتكب مجدداً الأخطاء ذاتها من الإقصاء والشللية، وعدم خلق مساحات آمنة، إلى تحميل الأخريات مسؤولية احتراقهن مهنيّاً وانسحابهن من المجال العام، وشخصنة القضايا العامّة وتثقيلها بالخلافات الشخصيّة... ولكنني أعي أيضاً أنّنا منفيّات ومهجّرات قسريّاً ونازحات ولاجئات نتعارك وسياقات مناطقيّة ودوليّة جديدة ومتغيّرة وغير مرحِّبة غالباً. كلّما راجعتُ هذا المقال كلّما فكّرتُ بما نحن منشغلات اليوم أو كيف تمّ إشغالنا بتوتّرات وصراعات ومهام مؤسساتية قاتلة للإبداع والطاقة ومدمّرة لأيّ فعل تضامني.

 


         
ملحوظات: